كتاب الحَجْر
4 في حجر المفلس
المسألة 53
لا تمنع الشخص كثرة ديونه التي تكون في ذمته من أن يتصرف في أمواله الموجودة عنده كما
يريد ، ببيع أو هبة أو صلح أو وقف أو غير ذلك من التصرفات التى تخرج المال عن ملكه
، بل يجوز له اخراجها جميعا عن ملكه مجانا ، كما تجوز له المعاوضة عليها بثمن مثلها
أو اكثر أو أقل ، الا إذا ثبت سفهه بسبب ذلك فيحجر عليه للسفه ، أو يحجر عليه الحاكم
الشرعي للفلس كما سيأتي ، وإذا كثرت عليه الديون فوهب جميع أمواله لغيره بغير عوض أو
صالحه عليها كذلك وكان ذلك بقصد الفرار من اداء الديون اشكل الحكم بصحة ذلك منه ، فلا
يترك الاحتياط باجتنابه ، وكذلك إذا أراد وقف جميع ما يملكه بهذا القصد .
المسألة 54
لا يجوز للحاكم الشرعي أن يحجر على المفلس الا إذا توفرت لديه اربعة شروط :
( الاول ) : أن تكون الديون التي على المفلس ثابتة عليه
بأحد المثبتات الشرعية ، ويكفي أن تكون الديون التي يراد من أجلها الحجر ثابتة عليه
كذلك وان لم تكن بقية ديونه ثابتة شرعا .
( الثاني ) : أن تكون الاموال الموجودة عند المدين قاصرة
عن الوفاء بديونه ، ويراد بالاموال الموجودة لديه جميع ما يملكه بالفعل من أرض وعقار
ودور وسلع وأمتعة وعروض اخرى ومنافع وديون له على الناس ، ما عدا الامور المستثنيات
في الدين ، وقد تقدم ذكرها في المسألة الثامنة عشرة من كتاب الدين .
( الثالث ) : أن تكون الديون التي على المدين حالة غير
مؤجلة ، أو تكون الديون الحالة عليه مما تقصر أموال المدين الموجودة لديه عن الوفاء
بها وحدها ، فلا يحجر عليه إذا كانت الديون كلها مؤجلة لم يحل ميعادها ، ولا يحجر عليه
إذا كان بعض الديون حالا وبعضه مؤجلا وكانت امواله الموجودة لا تقصر عن الوفاء بالديون
الحالة .
( الرابع ) : أن يطلب الغرماء الذين حلت ديونهم من الحاكم
الشرعي أن يحجر عليه وكانت أمواله تقصر عن وفائهم كما ذكرنا .
المسألة 55
إذا طلب بعض الغرماء الذين حلت ديونهم من الحاكم أن يحجر على المدين ولم يطلب الآخرون
ذلك ، فان كان دين ذلك البعض الذي طلب الحجر وحده لا يفي به مال المفلس ، وجب على الحاكم
أن يحجر على المفلس بطلب ذلك البعض ، فإذا حجر عليه كان الحجر عاما بالنسبة إلى جميع
الديون الحالة للغرماء ، من طلب منهم الحجر ومن لم يطلب ، فتقسم أموال المفلس الموجودة
على ديونه الحالة عليه جميعا بالحصص ، ولا يسهم للديون المؤجلة .
المسألة 56
إذا كانت الديون التي في ذمة المفلس جميعها لمجنون أو يتيم وليه الحاكم الشرعي نفسه
وكانت حالة غير مؤجلة ، أو كان بعض الديون لهما ، وكان دينهما حالا ولا يفي به مال
المفلس جاز للحاكم الشرعي في هاتين الصورتين ان يحجر على المفلس وان لم يطلب منه الغرماء
الحجر عليه .
المسألة 57
إذا كان المدين المفلس نفسه يتيما أو مجنونا ووليه الحاكم الشرعي ، جاز للحاكم أن يحجر
على هذا المدين المولى عليه إذا اقتضت مصلحته ذلك ، فيحجر عليه وتقسم أمواله على الديون
الحالة بالحصص وان لم يطلب الغرماء منه الحجر ، ولا يحجر على المفلس في ما سوى هذه
الصور الا بطلب جميع الغرماء الذين حلت ديونهم عليه .
المسألة 58
إذا اجتمعت شروط الحجر الآنف ذكرها لدى الحاكم الشرعي وحكم بالحجر على المفلس تعلق
حق الغرماء الذين حلت ديونهم ، بأموال المفلس الموجودة ، فلا يجوز له بعد الحجر أن
يتصرف بشئ منها ، من غير فرق بين أن يكون تصرفه في المال بعوض كالبيع والاجارة والهبة
المعوضة ، والصلح بعوض ، وأن يكون تصرفه بغير عوض ، كالوقف والهبة غير المعوضة والعطية
والعتق ، فلا يصح له شئ من ذلك الا إذا أذن له الغرماء به قبل الفعل ، أو أجازوه له
بعد الفعل .
المسألة 59
لا يمنع الحجر المفلس عن التصرفات غير الابتدائية ، وهي التصرفات التي تحققت أسبابها
وثبت له جوازها قبل الحجر عليه ، فإذا كان المدين قد باع سلعة أو اشتراها قبل أن يحجر
عليه واشترط لنفسه خيار الفسخ ، ثم حجر عليه الحاكم بعد ذلك ، صح له أن يأخذ بخياره
فيفسخ البيع أو يمضيه ولم يمنعه الحجر عن ذلك وان لم يأذن له الغرماء ، وإذا باع شريكه
حصته من الدار أو من الارض المشتركة فثبت للمفلس حق الشفعة فيها ، ثم حجر عليه بعد
ذلك ، لم يسقط بالحجر حقه من الشفعة ، فيجوز له أن يشفع بالحصة المبيعة ولا يحتاج إلى
اذن الغرماء .
المسألة 60
إذا ثبت للمدين المفلس حق مالي على أحد قبل أن يحجر عليه ، كما إذا جنى عليه أحد أو
جنى على عبده المملوك له أو على دابته المملوكة له أو على شئ مما يملك ، فثبتت له بسبب
ذلك دية على الجاني أو أرش جناية أو ضمان تلف أو أرش عيب أو غيرها فلا يجوز له بعد
الحجر عليه أن يسقط حقه المالي الذي ثبت له قبل الحجر فيعفو عن الحق أو عن المال أو
عن بعضه .
المسألة 61
إذا حجر الحاكم الشرعي على المفلس منع عن التصرف في أمواله الموجودة لديه حين الحجر
، فإذا تجددت له أموال بعد الحجر ، كما إذا حصل له أرث من بعض أقربائه ، أو ملك شيئا
بهبة من أحد أو بوصية إليه من موص ، أو دفع إليه من سهم الفقراء في الزكاة أو الخمس
، أو اكتسب بالحيازة لبعض المباحات ، فالظاهر عدم شمول الحجر المتقدم لهذه الاموال
المتجددة ، فلا يمنع من التصرف فيها ، الا إذا حجرها الحاكم حجرا جديدا بعد أن ملكها
المفلس .
المسألة 62
إذا اقر المفلس - بعد أن حجر عليه الحاكم الشرعي - لاحد بدين عليه سابق على الحجر ،
صح اقراره ونفذ ، وكان الدائن الذي أقر له شريكا مع الغرماء السابقين بدينه هذا ، فيضرب
معهم في الاموال الموجودة بنسبة مقداره إلى مجموع الديون ، وكذلك إذا شهدت بينة شرعية
بعد الحجر ، بدين سابق على الحجر لشخص ولم يكن يعلم بالدائن من قبل ، أو ثبت الدين
بوجه آخر من المثبتات الشرعية فيكون الدائن شريكا مع الغرماء السابقين فيضرب بحصته
في الاموال الموجودة من مجموع الديون .
المسألة 63
إذا أقر المفلس - بعد الحجر عليه - بأنه قد اقترض من أحد مبلغا بعد حجر الحاكم عليه
أو أنه اشترى منه مالا في ذمته ، فأصبح مدينا له بكذا ، صح اقرار المفلس وثبت به دين
ذلك الدائن المقر له ، ولكنه لا يشارك الغرماء السابقين في الضرب في الاموال الموجودة
.
المسألة 64
إذا أتلف المفلس مالا لاحد - بعد أن حجر الحاكم الشرعي عليه - ضمن قيمة التالف وكان
الضمان في ذمته ، وإذا جنى على أحد ضمن أرش الجناية في ذمته كذلك ، ويشكل الحكم بمشاركة
هذا الدائن بالضرب مع الغرماء السابقين في أموال المفلس الموجودة ، وكذلك إذا أقر المفلس
بأنه اتلف المال أو جنى الجناية فثبت الضمان عليه باقراره ، فيشكل الحكم بمشاركته مع
الغرماء السابقين بهذا الدين المقر به .
المسألة 65
إذا حجر الحاكم الشرعي على المفلس ، فمنعه من التصرف في الاموال الموجودة ، فأقر المفلس
بعد الحجر أن عينا خاصة من الاموال التي بيده ملك لزيد مثلا ، نفذ اقراره في حقه ولم
ينفذ في حق الغرماء ، فإذا اتفق سقوط حق الغرماء بابراء ذمة المفلس ، أو بتسديد الدين
من وجه آخر وانفك الحجر عنه بسبب ذلك ، وجب على المفلس دفع تلك العين إلى الشخص الذي
أقر له بملكها ، وإذا لم تسقط حقوق الغرماء أشكل الحكم بدفع العين إلى المقر له ، فلابد
فيها من الاحتياط .
المسألة 66
إذا حكم الحاكم على المفلس بالحجر في أمواله الموجودة لديه ، وضبطت اعدادها وأعيانها
، بدأ فأخرج منها مستثنيات الدين وقد تقدم بيانها في المسألة الثامنة عشرة من كتاب
الدين ، ثم أخرج الاعيان التي رهنها المفلس عند بعض الديان إذا اتفق وجود ذلك ، فان
المرتهن احق بالعين المرهونة عنده من بقية الديان ، فتباع العين ويستوفي المرتهن دينه
من ثمنها ولا يشاركه فيها الغرماء الآخرون ، وقد ذكرنا هذا في المسألة السبعين من كتاب
الرهن ، وإذا زاد من ثمن العين المرهونة شئ عن دين المرتهن وزع الزائد على بقية الغرماء
بنسبة حصصهم من مجموع الديون وإذا قصر ثمن العين المرهونة عن الوفاء بدين المرتهن شارك
سائر الغرماء في بقية دينه فضرب معهم في أموال المفلس الاخرى ببقية دينه .
المسألة 67
إذا عينت أموال المفلس المحجور عليها وأخرجت منها مستثنيات الدين والاعيان المرهونة
كما تقدم ذكره ، بيعت الاموال ثم قسمت أثمانها بين الغرماء بالحصص بنسبة دين كل فرد
منهم إلى مجموع الديون ، فإذا كان مجموع الديون ألف دينار مثلا ، وكان لاحد الغرماء
خمسمائة دينار وهي نصف الالف وللثاني مائتا دينار وهي خمسه ، وللثالث ثلاثمائة دينار
وهي خمسه ونصف خمسه ، وبيعت الاموال بثمن معين ، كان للغريم الاول نصف مجموع الثمن
الذي بيعت به الاموال مهما نقصت حصته عن قدر دينه فان المفروض قصور أموال المفلس عن
الوفاء بدينه ، وكان للغريم الثاني خمس مجموع الثمن ، وللثالث الباقي منه وهو خمسه
ونصف خمسه ، وهكذا في كل ما يفرض من مقادير الديون ومقادير اثمان الاموال المبيعة .
المسألة 68
إذا وجد بعض الغرماء في أموال المفلس العين التي اشتراها المفلس منه وبقي ثمنها دينا
في ذمته ، تخير هذا الغريم بين أن يفسخ البيع بينه وبين المفلس في العين المذكورة فيأخذ
الغريم عين ماله التي وجدها ، وأن يمضي البيع ويبقى الثمن دينا يضرب به مع الغرماء
.
المسألة 69
إذا اقترض المفلس عينا خارجية من أحد وبقي عوض القرض دينا في ذمته ثم أفلس وحجر عليه
، فوجد المقرض العين التي أقرضه اياها باقية في أمواله جرى فيه الحكم المتقدم في البيع
، فيتخير المقرض بين أن يفسخ القرض ويأخذ عين ماله ، وأن يمضي القرض فيبقى عوضه دينا
يضرب به في أموال المفلس ، على نهج ما تقدم في العين المبيعة
المسألة 70
قال بعض الاصحاب ( قدس سرهم ) ان التخيير المذكور لصاحب العين في المسألتين المتقدمتين
فوري يسقط مع التأخير ، فإذا لم يبادر صاحب العين فيفسخ البيع أو القرض ويرجع بالعين
، سقط حقه وتعين عليه أن يضرب بالدين مع الغرماء ، ولا ريب في ان ذلك أحوط ، ولكن الاظهر
عدم سقوط حقه من الفسخ بالتأخير وعدم المبادرة ، غير انه إذا أفرط في التأخير ولم يختر
أحد الامرين حتى أوجب تأخيره تعطيلا لتقسيم المال بين الغرماء ، تدخل الحاكم الشرعي
فخيره بين الامرين فإذا امتنع عن اختيار أحدهما حكم عليه بأن يضرب بالثمن مع الغرماء
وإذا لم يمكن ذلك تولى عنه الضرب معهم بالدين .
المسألة 71
اشترط بعض الاصحاب ( قدس سرهم ) في رجوع صاحب العين بها إذا وجدها باقية في أموال المفلس
: ان لا تكون من مستثنيات الدين ، فإذا كانت عند المفلس من المستثنيات لم يصح لصاحبها
أن يرجع بها ، وهذا الحكم مشكل ، فلابد من الاحتياط في ذلك .
المسألة 72
انما يتخير صاحب العين في الفرضين الآنف ذكرهما بين أن يأخذ العين وأن يضرب بثمنها
مع الغرماء إذا كان دينه على المفلس حالا ، فلا يجوز له فسخ البيع أو القرض وأخذ العين
إذا كان دينه مؤجلا . وإذا كان دينه مؤجلا فحل موعده قبل أن يفك الحجر عن المفلس وكانت
العين باقية ، كفى ذلك في الحكم بجواز أخذه للعين ، فيختص بها إذا أراد ذلك وتنتقض
به القسمة الاولى كما يجوز له أن يضرب مع الغرماء بدينه .
المسألة 73
إذا حجر على المفلس بديونه الحالة ، وقسمت أمواله الموجودة على الديان ، ثم حل بعض
الديون المؤجلة قبل أن يفك الحجر عنه في أمواله انتقضت القسمة الاولى وشارك الدائن
الذي حل دينه الغرماء السابقين بالضرب في الاموال الموجودة ، وقد أشرنا إلى بعض أفراد
هذا الحكم في المسألة المتقدمة .
المسألة 74
إذا وجد البائع بعض العين التي اشتراها المفلس منه ولم يجد بعضها الآخر ، تخير بين
أن يفسخ البيع فيأخذ ما وجده من العين ، ويأخذ معه حصة البعض الآخر الذي لم يجده منها
من الثمن ، فيضرب بحصته من الثمن مع الغرماء ، وأن يمضي البيع فيضرب بجميع الثمن مع
الغرماء . وكذلك الحكم في المقرض إذا وجد بعض العين التي أقرضها المفلس ولم يجد بعضها
الآخر ، فيتخير كما هو الحكم في البائع فيأخذ البعض الذي وجده من العين ويأخذ معه حصة
البعض الآخر من العوض أو يضرب مع الغرماء بجميع الدين .
المسألة 75
ذهب بعض العلماء ( قدس سرهم ) إلى اجراء الحكم المتقدم في المؤجر ايضا ومثال ذلك :
ما إذا آجر الرجل من المفلس دارا مثلا ليستوفي منفعتها مدة معينة وبقي مال الاجارة
دينا في ذمة المفلس ، ثم حجر الحاكم عليه فوجد المؤجر الدار التي استأجرها المفلس منه
قبل استيفاء المنفعة أو بعدما استوفى شيئا منها ، فقال ( قدس سرهم ) : بتخيير المؤجر
بين أن يفسخ الاجارة ويأخذ العين والمنفعة في الصورة الاولى ، ويأخذ ما بقي من المنفعة
ويأخذ معها حصة ما مضى منها من مال الاجارة في الصورة الثانية ، وأن يمضي الاجارة ويضرب
بجميع الدين مع الغرماء ، وهذا القول مشكل ، فلا يترك الاحتياط في كلا الفرضين .
المسألة 76
إذا وجد البائع أو المقرض في العين التي باعها من المفلس أو أقرضها له زيادة متصلة
كالسمن في الحيوان ، والطول والنمو في النخلة والشجرة والبلوغ في الثمرة ونحو ذلك مما
لا يصلح للانفصال فان كانت الزيادة متعارفة رجع بها البائع أو المقرض مع العين ، وان
كانت الزيادة اكثر مما يتعارف فالاحوط أن يتصالح البائع أو المقرض مع الغرماء عن هذه
الزيادة ، وكذلك في الصوف والوبر والشعر ونحوها مما يصلح للانفصال ، فلا يترك الاحتياط
فيها بالمصالحة . وإذا وجد مع العين زيادات منفصلة كالولد والحمل واللبن والدهن ، والثمرة
على الشجرة والتمر على النخيل ، فهي من أموال المفلس يضرب فيها الغرماء بديونهم ، ولا
يحق للبائع والمقرض أخذها مع العين .
المسألة 77
إذا وجد العين معيبة عند المفلس ، فقد يكون العيب الحادث عنده بسبب آفة سماوية ، وقد
يكون بفعل المشتري المفلس وقد يكون بفعل شخص أجنبي ، والمسألة بجميع فروضها وشقوقها
خالية من النص والاحتمالات فيها متقابلة ، فالاحوط التخلص بالصلح في جميعها .
المسألة 78
إذا باعه أرضا بثمن في الذمة ، فغرس المشتري في الارض التي اشتراها غرسا أو بنى فيها
بناءا ثم أفلس المشتري وحجر عليه ، فإذا أراد البائع فسخ البيع واخذ الارض المبيعة
جاز له ذلك ، فإذا أخذها كانت الارض للبائع ، والغرس والبناء للمشتري ، ولا حق للمشتري
في أن يبقي غرسه وبناءه في الارض الا بالتراضي بينهما مع الاجرة أو مجانا ، وإذا لم
يتراضيا فالمسألة محل اشكال ، وإذا بيع البناء والغرس على مالك الارض ، أو بيعت الارض
وما فيها من غرس وبناء من مالكيهما على شخص آخر وصل كل منهما إلى حقه وتخلصا من الاشكال
.
المسألة 79
إذا باعه شيئا مثليا ، فخلطه المشتري بماله ثم أفلس وحجر عليه ، فان كان قد خلطه بشئ
من جنسه جاز للبائع أن يرجع بماله ، فإذا رجع به كان هو والمشتري شريكين في المال المخلوط
بنسبة مقدار ماليهما إلى المجموع ، فإذا باعه منا من الحنطة ، وخلطه المشتري بمن من
الحنطة وكان الخليطان متساويين في الجودة والرداءة فهما شريكان بالمناصفة ، وإذا ارادا
قسمة المال اقتسماه بنسبة ماليهما كذلك فلكل منهما نصف المجموع لان المفروض تساوي المالين
في المقدار وفي الجودة والرداءة .
المسألة 80
إذا خلط المشتري المال الذي اشتراه بما هو أجود أو بما هو أردأ ، ورجع البائع بماله
كانا شريكين بنسبة مقدار ماليهما كما في الفرض المتقدم ، فإذا خلط المن بمقداره فهما
شريكان بالمناصفة وإذا خلط المن بمنين فهما شريكان بالمثالثة فلصاحب المن الثلث ولصاحب
المنين الثلثان ، وهكذا وإذا أراد التوصل إلى حقيهما ، بيع المجموع وقسم الثمن بينهما
بنسبة ما لكل واحد من المالين من القيمة ، فإذا كانت قيمة من الحنطة غير الجيدة دينارا
واحدا ، وقيمة من الحنطة الجيدة دينارين فلصاحب الحنطة الاولى الثلث ولصاحب الحنطة
الثانية الثلثان ، فيأخذان من الثمن بهذه النسبة . وهكذا إذا كان المالان أكثر من ذلك
، فإذا كانت الحنطة غير الجيدة منين ، وكانت الحنطة الجيدة أربعة امنان ، فيكون مجموع
قيمة الاولى دينارين ، ومجموع قيمة الثانية ثمانية دنانير ، ومجموع كلتا القيمتين عشرة
دنانير وقيمة الاولى وحدها خمس المجموع ، وقيمة الثانية وحدها أربعة أخماسه ، فإذا
بيع المجموع بثمن معين اعطي صاحب الحنطة الاولى خمس الثمن ، ودفع لصاحب الحنطة الثانية
اربعة أخماسه ، وكذلك إذا خلط المال بما هو أردأ .
المسألة 81
إذا خلط المشتري المال الذي اشتراه بشئ من غير جنسه ثم فلس وحجر عليه ، فان كان خلطهما
مما تعد معه العين المبيعة تالفة في نظر أهل العرف وليست قائمة بعينها لم يجز للبائع
الرجوع بها ووجب أن يضرب بدينه مع الغرماء ، وإذا لم تتلف العين في نظر أهل العرف وصدق
انها لا تزال قائمة بعينها ، جاز للبائع أن يرجع بماله فيكون شريكا مع المشتري في المجموع
بنسبة مقدار المالين بالمناصفة أو المثالثة أو غيرهما ، وإذا بيع المجموع قسم الثمن
بنسبة القيمة على نهج ما تقدم ، وإذا عسر تقويم المالين بعد خلطهما رجع إلى المصالحة
بينهما .
المسألة 82
إذا اشترى المشتري من البائع غزلا فنسجه ، أو اشترى منه دقيقا فخبزه ، أو اشترى منه
ثوبا فصبغه ثم حجر على المشترى للفلس ، فالظاهر جواز الرجوع للبائع بالعين ، فان العرف
يعد أن العين التي باعها منه لا تزال باقية وان تغيرت بعض صفاتها ، ثم يتوصل البائع
والمشتري إلى حقهما بالتقسيم بحسب القيمة أو بحسب المصالحة بينهما
المسألة 83
إذا مات الرجل وهو مدين ، ووجد البائع أو المقرض عين ماله في تركة الميت وكانت تركته
وافية بديون الغرماء ، جاز للبائع أو المقرض ان يرجع بعين ماله كما هو الحكم في المفلس
الحي ، وجاز له أن يضرب بدينه في التركة مع بقية الغرماء ، وإذا قصرت تركة الميت عن
الوفاء بديونه لم يجز لصاحب العين أن يختص بها ، بل يكون كبقية الغرماء ، فيضرب معهم
بدينه في التركة الموجودة ، سواء كان الميت قد حجر عليه قبل الموت أم لا .
المسألة 84
إذا حجر الحاكم على المفلس ، ومنعه عن التصرف في أمواله وجب أن تجري نفقته وكسوته ونفقة
من تجب نفقته عليه وكسوته من المال من يوم الحجر عليه إلى يوم قسمة ماله ، وان يجري
عليه جميع ذلك بحسب عادته ، وإذا انفق موته في ذلك الحال وجب أن يقدم كفنه وجميع مؤنة
تجهيزه على حقوق الغرماء ، ويجرى ذلك بحسب ما يتعارف لامثاله من حيث النوع والمقدار
، وان كان كان الاحوط استحبابا أن يقتصر فيهما على ما يتأدى به الواجب فقط .
المسألة 85
إذا حجر الحاكم الشرعي على المفلس وقسم أمواله على الغرماء بنسبة ديونهم ، ثم ظهر بعد
القسمة غريم آخر له دين قد حل على المفلس ، نقضت القسمة الاولى وأبدلت بقسمة أخرى على
جميع الغرماء بنسبة ديونهم ، فإذا كانت للغريم الجديد عين مال اختص بها على المناهج
التي تقدم تفصيلها وكذلك إذا حل بعض الديون المؤجلة قبل ان يفك الحجر عنه وقد ذكرنا
هذا في المسألة الثالثة والسبعين فلتراجع .
المسألة 86
لا ريب في صحة تصرف الانسان الصحيح في ماله كيفما شاء ، وفي نفوذ جميع تصرفاته التي
يجريها في ما يملكه ، وان خرج منه جميعا إذا لم يطرأ عليه أحد أسباب الحجر الاخرى ،
وكذلك الحكم في المريض الذي لم يتصل مرضه بموته ، فيصح منه اي تصرف يجريه في
ماله ، سواء أجراه بعوض أم بغير عوض ، وسواء كان العوض الذي يأخذه عن ماله قليلا أم
كثيرا ولا ريب في ذلك أيضا . ويستثنى من ذلك ما يوصي الانسان بانفاذه بعد موته ، فانه
لا يصح الا إذا كان المال الموصى به بمقدار ثلث ما يملك من الاموال ولا ينفذ في ما
يزيد عليه ، وهذا الاستثناء يجري في كل انسان من غير فرق بين الصحيح والمريض الذي لم
يتصل مرضه بموته والمريض الذي يموت بسبب مرضه ، وسيأتي تفصليه في كتاب الوصية ان شاء
الله تعالى
المسألة 87
تصح المعاوضات من المريض الذي يتصل مرضه بموته إذا كان العوض في المعاملة لا يقصر عن
عوض المثل ، فينفذ بيعه إذا باع الشئ بثمن مثله أو أكثر ، وتنفذ اجارته إذا آجر الشئ
بأجرة مثله أو اكثر وهكذا في جميع المعاوضات التى يوقعها على ماله ، ولا خلاف في ذلك
بين العلماء ( قدس الله أرواحهم ) ، وتصح منه التصرفات الاخرى التي يوقعها في المال
من صرف وانفاق على نفسه وعلى من يعوله ومن صرف وانفاق في النواحي التي يعدها العقلاء
من شؤونه ومستلزمات شرفه ومكانته الاجتماعية ، ولا يعدونها خارجة عن حدوده المتعارفة
لامثاله ، وان لم تكن تلك المصارف من المعاوضات ، ولا خلاف في ذلك .
المسألة 88
ينحصر الخلاف بين العلماء في هذا الباب بالمنجزات ، وهي التصرفات التي يجريها الانسان
ليتحقق منه أثرها بالفعل وهو في حياته ولا تكون معلقة على حصول موته والتي تتصف بصفة
المحاباة أو التبرع ، فهي اما مجانية لا تشتمل على تعويض أو مبادلة ، كالوقف والعتق
والابراء والهبة من غير عوض والصلح من غير عوض ، واما معوضة بأقل من عوض المثل كالبيع
بأقل من ثمن المثل ، والاجارة بأدنى من اجرة المثل ، والصلح والهبة بأقل من عوض المثل
، اقول : ينحصر الخلاف في هذا النوع من التصرفات الفعلية المنجزة المشتملة على المحاباة
أو التبرع إذا أوقعها المريض الذي يتصل مرضه بموته والعلماء في المسألة على قولين :
احدهما ان تكون تصرفاته هذه نافذة منه من أصل ماله ، سواء زادت على ثلث ماله أم قلت
عنه ، بل وان استوعبت جميع المال ، فتصح منه في جميع الصور ، ولا تحتاج إلى امضاء ورثته
، الثاني انها انما تكون نافذة منه إذا كانت بمقدار الثلث أو اقل منه ، فان هي زادت
على الثلث لم تنفذ في الزائد ، الا إذا أمضاها وارثه من بعده ، فان أمضاها نفذت في
الجميع وان لم يمضها نفذت في مقدار الثلث وبطلت في الزائد ولم تصح ، والقول الاول هو
الصحيح المختار .
المسألة 89
ما يخرجه المريض في مرض موته من الواجبات المالية التي تكون في ذمته أو تجب عليه في
ماله من زكاة أو فطرة أو خمس أو كفارة أو نذر أو مظالم أو ضمان مال ، فهو نافذ من أصل
ماله ، ولا خلاف في ذلك ، سواء وجب عليه في ذلك الحال أم كان دينا في ذمته من قبل ذلك
المسألة 90
ذكرنا ان المعاملات التي تشتمل على المحاباة تكون من المنجزات ، والوجه في ذلك : ان
المعاملة إذا اشتملت على المحاباة لاحد ، فباعه ما تبلغ قيمته في السوق مائتي دينار
بمائة دينار مثلا ، أو آجره ما تكون أجرته المتعارفة مائة دينار في الشهر الواحد بخمسين
دينارا ، فكأنه قد وهب المشتري أو المستأجر المبلغ الذي يكون به التفاوت ما بين القيمتين
، فالمعاملة لذلك تعد من التصرفات المنجزة ، وتدخل في موضع الخلاف في المسألة ، وقد
عرفت ان الاقوى انها تخرج من الاصل .
المسألة 91
الصدقة بجميع أقسامها من المنجزات ، حتى ما يدفعها المريض للفقير بقصد الشفاء من مرضه
، أو يدفعها المسافر بقصد السلامة في سفره ، أو يدفعها صاحب الحاجة بقصد قضاء حاجته
، ونجح طلبته ، فهي داخلة في موضع الخلاف وقد عرفت المختار فيها .
المسألة 92
قد يشكل الامر في بعض الفروض ، بناءا على القول بأن المنجزات تخرج من الثلث ، كالمرض
الذي يطول بالمرء سنين متعددة ، والمرض الخفيف الذي يتفق به الموت ، وكما إذا مات وهو
مريض ، وكان موته بسبب آخر غير المرض نفسه ، ولا أثر لهذا الاشكال ولا اختلاف في الفروض
كلها ، بناءا على أن المنجزات تنفذ من أصل المال كما هو الحق في المسألة .
المسألة 93
الحق بعض العلماء بعض الامور الخطرة التي يخشى فيها الهلاك بمرض الموت ، كحالات الحرب
وحالات الخوف من الغرق ، وحالات الاجتياز بالارض ذات السباع أو الحشرات القاتلة ، وحالات
الولادة والطلق للمرأة ، فذكر ان الشخص إذا أجرى بعض المنجزات المتقدم ذكرها في هذه
الاحوال واتفق موته فيها كان له حكم منجزات المريض ، فتخرج من الثلث بناءا على القول
بذلك في المسألة ، ومن الظاهر انه لا أثر لهذه الفروض جميعها بناءا على القول المختار
من أن التصرفات المنجزة تخرج من الاصل ، على أن الحاق هذه الامور بمرض الموت في غاية
الاشكال ، بل هو ممنوع وان قلنا بخروج المنجزات من الثلث .
المسألة 94
إذا أقر المريض لوارث من ورثته أو لشخص أجنبي عنه بدين ، أو بشئ مما هو في يده وكان
اقراره له وهو في مرض موته ، فان كان المريض المقر مأمونا لا يتهم بالكذب في قوله ،
صح اقراره ووجب انفاذه من أصل المال ، فيدفع الشئ الذي أقر به للشخص المقر له وان زاد
في مقداره على ثلث ماله ، ومهما بلغت زيادته ، وان كان المقر متهما في صدق قوله ، نفذ
اقراره في ثلث ماله خاصة ولم ينفذ في ما زاد عليه . ويراد باتهامه أن توجد امارات تدل
على أنه يريد تخصيص الشخص الذي أقر له بالمال الذي أقر به ، أو انه يريد حرمان بقية
الورثة منه .
المسألة 95
إذا أقر المريض بالدين أو بالعين لوارثه أو لاجنبي كما ذكرنا في الفرض السابق ولم يوجد
من القرائن ما يدل على أن المقر متهم في اقراره أو غير متهم ، ففي نفوذ اقراره في ما
يزيد على الثلث اشكال ، فلا يترك الاحتياط في هذا الفرض بالمصالحة ما بين الورثة والمقر
له .
المسألة 96
يراد بالثلث في هذا الباب ثلث جميع ما يتركه المريض حين ما يموت بمرضه من الاموال التي
يملكها سواء كانت من الاعيان الخارجية أم من الديون في ذمم الآخرين أم من المنافع أم
الحقوق التي يبذل بازائها المال ، ومنها الدية وأرش الجنايات التي تكون له على الآخرين
على الاقوى ، فيجمع جميع ذلك ويستخرج مقدار ثلثه ، ويكون ذلك هو المعيار في مسألة اقرار
المريض مع الاتهام وفي مسألة منجزات المريض إذا قيل بنفوذها من الثلث .
المسألة 97
إذا قيل بأن منجزات المريض تخرج من الثلث ولا تنفذ من الاصل ، فذلك انما هو إذا لم
يجز الورثة تصرفه ، فإذا أجاز الورثة ذلك نفذ الزائد على الثلث من الاصل ، وإذا أجازه
بعض الورثة دون بعض نفذ بمقدار حصة ذلك البعض المجيز من الاصل ، واختص في حصة الآخر
بالثلث ، فإذا كان الوارث ولدين مثلا وأجاز أحدهما ولم يجز الآخر نفذ في نصف الشئ من
الاصل واخرج الزائد على ما يصيب الثلث منه من حصة المجيز ، ونفذ في النصف الآخر من
الثلث ولم ينقص من حصة الولد الثاني شئ وإذا أجاز الورثة بعضا من الزائد على الثلث
نفذ من الاصل بمقدار ما أجازوه ، وقد عرفت المختار في مسألة المنجزات ، فالتفصيل المذكور
عندنا انما يجري في مسألة الاقرار مع الاتهام ، وفي الوصية إذا أجاز الورثة خروجها
من الاصل .
المسألة 98
إذا أجاز الورثة تصرف مورثهم في ما زاد على الثلث في المسائل المتقدم ذكرها وكانت اجازتهم
بعد أن مات المورث ، فلا ريب في صحة اجازتهم ونفوذ تصرفه من الاصل بسبب اجازتهم ، وان
كانوا قد ردوه أولا قبل موت المورث ، فلا يكون ردهم السابق مضرا في صحة اجازتهم اللاحقة
. وإذا أجازوا التصرف قبل موت المورث ثم ردوه قبل موته أيضا ، بطلت الاجازة الاولى
ولم تنفذ ، وإذا اجازوا قبل موته وبقوا على اجازتهم حتى مات المورث ، فالظاهر صحة اجازتهم
ونفوذها ، ولا يضر بصحتها ونفوذها إذا هم عدلوا فردوا بعد الموت .
المسألة 99
إذا اقر الانسان وهو في حال صحته بدين لوارثه أو لشخص أجنبي عنه أو أقر لاحدهما بشئ
آخر مما يملك ، أو أقر بذلك وهو مريض بغير مرض الموت ، صح اقراره فإذا مات نفذ من الاصل
من غير فرق بين أن يكون متهما في قوله أو مأمونا .
المسألة 100
إذا قال الرجل للمدين : ابرأت ذمتك من الدين بعد وفاتي ، لم يصح منه هذا الابراء لانه
انشاء معلق غير منجز ، فلا يكون صحيحا سواء كان الدائن صحيحا أم مريضا ، وفي مرض الموت
أم في غيره . وإذا أجاز الورثة ذلك فأبرأوا ذمة المدين بعد موت مورثهم وانتقال الدين
إليهم وقصدوا بالاجازة تنازلهم عن المال صح ذلك وبرئت ذمة المدين ، لانه ابراء جديد
، وإذا قصدوا بالاجازة امضاء ما انشأه المورث ، اشكل الحكم فيه ، بل الظاهر عدم الصحة
.