كتاب اليمين والنذر والعهد
[ كتاب اليمين والنذر والعهد ] وفيه ثلاثة فصول:
[ الفصل الاول ] [ في الأيمان ]
[ المسألة الاولى: ] الايمان جمع يمين، ويطلق عليه
الحلف والقسم ايضا، واليمين مؤنثة سماعا، والحلف والقسم مذكران، واليمين تقع على عدة
وجوه: فمنها يمين اللغو، وهي ما يجرى على الالسنة من صورة القسم لمجرد الاعتياد من
غير أن يقصد المتكلم بها يمينا، فإذا سأله أحد مثلا: هل جاء ولدك من السفر؟، قال له
اي والله انه قدم ليلة أمس، أو قال: لا والله انه لم يجئ بعد، وإذا سأله: هل رأيت زيدا
في هذا اليوم؟ قال: اي والله لقد خرجت صباحا فصادفته، أو قال: لا والله اني لم أره.
ولا حكم لهذه اليمين ولا مؤاخذة على مخالفتها ولا كفارة، كما يقول (سبحانه): (لا يؤاخذكم
الله باللغو في ايمانكم) وقد فسرت في أحاديث أهل البيت (ع) بأنها قول لا والله، وبلى
والله ولا يعقد على شئ، بل ومنها كل يمين يقولها االقائل بلسانه بغير قصد ولا نية،
فلا تكون شيئا ولا تكون عليها مؤاخذة.
[ المسألة الثانية: ] ومنها يمين المناشدة، وهي يمين تقترن بالطلب من الغير
يبعثه المناشد بها أن يستجيب لطلبه ليفعل شيئا أو يترك فعله، فيقول له أقسم بالله عليك،
أو أنشدك الله أن تعطيني - مثلا - مائة دينار قرضا إلى مدة شهر، أو أن تزوجني ابنتك
فلانة، أو أن لا تطالبني بدينك إلى مدة شهرين.
ولا ريب في أن هذه اليمين لا تنعقد، لانها تتعلق بفعل الغير لا بفعل المناشد نفسه،
فلا تجب على ذلك الغير الاستجابة لطلبه، ولا كفارة عليه إذا خالف ولم يستجب له، ولا
اثم على القائل باحلافه الغير على اجابة طلبه وانجاح مقصده وهذا النوع من اليمين كثير
الورود والاستعمال في الادعية المأثورة وغير المأثورة، فهي توسل واستشفاع إلى الله
سبحانه أن يجيب دعوة الداعي بحرمة الشئ الذي أقسم به عليه، فيقول الداعي: الهي أسألك
بكتابك الكريم وبنبيك العظيم ان تستجيب لي دعوتي.
[ المسألة الثالثة: ] ومنها اليمين التي يوقعها الحالف لتأكيد خبره عن حدوث
شئ ماض، أو أمر حاضر، أو شئ يأتي في ما بعد، أو لتأكيد خبره بعدم حدوثه، فيقول: والله
ان زيدا قد قدم من سفره بالامس، أو انه وصل الآن، أو أنه يأتي غدا، أو يقول: والله
انه لم يأت، أو أنه لا يأتي. وأثر هذه اليمين هو اثم الحالف إذا كان كاذبا في خبره،
سواء كان اخباره عن أمر ماض أو أمر حاضر أو مستقبل، ولا كفارة عليه في مخالفة يمينه
للواقع، بل ولا كفارة عليه في المخالفة وان كان ما أخبر به مستحيل الوقوع، ولا اثر
له سوى الاثم كما في الصور المتقدمة، فيكون في جميع الصور مأثوما من حيث الكذب ومأثوما
من حيث اليمين على الكذب.
[ المسألة الرابعة: ] اليمين الكاذبة أو اليمين الفاجرة
محرمة شديدة التحريم، وهي - كما ذكرنا - أن يكذب الرجل ويحلف بالله على الكذب في جميع
الصور المتقدم ذكرها، وهي احدى كبائر المعاصي وسريعة العقوبة وقد ورد في الحديث عن
الرسول صلى الله عليه وآله: اياكم واليمين الفاجرة فانها تدع الديار من أهلها بلاقع
(يعني خالية مقفرة)، وعن أئمة الهدى (ع): ان اليمين الكاذبة وقطيعة الرحم ليذران الديار
بلاقع من أهلها وتثقلان الرحم، وان ثقل الرحم انقطاع النسل.
وهي اليمين الغموس، وفسرت اليمين الغموس ايضا في أحاديث المعصومين (ع) بأن يحلف الرجل
على حق امرئ مسلم على حبس ماله، وقال في بعضها: هي أن يحلف الرجل على مال امرئ مسلم
أو على حقه ظلما، ولا منافاة بين التفسيرين، فاليمين الغموس شاملة لكل منهما.
[ المسألة الخامسة: ] لا حرمة ولا اثم على الشخص في أن
يحلف بالله لتأكيد خبره إذا كان صادقا فيه سواء كان خبره عن الماضي أو عن الحاضر أو
عن الآتي، نعم يكره له ذلك، وقد تكرر النهي في النصوص عن ان يحلف الانسان بالله لا
صادقا ولا كاذبا، وفسر به قوله تعالى: ولا تجعلوا الله عرضة لايمانكم.
[ المسألة السادسة: ] يحرم الاستخفاف باليمين وان كان
الحالف صادقا في ما حلف عليه فالحرمة فيها من حيث الاستخفاف بها لا من حيث الصدق والكذب
في القول، والاستخفاف هو ان لا يبالى بيمينه في اي موضع أتى بها، فيأثم لانه استخف
بيمينه ويستحق العقوبة على ذلك.
[ المسألة السابعة: ] يحرم على الانسان أن يقول: الله
يعلم كذا ويعني أن الله يعلم صحة ما يقول، إذا كان كاذبا في اخباره، ففي الحديث عن
أبي عبد الله (ع): من قال: الله يعلم في مالا يعلم اهتز لذلك عرشه اعظاما له، وعنه
(ع): إذا قال العبد: علم الله وكان كاذبا، قال الله عز وجل: أما وجدت احدا تكذب عليه
غيري.
[ المسألة الثامنة: ] ومنها يمين العقد، وهي أن يحلف
الانسان يمينا ليعقد بها على نفسه التزاما بفعل شئ من الاشياء أو بتركه، فيقول والله
لاصومن غدا، أو لاتصدقن بخمسة دنانير، أو يقول: والله لا أدخن التتن مدة شهر أو لا
أدخن ما حييت، فإذا اجتمعت الشروط الاتي بيانها في المسائل المقبلة، انعقدت يمينه ووجب
عليه الوفاء بها وحرم عليه أن يخالف التزامه، وإذا حنث في يمينه فخالفها وجبت عليه
كفارة اليمين، وسيأتي ذكرها.
[ المسألة التاسعة: ] يشترط في انعقاد اليمين أن ينشئها
بالتلفظ بها، فلا تنعقد بالاشارة مع التمكن من النطق بها، ولا يبعد عدم انعقادها بالكتابة
مع القدرة على التكلم ايضا، ولا يشترط في انعقادها أن ينشئها باللغة العربية، فإذا
أنشأ الحالف يمينه بلغة أخرى ترادف صيغة اليمين في اللغة العربية صحت يمينه إذا كانت
بقية الشرائط مجتمعة ووجب عليه الوفاء بها ولزمته أحكامها، وخصوصا إذا كانت الترجمة
في متعلقات اليمين.
[ المسألة العاشرة: ] تكفي الاشارة المفهمة في انشاء
اليمين إذا كان الحالف ممن يتعذر عليه النطق بها كالاخرس وشبهه، وتكفيه الكتابة كذلك
إذا كتب صيغة اليمين بقصد انشاء الحلف بكتابته، فتنعقد يمينه بالاشارة والكتابة ويجب
عليه البر بها وتلزمه الكفارة بمخالفتها.
[ المسألة 11: ] تنعقد اليمين إذا حلف الانسان بالذات
المقدسة، فذكر الاسم العلم المختص به سبحانه، فقال: والله، أو عينه بذكر الاوصاف والافعال
التي تختص به ولا يشاركه فيها غيره، فقال مثلا: والذي بيده أزمة الامور، أو من بيده
مقادير الاشياء أو قال: والذي خلق الموت والحياة، أو ورب العالمين، أو ذكر بعض اسمائه
التي لا تطلق على غيره، فقال: والرحمن، أو والحي الذي لا يموت، أو الاول ليس قبله شئ
وامثال ذلك.
[ المسألة 12: ] تنعقد اليمين على الاقوى بذكر الاوصاف
والافعال التي تنصرف إليه سبحانه عند اطلاقها وان كانت في أصلها مشتركة بينه وبين غيره،
كالرب، والبارئ والخالق، والرازق والرحيم والقاهر، والمدرك، والمنتقم، بل وتنعقد اليمين
بالصفات المشتركة بينه وبين غيره إذا قصد بها الحلف بالله سبحانه، وان كانت مما لا
ينصرف اطلاقها إليه، كالموجود والقادر، والهادي والسميع والبصير، والطالب والغالب،
والحكيم والحليم، فالمدار في انعقاد اليمين على أن تكون الصفة المحلوف بها من صفاته
سبحانه، وأن يقصد الحالف بها القسم بالله سبحانه.
[ المسألة 13: ] تنعقد اليمين بكل ما يصدق عليه عرفا
أنه يقسم بالله لا بغيره، كما إذا قال الحالف: وحق الله أو وجلال الله، أو وعظمته،
أو وكبريائه، وتنعقد كذلك إذا قال: وقدرة الله أو وعلم الله إذا كان المراد أنه يقسم
بالله القادر العالم.
[ المسألة 14: ] تنعقد اليمين إذا أنشأ الحالف يمينه
بحروف القسم المعروفة، وهي الواو والباء والتاء فقال: والله، أو قال: بالله أو تالله
لاتصدقن بكذا، وتنعقد اليمين أيضا إذا قال: اقسمت بالله أو حلفت بالله أو أقسم أو أحلف
بالله، ومن الواضح أن الباء في هذه الامثلة للتعدية أو الاستعانة، لا للقسم، ولا تنعقد
اليمين بقول: أقسمت أو حلفت أو أقسم أو أحلف ولا يذكر المحلوف به، وتنعقد اليمين إذا
قال: أشهد بالله وقصد بذلك الحلف به تعالى.
[ المسألة 15: ] لا تنعقد اليمين بغير الله سبحانه، كما
إذا حلف بالنبي صلى الله عليه وآله، أو بالائمة (ع)، أو بالكعبة، أو بالقرآن، أو بالانبياء،
أو المرسلين، أو بكتب الله المنزلة، أو بالملائكة، فلا تجب على الحالف الكفارة إذا
حنث في يمينه بأحد المذكورات وأمثالها.
[ المسألة 16: ] يجوز على الاقوى للانسان أن يحلف بغير
الله من الامور المعظمة ليؤكد بها قوله إذا كان صادقا، فيحلف بالاسلام أو بالرسول أو
بأحد المذكورات في المسألة المتقدمة ليصدق بها قوله، وان لم تجب عليه الكفارة إذا حنث
في يمينه كما ذكرنا، ولا يجوز له أن يحلف بها كاذبا، فيأثم بذلك إذا كان المحلوف به
من الامور التي يجب تعظيمها في الاسلام، أو التي تحرم الاستهانة بها، ويكون آثما للكذب
وآثما للحلف بها على الكذب.
[ المسألة 17: ] لا تنعقد اليمين بالطلاق أو بالعتق أو
بالصدقة بما يملك إذا فعل أمرا معينا، أو إذا هو لم يفعله، فإذا قال: زوجتي طالق أو
قال: زوجاتي طوالق ان فعلت هذا الشئ، أو ان لم أفعله، لم يترتب على حلفه هذا أي أثر،
فلا تبين منه زوجته أو زوجاته إذا قال ذلك، أو حنث في يمينه، ولا تلزمه كفارة بالمخالفة،
ولا اثم عليه في هذا القول، ومثله ما إذا حلف بتحريم زوجته عليه أو بالمظاهرة منها
إذا هو فعل شيئا أو ترك فعله، فلا تنعقد يمينه ولا يكون لها أثره. وكذلك الحكم إذا
قال: عبدي حر أو عبيدي أحرار ان فعلت الشئ أو ان لم أفعله، أو قال: مالي المعين صدقة
أو جميع ما أملكه صدقة، أو هدي لبيت الله ان فعلت الشئ أو ان لم أفعله، فلا يكون لقوله
هذا أي أثر كما ذكرنا في الحلف بالطلاق.
[ المسألة 18: ] يحرم على الشخص أن يحلف بالبراءة من
الله، أو بالبراءة من رسوله صلى الله عليه وآله، أو من دين الاسلام، أو من الائمة الطاهرين
(ع)، فيقول في يمينه: برئت من الله ان أنا فعلت هذا الشئ أو ان أنا لم أفعله، أو يقول:
برئت من محمد صلى الله عليه وآله أو من دينه أو من الائمة المعصومين (ع) ان كان مني
ذلك، ويأثم الحالف بذلك، سواء كان صادقا في خبره الذي حلف عليه أم كاذبا، وسواء حنث
في يمينه أم لا، ففي الفقيه عن الرسول صلى الله عليه وآله: من برئ من الله صادقا كان
أو كاذبا فقد برئ من الله. وروى المشائخ الثلاثة عنه صلى الله عليه وآله انه سمع رجلا
يقول: أنا برئ من دين محمد صلى الله عليه وآله، فقال له: ويلك إذا برئت من دين محمد
فعلى دين من تكون؟ قال: فما كلمه رسول الله صلى الله عليه وآله حتى مات، وفي رواية
يونس بن ظبيان: يا يونس لا تحلف بالبراءة منا، فان من حلف بالبراءة منا صادقا كان أو
كاذبا، فقد برئ منا.
وكذلك الحكم إذا قال في يمينه: هو يهودي أو نصراني ان فعل كذا أو ان لم يفعله، فيأثم
في يمينه وليس له أثر غير ذلك، ولا ينعقد حلفه وان كان صادقا في ما حلف عليه، ولا تلزمه
الكفارة إذا حنث به.
[ المسألة 19: ] إذا حلف الانسان بالبراءة من الله أو
من رسوله أو من دينه أو من الائمة ثم حنث في يمينه، فلا يترك الاحتياط بأن يكفر عن
ذلك باطعام عشرة مساكين، لكل مسكين مد من الطعام ويستغفر الله سبحانه.
[ المسألة 20: ] إذا قال الرجل في يمينه: والله لاصومن
غدا أو لاتصدقن بمبلغ كذا ان شاء الله، وقصد بذلك تعليق يمينه على مشيئة الله سبحانه،
لم تنعقد يمينه، فلا يجب عليه الوفاء بها ولا تجب عليه كفارة إذا حنث بها، سواء كان
ما حلف عليه فعل واجب أو ترك حرام أو غيرهما من الافعال والتروك. وإذا قصد بقوله: (ان
شاء الله) مجرد التبرك بالكلمة ولم يرد تعليق اليمين على المشيئة صحت يمينه وانعقدت
إذا كانت شروط انعقاد اليمين مجتمعة ولزمته الكفارة إذا خالفها.
[ المسألة 21: ] إذا علق الحالف يمينه على مشيئة أحد
من الناس، فقال: والله لاصومن غدا أو لاتصدقن بكذا إذا شاء لي أخي زيد ذلك، كان انعقاد
يمينه منوطا بمشيئة أخيه، فإذا علم ان أخاه قد شاء له ذلك انعقدت يمينه ولزمه البر
بها ووجبت عليه الكفارة إذا خالفها، وإذا قال أخوه: لم أشأ ذلك أو قال: قد شئت ان لا
تفعل لم تنعقد يمينه. وكذلك إذا لم يعلم حال أخيه انه شاء له ذلك أو لم يشأ، فلا تنعقد
يمينه. ومثله في الحكم: ما إذا علق يمينه على وجود شئ آخر غير المشيئة، فقال: والله
لافعلن كذا ان رجع ولدي من سفره مثلا، كان انعقاد يمينه منوطا بحصول الامر الذي علق
اليمين عليه، فإذا رجع ولده من سفره في المثال انعقدت يمينه ولزمه الوفاء بها، وان
لم يرجع لم تنعقد ولم يجب الوفاء بها.
[ المسألة 22: ] يشترط في انعقاد اليمين: أن يكون الحالف
مكلفا، ولذلك فلابد من أن يكون بالغا فلا تنعقد يمينه إذا كان صغيرا وان كان مميزا
أو كان مراهقا، ولابد فيه من أن يكون عاقلا، فلا تنعقد يمينه إذا كان مجنونا مطبقا
أو كان جنونه ادوارا وقد اوقع الحلف في دور جنونه، وإذا كان جنونه ادوارا وأوقع حلفه
في دور افاقته انعقدت يمينه ولزم الوفاء بها إذا كان وقت الوفاء في دور الافاقة ايضا،
فإذا قال المجنون الادواري في دور افاقته: والله لاصومن غدا، فان كان في اليوم الذي
عينه للصوم مفيقا ايضا، وجب عليه صومه وإذا لم يصمه لزمته كفارة اليمين، وان انفق اليوم
المعين في دور جنونه سقط عنه وجوب صومه ولم تجب عليه الكفارة.
[ المسألة 23: ] يشترط في انعقاد اليمين: أن يكون الحالف
مختارا، فلا تنعقد يمينه إذا أوقع اليمين مكرها عليها أو مجبرا من أحد، وأن يكون قاصدا،
فلا تنعقد يمينه إذا أوقعها هازلا غير جاد في حلفه أو أوقعها سكران أو غاضبا غضبا يسلبه
القصد.
[ المسألة 24: ] تصح اليمين من الكافر كما تصح من المسلم
وتنعقد منه وتترتب عليها آثارها، فإذا كان منكرا في الدعوى واستحلف لانكاره قبلت يمينه
وحكم الحاكم الشرعي بموجبها، ولا فرق بين الدعوى وغيرها في صحة يمينه وانعقادها، ولا
فرق كذلك بين أصناف الكفار في الحكم المذكور.
[ المسألة 25: ] لا تنعقد يمين الولد إذا منعه أبوه عن
الحلف وكان منع أبيه سابقا على ايقاع يمينه، ولا تنعقد يمين الزوجة إذا منعها زوجها
عن الحلف، وكان منعه سابقا على يمينها كذلك، حتى إذا كان المحلوف عليه فعل واجب أو
ترك حرام، فلا تنعقد يمينهما مع سبق المنع، حتى في هذه الصورة، ولا يسقط عن الولد ولا
عن الزوجة فعل الواجب وترك الحرام بذلك وان لم تنعقد يمينهما. وإذا حلف الولد أو حلفت
الزوجة مع عدم سبق المنع، انعقدت يمينهما على الاقوى، وجاز للاب أن يحل يمين الولد،
وجاز للزوج أن يحل يمين الزوجة، ويرتفع بذلك أثر اليمين، فلا يجب على الولد ولا على
الزوجة الوفاء بيمينهما بعد حلها ولا تجب عليهما الكفارة بالمخالفة.
[ المسألة 26: ] يشكل الحكم بالحاق الام بالاب في الحكم
المتقدم ذكره في المسألة الخامسة والعشرين، نعم إذا كان الشئ مباحا متساوي الطرفين
ونهت الام ولدها عن اليمين على فعله أو على تركه قبل ان يحلف عليه، فالظاهر عدم انعقاد
يمين الولد إذا حلف بعد نهي أمه عنه، فانه يصبح مرجوحا، وكذلك إذا نهته عن الفعل أو
الترك بعد ان أقسم عليه، فينحل يمينه ايضا، فان متعلق يمينه يصبح مرجوحا بعد نهي الام
عنه، وسيأتي بيان هذا في المسألة الثلاثين وما بعدها.
[ المسألة 27: ] لا تنعقد يمين العبد المملوك الا باذن مالكه، وان لم يمنعه
المالك عن الحلف قبل ذلك فلا تصح يمينه إذا حلف بغير اذنه وان كان المحلوف عليه فعل
واجب أو ترك حرام، ويجب على المملوك فعل الواجب وترك الحرام وان لم يأذن له مولاه بذلك
ولم ينعقد يمينه عليهما.
[ المسألة 28: ] إذا حلف الانسان على فعل واجب أو على
ترك محرم، انعقدت يمينه بلا ريب، ووجب عليه امتثال الواجب من حيث الوفاء باليمين، ووجب
عليه امتثاله من حيث انه واجب في أصل الشرع، وإذا تركه استحق العقوبة على تركه من الناحيتين،
ولزمته الكفارة لحنثه باليمين، وكذلك الحكم في ترك المحرم. وإذا حلف على فعل شئ مستحب
أو على ترك شئ مكروه في الشريعة، انعقدت يمينه كذلك، ووجب عليه فعل المستحب وفاءا باليمين،
وإذا تركه أثم لمخالفة اليمين ولزمته الكفارة للحنث، وكذلك في ترك المكروه.
[ المسألة 29: ] إذا حلف الانسان على ترك واجب أو على فعل محرم لم تنعقد يمينه
بلا ريب، وكذلك إذا حلف على ترك مستحب أو على فعل امر مكروه في الشريعة، فلا تنعقد
يمينه، فانه حلف على أمر مرجوح في الاسلام.
[ المسألة 30: ] إذا حلف على فعل أمر مباح فعله في الاسلام،
بحيث لا رجحان لفعله على تركه ولا لتركه على فعله في حكم الشريعة، ولكن فعل ذلك الامر
المباح كان راجحا لبعض الغايات والمنافع الدنيوية التي تتطلبها مقاصد الانسان في هذه
الحياة، انعقدت يمينه على فعل ذلك المباح للرجحان الدنيوي المذكور، وكذلك إذا حلف على
ترك المباح وكان تركه راجحا لبعض الغايات والمرجحات الدنيوية التي يقصدها العقلاء كما
تقدم في نظيره، فتنعقد يمين الحالف على تركه للرجحان المذكور، ولا تنعقد اليمين إذا
تعلقت بالطرف المرجوح في كلا الفرضين.
[ المسألة 31: ] إذا حلف الانسان على فعل شئ مباح في
الاسلام لا رجحان في الشريعة لفعله ولا لتركه - كما ذكرناه في المسألة المتقدمة - أو
حلف على تركه، وكان فعل ذلك الشئ وتركه متساويين في الغايات والمنافع الدنيوية ايضا
فلا رجحان لفعله ولا لتركه، انعقدت يمينه على الاحوط، بل لا يخلو ذلك عن قوة، فيلزمه
العمل بها إذا حلف على الفعل أو على الترك وتلزمه الكفارة إذا خالف اليمين.
[ المسألة 32: ] إذا حلف الرجل على فعل شئ مباح في الشريعة
وكان راجحا بحسب المنافع والموازين العقلائية في الدنيا انعقد الحلف كما ذكرنا في المسألة
الثلاثين، فإذا تغيرت الوجوه المرجحة لفعل ذلك الشئ فأصبح مرجوحا بعد ذلك، انحلت يمين
الحالف فلا يجب عليه الوفاء بها ولا تجب عليه كفارة اليمين إذا خالفها، وإذا تغيرت
الوجوه مرة أخرى وعاد إلى الرجحان لم تعد اليمين بعد ان انحلت.
[ المسألة 33: ] يشترط في انعقاد اليمين: أن يكون الحالف
قادرا على الشئ المحلوف عليه، فإذا حلف على فعل الشئ في وقت معين وجب أن يكون مقدورا
عليه في ذلك الوقت ولا تنعقد اليمين بغير ذلك وإذا حلف على فعل الشئ من غير تعيين للوقت
وجب أن يكون مقدورا عليه في الجملة، ولا تنعقد اليمين إذا كان الشئ غير مقدور عليه
مطلقا.
[ المسألة 34: ] إذا حلف الرجل على فعل شئ، وكان الشئ
مقدورا عليه حين الحلف، ثم عجز الحالف عنه بعد اليمين انحلت اليمين إذا كان العجز مستمرا
إلى انقضاء الوقت المحلوف عليه، وإذا كان مستمرا أبدا في ما لم يكن له وقت معين.
[ المسألة 35: ] لا تنعقد اليمين إذا كان الفعل أو الترك
المحلوف عليه مما يوجب العسر أو الحرج على الحالف، وإذا كان الشئ ميسورا حين الحلف،
ثم لزم منه العسر أو الحرج بعد اليمين انحلت يمين الحالف إذا كان العسر والحرج مستمرا
في جميع الوقت، أو أبدا على حسب ما بيناه في اشتراط القدرة.
[ المسألة 36: ] إذا اجتمعت الشروط التي ذكرناها والتي
أشرنا إليها في المسائل المتقدمة لانعقاد اليمين، وحلف الحالف على الفعل أو على الترك،
انعقدت يمينه ووجب عليه البر باليمين ولم تجز له مخالفتها، وإذا خالفها وجبت عليه الكفارة
الآتي ذكرها.
[ المسألة 37: ] الحنث في اليمين هو مخالفتها عامدا،
فلا حنث ولا كفارة إذا خالف اليمين جاهلا بالموضوع أو ناسيا له، كما إذا حلف أن يصوم
يوما معينا، واعتقد مخطئا انه حلف أن يصوم يوما غير معين وبعد مضي الوقت المعين علم
أنه حلف على صومه، وكما إذا نسي صوم ذلك اليوم أو نسي يمينه حتى مضى الوقت وتذكر بعد
ذلك، فلا كفارة عليه. ولا حنث ولا كفارة إذا خالف يمينه مضطرا أو مكرها على المخالفة.
وأما إذا خالف اليمين جاهلا بالحكم أو ناسيا له فيشكل الحكم في الصورتين، ولابد فيهما
من مراعاة الاحتياط.
[ المسألة 38: ] إذا حلف الرجل أن يأتي بفعل معين - كصلاة
جعفر مثلا - كان معنى ذلك: ان يوجد طبيعة هذه الصلاة المخصوصة ولو مرة واحدة، فإذا
حلف على فعلها في وقت معين، فقال: والله لاصلين صلاة جعفر في يوم الجمعة، وجب عليه
أن يأتي بالصلاة المخصوصة في اليوم المعين، فإذا صلاها كذلك مرة واحدة فقد وفى بيمينه
ولم يجب عليه تكرارها وان وسع الوقت، وإذا تركها عامدا حتى انقضى يوم الجمعة حنث بيمينه
ولزمته الكفارة. وإذا قال: والله لاصلين صلاة جعفر في شهر رجب، وجب عليه أن يأتي بها
في الشهر المعين ولو مرة واحدة، فإذا صلاها كذلك فقد وفى بيمينه ولم يجب عليه التكرار،
وإذا تركها في جميع الشهر حتى انقضى حنث بيمينه ولزمته الكفارة، ولا يكفيه ان يصليها
في غير يوم الجمعة في المثال الاول، وفي غير شهر رجب في المثال الثاني. وإذا قال: والله
لاصلين صلاة جعفر، ولم يعين لها وقتا مخصوصا، وجب عليه ان يأتي بالصلاة مرة واحدة في
اي وقت شاء، وإذا صلاها كذلك فقد وفى بيمينه، ولم يجب عليه التكرار، ولا تجب عليه المبادرة
إلى الاتيان بها، بل يجوز له تأخيرها حتى يظن حصول العجز عن الوفاء، أو يظن عروض الموت
فتلزمه المبادرة حين ذلك، ولا يحصل الحنث في هذه الصورة حتى يترك الصلاة المحلوف عليها
أبدا فلا يأتي بها، فإذا تركها حتى عجز عن الوفاء، أو حتى عرض له أحد الموانع من الامتثال
وجبت عليه الكفارة.
[ المسألة 39: ] إذا حلف الرجل أن يترك فعل شئ معين -
كأكل الثوم والتدخين -، كان معنى ذلك أن يترك ايجاد طبيعة ذلك الفعل المحلوف على تركه،
فإذا قال: والله لا آكل الثوم في يوم الجمعة، وجب عليه ان يترك أكله في جميع ذلك اليوم،
فإذا تركه كذلك فقد وفى بيمينه، وإذا تركه في عامة اليوم وأكله في بعضه ولو مرة واحدة،
فقد حنث بيمينه، ولزمته الكفارة، وكذلك إذا قال: والله لا آكل الثوم في شهر رمضان،
وجب عليه ان يدع أكله في جميع الشهر، ولا يحصل البر باليمين الا بذلك، وإذا أكله في
اثناء الشهر ولو مرة واحدة حصل الحنث بذلك ولزمته الكفارة. وإذا قال: والله لا آكل
الثوم ولم يذكر وقتا معينا، وجب عليه ترك أكله أبدا مادام حيا، ولا يفي بيمينه الا
بذلك، وإذا أكله في عمره ولو مرة واحدة حصل منه الحنث ولزمته الكفارة.
[ المسألة 40: ] إذا حلف الرجل أن يأتي بالفعل المعين
على الوجه الذي ذكرناه في المسألة الثامنة والثلاثين كان وفاؤه باليمين أن يوجد ذلك
الفعل ولو مرة واحدة كما ذكرنا، وكان حنثه باليمين ان يترك ذلك الفعل فلا يوجده حتى
مرة واحدة، ونتيجة لذلك فلا يكون لليمين الا وفاء واحد، ولا يكون لها الا حنث واحد،
ولا تجب الا كفارة واحدة، سواء كان الفعل المحلوف عليه مقيدا بوقت معين ام كان مطلقا
ليس له وقت معلوم، فلا يحنث بترك الفعل في أول الوقت إذا أتى به في آخره أو في وسطه،
ولا يحنث بترك الفعل في أول حياته إذا أتى به في آخرها أو في وسطها، وهكذا. وإذا حلف
أن يترك الفعل المعين على الوجه الذي بيناه في المسألة التاسعة والثلاثين، كان وفاؤه
باليمين بأن يترك الفعل في جميع الوقت إذا كان الحلف مؤقتا، وفي جميع العمر إذا كان
غير مؤقت، فلا يوجده حتى مرة واحدة. وكان حنثه باليمين: أن يوجد الفعل ولو مرة واحدة،
ونتيجة لذلك: فلا يكون لليمين الا وفاء واحد، ولا يكون لها الا حنث واحد ولا تجب عليه
الا كفارة واحدة في جميع صور المسألة، فإذا أتى بالفعل أول مرة حصل الحنث باليمين ووجبت
الكفارة وسقطت اليمين بذلك، فإذا أتى بالفعل بعد ذلك مرة ثانية أو ثالثة أو أكثر لم
يكن حنثا ولم تجب الكفارة مرة أخرى لسقوط اليمين، وذلك واضح وانما نذكره للتنبيه.
[ المسألة 41: ] إذا حلف الانسان أن يصلي صلاة جعفر في
كل يوم جمعة مثلا أو أن يصوم في كل يوم خميس، أو أن يصلي النافلة اليومية في كل يوم
من شهر رجب، أو أن يصليها في كل يوم مادام حيا، كانت يمينه بمنزلة أيمان متعددة بعدد
الافعال والايام المحلوف عليها، ولكل واحدة من هذه الايمان وفاء وحنث خاص بها، فيجب
على ذلك الانسان أن يأتي بالفعل المحلوف عليه في كل يوم من الايام المعينة أو المطلقة
ويحرم عليه ترك الفعل فيه، ويكون اتيانه بالفعل في يوم وفاءا لليمين في ذلك اليوم،
ويكون ترك الفعل في يوم حنثا باليمين في ذلك اليوم. ونتيجة لذلك فيتعدد الوفاء بعدد
ما يأتي بالفعل فيه من الايام أو المرات، ويتعدد الحنث والمخالفة بعدد ما يترك الفعل
فيه من الايام أو المرات، وتتعدد الكفارة بعدد مرات الحنث والمخالفة. وإذا حلف أن يترك
أكل الثوم في كل يوم جمعة، أو يترك أكله في كل ليلة من ليالي شهر رمضان، أو يترك التدخين
في جميع أيام حياته مادام موجودا، كانت يمينه بمنزلة ايمان متعددة بعدد الايام والاوقات
التي حلف على ترك الفعل فيها، ويكون ترك الشئ المحلوف عليه في أي يوم أو وقت، وفاءا
باليمين المتعلقة بالترك في ذلك اليوم أو الوقت، ويكون الاتيان بالفعل في يوم أو وقت
منها حنثا باليمين في ذلك اليوم أو الوقت، وتتعدد الكفارة بعدد ما حنث فيه من المرات.
[ المسألة 42: ] إذا حنث الحالف بيمينه فخالف ما حلف
عليه عامدا تخير بين أن يعتق رقبة أو يطعم عشرة مساكين أو يكسوهم، فان لم يتمكن من
الاتيان بواحدة من هذه الخصال الثلاث وجب عليه أن يصوم ثلاثة أيام متتابعة، ولا فرق
في الحكم بين ان يكون الحالف ذكرا ام أنثى أم خنثى، وقد تقدم لزوم الاحتياط بالتكفير
مع المخالفة إذا كان جاهلا بالحكم أو ناسيا له، ذكرنا هذا في المسألة السابعة والثلاثين.
[ المسألة 43: ] يجب ان يكون المملوك الذي يعتق رقبته
في الكفارة مسلما، فلا يكفيه عتق الكافر، ولا يكفيه عتق الناصب والغالي والخارجي، والاحوط
أن يكون مؤمنا بالمعنى الاخص، وسيأتي ان شاء الله تعالى بيان بقية الشروط في الكفارة
وسائر أحكامها في كتاب الكفارات.
[ المسألة 44: ] لا تجب الكفارة على الحالف قبل أن يتحقق
منه الحنث والمخالفة بالفعل وان كان عازما على ذلك وجازما به، فلا يجزيه دفع الكفارة
قبل الحنث، وإذا دفعها كذلك ثم حنث بيمينه وجب عليه أن يعيدها، وإذا اعتقد أنه حنث
بيمينه فأتى بالكفارة، ثم تذكر أنه لم يحنث بعد لم تكفه الكفارة التي دفعها فإذا حنث
وجب عليه التكفير.
[ المسألة 45: ] إذا شك الحالف بعد انتهاء الوقت المعين:
انه أتى بالفعل المحلوف عليه في الوقت أم لم يأت به، بنى على الصحة ولم يجب عليه التكفير،
وإذا تذكر أنه لم يأت بالفعل في الوقت حتى خرج، فان كان عامدا وجبت عليه الكفارة، وان
كان ناسيا لم تجب عليه، وإذا طالت به المدة فنسي هل كان عامدا بتركه أم ناسيا لم يجب
عليه شئ.
[ المسألة 46: ] إذا كان الحلف غير موقت بوقت معين، ثم
شك الحالف في انه أتى بالفعل المحلوف عليه فوفى بيمينه أم لم يف بها، وجب عليه أن يأتي
بالفعل ويفي بيمينه، وإذا ترك الفعل ولم يأت به كان حانثا بيمينه، ووجبت عليه الكفارة.
[ المسألة 47: ] يحصل الحنث بالمخالفة عامدا، سواء كانت
بفعله أم بفعل غيره إذا كان مختارا في ذلك، فإذا حلف لبعض الجهات المرجحة ان لا يدخل
بلدا معينا، ثم ركب سفينة أو سيارة باختياره فحملته إلى البلد الذي حلف على عدم دخوله،
حصل الحنث بذلك ولزمته الكفارة.
[ المسألة 48: ] يجوز للانسان أن يحلف يمينا يدفع بها
مظلمة ظالم عن نفسه أو عن غيره من المؤمنين، سواء كان صادقا في يمينه أم كاذبا، إذا
توقف دفع المظلمة على الحلف، وهذا إذا لم تمكنه التورية أو لم يكن ملتفتا إليها أو
كان لا يحسنها. وإذا توقفت نجاة الانسان من الهلاك وشبهه في نفسه أو في عرضه أو نجاة
مؤمن آخر في نفسه أو في عرضه، على ان يحلف يمينا وجب عليه الحلف وان كان كاذبا مع عدم
امكان التورية كما ذكرنا.
[ المسألة 49: ] إذا كان الشخص ممن يلتفت إلى التورية
ويحسنها ويمكنه التخلص من المحذور بها، فالاحوط له لزوما أن يوري بلفظه ولا يرتكب الكذب
مع الامكان، إذا لم يكن ذلك هو الاقوى. والتورية هي: أن يأتي بلفظ له معنى ظاهر يحمل
عليه في العرف، وله معنى آخر بعيد لا يحمل اللفظ عليه من غير قرينة، فيقصد المعنى البعيد
من غير أن ينصب القرينة المفهمة.
[ المسألة 50: ] إذا حلف الانسان أن يفعل شيئا أو أن
لا يفعله، فمقتضى ظاهر القول أن يتولى الحالف بنفسه فعل الشئ أو ترك فعله، فإذا قال:
والله لاصومن أو لاصلين أو لاعطين زيدا عشرة دنانير، وجب عليه أن يتولى الصوم أو الصلاة
أو الاعطاء بنفسه، ولا تكفيه الاستنابة أو الاجارة أو التوكيل في الوفاء باليمين، وإذا
استناب في الفعل المحلوف عليه أو وكل غيره في الاتيان به ولم يقم به بنفسه كان حانثا
بيمينه ولزمته الكفارة وكذلك إذا قال: والله لا أفعل وجب عليه أن يترك الفعل بنفسه
ولا يكفيه ترك نائبه أو وكيله أو أجيره، الا إذا دلت القرائن العامة أو الخاصة على
أن المراد ما يعم فعل النائب والوكيل، كما إذا قال: والله لابيعن داري أو لازوجن ولدي
فيكفيه بيع الوكيل للدار، وتزويجه للولد، أو قال: والله لا أبيع الدار أو لا أقفها،
فيحنث إذا أمر وكيله ببيع الدار أو وقفها، الا إذا قصد في يمينه أن يفعل ذلك أو لا
يفعله بنحو المباشرة، فيتبع قصده.
[ المسألة 51: ] لا تنعقد يمين في معصية من معاصي الله
كبيرة أو صغيرة، كما إذا حلف الرجل على أن يحرم على نفسه شيئا أحله الله له، أو يحلل
لنفسه شيئا حرمه الله عليه، أو حلف على أن يقطع رحما أو ذا قرابة، أو أخا مؤمنا، فلا
يكلمه أو لا يدخل داره، أو لا يجيب دعوته، أو لا يؤاكله، أو لا يجتمع معه في بيت، وشبه
ذلك من معاصي الله ومحرماته، فلا تنعقد يمين الحالف، ولا حكم لها ولا كفارة على الحنث
فيها، بل هي من خطوات الشيطان فيجب تركها والتوبة منها وعدم العودة إليها، وقد تكرر
في النصوص وتكثر فيها قول الرسول صلى الله عليه وآله: لا يمين في قطيعة. وعن أبي عبد
الله (ع): لا تجوز يمين في تحليل حرام ولا تحريم حلال ولا قطيعة رحم. وعن سماعة بن
مهران قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن رجل جعل عليه أيمانا أن يمشي إلى الكعبة أو صدقة
أو عتقا أو نذرا أو هديا ان هو كلم أباه أو أمه أو أخاه، أو ذا رحم، أو قطع قرابة،
أو مأثم يقيم عليه، أو أمر لا يصلح له فعله، فقال (ع): كتاب الله قبل اليمين، ولا يمين
في معصية. وعن محمد بن مسلم: أن أمرأة من آل المختار حلفت على أختها أو ذات قرابة لها
وقالت: ادني يا فلانة فكلي معي، فقالت لا: فحلفت وجعلت عليها المشي إلى بيت الله الحرام
وعتق ما تملك، وان لا يظلها واياها سقف بيت أبدا ولا تأكل معها على خوان أبدا، فقالت
الاخرى مثل ذلك، فحمل عمر بن حنظلة إلى أبي جعفر (ع) مقالتهما، فقال (ع): أنا قاض في
ذا: قل لها: فلتأكل وليظلها واياها سقف بيت ولا تمشي ولا تعتق، ولتتق الله ربها ولا
تعد إلى ذلك، فان هذا من خطوات الشيطان.
[ الفصل الثاني ] [ في النذر ]
[ المسألة 52: ] قالوا: النذر هو أن يلتزم الانسان
لله سبحانه بفعل شئ أو بتركه على وجه يكون التزامه منشأ بالصيغة المعينة، وهي قوله:
لله علي أو ما بمعناها، لا بمجرد النية القلبية. والظاهر: أن النذر هو أن يملك الله
سبحانه على نفسه أن يفعل له ذلك الفعل أو يتركه على الوجه المذكور، والتمليك الذي ذكرناه
هو مفاد لام الملك في قول الناذر في صيغة النذر: لله علي أن أصوم أو أن أصلي أو أن
أتصدق، أو لله علي أن لا أفعل كذا، فالنذر تمليك الله الفعل أو الترك على نفسه، وليس
هو مطلق الالتزام له بذلك وان اشترطوا فيه أن يكون انشاؤه بالصيغة.
[ المسألة 53: ] قد استبان مما تقدم أنه لابد في النذر
من الصيغة المعينة الدالة على انشاء تمليك الله للفعل أو الترك المنذور، والظاهر أن
صيغة النذر لا تختص بكلمة لله علي، فيكفي الناذر أن يأتي بأي صفة أو اسم يدل على الذات
المقدسة ويكون مفاد الصيغة انشاء التمليك له سبحانه، فيقول مثلا: للرحمن الرحيم أو
للحي القيوم علي ان أفعل أو أن لا افعل.
[ المسألة 54: ] لا يكفي في الصيغة أن يقول الناذر: علي
أن أصوم غدا مثلا، أو أصلي صلاة جعفر أو صلاة النافلة فلا ينعقد نذره إذا قال ذلك،
وان قصد في قلبه معنى (لله) أو (للرحمن الرحيم) أو غير ذلك مما يدل على الذات المقدسة.
[ المسألة 55: ] يشكل الحكم بانعقاد النذر إذا أتى بما
يرادف كلمة (لله علي) أو ما بمعناها في لغة أخرى غير العربية، وان كان الناذر لا يحسن
العربية، ويشكل الحكم إذا قال: نذرت لله ان أصوم كذا، أو قال: لله علي نذر صوم، فيكون
المجعول لله سبحانه على نفسه هو نذر الصوم لا تمليك الصوم.
[ المسألة 56: ] يشترط في صحة النذر أن يكون الناذر بالغا،
فلا ينعقد نذر الصبي وان كان مميزا أو بلغ عشر سنين، أو كان مراهقا على الاقوى، ويشترط
فيه أن يكون عاقلا، فلا ينعقد نذر المجنون إذا كان جنونه مطبقا، أو كان جنونه أدوارا
وكان نذره في حال جنونه، وينعقد نذره إذا نذر في حال افاقته وكان الوفاء بالفعل المنذور
في دور افاقته ايضا، وإذا كان الفعل المنذور موقتا واتفق وقته في حال جنون الناذر سقط
عنه الوجوب، وقد سبق نظيره في اليمين.
[ المسألة 57: ] يشترط في الناذر أن يكون مختارا، فلا يصح نذره إذا كان مجبرا
من أحد أو مكرها على نذره، ويشترط أن يكون قاصدا، فلا ينعقد نذر الهازل والساهي ولا
السكران ولا الغضبان إذا كان غضبه شديدا يرتفع معه القصد.
[ المسألة 58: ] يشترط في صحة النذر أن يكون الناذر غير محجور في متعلق نذره،
فلا يصح نذر السفيه إذا نذر مالا أو فعلا يتعلق به سفهه، سواء كان المال المنذور عينا
أو في ذمته، ولا ينعقد نذر المفلس إذا تعلق النذر بأمواله المحجورة والتي تعلق بها
حق الغرماء.
[ المسألة 59: ] لا يصح نذر العبد المملوك الا باذن سيده،
سواء تعلق نذره بفعل من أفعاله أم بشئ من أمواله وسواء كان المالك قد منعه من النذر
قبل أن ينذر أم لا، وان كان المنذور فعل واجب أو ترك حرام، فلا ينعقد نذره في جميع
ذلك الا بالاذن، ويجب عليه فعل الواجب وترك المحرم وان لم يأذن له مولاه بهما ولم ينعقد
نذره فيهما، بل وان نهاه عنهما.
[ المسألة 60: ] يشترط في صحة نذر المرأة اذن زوجها،
فلا ينعقد نذرها بغير اذنه، وان تعلق النذر بمالها أو بفعلها، سواء سبقها الزوج فمنعها
من النذر قبل أن تنذر أم لا، وسواء كان النذر الذي تنذره مما يمنع الزوج عن الاستمتاع
بها كالصوم والحج والعمرة والاعتكاف أم لا.
[ المسألة 61: ] إذا أذن الزوج لزوجته فنذرت، صح نذرها
ووجب عليها الوفاء به ولم يجز للزوج الرجوع بالاذن أو حل النذر، وليس له أن يمنعها
عن الوفاء به وان كان مما يمنعه عن الاستمتاع بزوجته.
[ المسألة 62: ] لا يشترط في صحة نذر الولد اذن أبيه،
فإذا نذر بغير اذنه انعقد نذره ولم يجز للاب ان يحل نذره أو يمنعه من الوفاء به، وإذا
نهاه الاب عن ايقاع النذر قبل أن ينذر لم يجز للولد النذر، فإذا نذر بعد النهي لم ينعقد
ولم يجب عليه الوفاء به، وإذا نهاه عن النذر بعد أن نذر، ففي صحته اشكال، وكذلك الام
على الاحوط.
[ المسألة 63: ] لا يجوز النذر لغير الله سبحانه من رسول
أو نبي أو ولي أو ملك أو عبد صالح، ولا يجوز للكعبة والمشاهد والمساجد والمعابد وسائر
الامكنة المحترمة في الاسلام، وقد تقدم ان النذر هو تمليك لله سبحانه ينشئه الانسان
على نفسه بصيغة النذر كما هو المختار في معنى النذر، أو هو التزام له سبحانه يعقده
الانسان على نفسه بالصيغة المعينة كما هو القول المشهور. والنذر نحو من أنحاء العبادة،
ومن أجل ذلك فلابد فيه من القربة كما سنذكره ان شاء الله ونوضح المعنى المراد منه،
ولذلك كله فلا يجوز النذر لغير الله تعالى. والانبياء والاولياء والصلحاء والمعابد
والمشاهد والمساجد وسائر المخلوقات المكرمة انما هي وجوه من القربات التي يتقرب بتكريمها
إلى الله، فيصح للعبد أن ينذر شيئا لله ويملكه على نفسه، على أن يصرف المنذور في بعض
هذه الوجوه المقربة إليه تعالى على وجه الخصوص، فينذر النذر لله على أن يصرف في شؤون
الكعبة المكرمة أو شؤون النبي أو الولي أو المشهد أو المسجد. والفارق كبير وواضح جدا
بين أن ينذر الانسان لله وحده متقربا إليه ويعين في نذره صرف ما نذره لله في بعض هذه
الوجوه المقربة إلى الله فيصلي الركعات المنذورة لله أو يصوم الايام المنذورة له ويجعلها
هدية أو يجعل ثوابها للرسول أو للامام أو للولي الصالح أو الشهيد الكريم، ويصرف المال
المنذور لله في بعض شؤونهم أو في شؤون الامكنة المحترمة في الاسلام، وهذا هو ما يفعله
خاصة الشيعة وعامتهم حتى الجهلة منهم بالاحكام، وهذا ما يقصدونه في نذورهم حتى من يغلط
منهم في التعبير، وبين أن ينذرها للنبي أو الولي أو المعبد أو المشهد أنفسها، فلا ينعقد
النذر ولا يجوز لانه لغير الله، وهذا ما تصرح كتب علماء الشيعة بعدم جوازه.
[ المسألة 64: ] ما ينذره الشخص لله على نفسه قد يجعل
وجوبه عليه معلقا على حصول نعمة أو شئ يرغب في حصوله، فيقصد في صيغته أن يكون النذر
شكرا لله على ايتائه تلك النعمة، ومثال ذلك أن يقول: ان رزقني الله ولدا ذكرا، أو ان
وفقني لحج بيته الحرام في هذا العام: ان أصوم كذا يوما، أو أن أتصدق بكذا دينارا شكرا
له على تفضله. وقد يجعل وجوب الفعل أو الترك المنذور عليه معلقا على نجاته من أمر يخشى
حلوله عليه، فيقصد أن يكون النذر شكرا لله على دفعه تلك البلية عنه أو توسلا إليه بذلك
أن يكشف ذلك الضر عنه، ومثال ذلك ان يقول: ان كشف الله هذه الكربة أو شفاني من هذا
المرض أو أنجاني من هذه البلية فلله علي أن اعتمر في شهر رجب أو أن أزور الحسين في
عرفة. وقد يجد الانسان نفسه مدفوعا بدافع أو أكثر إلى ارتكاب أمر وهو لا يرغب في حصوله
منه، فيجعل على نفسه نذرا ان هو عمل ذلك العمل أو ركبه، ليكون ترتب هذا الجزاء زاجرا
له عن الوقوع فيه أو زاجرا له عن تركه، فيقول مثلا: ان شربت الدخان أو ان ارتكبت الغيبة،
فلله علي ان أتصدق بمائة دينار أو أن اصوم شهرا متتابعا، أو يقول: ان تركت صلاة الجماعة
أو ان تركت الصلاة في أول وقتها فلله علي ان أحج أو أن اعتمر أو أن أزور ماشيا، ويسمى
القسم الاول والقسم الثاني نذر شكر، ونذر بر، ويسمى القسم الثالث نذر زجر. وقد يجعل
الانسان وجوب الفعل أو الترك المنذور عليه مطلقا غير معلق على حصول شئ أو على عدم حصوله،
فيقول: لله علي أن أتصدق بعشرة دنانير، أو أن أصلي النافلة اليومية أو ان أصوم كل اربعاء
من رجب وكل خميس من شعبان، ويسمى هذا القسم الرابع نذر التبرع.
[ المسألة 65: ] يشترط في صحة نذر الشكر أن يكون الامر
الذي علق الناذر عليه وجوب الفعل على نفسه مما تصح مقابلته بالشكر، فإذا كان من فعل
الله سبحانه فلابد وأن يكون مما يصح سؤاله من الله وتمنى وقوعه منه، كما ذكرناه في
مثال ذلك، وكما إذا قال: ان أهلك الله عدوي الجائر، أو ان بسط الله الامن والدعة في
البلاد، أو ان شفى الله مريضي، أو أن عافى أخي المؤمن فلانا من بليته وأنجاه من كربته
فلله علي أن أصوم أو أتصدق بكذا، فينعقد نذره ويلزمه الوفاء به، ولا يجوز أن يعلق نذره
وشكره على حدوث أمر لا يصح طلبه من الله ولا يتمنى وقوعه منه، فيقول: ان أهلك الله
فلانا ويقصد بذلك مؤمنا صالحا، أو ان وقعت النكبة على أهل بلد مؤمنين أو على أسرة مسلمة،
أو ان نصر الله عدو المسلمين أو ان شفاه من مرضه فلله علي أن أصوم أو أن أتصدق، ويقصد
بذلك الشكر على ذلك، فلا يجوز له ذلك ولا ينعقد نذره. وإذا كان الامر الذي علق الناذر
عليه نذره وشكره من فعل نفسه، وجب أن يكون من الطاعات التي يشكر الله لتوفيقه اياه
لفعلها، أو من المعاصي أو المكروهات التي يشكر الله لاعانته على تركها وهجرها، فيقول
مثلا: ان حججت في هذا العام أو ان زرت قبر الرسول صلى الله عليه وآله، أو ان صمت شهر
رمضان، فلله علي أن أختم القرآن كذا مرة، شكرا لله على ذلك، أو يقول: ان تركت المعصية
المعينة أو المكروهات المعينة، فلله، علي أن أتقرب إليه باطعام عشرين مسكينا شكرا له
على عونه. ولا يصح أن يجعل نذره شكرا لله على ترك طاعة واجبة أو مستحبة أو على فعل
محرم كبير أو صغير أو على مكروه فلا ينعقد نذره إذا قصد ذلك. وإذا كان الامر الذي علق
عليه النذر من فعل ناس آخرين وجب أن يكون مما ينتفع به الناذر في دينه أو في دنياه
ولو على نحو العموم وأن يكون مما يصح أن يشكر الله عليه، فيقول مثلا: ان قدم ولدي من
السفر، أو ان صلح عمله وترك الموبقات، أو ان اقبل الناس على الطاعة وتركوا المعصية،
أو ان أصلح فلان أمر عياله وكان ذلك مما يهمه، فلله علي ان أتصدق بكذا شكر الله على
ذلك، فيصح نذره بذلك وينعقد، ولا يصح نذره وشكره إذا قال مثلا: ان واظب زيد على منكراته
واستمر على معصيته فلله علي أن أتقرب إلى الله بكذا فلا ينعقد نذره.
[ المسألة 66: ] لا يتصور أن يكون النذر نذر زجر الا
إذا كان الامر الذي علق عليه النذر أمرا اختياريا للناذر سواء كان فعلا أم تركا، فان
زجر الانسان نفسه عن شئ انما يصح إذا كان الانسان مختارا في فعل ذلك الشئ وتركه، ويشترط
في صحة هذا القسم من النذر أن يكون الفعل أو الترك الذي علق النذر عليه مما يصح المنع
عنه شرعا، فيقول مثلا: ان عملت الخطيئة المعينة، أو ان ارتكبت حراما، أو ان فعلت مكروها
في يوم الجمعة أو في شهر رمضان، فلله علي ان اعتق رقبة، بقصد زجر نفسه عن ارتكاب ذلك.
أو يقول: ان تركت الصلاة، أو ان تركت الصيام في شهر رمضان، أو تركت واجبا فلله علي
أن أحج أو أن اعتمر ماشيا، أو يقول: ان تركت النافلة اليومية، أو ان تركت صلاة جعفر
في يوم الجمعة فلله علي أن أتصدق بمائة دينار بقصد منع نفسه عن ترك هذه الطاعات، فيصح
نذره ويجب عليه الوفاء به. ولا يصح له ان يزجر نفسه عن فعل واجب أو مستحب أو عن ترك
محرم أو مكروه، فإذا نذر بهذا القصد لم ينعقد نذره، ولم يجب عليه الوفاء به .
[ المسألة 67: ] يصح نذر التبرع على الاحوط بل على الاقوى،
ونذر التبرع كما ذكرنا في المسألة الرابعة والستين هو النذر الذي يوجبه الانسان على
نفسه مطلقا غير معلق على حصول شئ، فيقول: لله علي أن أصلي النافلة اليومية في شهر رمضان
أو يقول: لله علي أن أصلي صلاة جعفر في كل جمعة، فيجب عليه الوفاء به إذا اجتمعت فيه
شروط الانعقاد.
[ المسألة 68: ] إذا كان النذر معلقا على حصول شئ وكان
الشئ الذي علق عليه النذر عملا اختياريا للناذر، أمكن أن يكون النذر نذر شكر، وان يكون
نذر زجر، والفارق بينهما هو قصد الناذر، فإذا قال القائل: ان صمت شهر رمضان في هذا
العام، فلله علي أن أتصدق بمائتي دينار، وقصد بذلك أن دفع الصدقة المنذورة شكر لله
على توفيقه للصيام في الشهر كان نذر شكر فينعقد ويلزم الوفاء به، وإذا قال ذلك، وقصد
به أن تكون الصدقة المذكورة غرامة تزجره عن الاتيان بالصوم كان نذر زجر فلا ينعقد ولا
يجب البر به وكذلك إذا قال: ان عملت محرما في يومي هذا أو في شهري هذا فلله علي أن
أدفع لاخي زيد مائة دينار، فان أراد بذلك زجر نفسه عن الوقوع في العمل المحرم في المدة
المعينة صح نذره وانعقد، وان قصد به الشكر لتهيئة أسباب العمل المحرم له حتى عمله كان
نذر شكر ولم ينعقد.
[ المسألة 69: ] يشترط في انعقاد النذر أن يكون الفعل
أو الترك المنذور مقدورا للناذر، فلا ينعقد النذر إذا كان متعلقه غير مقدور له، من
غير فرق بين أن يكون نذر شكر أو نذر زجر أو يكون مطلقا غير معلق على حصول شئ، والمدار
أن يكون المتعلق مقدورا له حين الوفاء به لا حين انشاء صيغة النذر، فإذا نذر أن يتصدق
بمن من العنب إذا نمت مزرعته فانتجت عنبا في وقت حاصلها صح نذره وانعقد وان كان غير
قادر على دفع الصدقة المنذورة حين النذر لعدم وجود العنب في ذلك الحين.
[ المسألة 70: ] إذا نذر المكلف نذرا وعين له وقتا، وكان
قادرا على فعل الشئ حين النذر ثم عجز عنه عند حضور وقت الوفاء به انحل نذره وسقط عنه
الوجوب ولم تجب عليه الكفارة، ومثال ذلك ان يقول: لله علي أن أتصدق بمائة دينار في
أول شهر رمضان وهو قادر على ذلك في حال النذر، ثم أعسر في هلال الشهر ولم يتمكن من
دفع الصدقة في وقتها، فينحل النذر لعدم القدرة ويسقط عن الناذر وجوب التصدق. وكذلك
الحكم إذا نذر نذرا مطلقا لم يعين له وقتا ثم عجز عن ادائه عجزا مطلقا فينحل نذره ويسقط
وجوب الوفاء به. ويستثنى من ذلك ما إذا نذر صوما وعجز عنه، فالاحوط لزوما ان يتصدق
عن كل يوم من الايام المنذور صومها بمد من الحنطة، وفي بعض النصوص أن يعطي من يصوم
عنه كل يوم مدين.
[ المسألة 71: ] انما ينحل النذر ويسقط وجوب الفعل المنذور
عن الناذر إذا عجز عن الفعل واستمر به العجز، فإذا عجز عنه أولا ثم تجددت له القدرة
على فعله وجب عليه الوفاء به إذا كان الوقت باقيا أو كان النذر مطلقا.
[ المسألة 72: ] يشترط في الشئ المنذور فعله أو تركه
أن يكون طاعة يتقرب بها الى الله سبحانه من الواجبات أو المندوبات، كالصلاة والصيام
والحج والاعتمار والاعتكاف والزيارة والصدقة والعتق، أو من الامور المحبوبة له سبحانه،
والتي أمر بها أو حثت الشريعة على فعلها كعيادة المرضى وصلة الارحام والبر بالاخوان
وزيارتهم واعانة المحتاجين وتجهيز الموتى وتشييع الجنائز وترك المحرمات والمكروهات.
[ المسألة 73: ] ينعقد نذر الفعل المباح إذا طرأ عليه
عنوان أوجب رجحانه شرعا كأكل الفاكهة إذا أوجب أكلها سرعة شفاء المريض من مرضه أو تقدم
صحته في أدوار نقاهته أو قوته في أدوار ضعفه، وكتناول الطعام المباح حين تكون فيه اجابة
لدعوة مؤمن أو صلة لرحم أو بر بأبوين، أو قصد به الآكل أن يتقوى به على طاعة. وينعقد
نذر تركه حين يكون تركه راجحا على فعله كما إذا كان أكل الشئ المباح سببا للضرر أو
كان مظنة لذلك، وكما إذا نهاه أحد الابوين عن الشئ المباح لبعض الدواعي التي تبعثه
على الشفقة فقال له: لا تدخل دار فلان أو لا تأكل طعامه. فيحرم عليه فعل ما نهاه عنه،
فإذا نذر تركه انعقد النذر ووجب عليه الترك من كلتا الناحيتين. ولا ينعقد نذر فعله
إذا كان الفعل مرجوحا لبعض الجهات المذكورة أو غيرها، ولا ينعقد نذر تركه إذا كان الترك
مرجوحا كذلك، ولا ينعقد نذر فعله ولا تركه إذا كانا متساويين، فلا رجحان لفعله ولا
لتركه.
[ المسألة 74: ] إذا نذر المكلف صلاة أو صياما أو صدقة
وحدد لها في نذره وقتا معينا وجب عليه أن يأتي بالفعل المنذور في الوقت المعين، ولم
يجزه أن يأتي بالفعل في غير ذلك الوقت. فإذا قال: لله علي أن أصلي ركعتين قبل طلوع
الشمس من يوم الخميس، أو قال: لله علي أن أصوم يوم الخميس لم يكفه في الوفاء بنذره
أن يصلي الركعتين في غير الوقت المحدد من يوم الخميس، أو يصوم غير الخميس من الايام،
وإذا لم يأت بالصلاة والصوم في الوقت الذي عينه عامدا حنث في نذره ووجبت عليه الكفارة،
وان أتى بالفعل في وقت آخر قبل الوقت المعين أو بعده.
[ المسألة 75: ] إذا نذر المكلف أن يصلي ركعتين أو أكثر،
أو أن يصلي صلاة جعفر في مكان ترجح الصلاة فيه على غيره، انعقد نذره ووجب عليه أن يأتي
بالصلاة المنذورة في المكان الذي عينه، ولم يكفه أن يصليها في غير ذلك المكان وان كان
مساويا له في الرجحان أو أفضل. فإذا نذر الصلاة في مسجد سوق أو في مسجد قبيلة مثلا
وجب عليه أن يأتي بالصلاة المنذورة فيه، وإذا تركها عامدا ولم يصلها فيه حنث في نذره
ولزمته الكفارة، وان صلاها في مسجد جامع أو في أحد المساجد المعظمة أو أحد المشاهد
المشرفة.
[ المسألة 76: ] إذا نذر الرجل الصلاة في موضع ليس فيه
أي رجحان على غيره من الامكنة كالصلاة في البلد، أو في المأتم أو في المجلس أو في بيت
فلان، اشكل الحكم بانعقاد نذره، والاحوط انعقاد نذره، إذا تعلق بمجموع القيد والمقيد،
فكان المنذور هي الصلاة في المكان المعين، فيلزم الوفاء به على الاحوط في هذه الصورة.
[ المسألة 77: ] إذا نذر الانسان أن يوقع صلاته المفروضة أو صيامه الواجب في
بلده أو في مجلسه أو في بيته مثلا، فلم ينذر الصلاة ولا الصيام ولكنه نذر ان يكون اتيانه
بهما في الموضع الخاص الذي لا رجحان فيه ولا مرجوحية، فالظاهر عدم انعقاد النذر وعدم
وجوب الوفاء به، وكذلك الحكم إذا نذر أن يوقع نوافله المندوبة من الصلاة والصيام في
ذلك الموضع الذي لا رجحان فيه فلا ينعقد نذره. وإذا طرأ للموضع ما يوجب رجحانه ككونه
أبعد عن الشك أو أقرب لحصول الاطمئنان أو أضمن لتحصيل التوجه والاخلاص في العبادة انعقد
النذر ولزم الوفاء به.
[ المسألة 78: ] إذا نذر المكلف أن يصوم ولم يعين عددا،
أجزأه في الوفاء بنذره أن يصوم يوما واحدا من الايام التي يصح صومها، ولم يجز أن يأتي
ببعض الافراد التي حرمها الاسلام كصوم الصمت وصوم الوصال وصوم بعض اليوم، والصوم عن
بعض المفطرات دون بعض.
وإذا نذر أن يصلي ولم يعين عددا من الركعات ولا كيفية معينة، كفاه أن يصلي ركعتين على
الكيفية الثابتة في الشريعة، بل ويكفيه أن يأتي بمفردة الوتر، ولا يكفيه أن يصلي ركعة
واحدة بغير كيفية صلاة الوتر، ولا يكفيه ولا يصح له أن يأتي بصلاة على كيفية غير ثابتة
في الشرع كصلاة بغير تكبيرة احرام أو بغير ركوع أو بسجدة واحدة أو بغير سجود. وإذا
نذر صدقة مطلقة أجزأه أن يدفع للفقير أدنى ما يقال له صدقة في نظر أهل العرف. وإذا
نذر قربة أو عبادة كفاه أن يصوم يوما أو يصلي أو يتصدق على بعض الوجوه الصحيحة التي
تقدم ذكرها أو يأتي بأي قربة أو عبادة صحيحة أخرى.
[ المسألة 79: ] إذا نذر أن يصلي عشر ركعات أو عشرين
ركعة أو أكثر وجب أن يفرد كل ركعتين منها بتسليم، على النحو الثابت في صلوات النوافل
الا أن ينذر كيفية شرعية خاصة كما إذا نذر صلاة الاعرابي، وقد ذكرنا هذا في فصل أعداد
الصلاة من الجزء الثاني من الرسالة.
[ المسألة 80: ] إذا نذر أن يصوم خمسة أيام أو عشرة أيام
أو أكثر متتابعة وجب أن يأتي بها متتابعة كما عين، فلا يجزية أن يصومها متفرقة أو يفرق
بعضها، وإذا نذر أن يصومها متفرقة وجب أن يصومها متفرقة كما عين كذلك وإذا نذر أن يصوم
الايام ولم يشترط ان يكون صومها متتابعا أو متفرقا تخير في الوفاء بين الامرين. وكذلك
الحكم إذا نذر أن يصوم سنة مطلقة ولم يشترط التتابع أو التفريق، فيكفيه أن يصوم اثني
عشر شهرا متتابعة أو متفرقة الشهور أو الايام، ولا يدخل فيها شهر رمضان إذا كان المراد
أن يصوم سنة تامة فلابد من أن يصوم اثني عشر شهرا غيره وغير العيدين وأيام التشريق
إذا كان بمنى.
[ المسألة 81: ] إذا نذر أن يصوم شهرا هلاليا، وجب عليه
أن يصوم ما بين الهلالين وأن يأتي بالصوم متتابعا حتى يهل الهلال الثاني، ويكفيه صوم
ما بين الهلالين وان كان ناقصا وكذلك إذا نذر ان يصوم شهرا معينا من الاشهر القمرية
المعروفة كشهر رجب أو شهر شعبان مثلا. وإذا نذر أن يصوم شهرا مطلقا ولم يقيده بالهلالي،
لم يجب عليه أن يتابع في صومه، وإذا ابتدأ بصوم الشهر المنذور من الهلال كفاه ان يتم
صومه إلى الهلال الثاني وان كان ناقصا في العدد، وإذا شرع في صومه في اثناء الشهر وجب
عليه أن يكمله ثلاثين يوما على الاقوى، وكذلك إذا فرق الايام ولم يتابع صومه فلابد
من ان يكمله ثلاثين يوما وان شرع في صومه من الهلال.
[ المسألة 82: ] إذا نذر الرجل ان يصوم سنة متتابعة من
السنين المتعارفة في الدوران لم يدخل فيها صوم العيدين، فيجب عليه الافطار فيهما، ولا
يضر افطاره فيهما بالتتابع المنذور ويجب عليه قضاؤهما على الاحوط. وإذا عرض له في اثناء
السنة مرض أو طرأ للمرأة حيض أو نفاس، وجب الافطار ولم يضر افطاره بالتتابع، ويجب عليه
قضاء ما أفطره على الاقوى، وكذلك إذا اضطر إلى السفر في اثناء السنة وكان اضطراره بنحو
القهر الذي يخرج به عن كونه مختارا، فيجب عليه الافطار والقضاء ولم يضر افطاره في هذا
السفر بتتابع النذر، ومثال هذا الاضطرار ان يسافر به ظالم متغلب فيقطع به المسافة مقسورا
على أمره ويجب عليه الافطار لذلك. وإذا لم يبلغ اضطراره إلى السفر هذه المرتبة اشكل
الحكم بأن افطاره فيه لا يقطع التتابع. وإذا سافر في اثناء سنته مختارا وأفطر انقطع
تتابع صومه بلا ريب، بل يشكل الحكم بجواز السفر له إذا كان موجبا للافطار وقطع التتابع.
[ المسألة 83: ] إذا نذر الرجل ان يصوم سنة متتابعة كما
هو الفرض المتقدم دخل شهر رمضان في نذره، فيكون صومه واجبا بالاصل وواجبا بالنذر فلا
ينقطع به التتابع، فإذا أفطر فيه عامدا لزمته كفارة الحنث بالنذر وكفارة الافطار في
شهر رمضان وانقطع بذلك تتابع صوم النذر، وإذا نذر صوم سنة متتابعة غير شهر رمضان لم
ينقطع تتابعه بصيام شهر رمضان في الاثناء.
[ المسألة 84: ] إذا نذر الرجل أن يصوم سنة معينة فقال:
لله علي ان أصوم هذه السنة مثلا، أو قال: لله علي ان أصوم سنة ألف وأربعمائة وعشر من
الهجرة، انعقد نذره ووجب عليه صوم السنة المعينة كلها، ولم يدخل فيها صوم يومي العيدين
منها، فلا يجوز له صومهما، والاحوط قضاؤهما، ولا يدخل فيها صوم أيام التشريق الثلاثة
إذا كان بمنى سواء كان ناسكا أم غير ناسك، فلا يجوز له صومها، والاحوط له قضاؤها بعد
السنة، وايام التشريق هي الايام الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر من شهر ذي الحجة،
ويجب عليه صومها إذا كان بغير منى. ويدخل في نذره شهر رمضان فيكون صومه واجبا من الناحيتين
فإذا افطر فيه لزمته كفارة الافطار وكفارة خلف النذر. وإذا افطر من السنة المنذورة
اياما عامدا غير الايام التي تقدم ذكرها ولم يكن قد اشترط التتابع في صومه بنى على
الصوم وأتم السنة ثم قضى الايام التي أفطرها ووجبت عليه الكفارة بعدد الايام. وإذا
كان قد اشترط التتابع في صوم السنة المعينة بطل التتابع واشكل الحكم، والاحوط أن يتابع
في صوم ما بقي من ايام السنة إلى ان تتم، ويصل بها قضاء الايام التي أفطرها وقضاء ما
بطل تتابعه من الايام التي صامها قبل ذلك وأبطل تتابعها بافطاره، ويأتي بالجميع متتابعا،
وعليه الكفارة لا خلاله بالتتابع.
[ المسألة 85: ] إذا نذر المكلف صوم يوم معين من الشهر
أو من الاسبوع، وأفطر ذلك اليوم وجب عليه قضاء صومه وإذا كان عامدا من غير عذر وجبت
عليه الكفارة.
[ المسألة 86: ] إذا نذر المكلف صوم يوم معين لم يحرم
عليه السفر فيه وان كان السفر غير ضروري له، فإذا سافر فيه أفطر ووجب عليه قضاء صومه
ولم تجب عليه الكفارة.
[ المسألة 87: ] إذا نذر المكلف ان يصوم كل يوم خميس
في سنته أو مادام حيا، واتفق يوم الخميس مع أحد العيدين وجب عليه افطار ذلك اليوم ولزمه
قضاؤه على الاحوط، وإذا مرض الناذر في يوم الخميس أو سافر، أو حاضت المرأة أو تنفست
فيه لزم الافطار كذلك، ووجب عليه قضاء اليوم على الاقوى ولا كفارة عليه في الجميع.
[ المسألة 88: ] إذا نذر الانسان أن يصوم كل يوم خميس،
ثم وجب عليه أن يصوم صوما يجب فيه التتابع كما إذا نذر صوما متتابعا عشرة أيام أو شهرا
أو شهرين، أو وجبت عليه كفارة فيها صوم متتابع، فإذا أراد أن يأتي بالصوم المتتابع
وجب عليه أن يصوم كل خميس من تلك الايام وفاءا بنذره السابق المتعلق به، ولا يكون ذلك
مخلا بتتابع صومه الذي وجب عليه للكفارة أو للنذر اللاحق.
[ المسألة 89: ] إذا نذر الانسان صوما واشترط في صيغة
النذر أن يأتي بالصوم في السفر والحضر، صح نذره وشرطه، فيصح منه الصوم وان كان مسافرا،
ويتعين عليه إذا كان مؤقتا واتفق سفره في الوقت فيجب عليه الصوم ويجزيه، سواء كان الصوم
المنذور متتابعا أم لا.
[ المسألة 90: ] إذا نذر الانسان أن يزور الرسول صلى
الله عليه وآله أو يزور أحد الائمة المعصومين (ع) انعقد نذره ووجب عليه البر به، ويكفي
في الوفاء بنذره مع الاطلاق أن يحضر عند المزور ويسلم عليه، ولا يجب عليه أن يأتي بشئ
من الآداب والمستحبات المأثورة في الزيارة كالغسل والصلاة وغيرهما، وإذا ذكر ذلك في
صيغة النذر أو ذكر شيئا منه لزمه الاتيان به. وإذا نذر أن يزور اماما معينا، تعينت
عليه زيارة ذلك الامام ولم تجزه عنها زيارة غيره من الائمة (ع) فإذا ترك زيارته عامدا
مع القدرة حنث في نذره ووجبت عليه كفارة النذر، وإذا نذر زيارته في وقت معين، وجبت
عليه زيارته في ذلك الوقت، فإذا تركها عامدا مع القدرة حنث في نذره ووجبت عليه الكفارة،
ولم يجزه أن يزور ذلك الامام في وقت آخر، ويشكل الحكم بوجوب القضاء وان كان أحوط.
[ المسألة 91: ] إذا نذر الانسان أن يزور اماما معينا
ثم عجز عن زيارته انحل نذره وسقط عنه الوجوب، ولم تجب عليه الكفارة، ولم تجب عليه زيارة
امام آخر بدلا عنه.
[ المسألة 92: ] إذا نذر الرجل أن يحج ماشيا وكان قادرا
على ذلك وآمنا من الضرر بفعله، انعقد نذره ووجب عليه، فإذا تركه، أو حج راكبا أو مشى
في بعض الطريق وركب في بعضه، وكان وقت الحج المنذور معينا وفات الوقت بذلك، حنث بنذره
ووجبت عليه الكفارة، بل ولا يترك الاحتياط بالقضاء، فيحج ماشيا بعد الوقت وكذلك إذا
كان النذر مطلقا لم يعين له وقت، وترك المشي في ذلك العام مع قدرته عليه ثم عجز عن
المشي في بقية السنين، فيحنث بنذره وتلزمه الكفارة، وإذا كان النذر مطلقا وهو قادر
على المشي في بقية السنين وجب عليه أن يفي بنذره فيحج ماشيا. وكذلك الحكم إذا نذر أن
يزور الرسول صلى الله عليه وآله ماشيا، أو نذر أن يزور أحد الائمة (ع) ماشيا، فينعقد
نذره ويلزمه الوفاء مع القدرة والامن من الضرر، ويجري فيه التفصيل المذكور في الحج.
[ المسألة 93: ] إذا نذر المكلف الحج أو الزيارة ماشيا
وهو قادر على ذلك، ثم عجز عن الاتيان بما نذره عجزا تاما انحل نذره وسقط عنه الوجوب،
وإذا عجز عن المشي في بعض الطريق دون بعض، وكان نذره مؤقتا، مشى من الطريق ما يستطيع
مشيه وركب في الباقي على الاحوط، إذا لم يكن ذلك هو الاقوى، وكذلك الحكم إذا كان نذره
مطلقا غير مؤقت بسنة معينة وكان عجزه بعد الشروع في الذهاب فيمشي من الطريق ما أمكنه
ويركب في الباقي. وإذا كان نذره مطلقا وكان عجزه قبل الشروع في الذهاب صنع كذلك على
الاحوط ثم اعاد الحج ماشيا إذا تمكن منه بعد ذلك في السنين الآتية. وإذا كان نذره مطلقا
فعجز كذلك ولم يحج في تلك السنة ثم تجددت له القدرة على المشي في السنين الاخرى وجب
عليه الوفاء بنذره.
[ المسألة 94: ] إذا نذر أن يتصدق بشئ معين خارجي، وجب
عليه أن يتصدق بعين ذلك الشئ الذي تعلق به النذر إذا كان موجودا، ومثال ذلك أن يقول:
لله علي ان أتصدق بهذه الوزنة المعينة من الحنطة أو بهذا الثوب المعين أو بهذه القطعة
المعلومة من الفراش، فيلزمه أن يدفع للمستحق نفس العين المنذورة ولا يجزيه أن يدفع
وزنة أخرى من الحنطة بدلا عنها أو يتصدق بقيمة الثوب أو الفراش المعين من الدراهم أو
الدنانير. وإذا تلفت العين التي نذر التصدق بها ولم يكن الناذر هو المتلف لها انحل
نذره ولم يجب عليه دفع بدلها ولا دفع الكفارة، وإذا كان الناذر هو الذي أتلف العين
المنذورة كان ضامنا لها، فتجب عليه الصدقة بمثلها إذا كانت مثلية، وبقيمتها إذا كانت
قيمية على الاحوط، ويلزمه دفع الكفارة على الاقوى.
[ المسألة 95: ] إذا نذر الرجل أن يتصدق على شخص معين،
فقال: لله علي ان أتصدق على زيد مثلا بمائة دينار، وجب على الناذر ذلك، فلا تكفيه الصدقة
على غير الشخص الذي عينه وان كان قريبا له، أو كان افقر منه أو كانت الصدقة عليه أفضل،
ولا يتعين على الشخص المنذور له أن يقبل الصدقة المنذورة ويجوز له ان يمتنع من قبولها،
وإذا هو امتنع ولم يقبلها انحل نذر الناذر لتعذر حصول الفعل المنذور عليه، وسقط عنه
وجوبه، وهذا إذا استمر المنذور له على امتناعه من قبول الصدقة كما سيأتي بيانه في المسألة
السابعة والتسعين.
[ المسألة 96: ] إذا قبل الفقير المنذور له تصدق الناذر
عليه، ثم أبرأ ذمته من الصدقة قبل أن يقبضها منه لم تبرأ ذمة الناذر من الصدقة ولم
يسقط عنه الوجوب بابرائه. وإذا دفع الناذر الصدقة إلى المستحق وقبضها منه ملكها بالقبض
وبرئت ذمة الناذر وجاز للمستحق أن يهبها له أو يدفعها له مكافأة على عمل، ونحوه وان
كره للناذر ان يأخذها منه.
[ المسألة 97: ] إذا نذر الناذر أن يتصدق على شخص معين،
وامتنع المنذور له عن قبولها، ثم عاد فقبلها بعد امتناعه، فالظاهر وجوب التصدق عليه
إذا كان النذر مطلقا ولم يكن للصدقة المنذورة وقت معين، أو كانت مؤقتة وكان الوقت لا
يزال باقيا. وإذا كانت الصدقة المنذورة مؤقتة وقد انقضى وقتها قبل أن يعود الفقير فيقبل
التصدق، انحل النذر ولم يجب على الناذر التصدق بها عليه.
[ المسألة 98: ] إذا كانت الصدقة المنذورة عينا شخصية
وامتنع المنذور له عن قبولها، جاز للناذر أن يتلف العين بعد امتناع الفقير عنها، ولا
يكون على الناذر ضمان باتلافها ولا تجب عليه كفارة، وان قبل المنذور له بعد التلف.
[ المسألة 99: ] إذا نذر المكلف أن يتصدق بعين مشخصة
أو بمبلغ من المال في ذمته، ثم مات قبل أن يفي بنذره وجب أن تخرج الصدقة المنذورة من
أصل تركته، وكذلك الحكم في كل نذر يتعلق بالمال، كما إذا نذر أن يفي دين زيد من ماله،
أو نذر أن يدفع له مبلغا من المال يحج به أو يعتمر أو يزور، أو نذر أن يصل أباه أو
أخاه أو احد أرحامه بمقدار من المال، فإذا مات الناذر قبل أن يفي بالنذر اخرج المال
المنذور من أصل تركته لا من الثلث.
[ المسألة 100: ] إذا نذر المكلف أن يتصدق على زيد بمبلغ
من المال أو بعين مخصوصة ثم مات الشخص المنذور له قبل أن يتصدق الناذر عليه بالعين
أو المبلغ المنذور، أشكل الحكم فيه، فلا يترك الاحتياط بقيام وارثه مقامه إذا كان مستحقا،
وإذا لم يكن له وارث أو كان لا يستحق الصدقة أو امتنع من قبولها فالظاهر سقوط النذر
بالصدقة لتعذر الوفاء بها.
[ المسألة 101: ] إذا نذر أن يهب أو يهدي إلى فلان شيئا
معينا أو مبلغا من المال ثم مات المنذور له قبل أن يفي الناذر له بنذره سقط النذر ولم
يجب الوفاء به. وإذا مات الناذر قبل أن يهب، فالاحوط ان يتولى وصيه أو وارثه ذلك، فيهب
المال للمنذور له ويخرجه من أصل تركة الميت.
[ المسألة 102: ] ما ينذر لاحد المشاهد الشريفة يختص
به ولا يجوز صرفه في غيره من المشاهد وان كان أعظم قدرا منه أو أكثر حاجة، فيصرف في
مصالح المشهد المنذور له، كتعميره إذا احتاج إلى التعمير واصلاح بنائه إذا احتاج إلى
الاصلاح وانارته، وتجهيزه بوسائل التهوية والتبريد والتدفئة وتبريد الماء، وتعمير أماكن
التطهير والوضوء في المشهد وترميمها، واعانة خدام المشهد الصالحين والقائمين بشؤونه،
وما يشبه ذلك أو يتصل به من الحاجات والمقاصد اللائقة به.
[ المسألة 103: ] ما ينذر للرسول صلى الله عليه وآله
أو لامير المؤمنين (ع) أو لاحد المعصومين (ع) أو للعباس (ع) أو لغيرهم من الذرية الطيبة
والذوات الطاهرة، يصرف في سبل الخير والقربات، فيعان به المحتاجون من أهل العلم على
تحصيل غاياتهم من طلب العلم ونشر الاسلام، وينفق على المحتاجين من ذرية الرسول صلى
الله عليه وآله، ويتصدق به على الفقراء من المؤمنين، ويعان به المحتاجون من الزوار،
ويصح صرفه في بناء المساجد ومساكن الفقراء والايتام ونحو ذلك، ويقصد بجميع ذلك عود
ثواب الخيرات والمبرات إلى المنذور له منهم (ع). والاحوط استحبابا تخصيصه بالمحتاجين
من المجاورين من أهل العلم ومن الذرية والفقراء وخدمة المشهد.
[ المسألة 104: ] إذا نذر الناذر لاحدهم (ع) وقصد بنذره
ان يصرف المال المنذور في اقامة مآتمهم (ع)، وعزائهم أو ذكرى وفياتهم، أو في الاطعام
فيها والقيام ببعض شؤونها وجب صرفه في الجهة المذكورة ولا يصرف في النواحي الاخرى،
وإذا عينه لمأتم امام خاص أو شهيد أو ولي معين تعين للجهة التي حددها الناذر، وكذلك
إذا كان نذره لجهة خاصة أخرى كالمواليد والاطعام أو الانفاق في أيام الزيارات المخصوصة
لهم فيختص بالجهة المعينة.
[ المسألة 105: ] إذا نذر الرجل الصدقة بشاة معينة أو
بشاة مطلقة ثم عينها للوفاء بنذره تبعها نماؤها المتصل من سمن جثتها وكبرها وصوفها،
وكذلك إذا نذر الصدقة ببقرة أم ماعز وعينها، ولا يترك الاحتياط في النتاج واللبن إذا
لم يكن للناذر قصد معين ولم يكن عرف متبع أو قرينة دالة، ويتبع قصده إذا علم، ثم يرجع
إلى العرف أو القرينة إذا دلا على شئ، وكذلك إذا نذر الشاة أو البقرة أو الماعز لمشهد
أو مأتم وشبههما.
[ المسألة 106: ] إذا نذر الرجل أن يتصدق بجميع ما يملك
وجب عليه ذلك ولزمه الخروج منه والصدقة به، فإذا ضاق الامر عليه لكثرة عياله أو لضعفه
عن الكسب أو لعدم توفر أسبابه، قوم جميع ما يملك على نفسه تقويما صحيحا عادلا، وضبطه
وضبط قيمته ضبطا كاملا، وجعل قيمة جميع ذلك دينا في ذمته ودونه في دفاتر تثبت الحق،
وأشهد عليه من يوثق به ويعتمد عليه، ثم تصرف في أعيان المال والممتلكات الموجودة كيفما
أراد من انحاء التكسب بها والصرف على نفسه وعلى عياله وشؤونه، وبدأ باخراج الصدقة المقدرة
والثابتة في ذمته شيئا فشيئا وأولا فأولا، وأحصى ما يدفعه من ذلك للفقراء والمساكين
واليتامي وذوي الحاجة من أرحامه وغيرهم في دفاتر تبين ذلك وتحصيه، ويسقطه من دينه حتى
يفي جميع ما في ذمته. وإذا مرض وظن الموت وقد بقي من دينه شئ وجب عليه ان يوصي إلى
من يعتمد عليه باخراجه من أصل تركته واشهد على ذلك. وإذا نذر أن يجعل جميع ما يملكه
في سبيل الله أو في سبيل الخير وضاق الامر عليه كذلك، فعل كما تقدم ثم وفى الديون شيئا
فشيئا كما وصفنا وانفقها في مطلق سبيل الله وما يقرب إليه، ويدخل في ذلك بناء المساجد
والقناطر والملاجئ وغيرها من القربات حتى يتم الوفاء، ولا يختص بالتصدق كما في الفرض
السابق.
[ المسألة 107: ] إذا نذر الانسان الفعل وجعل له وقتا
مخصوصا، فقال: لله علي ان أصوم أول أربعاء من شهر رجب مثلا، أو قال: لله علي أن أتصدق
بعشرين دينارا في أول جمعة من شهر شعبان، وجب عليه أن يأتي بالصوم أو بالصدقة في وقتهما
الذي عينه، وإذا ترك الفعل عامدا حتى انقضى الوقت حنث بنذره ولزمته كفارة خلف النذر،
وكذلك إذا نذر ترك الفعل وجعل له وقتا معينا، فالوفاء بالنذر هو أن يترك الفعل في جميع
الوقت، والحنث بالنذر هو ان يأتي بالفعل عامدا ولو مرة واحدة، فيكون للنذر في كلتا
الحالتين وفاء واحد في البر به ويكون له حنث واحد في مخالفته، لان النذر قد تعلق بصرف
وجود الفعل في الحالة الاولى، وبصرف تركه في الحالة الثانية، فلا يتكرر، وقد مر نظيره
في اليمين كما ذكرناه في المسألة الثامنة والثلاثين والمسألة التاسعة والثلاثين.
[ المسألة 108: ] إذا نذر الانسان ان يأتي بالفعل ولم
يجعل له وقتا مخصوصا، فقال لله علي أن أصوم يوما، أو أن أتصدق بمبلغ كذا، وجب عليه
أن يأتي بالفعل في مدة حياته ولو مرة واحدة ويتحقق بذلك وفاؤه بالنذر وإذا ترك الفعل
عامدا فلم يأت به في مدة عمره حتى مرة واحدة تحقق الحنث وسقط النذر ولزمته الكفارة.
وإذا نذر ان يترك الفعل ولم يجعل له وقتا معينا، فقال: لله علي ان لا أنطق بالباطل
أو قال: لله علي ان لا أتفوه بالكذب، وجب عليه ان يترك ذلك مدة حياته ولا يحصل الوفاء
بالنذر الا بذلك، فإذا أتى بالفعل المنذور تركه ولو مرة واحدة تحقق الحنث وسقط النذر
ولزمته الكفارة فيكون للنذر كما في المسألة المتقدمة وفاء واحد وحنث واحد في كلتا الحالتين
نظير ما تقدم في اليمين في المسألتين الآنف ذكرهما.
[ المسألة 109: ] إذا نذر الانسان الفعل وكان مقصده في
نذره أن يأتي بالفعل المنذور في طبيعته السارية في أفراده، فقال: لله علي أن أصلي النافلة
اليومية في كل يوم، أو قال: لله علي أن أصلي صلاة جعفر في كل يوم جمعة، انعقد نذره
كما أراد، وانحل نذره إلى نذور متعددة، فتكون صلاة النافلة اليومية في كل يوم من أيام
حياة الناذر متعلقا لنذر مستقل يجب الوفاء به، وتجب الكفارة بمخالفته والحنث به، وتكون
صلاة جعفر في كل يوم جمعة في المثال الثاني متعلقا لنذر مستقل كذلك، فلكل فرد من أفراد
الفعل المنذور نذر يختص به، ويكون الاتيان بالفعل في اي وقت من الاوقات المعينة برا
بنذره الخاص به، ويكون تركه في ذلك الوقت حنثا بنذره وموجبا للكفارة لمخالفته، وموجبا
للقضاء على الاقوى إذا كان الفعل المنذور صوما، وعلى الاحوط لزوما إذا كان المنذور
صلاة أو غيرها. وكذلك الحكم إذا نذر ترك الفعل، وكان المقصود ترك الفعل في كل وقت من
الاوقات على نحو الانحلال والاستقلال فقال: لله علي ان لا أكذب أبدا، فإذا كذب في الساعة
الاولى عامدا حنث بنذره فيها ووجبت عليه الكفارة، وان أطاع ولم يكذب في الساعة الثانية،
وكذلك العكس، فلكل فرد نذره الخاص به ولكل نذر بره وحنثه، وكما تقدم في اليمين.
[ المسألة 110: ] يشترط في صحة النذر نية القربة، والمراد بها أن ينشئ الناذر
تمليك الفعل أو الترك على نفسه لله وحده، كما هو المختار وقد سبق منا بيان ذلك مفصلا
في أول الفصل، أو أن ينشئ التزامه وتعهده بالفعل أو الترك له وحده، كما هو القول المشهور،
ونتيجة لذلك فلابد وان يكون الوفاء بالنذر هو الاتيان بالفعل أو الترك مبنيا على ذلك.
[ المسألة 111: ] إذا نذر الرجل أن يوجد الفعل نذرا مطلقا
ولم يعين له وقتا كما ذكرنا في المسألة المائة والثامنة ولم يكن على نحو الانحلال،
جاز له أن يؤخر الفعل إلى أن يظن الوفاة، أو يظن فوت الواجب، أو يلزم من التأخير التهاون
بأمر الله، فيتضيق وقته حين ذلك ويجب الاتيان به، وإذا نذر ترك الفعل كذلك وجب عليه
الترك من حين انعقاد النذر الى آخر الحياة، وإذا أتى بالفعل المنذور تركه ولو مرة واحدة
تحقق الحنث وسقط بذلك النذر كما ذكرنا في المسألة المائة والثامنة. وانما يسقط النذر
بالحنث إذا كان المقصود بالنذر ايجاد صرف الفعل، ولا يسقط النذر إذا كان على نحو الانحلال
كما ذكرنا في المسألة المائة والتاسعة.
[ المسألة 112: ] الحنث بالنذر كالحنث باليمين سواء بسواء،
فلا يحصل الا بتعمد المخالفة كما ذكرناه في المسألة السابعة والثلاثين، فلا يحنث الناذر
إذا خالف النذر جاهلا بالموضوع أو ناسيا له، ومثال ذلك: ان ينذر الرجل أن يصوم يوما
معينا ثم يعتقد انه نذر صوم غير معين، فيؤخر الصوم حتى يمضي الوقت المعين فيتذكر انه
نذر صوم اليوم المعلوم وقد أخره خطأ، أو ينسى صوم ذلك اليوم، أو ينسى انه نذر صومه
ثم يتذكر بعد ان ينقضي الوقت، فلا تجب عليه كفارة الحنث، ولا تجب عليه الكفارة إذا
خالف نذره مضطرا أو مجبرا أو مكرها على المخالفة.
وإذا خالف النذر جاهلا بالحكم أو ناسيا له، فلابد من الاحتياط، وقد سبق ذكر جميع ذلك
في اليمين.
[ المسألة 113: ] إذا خالف النذر جاهلا بالموضوع أو ناسيا
له أو مضطرا، أو مجبرا أو مكرها على المخالفة لم يسقط بذلك نذره، فإذا كان النذر مؤقتا
وقد بقي مقدار من الوقت، أو كان مطلقا ليس له وقت معين وجب عليه الوفاء بالنذر فبقية
الوقت في الاول وفي بقية العمر في الثاني.
[ المسألة 114: ] إذا حنث بنذره فترك الفعل المنذور عامدا
حتى انقضى الوقت وجب عليه القضاء إذا كان الفعل المنذور صوما على الاقوى، ووجب القضاء
على الاحوط لزوما إذا كان الفعل صلاة أو صدقة أو غيرهما من القربات، وقد أشرنا إلى
هذا في المسألة المائة والتاسعة، وكذلك إذا كان جاهلا بالحكم أو ناسيا له. وإذا خالف
نذره ناسيا للموضوع أو جاهلا به فالاحوط القضاء في الجميع، ولا تجب الكفارة كما سبق
بيانه.
[ المسألة 115: ] إذا علق الانسان نذره على حصول شئ،
فقال: لله علي أن أصوم أو أن أتصدق ان رزقني الله ولدا ذكرا، ثم استبان له ان الله
قد رزقه ولدا قبل نذره، لم يجب عليه الوفاء بنذره، وكذلك إذا نذر ان شفى الله زيدا
أو ان قدم من سفره سالما، فاستبان له ان الشرط قد حصل قبل النذر، فلا يجب عليه البر
به، وكذلك إذا شك في ان الشرط حصل قبل انشاء النذر أو بعده، فلا يجب عليه الوفاء به.
[ المسألة 116: ] الاقوى ان الكفارة في مخالفة النذر
هي الكفارة في مخالفة اليمين، فيتخير الناذر إذا حنث بنذره عامدا بين أن يعتق رقبة
أو يطعم عشرة مساكين أو يكسوهم، فان لم يقدر على أن يأتي باحدى هذه الخصال الثلاث وجب
عليه أن يصوم ثلاثة أيام متتابعة، ويأتي ان شاء الله في كتاب الكفارات بيانها وبيان
أحكامها.
[ الفصل الثالث ] [ في العهد ]
[ المسألة 117: ] الظاهر أن المراد بالعهد هاهنا ميثاق
يقطعه الانسان على نفسه لله على فعل شئ أو على تركه، وينشئه بصيغة مخصوصة، فهو ليس
من اليمين وليس من النذر وان أشبههما في بعض الآثار وبعض الاحكام.
[ المسألة 118: ] لا ينعقد العهد حتى ينشئه الانسان بقوله:
عاهدت الله على أن أفعل كذا أو على أن لا أفعل، أو يقول: علي عهد الله أن أفعله أو
ان لا أفعله، وهو من هذه الجهة يشبه النذر في الحاجة إلى انشائه بصيغة مخصوصة. فلا
يجب الوفاء بالعهد إذا لم ينشئه بالقول المذكور وان قصد في ضميره العهد على الفعل أو
على الترك ولا تحرم عليه المخالفة وان كان عامدا ولا تلزمه الكفارة، وان كان الاحوط
له استحبابا أن لا يخالف ما نواه.
[ المسألة 119: ] العهد كالنذر، فقد ينشئه الانسان معلقا
على حصول شرط معين، فيقول: عاهدت الله ان رزقني ولدا ذكرا، أو ان شفاني من هذا المرض
أن أتصدق بمائة دينار، أو أن أذبح شاة أو بقرة وأطعمها للفقراء أو للمؤمنين، أو يقول:
علي عهد الله ان دفع عني هذه البلية أن أصلي نافلة شهر رمضان أو أن أصوم شهر رجب، فينعقد
عهده كما اشترط، فإذا حصل الامر الذي علق عليه وجوب الفعل وجب عليه أن يفي بالعهد وحرمت
عليه مخالفته ولزمته الكفارة إذا حنث فخالف عامدا. وقد ينشئ العهد مطلقا غير مشروط
بشئ، فينعقد كذلك ويجب عليه البر به مطلقا، وهو ايضا قد يجعله موقتا بوقت خاص فيلزمه
الوفاء به في ذلك الوقت، وقد يجعله مطلقا غير موقت فيجب عليه البر به كذلك، وهو في
جميع ذلك كالنذر في الفروض والاحكام ولا موجب للاطالة بالتكرار.
[ المسألة 120: ] يشترط في المعاهد أن تجتمع فيه جميع
الشروط التي ثبت اشتراطها في الناذر أو كان الاحتياط باشتراطها لزوميا، فلابد وأن يكون
مكلفا، ولابد وأن يكون قاصدا ولابد وان يكون مختارا ولابد وأن يكون نافذ التصرف غير
محجور في متعلق عهده الى غير ذلك مما تقدم اشتراطه في الناذر.
[ المسألة 121: ] يشترط في الامر الذي يعلق عليه العهد
جميع ما اشترطناه في الامر الذي يعلق عليه النذر وتراجع المسائل المتعلقة بذلك من فصل
النذر لتطبيق أحكامها في شروط العهد.
[ المسألة 122: ] لا يختص العهد بالموارد التي يكون متعلقه
فيها فعلا أو تركا، بل يجري كذلك إذا كان متعلقه صفة يستطيع الانسان أن يكتسبها بارادته
واختياره ولو بطول المران، فإذا قال الرجل: عاهدت الله على أن أكون عادلا، أو على أن
أكون صادقا في جميع أقوالي وأفعالي، أو قال: علي عهد الله ان لا أكون خائنا، أو أن
لا أكون فاسقا، انعقد عهده ووجب عليه الوفاء به، وحرم عليه الحنث، وإذا حنث بعهده لزمته
الكفارة، والظاهر ان ذلك يجري في النذر واليمين أيضا.
[ المسألة 123: ] ينعقد العهد إذا تعلق بفعل واجب أو
بترك محرم، وينعقد إذا تعلق بفعل مندوب أو بترك مكروه، وينعقد إذا تعلق بفعل مباح وكان
فعله راجحا على تركه لجهة شرعية أو لجهة دنيوية أو جبت رجحانه، وينعقد إذا تعلق بترك
شئ مباح، وكان تركه راجحا على فعله لجهة شرعية أو لجهة دنيوية أو جبت رحجانه، وينعقد
على الاحوط إذا تعلق بفعل مباح أو بتركه وكان متساوي الطرفين في الدين والدنيا فلا
رجحان للفعل ولا للترك وقد تقدم تفصيل ذلك في متعلق اليمين، فليراجع ما حررناه هناك.
[ المسألة 124: ] لا ينعقد العهد إذا تعلق بترك واجب
أو مستحب أو بفعل محرم أو مكروه، ولا ينعقد إذا تعلق بفعل شئ مرجوح يرجح تركه على فعله
لامر ديني أو دنيوي، ولا ينعقد إذا تعلق بترك شئ يرجح فعله على تركه لامر ديني أو دنيوي
كذلك.
[ المسألة 125: ] إذا تعلق العهد بأمر مباح لا رجحان
لفعله ولا لتركه، أو تعلق بأمر راجح لبعض الجهات، فانعقد العهد كما تقدم، ثم تغيرت
الحال قبل الوفاء بالعهد فأصبح فعله مرجوحا لبعض النواحي الطارئة انحل العهد ولم يجب
الوفاء به وقد سبق جميع ذلك في فصل اليمين.
[ المسألة 126: ] إذا انعقد عهد الرجل في المسألة المتقدمة،
ولكنه تسامح في الوفاء بعهده حتى تغيرت الحال وأصبح متعلق العهد مرجوحا، لم ينحل عهده
في هذه الصورة على الاحوط وخصوصا إذا طالت المدة وهو يتسامح في الوفاء، فلا ينحل عهده
ويلزمه الوفاء به على الاحوط ان لم يكن ذلك هو الاقوى.
[ المسألة 127: ] إذا خالف الانسان عهده عامدا كما تقدم
في فصل النذر وفصل اليمين، حنث في عهده ووجبت عليه الكفارة، وكفارة الحنث بالعهد نظير
كفارة الافطار في شهر رمضان على الاقوى، فيجب على الحانث أن يعتق رقبة أو يطعم ستين
مسكينا أو يصوم شهرين متتابعين، وسيأتي ان شاء الله تعالى ذكرها وذكر تفاصيل أحكامها
في كتاب الكفارات.