كتاب الغصب


[ كتاب الغصب ] وفيه ثلاثة فصول:

الفصل الأول : في الغصب وما يلحق به

الفصل الثاني : في أحكام الغصب

الفصل الثالث : في بعض ما يوجب الضمان


[ الفصل الاول ] [ في الغصب وما يلحق به ]

[ المسألة الاولى: ] الغصب هو استيلاء الشخص على مال غيره، أو على شئ من حقوقه ظلما، وقد تطابقت الادلة على تحريمه وشدة العقاب عليه، وسيأتي ذكر أمور تلحق بالغصب في بعض أحكامه فيكون الشخص المستولي على الشئ ضامنا له إذا تلف أو إذا طرأ عليه نقص أو عيب، ويجب عليه رده إلى صاحبه إذا كان الشئ موجودا، وان لم يكن الاستيلاء عليه غصبا محرما.
[ المسألة الثانية: ] قد يتحقق الغصب والاستيلاء ظلما على كل من العين المملوكة وعلى منفعتها معها من مالك واحد، ومثال ذلك: أن يأخذ الشخص دار زيد منه ويسكنها ظالما له في كليهما، فيكون غاصبا للدار وغاصبا لمنفعتها من زيد باستيلائه على الدار وعلى المنفعة، وكلتاهما مملوكتان لزيد نفسه. وقد يتحقق الغصب للعين من مالك، ويكون الغصب لمنفعتها من مالك آخر ومثال ذلك: أن تكون الدار مستأجرة لشخص آخر، فيستولي الظالم على الدار من مالكها، وعلى المنفعة من المستأجر فيكون غاصبا لكل واحدة منهما من مالكها، وقد يستولي على الدار غصبا مدة الاجارة، ولا يستطيع أن يستولي على المنفعة من المستأجر لعدم قدرته على غصبها

منه، أو يستولي على المنفعة وحدها، ولا يمكنه غصب الدار، فيكون غاصبا لاحداهما دون الاخرى. وقد يحصل الغصب بالاستيلاء على حق مالي للغير، كما إذا استولى على أرض قد حجرها شخص، أو غصب عينا مرهونة عند أحد، فيكون غاصبا لحق الشخص الذي حجر الارض ولحق المرتهن الذي ثبت له في العين حق الرهن، وكما إذا غصب الحجرة من الطالب الذي سكنها في المدرسة أو غصب المكان ممن سبق إليه في المسجد أو المشهد.
[ المسألة الثالثة: ] قد يكون المغصوب منه شخصا معينا من الاشخاص كما في الامثلة الآنف ذكرها، وقد يكون المغصوب منه نوعا من الانواع، ومثال ذلك: أن يعين المالك زكاته أو خمسه في مال معين فيستولي عليه الغاصب قبل ان يدفعه المالك الى مستحق معين، فيكون المغصوب منه هو نوع المستحق للزكاة أو الخمس، وكما إذا استولى على مدرسة موقوفة فمنع الطلاب أن يسكنوها، أو استولى على الضيعة الموقوفة على الفقراء أو على اليتامى فمنعهم أن يتصرفوا بمنفعتها، فيكون المغصوب منه في جميع هذه الامثلة هو النوع.
[ المسألة الرابعة: ] يحرم الغصب في جميع اقسامه، سواء كان الشئ المغصوب عينا أم منفعة أم حقا، ويجب على الغاصب فيها جميعا رفع اليد عن الشئ المغصوب ورده إلى صاحبه، إذا كان الشئ موجودا، وإذا كان تالفا أو طرأ عليه نقص أو عيب، وكان عينا أو منفعة لزم الغاصب ضمانه في صورة التلف، ولزمه ضمان ما نقص منه في صورة النقص، وضمان ارشه في صورة العيب، وكذلك إذا كان حقا يبذل بأزائه المال كحق التحجير وحق الاختصاص، ولا ضمان عليه إذا كان الحق مما لا يبذل بازائه المال، كحق السبق إلى المكان في المسجد أو المشهد.
[ المسألة الخامسة: ] لا يتحقق الغصب بالاستيلاء على الانسان إذا كان حرا، فإذا استولى عليه ظالم ووضع يده عليه لم يكن مغصوبا، سواء كان ذلك الحر



المستولي عليه كبيرا أم صغيرا، وضعيفا أم قويا وان كان الذي استولى عليه ظالما له وآثما بفعله، ولا يدخل الحر بسبب ذلك في ضمانه، فإذا مات المحبوس تحت استيلاء المستولي أو طرأ عليه حادث، فهلك بغير تسبيب من الحابس فلا ضمان عليه بسبب استيلائه عليه، ولا يضمن منافعه التي تفوت بسبب ذلك، فإذا كان الحر المستولي عليه صاحب صنعة ولم يعمل بصنعته في تلك المدة لم يضمن الحابس آجرتها.
[ المسألة السادسة: ] إذا هلك الحر المستولي عليه تحت استيلاء ظالمه، وكان هلاكه بتسبيب من المستولي كما إذا حبسه ومنعه من الماء أو من الاكل، فهلك جوعا أو عطشا، أو وضعه في مكان يتعرض فيه للدغ الحشرات، أو لاذى بعض الحيوانات أو السباع، فهلك بسبب ذلك كان ضامنا لهلاكه أو للعيب الذي يصيبه من ذلك، وضمانه من حيث تسبيبه للهلاك لا من جهة الغصب. وإذا استوفى المستولي من الحر بعض منافعه بعمل أو استخدام ضمن المنافع التي استوفاها منه، فيجب عليه دفع اجرتها، وإذا كان الحر المستولي عليه أجيرا لاحد، فمنعه المستولي عن العمل في المدة المعينة للعمل، كان المستولي ضامنا للمستأجر ما فوته عليه من المنفعة المملوكة له على الاجير في تلك المدة. وإذا كان الحر المستولي عليه أجيرا للمستولي نفسه على عمل، فمنعه بسبب استيلائه عليه من العمل لزمه ان يدفع له الاجرة المسماة له بعقد الاجارة بينهما، وضمان المستولي في هذه الصور بأسباب أخرى توجب الضمان لا بسبب الغصب.
[ المسألة السابعة: ] إذا منع الرجل صاحب الدابة المرسلة من أن يمسك دابته، لم يكن بذلك غاصبا لعدم استيلائه على الدابة، وان ظلم صاحب الدابة بمنعه عن امساكها وأثم لذلك، فإذا عطبت الدابة بغير تسبيب منه لم يضمن عطبها ولا عوارها.



وكذلك إذا منع صاحب السلعة من أن يبيع سلعته، فلا يكون غاصبا للسلعة بذلك، ولا يضمن نقص قيمتها إذا نقصت بعد ذلك، وكذا إذا منع صاحب الدار من ان يدخل داره، أو منع صاحب الفراش أن يتصرف في فراشه أو أن يرفعه من موضعه، فلا يكون غاصبا للدار ولا للفراش، ويأثم لمنعه صاحب الحق عن حقه، فإذا انهدمت الدار أو سرق الفراش بغير تسبيب منه فلا ضمان عليه.
[ المسألة الثامنة: ] المدار في تحقق الغصب للشئ هو أن يكون الشئ تحت استيلاء الانسان عدوانا، فإذا كان الشئ في بيته وطالبه المالك به فامتنع من دفعه له وحرص على منعه منه عدوانا كان غاصبا وان لم يحصل نقل للشئ ولا أخذ، وكذلك في سائر الاموال من الحيوان وغيره من المنقولات وغير المنقولات من الدور والضياع والدكاكين والقرى والمزارع وغيرها. ويتحقق غصب المنافع بانتزاع العين ذات المنفعة من يد مالك المنفعة، فإذا استأجر زيد الدار من مالكها، ثم انتزعها المؤجر من المستأجر عدوانا أو استولى عليها شخص آخر فمنع المستأجر منها ظلما كان غاصبا للمنفعة، سواء استوفى المنفعة في مدة الاجارة أم لا.
[ المسألة التاسعة: ] إذا سكن الرجل الدار مع مالكها ظالما له بذلك، وكان مالك الدار غير قادر على اخراج هذا المستولي من داره، فقد يكون استيلاء هذا الرجل العادي مختصا بطرف معين من الدار فيكون تصرفه وسكناه في تلك الجهة منها خاصة، ولا يعم بقية الاطراف من الدار، فيكون الغصب مختصا بالجهة المستولي عليها ويكون الضمان مختصا بها كذلك ولا يعم بقية الدار. وقد يعم استيلاؤه وتصرفه جميع الدار بحيث يكون استيلاؤه واستيلاء المالك على مجموع الدار بنسبة واحدة فيكون غاصبا لنصف الدار مشاعا ويكون ضامنا لنصفها كذلك، فإذا انهدم جميع الدار فهو ضامن لنصفها وإذا انهدم بعضها، فهو ضامن لنصف ذلك البعض المنهدم، وكذلك حكمه في ضمان المنفعة.



وإذا استولى على الدار، رجلان ظلما فسكنا مع المالك داره على نهج ما سبق، كان كل واحد من الرجلين العاديين غاصبا لثلث الدار وكان كل واحد منهما ضامنا لثلثها على البيان والآنف ذكره، وإذا كانوا ثلاثة كان غصب كل واحد منهم لربع الدار وكان ضمانه لربعها. وهكذا.
[ المسألة العاشرة: ] الظاهر انه لا يتحقق الغصب في الفرض الذي ذكرناه في المسألة السابقة، إذا كان الرجل العادي الذي سكن الدار مع المالك ضعيفا، وكان مالك الدار قويا قادرا على اخراجه منها متى شاء، فلا يحصل الغصب بسكناه مع المالك، ولا ضمان عليه إذا طرأ تلف أو عيب في الدار، ويستحق المالك عليه أجرة المثل عن المنفعة التي استوفاها بسكنى الدار مع المالك.
[ المسألة 11: ] إذا كان مالك الدابة راكبا على ظهرها، فأخذ رجل بزمام الدابة ظلما وقادها واستولى عليها فان كان المالك الراكب عليها ضعيفا لا يملك مقاومة المستولي في ما يصنع بدابته، فالظاهر تحقق الغصب بذلك فيكون قائد الدابة ضامنا لها، إذا أصابها عطب أو عيب أو كسر. وان كان المالك قويا قادرا على دفع المستولي وعلى مقاومته، لم يتحقق الغصب بذلك وان استسلم لقيادته موقتا لبعض الاغراض، فلا ضمان على القائد إذا تلفت الدابة أو أصابها كسر أو جرح بغير تسبيب منه ويضمن ما يصيبها أو يصيب المالك الراكب بسبب تصرفه، كما إذا قادها بعنف فسقطت وانكسرت أو جرحت أو هلكت أو أصاب المالك شئ من ذلك، وكذلك إذا ساقها بعنف فجمحت أو سقطت، فيكون ضامنا لما يحصل بسببه. ويجري نظير هذا التفصيل في الحكم في السيارة إذا كان المالك متوليا لقيادتها وأراد رجل آخر غصبها منه والاستيلاء عليها، فتجري فيها الصور المتقدمة وتنطبق آثارها فيتحقق الغصب في بعضها ولا يجري في البعض ويحصل الضمان إذا تحققت اسبابه ولا يحصل إذا لم تتحقق.



[ المسألة 12: ] إذا اشترك رجلان في غصب الدار أو السيارة من المالك في الفرض المتقدم فتآمرا بينهما على استغفال المالك ومقاومته والاستيلاء على الشئ المغصوب، ضمن كل واحد من الغاصبين مقدار ما استولى عليه من الدابة أو السيارة، فان كان استيلاؤهما عليها بالتساوي كان كل واحد منهما ضامنا لنصفها وإذا كان استيلاؤهما متفاوتا ضمن كل واحد ما استولى عليه منها، من غير فرق في الحكم بين أن يكون الرجلان معا سببا واحدا في حصول الاستيلاء، أو كان كل واحد منهما سببا مستقلا في الاستيلاء على العين، ومثال ذلك: أن يكون الرجلان ضعيفين لا يمكن لهما الاستيلاء على الشئ الا إذا تآزرا معا فقاوما المالك واستوليا على ماله، أو كان كل واحد منهما سببا مستقلا كافيا في حصول الاستيلاء إذا انفرد عن صاحبه.
[ المسألة 13: ] الظاهر أن غصب الاوقاف التي تفيد تمليك المنفعة للموقوف عليهم يوجب ضمان العين والمنفعة إذا تلفت أو حدث فيها نقص أو عيب، سواء كانت وقفا على اشخاص ام على عنوان عام أو خاص، وكذلك غصب الاوقاف التي تفيد صرف المنفعة على الموقوف عليهم من غير تمليك في الموارد المذكورة، فإذا غصب الوقف منها غاصب كان ضامنا له ولمنفعته.
[ المسألة 14: ] إذا كان الوقف وقف انتفاع لا وقف منفعة، كوقف المصاحف وكتب العلم وكتب الادعية للقراءة فيها والانتفاع منها، ووقف المدارس لينتفع الطلاب بسكناها، ووقف خانات المسافرين والرباطات للفقراء والقناطر والشوارع للعابرين، وغصبه غاصب أو أتلفه متلف اشكل الحكم بضمانه فلا يترك الاحتياط فيه.
[ المسألة 15: ] إذا غصب المسجد غاصب فالظاهر انه لا ضمان عليه بذلك فلا يضمن عينه إذا تلفت بعد الغصب أو انهدمت جدرانه أو تصدعت وحدثت فيها

عيوب، ولا يضمن أجرته إذا سكن فيه أو اتخذه مخزنا لبعض أمواله أو موضعا لبعض أعماله.
[ المسألة 16: ] يتحقق الغصب بالاستيلاء على العبد المملوك أو الامة المملوكة أو الدابة المملوكة، وتترتب عليه جميع أحكامه ويكون الغاصب ضامنا للعين ولمنافعها، سواء استوفاها الغاصب أم لم يستوفها.
[ المسألة 17: ] إذا لم يستول الانسان على العبد المملوك ولم يضع يده عليه ولكنه منعه عن عمل خاص له أجرة من غير أن يستوفي منفعته، لم يضمن ذلك الانسان عمله الفائت لعدم الغصب وان كان آثما بمنعه عن الاتيان بالعمل، والفارق في ضمان منفعة العبد في المسألة المتقدمة وعدم الضمان هنا، هو تحقق الغصب في تلك المسألة وعدمه هنا فلا التباس بين المسألتين. وإذا كان العبد أجيرا على ذلك العمل فمنعه الرجل عن الاتيان به وفات العمل بسبب منعه على المستأجر ضمنه للمستأجر وقد تقدم نظيره في الحر في المسألة السادسة.
[ المسألة 18: ] يلحق بالشئ المغصوب في الحكم بضمانه على الغاصب الشئ المقبوض بالعقد الفاسد فيكون مضمونا على القابض، فإذا كان البيع فاسدا، فالمبيع الذي يقبضه المشتري والثمن الذي يأخذه البائع يكونان مضمونين عليهما إذا تلفا بعد القبض أو حدث فيهما عيب أو نقص، وإذا كانت الاجارة فاسدة فالعين المستأجرة التي يقبضها المستأجر، والاجرة التي يقبضها المؤجر يكونان في ضمانهما كذلك، وإذا كان النكاح فاسدا فالمهر الذي تقبضه الزوجة يكون في ضمانها، سواء كان المتعاقدان عالمين بفساد العقد أم جاهلين به، وقد تعرضنا لبعض الفروض التي تتعلق بذلك في فصل شروط المتعاقدين من كتاب التجارة. ويلحق بالشئ المغصوب في الحكم بالضمان أيضا الشئ الذي يقبض بالسوم قبل العقد، كالعين التي يقبضها الشخص المستام لينظر أوصافها

ويتعرف على خصائصها، فإذا وافقت رغبته اشتراها أو استأجرها فتكون العين في ضمانه إذا تلفت أو حدث فيها نقص أو عيب، وان لم يكن غاصبا ولا آثما في قبضه للعين.
[ المسألة 19: ] إذا غصب الانسان أمة حاملة أو غصب انثى من الحيوان المملوك حاملة دخل الحمل في الغصب وتعلقت به احكام الغصب كما تعلقت بأمه ويكون الاستيلاء على أمه استيلاءا عليه فيكون الغاصب ضامنا للحمل كما هو ضامن للحامل فإذا مات الجنين في بطنها أو أسقطته ميتا أو مات في الولادة أو هلك بعد الولادة أو سقط ناقصا أو معيبا كان الغاصب ضامنا له في جميع ذلك ويضمن الجنين وأمه إذا نقصا في الاجهاض معا أو الولادة أو تعيبا أو تلفا.

[ الفصل الثاني ] [ في أحكام الغاصب ]

[ المسألة 20: ] يجب على الغاصب رد العين التي غصبها إلى مالكها إذا كانت موجودة، وان كان ردها يكلفه بذل مال وتحمل مؤنة، كما إذا كان المالك في بلد آخر وكان نقل العين المغصوبة إليه يتوقف على صرف مقدار من المال، بل وان استلزم رد العين ضررا شاقا على الغاصب، كما إذا كان قد جعل الحديد أو الخشب المغصوب أجزاءا من سقف بيته أو أعمدة يقوم عليها بناؤه، فإذا أرادها المالك وجب على الغاصب اخراجها من البناء وارجاعها إليه وان أوجب ذلك خللا أو هدما لبنائه، فانه قد تعمد كل ذلك بفعله وتصرفه عاديا بغير حق.
[ المسألة 21: ] إذا أدخل الغاصب لوحا أو ألواحا مغصوبة في تعمير سفينته وجب عليه نزع اللوح أو الالواح من السفينة في الحال وارجاعها إلى مالكها وان أوجب ذلك خرق السفينة أو تحطيمها وإذا اتفق كونه في ذلك الحال في البحر وخاف من الغرق إذا هو نزع اللوح وخشي هلاك نفس محترمة

جاز له تأخير ذلك، فإذا ارتفع المحذور وجب عليه نزع المغصوب ورده إلى صاحبه، وكذلك إذا خشي في البحر تلف مال محترم لغير الغاصب، وإذا كان المال للغاصب العامد ففي جواز التأخير اشكال. ويجب رد الخيوط المغصوبة إذا خاط الغاصب بها الثوب والزمه المالك بنزعها فيجب عليه نزعها وان فسد الثوب.
[ المسألة 22: ] إذا أخرج الخشب أو الحديد المغصوب من البناء أو انتزع اللوح المغصوب من السفينة، أو الخيط من الثوب، فأوجب ذلك نقصا في تلك الاشياء المغصوبة لزم الغاصب ضمان ارشها، وإذا لم تبق لها قيمة بعد النزع وجب على الغاصب دفع بدلها إلى المالك وكانت بحكم التالف فلا يحق للمالك أن يطالبه بالعين مع عوض المنفعة.
[ المسألة 23: ] يجري حكم العين المغصوبة الآنف ذكره في المال المأخوذ بالمقامرة والمال المأخوذ اجرة على عمل محرم كالاجرة على الزنا أو على اللواط أو على عمل الخمر أو على حمله أو على خزنه أو على بيعه، فيجب رده إلى صاحبه وان دفعه إليه باختياره وكان شريكا في الكبيرة أو في العمل المحرم.
[ المسألة 24: ] إذا استولى الغاصب على العين مدة وكانت ذات منفعة، وجب عليه رد العين على مالكها، ودفع بدل منفعتها تامة في تلك المدة، سواء كان قد استوفى المنفعة أم لم يستوفها فإذا هو غصب الدار مدة سنة، وجب عليه رد الدار، ودفع أجرة المثل لسكني الدار في مدة السنة، وان لم يسكن الدار في المدة أو سكنها في بعض المدة أو اسكنها غيره، وكذلك إذا غصب الحانوت أو غصب الارض أو غصب السيارة، فعليه رد العين ودفع قيمة المثل لمنفعتها.
[ المسألة 25: ] إذا كانت العين المغصوبة ذات منافع متعددة يمكن أن تستوفى منها،

وجب عليه رد العين، ووجب عليه دفع البدل عن المنفعة الشائعة المتعارفة بين الناس من منافع تلك العين، ولا يضمن أجرة المثل للمنافع الاخرى، وان أمكن استيفاؤها من العين، فإذا غصب الدار وجب عليه رد الدار ودفع أجرة المثل عن سكناها خاصة، فانها هي المنفعة المتعارفة لها وان أمكن له ان يجعل الدار معملا أو مخزنا لبعض الاموال أو معرضا للبضائع، وإذا غصب السيارة وجب عليه ردها، ودفع أجرة المثل لركوبها في تلك المدة، إذا كان الركوب فيها هو المنفعة المتعارفة لمثلها، أو دفع اجرة المثل لحمل الاثقال والامتعة فيها إذا كانت تلك هي منفعتها الشائعة، وهكذا في بقية الاعيان ذات المنافع.
[ المسألة 26: ] إذا كانت العين المغصوبة ذات منافع متعددة، وكانت منفعتها الشائعة المتعارفة متعددة أيضا، فان كانت أجرة المثل لكل واحدة من منافعها المتعارفة متماثلة لا يزيد بعضها على بعض، كما إذا كانت السيارة المغصوبة تتخذ عادة للركوب وللحمل على السواء، وكانت أجرة المثل لكل منهما على السواء ايضا، فأجرة المثل لها عن ركوبها أو الحمل فيها هي خمس دنانير في اليوم الواحد مثلا، وجب على الغاصب رد العين ودفع تلك الاجرة الواحدة عن منفعتها عن كل يوم في مدة الغصب، وإذا كانت الاجرة مختلفة بين المنفعتين وجب عليه أن يدفع الاعلى من الاجرتين.
[ المسألة 27: ] الظاهر انه لا فرق في ترتب الاحكام التى بيناها بين أن يكون الغاصب قد استوفى بعض المنافع من العين أم لم يستوف منها شيئا، ولا بين أن يكون ما استوفاه من منافعها من المنافع المتعارفة أم من غيرها، الا أن يكون ما استوفاه أكثر أجرة من المنافع المتعارفة فيجب عليه دفع الاكثر.
[ المسألة 28: ] إذا استولى الغاصب على السيارة، ووزع بعض أدواتها أو جميعها لينتفع بها في اصلاح سيارات أخرى، وجب عليه أن يرد أعيان الادوات إلى مواضعها من السيارة المغصوبة ثم يرد السيارة تامة الاجزاء إلى

مالكها، وإذا باع بعض الادوات على غيره وجب عليه ان يسترد المبيع ولو بأكثر من ثمنه. ويجب عليه أن يرد مع العين أجرة المثل لاستعمال تلك الادوات الموزعة في جميع المدة، وإذا نقصت قيمة الادوات باستعمالها وجب أن يرد معها أرشها وهو التفاوت ما بين قيمتها تامة وناقصة، وإذا سقطت قيمتها لكثرة استعمالها لزمه ضمان قيمتها ولم يجب عليه رد نفس الادوات المذكورة التى سقطت قيمتها، وكذلك إذا باع الادوات ولم يمكنه استرداد عينها فعليه ضمان قيمتها. وإذا سقطت قيمة السيارة المغصوبة بسبب توزيع أدواتها ولم يمكن له استردادها بارجاع الادوات إليها، ضمن قيمة السيارة تامة وضمن منفعة استعمال ادواتها في تلك المدة.
[ المسألة 29: ] إذا كان الشخص المغصوب منه كاملا غير محجور عليه، وجب على الغاصب رد العين المغصوبة والغرامات التى تلحقه بسبب غصبها وغصب منافعها إليه أو إلى وكيله الذى خوله حق القبض عنه ولا يجزيه أن يدفع ذلك إلى غيرهما، وإذا كان صغيرا أو مجنونا أو محجورا عليه لسفه ونحوه دفع ذلك إلى وليه، ولا يجزيه أن يدفعه إلى الصغير نفسه أو المجنون أو السفيه، الا إذا رضى الولي الشرعي بالدفع إليه.
[ المسألة 30: ] إذا كان المغصوب منه نوعا من الانواع لا شخصا من الاشخاص، كما إذا غصب الغاصب وقف منفعة للفقراء، أو غصب مال الزكاة أو الخمس بعد أن عزله المالك وقبل أن يدفعه إلى المستحقين، وجب على الغاصب أن يرد المغصوب الى المتولي الخاص على ذلك المال، فان لم يكن له متول خاص رده إلى الحاكم الشرعي أو وكيله المنصوب لذلك، ولا يجزيه أن يدفعه إلى أفراد النوع المغصوب منه، فيدفع وقف الفقراء المغصوب إلى بعض الفقراء مثلا، ويدفع مال الزكاة أو الخمس المغصوب إلى بعض المستحقين.

[ المسألة 31: ] إذا غصب الغاصب مسجدا أو شارعا موقوفا أو قنطرة موقوفة أو رباطا أو شبه ذلك مما يكون وقفه وقف انتفاع لا وقف منفعة، كفى في رد المغصوب أن يرفع الغاصب يده عن العين، ويتركها على حالها الذي وقفت عليه، وكذلك إذا غصب مدرسة كفاه ان يرفع يده عنها ويدعها للطلاب الذين يستحقون الانتفاع بالسكنى فيها، والاحوط ان يرد المدرسة إلى المتولي الخاص عليها، فان لم يكن فالى الحاكم الشرعي، ويتأدي الاحتياط بأن يردها الى الساكنين في المدرسة قبل الغصب باذن المتولي الشرعي عليها.
[ المسألة 32: ] إذا كان المالك والعين المغصوبة في بلد واحد، وكان هو البلد الذي وقع فيه الغصب وجب على الغاصب أن يرد العين على المالك في ذلك البلد، سواء كان هو بلد الغاصب أيضا ام لا. وإذا كان المالك في بلد الغصب وكانت العين في بلد آخر، وجب على الغاصب أن ينقل العين إلى المالك في بلد الغصب، وإذا كان المالك في بلد العين المغصوبة، وهو غير البلد الذي وقع فيه الغصب، جاز للمالك أن يخير الغاصب بين أن يرد إليه العين في ذلك البلد، وان ينقلها الى بلد الغصب فيرد العين إليه هناك، ويلزمه بأحد هذين الامرين. وإذا كان المالك في غير بلد الغصب وغير بلد المال المغصوب، جاز للمالك أن يلزم الغاصب بتسليم المال إليه في بلد الغصب، ويشكل أن يلزمه بنقل المال المغصوب الى بلد المالك، الا إذا توقف على ذلك صدق رد المغصوب، ومثال ذلك ما إذا كان المالك غريبا في البلد الذي وقع فيه الغصب ثم رجع إلى وطنه، فان رد المغصوب انما يكون بدفعه إلى مالكه، وبدون ذلك لا يتحقق للغاصب معنى أداء ما أخذت يده الذي دل عليه دليل الضمان.
[ المسألة 33: ] إذا حدث في العين المغصوبة نقص أو عيب لزم على الغاصب رد العين الناقصة أو المعيبة على مالكها، ولزمه مع ذلك أن يدفع له أرش النقصان

أو العيب الطارئ عليها، والمراد بالدرش هو التفاوت الحاصل ما بين قيمة العين وهي صحيحة وقيمتها وهي ناقصة أو معيبة، ولا يحق للمالك أن يلزم الغاصب بأخذ العين الناقصة ويدفع له قيمتها صحيحة تامة. ولا فرق في هذا الحكم بين أن يكون العيب الحاصل في العين مستقرا، كما إذا كسرت رجل الدابة أو قطع بعض أعضائها، وأن يكون مما يتزايد ويسري، كما إذا تعفنت الحنطة المغصوبة، فان التعفن فيها قد يتزايد حتى يتلف المال، وكالجرح العميق في العبد أو الدابة المغصوبة، فان مثل هذا الجرح قد يسري حتى يأتي على حياة العبد أو الدابة. والمرجع في ذلك الى أهل الخبرة والتمييز في هذه الامور، فإذا عدوا العين معيبة لزم الغاصب رد العين مع دفع الارش الآنف ذكره، وإذا عدوها تالفة لزمه دفع قيمة المغصوب صحيحا إذا كان قيميا، ومثله إذا كان مثليا.
[ المسألة 34: ] إذا كانت العين المغصوبة موجودة غير ناقصة ولا معيبة، وحدث هبوط في قيمتها في السوق أجزأ الغاصب أن يرد العين نفسها على المالك ولم يضمن نقصان قيمتها في السوق إذا لم يكن النقصان ناشئا عن طول استعمال العين واستهلاك طاقتها وجدتها.
[ المسألة 35: ] إذا تلفت العين المغصوبة قبل أن يردها الغاصب إلى مالكها لزمه ضمان العين التالفة، بأن يدفع للمالك مثلها إذا كانت العين مثلية ويدفع له قيمتها إذا كانت قيمية، وكذلك العين المقبوضة بالعقد الفاسد والمقبوضة بالسوم كما بينا في المسألة الثامنة عشرة. والمراد بالمثلي ما تساوت أجزاؤه في الصفات التي يطلبها الناس من ذلك الجنس والخصائص التي يرغبون فيها، وكان ذلك سببا لتساوي اجزائه في القيمة كالحبوب والادهان والعقاقير وامثالها، ومنه ما تنتجه المصانع والمعامل الحديثة من اشياء وأدوات وأجهزة وأثاث وأقمشة لتقاربها في الصفات كذلك والقيمي هو مالا تتساوى أجزاؤه في القيمة لعدم تساويها في الصفات والخصائص كالاراضي والعقارات والحيوان

وأمثالها، وقد ذكرنا ذلك في المسألة التاسعة والتسعين من كتاب التجارة وفي موارد متعددة أخرى فليرجع إليها.
[ المسألة 36: ] المعيار الذي ذكرناه هنا وفي المواضع السابقة للمثلي انما يجري بلحاظ الاصناف من الجنس الواحد، فتساوي الاجزاء في الصفات وفي القيمة انما هو بلحاظ كل صنف على انفراده من أصناف الجنس، لا بين الصنف والصنف الآخر منه، فنحن نحكم بأن الحنطة من المثلي لان كل صنف واحد منها يكون متساوي الاجزاء في الصفات المطلوبة وفي القيمة كما بينا، وقد يحصل اختلاف بين أفراد الصنف الواحد ولكنه اختلاف يسير لا ينظر إليه، ولا يضر بصدق المعيار المذكور، واما الاختلاف بين الصنفين من الجنس الواحد في صفاتهما وفي قيمتهما، فهو واضح، وليس من محل الكلام في الفارق المذكور وكذلك الحال في الارز والعدس والسمسم وغيرها من الحبوب وسائر المثليات.
[ المسألة 37: ] إذا تلفت العين المغصوبة وكانت من المثليات، وجب على الغاصب دفع مثلها للمالك كما بيناه، فإذا أعوز وجود المثل وجب عليه أن يدفع له قيمة المثل، وإذا اختلفت قيمة المثل في السوق وجب عليه أن يدفع قيمة المثل في يوم أداء القيمة، فإذا كان الغاصب ضامنا للمالك عن عينه التالفة منا من الحنطة، وتعذر وجود الحنطة، وجب عليه أن يؤدي له قيمة المن الذي في ذمته يوم دفع القيمة، سواء كانت قيمته قبل ذلك أقل منها أم اكثر.
[ المسألة 38: ] اعواز وجود المثل الذي يحكم معه بوجوب دفع القيمة بدلا عنه، هو عدم وجود المثل في البلد وفي ما حوله مما ينقل منه إلى البلد بحسب العادة، فإذا فقد المثل كذلك انتقل الضمان إلى القيمة.
[ المسألة 39: ] إذا أعوز وجود المثل مدة ثم وجد بعد ذلك، فان كان الغاصب قد

دفع القيمة بعد تحقق الاعواز أجزأه ما دفع وبرئت ذمته من الضمان، وان لم يدفع القيمة بعد وجب عليه أن يدفع المثل ولم تجزه القيمة.
[ المسألة 40: ] إذا وجد المثل بأزيد من ثمن المثل، وجب على الغاصب شراؤه ودفعه للمغصوب منه وان لزم منه الحرج، فان الحرج لا يسقط حق الغير.
[ المسألة 41: ] إذا وجب على الغاصب أن يدفع المثل وكان موجودا أجزأ الغاصب أن يدفعه للمالك وان هبطت قيمته السوقية عن قيمته السابقة، فلا يحق للمالك ان يطالب الغاصب بالقيمة الاولى، ولا يحق له أن يأخذ منه المثل ويطالبه بنقصان القيمة، ولا يحق له أن يمتنع عن أخذ المثل بالفعل ليبقى في ذمة الغاصب إلى ان ترتفع قيمته، الا إذا رضي الغاصب بذلك.
[ المسألة 42: ] إذا وجب على الغاصب أن يدفع للمغصوب منه مثل العين المغصوبة ثم سقط المثل عن المالية لبعض الطوارئ أو الحالات، لم يكف الغاصب أن يدفع المثل في تلك الحال، ولم تبرأ ذمته من الضمان بدفعه وهو ساقط القيمة، إذا لم يرض به المالك. ومن أمثلة ذلك: أن يغصب الغاصب من المالك ثلجا في شدة الحاجة إليه من أيام الحر في الامكنة الحارة ويريد أن يدفع إليه مثل الثلج المغصوب في أيام شدة البرد وعدم القيمة له، أو يغصب منه قربة من الماء في أيام الصيف وفي مكان يعز فيه وجود الماء، ويريد أن يدفع إليه مثل تلك القربة في مكان تكثر فيه الانهار والعيون المتفجرة بالمياه العذبة، فلا يكفيه ذلك إذا دفعه إليه، ويحق للمالك أن يطالب الغاصب بالفعل بقيمة المغصوب، ويجوز له ان ينتظر إلى زمان أو مكان يكون فيه المثل ذا قيمة فيطالبه به. وإذا طالب الغاصب بالقيمة فعلا، فهل تراعى قيمة المغصوب في زمان تلف المغصوب ومكانه إذا كان تالفا، وآخر ازمنة وجود المالية له وآخر أمكنتها إذا كان باقيا كما هو غير بعيد، أو تراعى قيمة



المغصوب في زمان الغصب ومكانه كما يراه جماعة من الاعيان؟ لا يترك الاحتياط بالتصالح لاشكال الحكم في المسألة.
[ المسألة 43: ] إذا تلفت العين المغصوبة وكانت من القيميات، لزم الغاصب ان يدفع قيمة العين للمالك فإذا كانت قيمتها متفاوتة في السوق وجب عليه أن يدفع له قيمتها في يوم تلفها.
[ المسألة 44: ] إذا اختلفت أحوال العين في مدة الغصب، فسمنت الدابة مثلا في بعض الايام، وهزلت في بعضها وكان ذلك سببا في اختلاف قيمتها، فكانت قيمة الدابة في أيام هزالها عشرين دينارا مثلا، وأصبحت في أيام سمنها ثلاثين دينارا، فإذا تلفت بعد ذلك ضمن الغاصب أعلى القيمتين، سواء كانت أيام السمن متقدمة على أيام الهزال أم متأخرة عنها، وكذلك الحكم في البستان أو الضيعة، فزاد نموها في بعض الاوقات وضعف في بعضها، وكانت قيمتها في أيام زهرتها خمسمائة وعند ضعف نموها ثلاثمائة، ثم تلفت، فيكون الغاصب ضامنا لقيمتها في أحسن أحوالها.
[ المسألة 45: ] إذا كانت قيمة العين في يوم غصبها مساوية لقيمتها في يوم تلفها، ولكن قيمتها في ما بينهما زادت لزيادة سمن الدابة ونمو الشجر في الفترة ما بين الوقتين، ثم عادت إلى حالتها الاولى فإذا تلفت بعد ذلك ضمن الغاصب أعلى القيمتين ولم ينظر إلى يوم التلف.
[ المسألة 46: ] إذا كانت قيمة العين المغصوبة وهي في بلد الغصب عشرة دنانير ثم نقلت إلى بلد آخر، فكانت قيمتها فيه خمسة عشر دينارا، وتلفت فيه، فلا يترك الاحتياط بالتصالح عن القيمة.
[ المسألة 47: ] إذا تعذر على الغاصب تسليم العين المغصوبة لمالكها تعذرا عاديا،



وجب على الغاصب أن يدفع له بدلها مثلها أو قيمتها، والمراد بالتعذر العادي أن يحكم أهل العرف بامتناع وقوع التسليم بمقتضى العادات المتعارفة بينهم وان لم يكن ذلك مستحيلا عقلا. ويسمى البدل الذي يدفعه الغاصب في هذا الحال بدل الحيلولة، ويكون هذا البدل المدفوع ملكا للمغصوب منه ما دامت هذه الحال، مع ان العين المغصوبة لا تزال في ملكه أيضا. وإذا اتفق ان تبدلت الحال المتعارفة فتمكن الغاصب من العين المغصوبة وردها إلى المغصوب منه استرجع منه البدل الذي دفعه إليه ومن امثلة ذلك أن تسرق العين المغصوبة أو تغرق، أو يأبق العبد المغصوب أو تشرد الدابة، فلا يستطيع الغاصب ان يرد العين على المالك بمقتضى حكم العادة ويجري فيها الحكم الانف ذكره.
[ المسألة 48: ] يملك المغصوب منه البدل الذي يدفعه له الغاصب عند الحيلولة بينه وبين العين المغصوبة بما ذكر من سرقة أو غرق أو اباق أو شرود دابة ونحو ذلك، فلا يتمكن بسبب هذا الحائل من رد العين إلى مالكها، وإذا ملك البدل المدفوع له ملك منافعه ونمائه الذي يتجدد مادام الحائل موجودا وما دام رد العين المغصوبة عليه ممتنعا، فإذا تمكن الغاصب ورد العين، استرد البدل من المالك، ولم يسترد معه المنافع والنماءات التي تجددت له في الفترة المذكورة لانها ملك المالك. ويسترد الغاصب مع البدل نماءه المتصل، فإذا كان البدل دابة وسمنت في تلك الفترة أو كان شجرة فنمت وزاد ارتفاعها فان هذا النماء تابع لعين البدل، فإذا استرده الغاصب بعد دفع العين المغصوبة استرد معه هذه النماءات المتصلة التابعة له. واما نماء العين المغصوبة ومنافعها التي تتجدد في مدة الحيلولة سواء كانت متصلة أم منفصلة فهي ملك المالك تبعا للعين، فتكون مضمونة على الغاصب إذا تلفت قبل أن يقبضها المالك، ولكن الغاصب لا يضمن منافع العين غير المستوفاة في تلك المدة على الاقوى.



[ المسألة 49: ] إذا لزم الغاصب أن يدفع للمالك قيمة العين، وجب أن تكون القيمة بالنقد الذي تجري به المعاملات في البلد من الذهب والفضة والمسكوكين بسكة المعاملة وما يجري مجراهما من المسكوكات الاخرى ومن العملة الورقية المتداولة في البلد، سواء كانت العين المغصوبة من القيميات أو من المثليات وقد لزمته القيمة لتعذر وجود المثل، وكذلك في جميع الضمانات والغرامات التي تلزم الانسان فلا يصح للضامن دفع غيرها الا بالتراضي به عوضا عن النقد الآنف ذكره ويقيسه الطرفان إليه.
[ المسألة 50: ] النحاس والرصاص والحديد، والنيكل والشبه وسائر الفلزات والمعادن المنطبعة، كلها من المثليات، فإذا غصبت فهي مضمونة بمثلها، وإذا تعذر وجود المثل ضمنت بقيمة المثل كما ذكرنا في حكم المثليات، ويراد بالمنطبعة أنها قابلة للطرق والتمديد، ويقابلها غير المنطبعة منها كالياقوت والزمرد والفيروزج، وهذه من القيميات.
[ المسألة 51: ] الذهب والفضة مثليان كما ذكرنا في المعادن المنطبعة، سواء كانا مسكوكين ام غير مسكوكين فيضمنان بالمثل، وإذا أعوز المثل ضمنا بالقيمة في يوم الاداء، وإذا اعوز المثل في الفضة وقومت بالذهب أو بغير الذهب والفضة من المسكوكات أو بالاوراق النقدية صح ولم يكن فيه اشكال، وكذلك إذا اعوز المثل في الذهب فقوم بغير الذهب، فيصح من غير اشكال، وإذا قوم الذهب بالذهب أو قومت الفضة بالفضة، وكان العوض والمعوض متساويين في الوزن صح كذلك ولم يكن فيه اشكال، وإذا قوم أحدهما بجنسه، مع التفاوت في الوزن بين العوض والمعوض اشكل الحكم بالصحة لاحتمال طروء الربا في هذا الفرض ولذلك فلا يترك الاحتياط بأن يكون التقويم بغير الجنس، وإذا كان التقويم بالجنس روعي أن يكون العوضان متساويين في الوزن لتسلم المعاملة من شبهة الربا.



[ المسألة 52: ] إذا تعاقبت الايدي العادية على المال المغصوب، فغصبه الغاصب الاول من المالك ثم غصبه الغاصب الثاني من الاول والثالث من الثاني، تعلقت أحكام الغصب بالغاصبين جميعا، فإذا كانت العين المغصوبة موجودة وردها بعضهم إلى المالك تحقق امتثال الحكم منه، وسقط الحكم بوجوب الرد عن الباقين منهم. وإذا تلفت العين المغصوبة، ضمنوا جميعا للمالك، وجاز للمالك أن يرجع عليهم بمثلها إذا كانت مثلية وبقيمتها إذا كانت قيمية، وتخير بين أن يرجع بالبدل على بعضهم وعلى جميعهم بالتوزيع بالتساوي أو بالتفاوت كما يشاء. فإذا رجع المالك على الغاصب الاخير وهو الذي تلفت العين المغصوبة في يده لم يرجع هذا على من قبله بل يستقر عليه الضمان، وإذا رجع على من قبل الاخير بالجميع أو بالتوزيع صح لهذا أن يرجع بما غرمه للمالك على الاخير الذي تلف بيده المال ويصح له أن يرجع به على الغاصب الذي يليه وإذا رجع إلى من يليه جاز لهذا ان يرجع إلى الغاصب بعده حتى يستقر ضمان الجميع على الاخير. وكذلك إذا ترتبت الايدي على الغصب وان لم يغصب الثاني من الاول كما إذا وهب الاول الثاني العين المغصوبة أو باعه اياها أو نقلها إليه بصورة أخرى، ويجري الحكم المذكور في ما يلحق بالغصب وان لم يكن غصبا محرما كالمقبوض بالسوم والمقبوض بالعقد الفاسد.
[ المسألة 53: ] قد تكون المادة التي تتخذ منها العين من المثليات، ويدخل عليها أثر عمل أو صنعة فتصبح بسبب ذلك الاثر الطارئ عليها من القيميات كالثياب الجاهزة التي تستورد من الخارج وبعض ما يصنع منها في الداخل، فهي بسبب التجهيز والاثر الداخل عليها تعد من القيميات والظاهر أن الناس لا يختلفون في ذلك. وقد تصبح العين بسبب ذلك موضع شك وتردد كالاواني التي تتخذ من النحاس أو المعدنيات الاخرى إذا كانت الآثار التي تدخل عليها من

الصناعات اليدوية والاعمال الشخصية، وكالحلي الذي يتخذ من الذهب والفضة، فهل تكون العين مركبة من المثلي والقيمي فتضمن المادة بالمثل وتضمن الهيئة التي أدخلت عليها بالقيمة، أو يعد المجموع من المادة والهيئة فيها قيميا فتضمن كذلك؟ والظاهر الرجوع في استيضاح أمرها إلى ثقاة أهل الخبرة في ذلك، وأما الاواني والظروف والادوات والثياب ونحوها التي تنتجها المصانع الحديثة متشابهة في الصفات ومتقاربة في القيمة فقد تقدم هنا وفي أمكنة أخرى انها تعد من المثليات.
[ المسألة 54: ] إذا غصب الانسان شيئا مثليا أو قيميا وعليه أثر صناعة أو فن تزيد في ماليته، فأفسد الغاصب الهيئة أو الفن الموجود فيه، وبقيت العين خالية من ذلك، وجب على الغاصب ان يرد على المالك العين الموجودة وضمن له قيمة الهيئة التي أتلفها واثر الفن الذي أفسده، ومثال ذلك: أن يغصب حليا مصوغا من الذهب أو من الفضة فأتلف الغاصب صياغته أو غصب آنية أو شيئا من المعدنيات، وعليهما أثر من الفن والتزويق الذي يوجب الرغبة والزيادة في قيمتهما، فأفسد الغاصب ما فيهما من أثر وصنعة، وجب على الغاصب ان يرد للمالك العين وعليه ضمان ما أتلف وأفسد، ولا يحق لمالك العين ان يلزم الغاصب بأن يعيد الهيئة أو أثر الفن والصنعة التي أفسدها، ولا يجب على المالك القبول من الغاصب إذا بذل له ذلك والتزم أن يعيد الهيئة والاثر كما سبق.
[ المسألة 55: ] إذا غصب الانسان شيئا من آلات اللهو أو الاصنام أو الصلبان أو غيرها من الاشياء المحرمة غير المحترمة في الاسلام وتلفت لم يضمن الغاصب هيئتها وصورتها التي بها تكون آلة للهو وموضعا للعبادة المحرمة ومدارا للحكم بالتحريم في الشريعة، ويجب عليه أن يرد المادة خالية من الصناعة المحرمة إذا كانت المادة موجودة، وإذا كان قد أتلف الجميع ضمن مثل المادة وحدها إذا كانت مثلية وضمن قيمتها إذا كانت قيمية.

[ المسألة 56: ] تقدم منا في فصل الاواني من كتاب الطهارة، وفي المسألة الرابعة عشرة من كتاب التجارة: انه يجوز للانسان أن يقتني آنية الذهب والفضة إذا لم يكن الاقتناء للاستعمال أو الانتفاع بها، أو ليجعلها متاعا معدا للانتفاع به وان لم يستعملها بالفعل، بل كان اقتناؤها لحفظها أو حفظ المالية بهذه الصورة ونحو ذلك من الغايات المحللة، ونتيجة لذلك، فلا تكون الصناعة فيها محرمة وغير محترمة إذا كانت للغايات المباحة، فإذا أتلفها الغاصب كان ضامنا لها، ولا يعمها الحكم المذكور في المسألة المتقدمة.
[ المسألة 57: ] يضمن الغاصب نقص العين المغصوبة وعيبها إذا حدث أحدهما بعد الغصب، فيضمن ارش النقص والعيب وقد تقدم ذكر هذا.
[ المسألة 58: ] إذا زاد الغاصب في العين المغصوبة شيئا بعد ما غصبها واستولى عليها، فقد تكون الزيادة أثرا خالصا ولا عين فيه، كما إذا غزل القطن أو الصوف أو الوبر الذي غصبه، وكما إذا خاط الثوب أو العباءة التي غصبها بخيوط مملوكة له، وكما إذا مرن الفرس التي غصبها، وعودها على الخصال الممدوحة في الخيل عند العدو والوقوف وخفة الحركة والانتباه للاشارات في المسابقة، وقد تكون الزيادة عينا خالصة كما إذا غصب أرضا فارغة فغرسها نخيلا وشجرا وشق فيها نهرا أو استنبط فيها بئرا، وقد تكون الزيادة التي جعلها في العين أثرا وعينا مشوبين، فصبغ السيارة التي غصبها أو الثوب الذي غصبه، ولكل من هذه التصرفات أثره وأحكامه عند رد العين المغصوبة كما سيأتي بيانه في المسائل الآتي ذكرها، فلتلاحظ.
[ المسألة 59: ] إذا زاد الغاصب في العين وكانت زيادته فيها أثرا محضا ومثال ذلك ان يعلم العبد المغصوب القراءة والكتابة أو يعلمه صنعة منتجة، أو



يطحن الحنطة المغصوبة أو يصوغ الفضة أو الذهب المغصوب، أو ينسج الغزل المغصوب. وإذا كانت العين موجودة ولم تتلف، وجب على الغاصب ردها إلى مالكها ولا يستحق الغاصب على المالك شيئا للزيادة التي عملها في العين، ولا يستحق على عمله فيها أجرة، ولا يجوز له أن يبدل العين المغصوبة فيدفع للمالك مثلها خاليا من الزيادة إذا كانت موجودة كما هو الفرض، ولا يجوز له أن يزيل الاثر الذي عمله في العين، كما إذا أراد أن يزيل الصياغة من الفضة أو الذهب المغصوب ويعيدهما سبيكتين كما غصبهما ويجوز للمالك ان يلزم الغاصب بذلك إذا كان ممكنا، وكان له فيه غرض يقصده العقلاء، فإذا الزمه المالك بذلك وفعله لم يضمن له قيمة الصنعة، وإذا حدث في العين بسبب ذلك نقص أو عيب ضمن للمالك أرشه.
[ المسألة 60: ] إذا غصب الغاصب الارض فزرعها أو غرسها شجرا أو نخيلا، وكان الحب الذي زرعه، والفسيل والودي الذي غرسه مملوكا للغاصب، فالزرع والغرس والنماء جميعه للغاصب، وتجب عليه أجرة المثل للارض مادام الزرع والغرس فيها، ويجب على الغاصب ازالة زرعه وغرسه من الارض إذا لم يرض المالك ببقائه فيها، وان دخل الضرر على الغاصب بازالته، وإذا رضي المالك ببقاء زرع الغاصب وغرسه في الارض مجانا جاز له ابقاؤه، وكذلك إذا رضي ببقائه مع الاجرة فيتراضيان على تعيين المدة ومقدار الاجرة، وإذا بذل الغاصب أجرة الارض ليبقى زرعه وغرسه فيها إلى أن يدرك لم يجب على المالك القبول وكذلك إذا بذل له قيمة الارض ليشتريها منه فلا يجب عليه القبول، وإذا رغب المالك ان يشتري الزرع والغرس من الغاصب فبذل له قيمته لم تجب على الغاصب اجابته إلى ذلك. وإذا أزال الغاصب زرعه وغرسه من الارض وجب عليه طم حفرها وان يدفع للمالك ارش نقصها الذي يحدث فيها بسبب فعله.



[ المسألة 61: ] إذا غصب الغاصب الارض وبنى فيها بناءا وكانت مادة البناء وحجارته واجزاؤه ملكا للغاصب نفسه جرى فيها جميع الاحكام المتقدمة في الزرع والغرس، فالبناء ونتاجه ملك للغاصب، وتلزمه أجرة المثل للارض مادام البناء موجودا عليها، وتجب على الغاصب ازالة البناء من الارض الا إذا رضي المالك ببقائه مع الاجرة أو بدونها حسب ما يتراضيان عليه، وهكذا في جميع الاحكام والآثار التي ذكرناها في المسألة المتقدمة.
[ المسألة 62: ] إذا حفر الغاصب في الارض المغصوبة بئرا أو شق فيها نهرا، فان طلب المالك منه ان يطم البئر أو النهر لغرض من الاغراض المقصودة، كما إذا أراد أن يبني فيها عمارة، وجب عليه ذلك ولزمه ان يطم الارض ويساوي الحفر، وإذا لم يطلب المالك ذلك لم يجز له طم البئر والنهر سواء منعه المالك عن ذلك أم لم يمنعه، ولم يطلب منه ازالتهما.
[ المسألة 63: ] إذا غرس الغاصب في الارض المغصوبة غرسا أو زرع فيها زرعا أو بنى فيها بناءا وكان الودي والفسيل الذي غرسه فيها والحب الذي زرعه وأجزاء البناء الذى اقامه ملكا لمالك الارض، فجميع الغرس والزرع والبناء الذي احدثه في الارض يكون للمالك ولا يحق للغاصب أن يزيل منه شيئا أو يطالب مالك الارض عنه بأجرة عمل، ويجوز لمالك الارض أن يلزمه بازالة ما أحدث في الارض إذا كان له من ذلك غرض يقصده العقلاء، فإذا ألزمه بذلك وجب على الغاصب أن يزيله وإذا حدث بسببه نقص في الارض لزم الغاصب دفع ارش الارض ووجب عليه طم حفرها.
[ المسألة 64: ] قد تكون الزيادة التي يزيدها الغاصب في العين أثرا مشوبا بعين، وقد شاع التمثيل بين الفقهاء لهذه الصورة بما إذا غصب ثوبا ثم صبغه بصبغ يملكه الغاصب، وهذا المثال قد يصعب تطبيقه على بعض الفروض



التي يدور الحديث عليها في المسألة، وكذلك إذا مثل لما بما إذا غصب سيارة ثم صبغها، أو غصب دارا ثم صبغها بصبغ يملكه، والامر سهل في المثال بعد وضوح المراد. وإذا غصب العين ثم صبغها كما في المثال، فقد يكون من الممكن للغاصب أن يزيل الصبغ عن الثوب أو السيارة أو الدار المغصوبة، بحيث تبقى العين خالية من الصبغ، ويبقى الصبغ عينا متمولة بعد ازالته عن العين المغصوبة، فإذا أمكن ذلك، جاز للغاصب أن يفعله، ولا يحق لمالك العين أن يمنعه من فعله، ويجوز لمالك العين أن يلزم الغاصب بفعله فيختص كل واحد منهما بما يملك، وإذا أزال الغاصب الصبغ عن العين المغصوبة فأوجب ذلك حدوث نقص فيها كان الغاصب ضامنا للنقص فيجب عليه دفع أرشه سواء كان فعله باختياره هو أم بطلب من مالك العين. وإذا طلب مالك العين من الغاصب أن يملكه الصبغ ليكون المجموع له لم تجب على الغاصب اجابته إلى طلبه، وكذلك إذا طلب الغاصب من المالك أن يملكه العين فبذل له قيمتها لم تجب على المالك اجابته.
[ المسألة 65: ] إذا لم يمكن للغاصب أن يزيل الصبغ عن العين، وكانت للصبغ عين متمولة وهو في هذا الحال، كان مالك العين ومالك الصبغ شريكين في العين المصبوغة بنسبة القيمة، فإذا كانت قيمة العين وقيمة الصبغ متساويتين كانا شريكين بالمناصفة، وإذا كانت القيمتان متفاوتتين كان كل واحد شريكا في المجموع بنسبة قيمة ماله، فإذا كانت قيمة الثوب وحده عشرة دنانير وقيمة الصبغ وحده خمسة دنانير فلمالك الصبغ الثلث من المجموع ولمالك الثوب الثلثان، وهكذا في الزيادة والنقيصة. وإذا حدث نقص في قيمة العين بسبب الصبغ أو بسبب آخر كان الغاصب ضامنا للنقص، ولا يضمنه إذا كان النقص بسبب هبوط القيمة في السوق. وكذلك الحكم إذا أمكنت ازالة الصبغ ولكنهما تراضيا على بقاء



الاشتراك بينهما فيكونان شريكين بنسبة القيمة على نهج ما تقدم بيانه وتفصيله في المسألة.
[ المسألة 66: ] إذا صبغ العين التي غصبها بصبغ مغصوب أيضا، وكانت للصبغ عين متمولة في قبال العين المغصوبة كما فرضنا في المسألة السابقة، ولم تمكن الازالة حصلت الشركة بين مالك العين ومالك الصبغ بنسبة قيمة ماليهما على نهج ما سبق، وإذا طرأ على أحدهما نقص بسبب فعل الغاصب كان الغاصب ضامنا لارشه، وإذا طرأ النقص عليهما معا ضمن الغاصب لكل واحد منهما النقص الذي ورد على العين التي يملكها بالسوية إذا كان النقص متساويا وبالنسبة إذا كان متفاوتا.
[ المسألة 67: ] إذا غصب الرجل شيئا مثليا فخلطه بجنسه مما يملك حتى فقد التمييز بينهما وكان المالان متماثلين في الصفات وفي الجودة والرداءة، كان الغاصب مع المالك شريكين في مجموع المال بنسبة مقدار كل واحد من المالين إلى المجموع، وجرت عليه أحكام المال المشترك، ولا يكون الغاصب ضامنا لمثل المال المغصوب أو قيمته، ولا يجوز له التصرف في المجموع الا برضى المالك، ويجب عليه تسليم المال المشترك ليفرز بينه وبين شريكه برضاهما ويقسم عليهما بنسبة ماليهما، أو ليباع المجموع ويأخذ كل واحد منهما حصته من الثمن بتلك النسبة، ويتخيران في ذلك.
[ المسألة 68: ] إذا غصب الرجل شيئا مثليا وخلطه بشئ من جنسه مما يملك حتى ارتفع التمييز بين المالين كما ذكرنا في الفرض المتقدم، وكان المال المغصوب أجود من ماله الذي خلطه به، كان الغاصب مع المالك شريكين في مجموع المال بنسبة مقدار المالين كما سبق، فإذا خلط منا مغصوبا من الحنطة بمن من الحنطة يملكه فهما شريكان بالمناصفة في مجموع المال، وإذا خلطه بمنين مما يملكه فهما شريكان بالمثالثة ويكون لصاحب العين المغصوبة ثلث المجموع وللغاصب الثلثان منه، وإذا أرادا تقسيم المال أو أرادا بيعه لزم أن يكون التقسيم والبيع بنسبة القيمة، فإذا



كانت قيمة المن المغصوب عشرة دنانير لانه أجود وكانت قيمة المن الذي يملكه خمسة دنانير كانت الشركة بينهما بالمناصفة لتساوي المالين في المقدار ولزم أن يكون التقسيم بينهما بالمثالثة، فيجعل لمالك المن المغصوب سهمان من المجموع لانه يملك ثلثي القيمة ويجعل للغاصب سهم واحد منه، لانه يملك ثلث القيمة، وكذلك إذا باعا مجموع المال، فيكون للاول ثلثا الثمن وللثاني ثلثه. والاحوط في الفرض وفي جميع نظائره مما يختلط فيه المالان وهما من جنس واحد مما يكال أو يوزن، ويكونان مختلفي القيمة أن يختار البيع وتقسيم الثمن بحسب القيمة تخلصا من شبهة الربا، وان كان الاقوى عدم جريان أحكام الربا في القسمة كما ذكرناه في المسألة الخامسة والثلاثين من كتاب الشركة.
[ المسألة 69: ] إذا غصب الشئ المثلي وخلطه بمثله مما يملك حتى فقد التمييز بين المالين، وكان المال المغصوب أردأ من ماله الذي خلطه به كان المالك والغاصب شريكين في المال الممتزج وجرت فيه الاحكام التي ذكرناها في المسألة الثامنة والستين سواء بسواء ولا حاجة إلى التكرار.
[ المسألة 70: ] إذا غصب الرجل الشئ ومزجه بغير جنسه حتى عد المال المغصوب تالفا في نظر أهل العرف، ومثال ذلك أن يمزج ماء الورد المغصوب بالماء المطلق حتى يصبح المجموع ماء مطلقا، أو يمزجه بزيت أو خل أو نحوهما مما لا يبقى معه لماء الورد عين ولا خصوصيته في نظر الناس، فيكون الغاصب ضامنا للعين المغصوبة بمثلها إذا كانت مثلية وبقيمتها إذا كانت قيمية. وإذا مزجه بجنس آخر ولم يعد تالفا في نظر أهل العرف، بل يعدونه مالا ممتزجا بغيره، جرى فيه الحكم المتقدم في خلط الشئ بما هو أجود منه أو أردأ، فيكون الغاصب والمالك شريكين في العين بنسبة مقدار ما لاحدهما من المال إلى مجموع المالين، وإذا أرادا القسمة أو أرادا بيع



المال كانت القسمة بنسبة قيمة كل واحد من المالين إلى قيمة مجموعهما كما فصلناه في المسألتين السابقتين.
[ المسألة 71: ] إذا خلط الغاصب المال المغصوب بمال آخر هو أجود منه أو أرادأ، أو خلطه بمال من جنس آخر فكان هذا الخلط سببا لنقص قيمة المال المغصوب عن قيمته قبل الخلط، كان الغاصب ضامنا لهذا النقص، فإذا قسم المال أو بيع، أخذ المالك مقدار قيمة ماله المغصوب قبل خلطه وكان الباقي للغاصب.
[ المسألة 72: ] منافع العين المغصوبة كلها ونماءاتها وفوائدها مملوكة لمالك العين من غير فرق بين ما كان موجودا منها قبل الغصب وما تجدد بعده، والغاصب ضامن لها جميعا، من غير فرق بين الاعيان منها كالولد والثمر واللبن والزبد والصوف والشعر والوبر، والمنافع كركوب السيارة والفرس والدابة والحمل عليها، ومنافع الدار والعقار والضيعة والبستان وفوائدها التي تحصل من اجارتها وغيرها، وكل صفة تزيد بسبب وجودها قيمة العين المغصوبة، فإذا وجدت الصفة بعد الغصب ثم فقدت فكان زوالها موجبا لنقصان قيمة العين بعد زيادتها، فهي مضمونة على الغاصب وان كانت قيمة العين حين الرد مساوية لقيمتها حين الغصب.
[ المسألة 73: ] إذا غصب عبدا مملوكا فعلمه بعد الغصب صنعة زادت لها قيمة العبد، ثم نسي العبد الصنعة فهبطت قيمته كان الغاصب ضامنا لتلك الزيادة المفقودة، فإذا تعلم العبد تلك الصنعة مرة ثانية فزادت قيمته، فلا ضمان على الغاصب للزيادة الاولى بعد رجوع الصفة والقيمة إلى ما كانت، الا ان تنقص قيمته الثانية عن قيمته الاولى، فيكون الغاصب ضامنا للتفاوت الذي حصل بين القيمتين، وكذلك الحكم إذا سمنت الدابة فزادت قيمتها، ثم هزلت فنقصت القيمة كان الغاصب ضامنا لتلك القيمة، وإذا عاد لها سمنها وعادت قيمتها، فلا ضمان عليه



لقيمتها الاولى، الا إذا قلت قيمتها في المرة الثانية عن قيمتها الاولى فيكون ضامنا للتفاوت.
[ المسألة 74: ] إذا حصلت في العين المغصوبة صفة فزادت لذلك قيمتها، ثم فقدت تلك الصفة، فنقصت القيمة، ثم تجددت في العين صفة أخرى زادت لها قيمة العين مرة ثانية لم يزل عن الغاصب ضمان القيمة الاولى بتجدد الصفة والقيمة الثانية. ومثال ذلك: أن يتعلم العبد صنعة أو لغة فتزيد لذلك قيمته، ثم ينسى الصنعة فتهبط قيمته لذلك ويكون الغاصب ضامنا لتلك الزيادة، فإذا تعلم العبد صنعة ثانية ورجعت قيمته أو زادت عن الاولى فلا يزول بذلك ضمان الغاصب للزيادة الاولى، ومن أمثلة ذلك أن تسمن البقرة فترتفع لذلك قيمتها ثم تهزل فتقل قيمتها الاولى ويكون الغاصب ضامنا لها، ثم يكثر بعد ذلك لبن البقرة فترتفع قيمتها مرة ثانية، بسبب ذلك ولا يزول بذلك ضمان الغاصب للزيادة الاولى.
[ المسألة 75: ] إذا تجددت في العين المغصوبة صفة ولم توجب الصفة زيادة في قيمة العين لم يضمنها الغاصب إذا فقدت، ومثال ذلك: أن يسمن العبد المملوك ثم يزول سمنه فلا يكون الغاصب ضامنا لذلك.
[ المسألة 76: ] إذا جب الغاصب العبد المغصوب وجبت عليه دية الجناية على العبد، وان زادت بسبب ذلك قيمة العبد.
[ المسألة 77: ] إذا غصب الرجل حبا فزرعه كان الزرع ونتاجه لمالك الحب، سواء زرعه الغاصب في أرضه وسقاه من مائه ام زرعه في أرض المغصوب منه وسقاه من مائه، وكذا إذا غصب فسيلا أو وديا فغرسه، فالغراس ونتاجه لمالك الفسيل والودي وتلاحظ المسألة الثالثة والستون.
[ المسألة 78: ] إذا غصب الغاصب بيضا فأحضنه دجاجته أو جعله في الجهاز الحديث



الذي يملكه هو المعد لاحتضان البيض واستفراخه حتى انتج، فالفراخ الناتجة ملك لمالك البيض، ولا يستحق الغاصب على عمله أجرة وكذلك إذا غصب دجاجا أو غيره من ذوات البيض، فأنتجت بيضا ثم فراخا، فالبيض والفراخ لمالك الدجاج المغصوب، ولا آجرة للغاصب على عمله.
[ المسألة 79: ] إذا غصب فحل بقر أو فحل غنم أو غير ذلك من فحول الحيوان وأنزاه على اناث من جنسه فلقحت وأولدت، فالنتاج لمالكي الاناث، وإذا كانت الاناث ملكا للغاصب نفسه فالنتاج له وتجب عليه أجرة الفحل لمالكه.
[ المسألة 80: ] يملك الكافر الذمي الخمر والخنزير إذا كان يستتر بشرب الخمر وأكل لحم الخنزير ولا يتجاهر بهما كما هو أحد شروط الذمة عليه، فإذا غصبهما منه غاصب وتلفا عنده بعد الغصب كان ضامنا لقيمتهما عند أهل الذمة. وإذا ملك المسلم عصيرا وانقلب عنده خمرا كان له حق الاختصاص به، فلا يحل لاحد غصبه منه، فإذا انقلب بعد ذلك خلا كان ملكا له، ونتيجة لذلك فإذا غصبه منه غاصب بعد ان انقلب خمرا، وجب على الغاصب رده إليه لاختصاصه به، وكذلك إذا غصبه منه عصيرا ثم انقلب عند الغاصب خمرا فيجب عليه رده، ومثله ما إذا اختص المسلم بالخمر بسبب آخر ليجعل الخمر خلا، أو لغير ذلك من الغايات المباحة، فإذا غصبه أحد وجب عليه رده، وإذا انقلب عند الغاصب خلا ثم تلف كان الغاصب ضامنا لقيمته خلا، وإذا تلف عند الغاصب وهو خمر وقد غصبه خلا ضمن قيمة الخل كذلك وإذا غصبه خمرا وتلف عنده خمرا ففي ضمانه اشكال، ولا يترك الاحتياط بأن يصالحه عن حق الاختصاص.
[ المسألة 81: ] تجري جميع أحكام الضمان التي تقدم تفصيلها وبيانها في كل يد توضع على مال الآخرين بغير حق، وان لم تكن اليد غاصبة ولا ظالمة، ولم يكن واضعها عاصيا ولا آثما، كما إذا وضع الرجل يده على مال



غيره وهو يعتقد أن المال له ثم علم أنه مال غيره، وكما إذا أخذ المال من أحد بشراء أو هبة أو عارية وهو يعتقد أن المال ملك لذلك الشخص، ثم ظهر له انه سارق، وقد تقدم ان جميع هذه الاحكام تجرى في الاشياء التي يقبضها الانسان بالسوم أو يقبضها بالمعاملة الفاسدة، ويسمى الضمان في جميع هذه الموارد بضمان اليد، لقوله صلى الله عليه وآله: (على اليد ما أخذت حتى تؤدي)، ولا ضمان على صاحب اليد إذا كان أمينا سواء كانت أمانته من قبل المالك كالوديعة والعارية أم كانت بحكم الشارع كالعين المستأجرة ونحوها.

[ الفصل الثالث ] [ في بعض ما يوجب الضمان ]

[ المسألة 82: ] إذا أتلف الانسان مال غيره لزمه ضمان ما أتلف، سواء كان عامدا في فعله أم غير عامد كما إذا كسر الاناء أو أراق المائع وهو نائم أو وهو ساه أو غافل، فيلزمه ضمانه، وكذلك إذا أتلف الشئ في حال صغره وعدم تكليفه فيكون عليه ضمان التالف، ويؤديه عنه الولي من مال المولى عليه وإذا لم يكن له ولي أو لم يكن له مال لزمه اداؤه بعد البلوغ.
[ المسألة 83: ] قد يكون اتلاف الانسان لمال الغير بنحو المباشرة للاتلاف كما إذا ضرب الاناء أو أوقعه من شاهق فكسره، أو رمى الحيوان ببندقية أو بسهم أو بحجر فقتله أو ألقى الشئ في النار أو في البحر فأحرقه أو أغرقه، وقد يكون اتلافه اياه بنحو التسبيب، كما إذا وجه الاعمى نحو بئر أو هاوية في الطريق فسقط فيها ومات، أو ساق الدابة بعنف وهي لا تدري نحو بئر أو هاوية أو حافة جبل فوقعت فيها وهلكت، أو جعل في الطريق بعض المزالق أو المعاثر فانزلق فيها بعض الغافلين أو بعض الاطفال أو الحيوان أو بعض أدوات النقل فتلف، فإذا حصل التلف بأحد النحوين كان المتلف المباشر أو المسبب ضامنا لما حصل، فيضمن المال لصاحبه بمثله إذا كان مثليا وبقيمته إذا كان قيميا وإذا حدث

بفعله أو بسببه عيب في الشئ أو حصلت جناية على صغير أو كبير ضمن ارش العيب وأرش الجناية.
[ المسألة 84: ] إذا ذبح الانسان حيوانا يملكه غيره على غير الوجه والشرعي، أو ذبحه على الوجه الشرعي وكان الحيوان مما لا ينتفع به بحسب العادة بعد ذبحه بأكل ونحوه، كالفرس والبغل والحمار فان هذه الحيوانات لا يؤكل لحمها عادة ولا ينتفع بها بعد ذبحها وان كانت محللة اللحم، ولذلك فهي مما تعد تالفة بالذبح، ويكون الذابح لها ضامنا، وإذا ذبح حيوانا يملكه غيره على الوجه الشرعي وكان الحيوان مما يؤكل لحمه وينتفع باجزائه بعد التذكية كالبقر والغنم والابل، فلا يعد تالفا، ولا يكون الذابح له ضامنا للاتلاف، ويضمن للمالك تفاوت قيمة الحيوان ما بين كونه حيا ومذبوحا، وإذا ذبحه وأكل لحمه أو قسم لحمه كان ضامنا لقيمته.
[ المسألة 85: ] إذا أثبت في الطريق وتدا ليعثر به بعض المارة أو بعض الحيوان، فيصيبه بسبب ذلك عطب أو كسر كان ضامنا لما يحدث بسبب فعله من جناية أو خسارة أو تلف مال، كما إذا عثر بالوتد انسان أو دابة فوقعت وتلف المتاع الذي تحمله، وكذلك إذا لم يقصد به ذلك ولكن وضع الوتد في ذلك الموضع مظنة لحدوث مثل ذلك، وإذا جعل الوتد لغاية صحيحة ولم يكن وضعه في ذلك مظنة لذلك، فاتفق حدوث مثله ففي ضمانه اشكال. ومن صغريات المسألة مااذا أصاب الوتد عجلة سيارة أو وسيلة نقل أخرى فأحدث جناية أو تلف مال أو عيبا أو نحو ذلك فيجري فيه البيان الآنف ذكره.
[ المسألة 86: ] ومن ذلك ما إذا جعل في الطريق عقبة توجب نفور الدابة إذا مرت بها، فإذا وضع العقبة بهذا القصد أو كانت مظنة لذلك، فنفرت الدابة حين اجتات بها، فوقعت وأصابها عقر أو كسر، أو جنت على راكبها



أو على شخص آخر أو أتلفت مالا، كان واضع العقبة ضامنا لما حدث بسببه.
[ المسألة 87: ] إذا فك الرجل القيد عن المجنون وتركه مطلقا كان ضامنا لما يجني ولما يتلف، إذا كان من شأنه أن يقيد، وكذلك الحيوان إذا كان من طبعة أن يؤذي أو يجني كالكلب العقور والفرس المؤذي والدابة الصائلة، فيجب على صاحبه أن يربطه للاحتراز منه، فان فرط في التحفظ فتركه مهملا، أو حله من رباطه في وقت يجب فيه التحفظ كان ضامنا لما يحدث بسببه، وإذا حله أحد بعد أن ربطه مالكه كان هو الضامن.
[ المسألة 88: ] إذ فك الانسان دابة أو حيوانا يملكه غيره من رباطه، فشرد أو دخل في حظيرة حيوان آخر فجنى الحيوان عليه أو قتله كان الانسان الذي فكه ضامنا لفيمته ولارش الجناية عليه وكذلك إذا فتح الرجل القفص فطار الطائر منه ولم يقدر صاحبه على امساكه، فيضمن الرجل قيمته لصاحبه، ويضمن ايضا ما تتلفه الدابة بعدما فكها من الرباط، أو يتلفه الطائر بخروجه من القفص، ويضمن قيمة الطائر إذا عطب بسبب الخروج منه، كما إذا كان باب القفص ضيقا فاضطرب الطائر فيه حتى عطب أو انكسر.
[ المسألة 89: ] إذا غصب الرجل الشاة وترك ولدها صغيرا، فمات بعدها جوعا، فان ترك الولد ولاغذاء له غير ارتضاعه من أمه كان الغاصب هو السبب في تلف الولد فيلزمه ضمان قيمة الولد لمالكه وان لم ينحصر غذاؤه بلبن أمه، فلا ضمان على الغاصب بتلفه.
[ المسألة 90: ] إذا حبس الرجل راعي الماشية أو مالكها عنها، فهلكت بعد غيبته عنها، فان كانت الماشية ترعى أو تقيم في أرض ذات سباع أو ذئاب مثلا وكان مالك الماشية أو راعيها هو الحارس لها من أخطارها كان



الحابس هو السبب في هلاكها، فيكون ضامنا لقيمتها، والا فلا ضمان عليه.
[ المسألة 91: ] إذا حل الرجل وكاء الظرف، فسأل المائع الذي جعل فيه من سمن أو عسل أو غيره كان ذلك الرجل ضامنا لقيمة المائع. وإذا فتح بعض وكاء الظرف وكان الظرف مسندا إلى جدار ونحوه فلا يسيل ما فيه بحسب العادة بمجرد فتح رأسه واتفق ان حط عليه طائر، أو حركه حيوان فانقلب، أو قلبته ريح عاصفة فسال ما فيه، اشكل الحكم على الرجل بالضمان. ويقوى الحكم عليه بالضمان إذا كان مظنة لحدوث مثل ذلك كما إذا في مهب ريح عاصفة أو في موضع تكثر فيه طيور أو حيوانات تعبث بمثله.
[ المسألة 92: ] لا يضمن مالك الجدار إذا وقع جداره في الطريق أو في بيت غيره أو في ملكه فأتلف مالا، أو أتلف نفسا أو جنى عليها، وإذا مال الجدار إلى الطريق أو إلى ملك الغير أو بناه صاحبه مائلا كذلك، ولم يزل صاحبه خطره أو يصلحه مع تمكنه من ذلك، فسقط الجدار وأتلف أو جنى، كان على صاحب الجدار ضمان ذلك، وكذلك إذا تمكن من الاعلام بالخطر ولم يعلم به حتى وقع المحذور، وانما يكون صاحب الجدار ضامنا إذا كان الشخص المجني عليه أو الشخص الذي تلف ماله لا يعلم بالحال، فإذا كان الشخص عالما بأن الجدار منهار ومائل للانهدام ووقف تحته أو وضع ماله بقربه فسقط الجدار وتلف المال أو حصلت الجناية، فلا ضمان على صاحب الجدار.
[ المسألة 93: ] إذا أوقد الرجل في منزله أو في ملكه نارا لبعض الاغراض، وكان من شأن النار التي أوقدها أن تسري إلى بيت غيره أو ملكه لوجود ريح قد تحمل اللهب وقد تطير الشرر، فسرت النار وأتلفت، كان موقد



النار ضامنا لما يحدث بسبب فعله، سواء تجاوز في النار التي اوقدها عن مقدار حاجته ام لم يتجاوز عنه، وسواء علم أو ظن بأن النار تتعدى وتسري أم لم يعلم ولم يظن ام اعتقد بعدم السراية فاتفق أن تعدت وسرت لوجود الريح. وإذا أوقد نارا ليس من شأنها التعدي لسكون الريح، واتفق ان عصف الهواء وحمل الشرر فسرت النار إلى ملك غيره، فالظاهر عدم الضمان بذلك.
[ المسألة 94: ] إذا أرسل الانسان الماء في بيته أو في ملكه فتعدى إلى ملك شخص آخر فأفسد أو أضر به كان المرسل ضامنا لذلك سواء كان يعتقد بعدم وصول الماء الى ملك الآخر أو عدم الضرر به ام يعتقد خلاف ذلك. وإذا أرسل الماء في ملكه فعداه غيره إلى ملكه لينتفع به فأضره، فلا ضمان على المرسل الاول، وإذا عداه الثاني إلى ملكه فأضر بملك الثالث كان الثاني ضامنا للثالث ولاضمان على الاول.
[ المسألة 95: ] إذا حمل الحمال سارية ضخمة من الخشب أو من الحديد على ظهره ليوصلها إلى مكان فصدم بها جدارا أو بناءا فصدعه أو هدمه كان ضامنا لما فعله، وإذا اجهده حمل السارية فأسندها إلى جدار أحد ليستريح، ولم يستأذن مالك الجدار بذلك، فأوجب اسنادها صدعا في الجدار أو انهيارا، أو وقع الجدار بسبب ذلك فأتلف مالا أو نفسا كان الحمال ضامنا لكل ذلك إذا كان وقوع الجدار أو تصدعه أو اتلاف الشئ مستندا إلى اسناد الخشبة إليه، وان تأخر وقوع الجدار عن اسناد الخشبة إليه ساعة مثلا أو اكثر، وإذا وقعت السارية فأتلفت بوقوعها شيئا لزم الحمال ضمانه ايضا.
[ المسألة 96: ] إذا دخلت دابة الرجل أو حيوانه إلى مزرعة أحد فأكلت زرعه أو أفسدته ضمن مالكها ما أكلته وما أفسدته إذا كان المالك مع الدابة في



دخولها راكبا عليها أو قائدا أو سائقا لها أو مصاحبا لها، وإذا لم يكن المالك معها في دخولها كان ضامنا لما اتلفته إذا وقع ذلك ليلا، ولا ضمان عليه إذا كان نهارا.
[ المسألة 97: ] إذا جعل المالك الدابة أو الحيوان عند الراعي أو بيد مستأجر لها أو بيد مستعير فدخلت مزرعة الغير وأكلت زرعه أو أفسدته، فالضمان الذي ذكرناه في المسألة السابقة على الراعي وعلى المستأجر وعلى المستعير ولا ضمان على المالك.
[ المسألة 98: ] إذا اجتمع سببان تامان من فعل شخصين في اتلاف نفس أو اتلاف شئ، ولم يسبق أحدهما على الاخر في التأثير، فالاقوى ان الشخصين كليهما يكونان مشتركين في ضمان التالف وكذلك إذا سبق أحدهما على الآخر في وجوده بعد أن كان الاثر وهو تلف التالف انما تحقق بهما جميعا. ومثال ذلك: ما إذا حفر رجل بئرا أو حفيرة عميقة ليوقع فيها بعض العابرين، ولما اجتاز أحدهم صرخ به رجل آخر صرخة أذهلته فوقع في البئر من غير اختيار، أو ضرب في الهواء طلقة نارية ففزع وسقط في البئر من شدة الفزع فمات أو انكسر بعض اعضائه، ومن أمثلة ذلك: أن يضع الرجل لغما في الماء ليقتل به شخصا ويفزعه الآخر فيغرق في الماء ويصيبه اللغم فيهلك بفعلهما معا فيكونان شريكين في الضمان، الا إذا علم أن التلف حصل بفعل أحدهما خاصة، فيكون هو الضامن.
[ المسألة 99: ] إذا كان أحد الشخصين سببا في اتلاف التالف بفعله، وكان الاخر هو الفاعل المباشر لذلك، فالضمان على المباشر للفعل، فإذا حفر أحدهما الحفيرة ليهلك بها الشخص ثم دفعه الاخر فيها، فالجاني هو الدافع لا الحافر، وإذا وضع أحدهما اللغم وأوقعه الثاني عليه فالجاني عليه هو من اوقعه على اللغم لا من وضع اللغم في طريقه.



ويستثنى من ذلك ما إذا كان السبب أقوى في حصول الاثر من المباشر، كما إذا وضع الرجل الاناء عند رجلي النائم فدفعه النائم برجله وكسره، أو اغرى به طفلا أو مغفلا فألقاه من شاهق فتحطم وما أشبه ذلك.
[ المسألة 100: ] إذا اكره القوي ضعيفا على اتلاف مال غيره، وهدده بأن يوقع به ما يكرهه إذا هو لم يفعل ما الزمه به، وخشي الضعيف منه أن يوقع به ما هدده به إذا لم ينفذ قوله، فأتلف المال كما أمره به، فالضمان على القوي المكره لان السبب أقوى من المباشر. وهذا في المال الذي لم يلزم المتلف ضمانه من قبل كمال الوديعة أو العارية أو العين المستأجرة أو مال الغير الذي لم يكن تحت يده، وإذا أكرهه على اتلاف المال الذي غصبه ولزمه ضمانه بسبب الغصب أو الذي قبضه بالسوم أو بالمعاملة الفاسدة، فاتلفه للاكراه، تخير مالك المال بالرجوع على كل من المتلف أو على من أكرهه، فان أخذ بدل ماله من المتلف كان للمتلف الرجوع بالغرامة على من أكرهه، وإذا أخذ البدل من المكره لم يرجع بغرامته على المتلف.
[ المسألة 101: ] إذا أكره القوي الضعيف على قتل أحد فقتله كان الضمان على القاتل ولا يسقط الضمان عنه، بالاكراه، فانه لا اكراه في الدماء، ولا يرجع على من اكرهه بشئ وان كان عاصيا وآثما بفعله.
[ المسألة 102: ] إذا غصب الغاصب طعاما أو شرابا، فاستضاف مالكه وأطعمه طعامه أو سقاه شرابه والمالك لا يعلم بأن المال ماله، ضمن الغاصب له ذلك المال، فان السبب وهو الغاصب اقوى من المباشر لجهله وكذلك إذا غصب منه شاة أو بقرة وطلب الغاصب من المالك ذبحها، فذبحها وهو يجهل بأنها ملكه، فيجب على الغاصب ان يرد لحم الحيوان المذبوح



وأجزاءه التي ينتفع بها على مالكه، ويضمن له التفاوت ما بين قيمة الحيوان حيا وقيمته مذبوحا كما ذكرنا في المسألة الرابعة والثمانين.
[ المسألة 103: ] إذا غصب زيد طعام عمرو أو شرابه واستضاف رجلا غير مالك الطعام والشراب فأطعمه أو سقاه اياه والرجل يجهل أن الطعام والشراب ملك الغير، فالظاهر ان الغاصب والاكل كليهما ضامنان للمال، ويتخير المالك ان يأخذ بدل ماله من الغاصب أو من الآكل، فإذا أخذ البدل من الغاصب لم يكن له أن يرجع على الآكل بشئ منه، وإذا أخذه من الآكل جاز له أن يرجع على الغاصب بما غرم لانه مغرور منه.
[ المسألة 104: ] إذا سعى الرجل بأحد إلى شخص متنفذ سعاية فأخذ المتنفذ منه مبلغا من المال بغير حق فهو آثم بسعايته بالرجل، ولا ضمان على الساعي لما غرمه المتنفذ من المال بل يكون الضمان على آخذ المال، وكذلك إذا شكاه إليه بحق أو بغير حق فغرمه مالا، فيكون الضمان على آخذ المال.
[ المسألة 105: ] إذا تلفت العين المغصوبة وكانت قيمية اشتغلت ذمة الضامن بقيمة المغصوب في يوم تلفه لا بعينه، وهو ظاهر صحيحة أبي ولاد، ونتيجة لهذا فإذا اختلف مالك العين المغصوبة وغاصبها بعد أن تلفت العين في مقدار القيمة في يوم التلف، ولم توجد بينة تعين المقدار، فالقول قول الغاصب مع يمينه لانه ينكر الزائد، وكذلك الحكم إذا تنازعا في وجود صفة في العين المغصوبة تزيد بها قيمتها، فادعى المالك بأن العبد قد تعلم الصنعة حين الغصب أو بعده فالزيادة مضمونة وانكر الغاصب وجودها، فالقول قول الغاصب مع يمينه لانه منكر.
[ المسألة 106: ] إذا تنازعا في ثياب على العبد المغصوب أو الامة المغصوبة أو في سرج على الفرس المغصوب أو في فراش في الدار المغصوبة فقال المالك: انها



ملك له وادعى الغاصب انها له، فالقول قول الغاصب مع يمينه لانه صاحب اليد على هذه الاشياء التي يدعي بها وان كان غاصبا للعين.
[ المسألة 107: ] ما يضمنه الانسان بسبب الغصب أو بسبب الاتلاف يكون في ذمته وفي ماله ولا يكون على عاقلته.