كتاب الضَّمان


1  في الضمان وشروطه

2  الضمان من العقود اللازمة

3  الضمان العرفي

4  في بعض منازعات الضمان


1  في الضمان وشروطه

المسألة 1

ضمن الانسان المال أو الشئ : تعهد به وتكفل ، فهو ضامن وضمين ، والشئ الذي تعهد به : مضمون والشخص أو الجهة التي تعهد لها بالشئ : مضمون له ، والشخص أو الجهة التي تعهد عنها بالشئ : مضمون عنه . والضمان الذي يقصده الفقهاء في هذا الكتاب هو أن يتعهد الانسان لاحد بمال يكون له في ذمة شخص آخر ، فالانسان المتعهد بالدين ضامن ، والشخص الاول وهو الدائن مضمون له ، والشخص الثاني وهو المدين مضمون عنه ، والدين المتعهد به مضمون .


المسألة 2

لابد في الضمان من الايجاب ، وهو انشاء التعهد بالمال المضمون للشخص المضمون له ، ويكون الايجاب من الضامن ، ويكفي فيه أي لفظ يكون دالا على تعهد الضامن بالمال سواء كانت دلالته بالصراحة أم بالظهور العرفي ولو بنصب قرائن تتم بها دلالة اللفظ على المعنى المراد ، ومن الالفاظ المستعملة في الايجاب أن يقول الموجب للمضمون له : ضمنت لك الدين الذي تستحقه في ذمة زيد ، أو تعهدت لك به . ولا يشترط فيه القبول على الاقرب ، بل يكفي في ترتب الاثر رضى المضمون له بتعهد الضامن له بالدين سواء كان رضاه سابقا على ايجاب الضامن أم لاحقا له ، نعم يعتبر فيه على الاحوط لزوما أن يكون للرضى مبرز يدل عليه من قول أو فعل ، ولا يكتفى بالرضى القلبي المجرد من غير دلالة عليه .


المسألة 3

الظاهر ان التعهد بما في ذمة المضمون عنه مما لا تمكن الدلالة عليه بالافعال ، ولذلك فلا يصح الايجاب بها من الضامن ، ويمكن أن يكون الفعل دالا على الرضى ، ولذلك فيكتفى بدلالته على رضى المضمون له كما قلنا .


المسألة 4

لا يعتبر في صحة الضمان أن يرضى به الشخص المضمون عنه ، فيصح التبرع بضمان ما في ذمته من الدين وان لم يأذن بذلك ولم يرض به كما تقدم في وفاء الدين عنه وكما تقدم في صحة الرهن على الدين الذي في ذمته ولا يصح ذلك إذا أوجب له حرجا أو ضررا أو منة عليه لا تحتمل بحسب العادة أو أوجب له ضعة لا تناسب منزلته الاجتماعية ، فلا يصح التبرع بالضمان عنه في هذه الفروض كما لا يصح التبرع بالرهن عنه ولا بوفاء دينه ، وقد ذكرنا ذلك في كتاب الدين وكتاب الرهن .


المسألة 5

يشترط في الضامن أن يكون بالغا ، فلا يصح ضمان الصبي وان كان مميزا أو كان مراهقا أو أذن له وليه بالضمان على الاحوط لزوما في الاخير ، ويشترط فيه أن يكون عاقلا ، فلا يصح ضمان المجنون ، الا إذا كان جنونه ادوارا وكان ضمانه للدين في دور افاقته ، ويشترط فيه أن لا يكون سفيها فلا يصح ضمانه إذا كان كذلك الا إذا كان ضمانه باذن وليه ، ويشترط فيه أن يكون مختارا ، فلا يصح ضمانه إذا كان مكرها .


المسألة 6

يشترط في الشخص المضمون له كذلك أن يكون بالغا وأن يكون عاقلا ، وان يكون مختارا وان لا يكون سفيها . ويشترط فيه زائدا على ذلك أن يكون غير محجور عليه لفلس ، ولا يعتبر هذا الشرط في الضامن ، فيصح للمفلس أن يضمن ما في ذمة غيره من الدين ، ولكن المضمون له لا يشارك غرماء المفلس الضامن في الضرب في أمواله الموجودة بل يبقى هذا الدين المضمون في ذمة الضامن حتى يؤديه في ما يأتي بعد الفلس .


المسألة 7

لا يشترط في الشخص المضمون عنه أن يكون بالغا أو أن يكون عاقلا ، فيصح للضامن أن يضمن ما في ذمة الصغير من الدين وأن يضمن ما في ذمة المجنون ، ولا يشترط فيه أن يكون غير محجور لسفه أو لفلس ، فيصح للضامن أن يضمن ما في ذمة السفيه أو المفلس .


المسألة 8

إذا ضمن الرجل ما في ذمة الصغير أو المجنون لم يجز له أن يرجع عليهما بعوض ما أداه عنهما وان كان ضمانه باذنهما ، وإذا كان المجنون ادواريا ، وكان ضمان الضامن عنه باذنه في دور افاقته صح له الرجوع عليه إذا أدى عنه الدين ، وإذا ضمن ما في ذمة المحجور السفيه أو المفلس لم يجز له كذلك أن يرجع عليهما بالعوض وان كان الضمان باذنهما .


المسألة 9

إذا ضمن الرجل ما في ذمة الصغير باذن وليه ، وكان اذن الولي له بالضمان لمصلحة تعود للصغير ، جاز للضامن أن يرجع على الصغير بالعوض على الظاهر ، ولا يبعد أن يكون الحكم كذلك إذا ضمن ما في ذمة المجنون ، أو ضمن ما في ذمة السفيه باذن الولي ، وقد لاحظ الولي في اذنه بالضمان مصلحة تعود للمجنون ، وللسفيه .


المسألة 10

لا يصح الضمان من العبد المملوك إذا كان غير مأذون من مالكه ، وفي الآية الكريمة : ( ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شئ ) ، وهي ظاهرة الدلالة على ان العبد مملوكة عينه ومملوك فعله فهو لا يقدر على شئ من ذلك ، وان سلطان ذلك كله بيد مالكه ، من غير فرق بين ما ينافي حق المولى من افعاله وشؤونه وما لا ينافيه ، ولا ريب في ان ذمة العبد كسائر شؤونه داخلة في هذه الكبرى ، فهو لا يقدر على أن يشغل ذمته بضمان أو غيره الا إذا حكم الشارع بذلك كما إذا أتلف مال غيره ، أو أذن له مولاه بأن يشغل ذمته لاحد بدين أو بضمان .


المسألة 11

إذا أذن السيد لمملوكه صح للعبد أن يضمن ما في ذمة غيره ، سواء كان الاذن خاصا أم عاما ، ويتبع في ضمانه ما حدد له السيد في اذنه ، كما إذا عين له أن يكون الضمان في ذمة السيد أو في ذمة العبد أو في كسبه ، وإذا كان الاذن مطلقا ولم يعين شيئا ، فالظاهر من الاطلاق ان الضمان يكون في ذمة العبد ونتيجة ذلك تختلف باختلاف شأن العبد مع سيده ، فقد يكون السيد قد قيد ارادة العبد وتصرفه في أموره وأفعاله بارادة السيد بحيث يكون متسلطا على شؤون العبد وأعماله وتكون جميع افعاله وتصرفاته وكسبه وماله تحت رعاية المالك واختياره ، فيكون ذلك قرينة على ان السيد يتعهد بما في ذمة العبد وما يضمنه باذنه ، فعلى السيد أن يؤدي ضمان العبد من أي أمواله شاء ، من كسب العبد أو من غيره . وقد يكون السيد قد اطلق ارادة العبد في تصرفه ، واذن له في ان يفعل ما يشاء كالاحرار ، وعلى هذا فيكون الوفاء بالضمان في عهدة العبد يؤديه من كسبه أو من أمواله الاخرى .


المسألة 12

يشترط في عقد الضمان أن يكون منجزا على الاحوط لزوما ، فلا يصح إذا كان معلقا على شئ سواء كان التعليق للضمان نفسه ، ومثال ذلك أن يقول الموجب للمضمون له : ضمنت لك ما في ذمة زيد من الدين إذا أذن لي أبي بالضمان عنه ، أم كان التعليق لوجوب الوفاء ، ومثال ذلك أن يقول للمضمون له : ضمنت لك ما في ذمة زيد وأؤدي الدين عنه إذا هو لم يؤد الدين عن نفسه إلى مدة شهر .


المسألة 13

يشترط في الضمان على الاحوط لزوما أن يكون الدين الذي يراد ضمانه ثابتا بالفعل في ذمة الشخص المدين ، سواء كان ثبوته مستقرا ، كعوض القرض ، وكالثمن في بيع النسيئة ، والمثمن في بيع السلف إذا كانا مما لا خيار فيه ، وكالمهر المؤجل للزوجة بعد الدخول ، ام كان ثبوته متزلزلا ، كالثمن والمثمن في الذمة في البيع الخياري ، فلا يصح ضمان الدين قبل أن يتحقق سبب ثبوته كعوض القرض قبل أن يقترض ، وكالمهر المؤجل قبل أن يتزوج المرأة ، وكالثمن أو المثمن قبل أن يتحقق البيع ، وكنفقة المرأة قبل أن يتزوجها


المسألة 14

لا يكفي في صحة الضمان أن يتحقق المقتضي لثبوت الدين قبل أن يتم السبب له وتشتغل الذمة به بالفعل فلا يصح أن يضمن الضامن نفقة الزوجة قبل أن تشتغل بها ذمة الزوج وان تحققت الزوجية بينهما ، ولا يصح أن يضمن مال الجعالة قبل أن يأتي العامل المجعول له بالعمل ، ولا يصح أن يضمن مال السبق والرماية قبل أن يتحقق سبق السابق ، وان وجد المقتضي لاستحقاق المال ، وهو العقد ، وسيأتي التعرض لها في ما يأتي ان شاء الله تعالى .


المسألة 15

اعتبر جماعة من الفقهاء قدس الله انفسهم في الضمان : ان لا يكون الضامن مدينا للمضمون عنه بمثل الدين الذي يريد أن يضمنه عنه ، وجعلوا هذا هو الفارق بين الضمان والحوالة ، فكلاهما عندهم تعهد بما في ذمة المدين لدائنه ، فإذا كان الضامن مدينا للشخص المضمون عنه بمثل الدين الذي يضمنه عنه كان حوالة ، وإذا كان غير مدين له بذلك كان ضمانا . والاقوى عدم اعتبار ذلك ، فيصح الضمان سواء كان الضامن مشغول الذمة بذلك أم كان بريئا ، وفائدة الضمان هي نقل الدين من ذمة المضمون عنه إلى ذمة الضامن ، فإذا تم عقد الضمان وثبتت شروطه انتقل الدين الى ذمة الضامن وبرئت ذمة المضمون عنه ، وسيأتي بيان ذلك . والضمان والحوالة عقدان متخالفان في مفهوميهما وفي أحكامهما وآثارهما ، وقد تقدم ان انشاء العقد في الضمان يكون بالايجاب من الضامن ولا يعتبر فيه رضى المضمون عنه ، وسيأتي في كتاب الحوالة ان انشاء العقد فيها يكون بالايجاب من المحيل ، وبينهما فوارق أخرى سيأتي بيان بعضها في مواضعه ان شاء الله تعالى .


المسألة 16

إذا كان زيد مدينا لعمرو مائة دينار ، وكان خالد مدينا لزيد بمثل ذلك ، ثم ضمن خالد لعمرو ما يستحقه في ذمة زيد ، وزيد هو دائنه كما ذكرنا فان كان خالد قد استأذن زيدا في ضمان ما في ذمته ، ثم أدى ما ضمنه لعمرو ، أصبح خالد بعد اداء الضمان دائنا لزيد بمال الضمان وهو مدين له أيضا بالدين السابق ، فيتساقط الدينان ، وليس ذلك من الحوالة كما ذكرنا في المسألة المتقدمة . وإذا ضمن خالد ما في ذمة دائنه زيد بغير اذنه كان متبرعا بضمانه عنه ، واصبح بعد الضمان مدينا لعمرو بمال الضمان ، ومدينا لزيد بدينه السابق ، فإذا أدى مال الضمان لعمرو برئت ذمته من دين عمرو وبقيت ذمته مشغولة لزيد بدينه السابق .


المسألة 17

يعتبر في الضمان أن يكون الدين الذي يراد ضمانه متميزا عند الضامن بحيث يصح منه ان يكون قاصدا لضمانه ، ولذلك فلا يصح إذا كان الدين مبهما مرددا عنده ، ومثال ذلك أن يكون لزيد دينان مختلفان في ذمة عمرو ، فيضمن له خالد أحد هذين الدينين من غير تعيين ، فلا يصح ذلك وان كان المضمون له والمضمون عنه معينين متميزين ، ومثال ذلك ايضا أن يكون لزيد دين في ذمة عمرو ، ودين آخر في ذمة بكر ، فيضمن خالد لزيد أحد الدينين ولا يعين ان ضمانه لايهما . ويشترط كذلك ان يكون الشخص المضمون له متميزا عند الضامن ، بحيث يصح منه قصد الضمان لذلك الشخص فلا يصح إذا كان مبهما مرددا كما ذكرنا في الدين المضمون ، ومثال ذلك أن يكون عمرو مدينا لزيد بمبلغ من المال ، ومدينا لبكر بمبلغ آخر ، فيضمن خالد عن عمرو أحد هذين الدينين اللذين في ذمته ولا يعين ان المضمون له هو زيد أو بكر ، فلا يصح الضمان . ويشترط ايضا أن يكون الشخص المضمون عنه متميزا عند الضامن بحيث يصح منه قصد الضمان عنه ، فلا يصح إذا كان مبهما مرددا ، ومثال ذلك أن يكون لزيد دين معين على عمرو ودين معين على بكر ، فيضمن خالد لزيد أحد الدينين المذكورين ولا يعين أن الشخص المضمون عنه هو عمرو أو بكر . فلا يصح الضمان في كل اولئك .


المسألة 18

يكفي في صحة الضمان أن يكون الدين المضمون متميزا في قصد الضامن بحيث يصدق في نظر أهل العرف أنه قصد ضمان هذا الدين لصاحبه ، وان لم يميز الدين على وجه التفصيل ، أو لم يتعين عنده الدائن على وجه التفصيل أو لم يتعين عنده المدين كذلك ، فإذا علم الرجل أن على صديقه زيد دينا ولكنه لا يعلم بمقداره ولا يعلم ان دائنه خالد أو عمرو ، جاز له ان يضمن الدين ، لانه متميز يصح قصده ، فإذا ضمنه لصاحبه الواقعي ورضي الدائن بضمانه لما بلغه الامر صح الضمان وترتبت عليه آثاره وبرئت ذمة زيد مما عليه . وكذلك إذا علم الرجل أن لزيد دينا على أحد صديقيه عمرو أو خالد ، ولا يعلم بمقدار الدين ولا يدري أن المدين أي الصديقين ، فيمكن له ضمانه لانه متميز كما تقدم فإذا ضمنه لزيد ورضي زيد بضمانه صح الضمان وبرئت ذمة المدين ايا كان منهما . وكذلك يصح للرجل أن يضمن عن زيد جميع ديونه التي في ذمته وان لم يعلم بمقادير الديون ولا بعددها ولا بأصحابها لانها متميزة في الواقع ويصح منه قصدها ، فإذا بلغ الخبر أصحاب الديون وقبلوا بضمان الضامن صح ضمانه وترتبت آثاره وبرئت ذمة زيد منها جميعا ، وإذا قبل بعضهم بضمانه دون بعض ، صح الضمان في من قبل ضمانه ولم يصح غيره ويصح أن يضمن لزيد جميع الديون التي له على الآخرين على النهج المتقدم فتجري الاحكام السابقة كلها .


المسألة 19

إذا كان الدين متميزا عند الضامن على النحو الآنف ذكره جاز له أن يضمن جميع الدين وان يضمن جزءا مشاعا منه فيقول للمضمون له : ضمنت لك نصف دينك على فلان أو ثلثه أو ربعه ، فإذا رضي المضمون له صح الضمان وبرئت ذمة المدين من ذلك الجزء المعين من الدين ، وجاز له أن يضمن مقدارا معينا منه ، فيقول للمضمون له : ضمنت لك مائة دينار من دينك على فلان ، فإذا تم العقد ثبت الضمان حسب ما عين . ويشكل ضمان جزء غير معين منه كما إذا قال له : ضمنت لك شيئا من الدين أو جزءا منه ، ولم تدل قرينة على تعيين المقصود من الشئ أو الجزء .


المسألة 20

إذا اجتمعت شروط الصحة في الضمان وتم الايجاب والرضى به انتقل الدين إلى ذمة الضامن وبرئت ذمة المضمون عنه ، فلا يجوز للدائن أن يطالبه بالدين بعد ذلك .


المسألة 21

إذا شرط الدائن في عقد الضمان أن تضم ذمة الضامن إلى ذمة المضمون عنه في اشتغالهما بالدين بحيث يصح له أن يطالب أيهما شاء بدينه أو يطالبهما معا ، لم يصح هذا الشرط على الاقوى ، لانه مخالف للكتاب والسنة ، ولا يبطل العقد ببطلان الشرط فيصح ضمان الضامن وينتقل المال إلى ذمته خاصة .


المسألة 22

إذا تم عقد الضمان ، ثم أبرأ الدائن ذمة الضامن من الدين برئت ذمة الضامن بالابراء ، كما برئت ذمة المضمون عنه بالضمان ، فلا يبقى له حق عندهما جميعا ، وسيأتي ان الدائن إذا أبرأ ذمة الضامن من الدين فلم يدفع منه شيئا فليس للضامن أن يرجع على المضمون عنه بشئ . وإذا ابرأ الدائن ذمة المضمون عنه لم يؤثر هذا الابراء شيئا ، فان ذمة المضمون عنه قد برئت بالضمان وانتقل الدين منها إلى ذمة الضامن ، ولا تبرأ ذمة الضامن بذلك ، الا ان يعلم من القرائن ان الدائن يريد ابراء ذمة الضامن ، واسقاط حقه من الدين عن الضامن والمضمون عنه ، وإذا دلت القرائن على ذلك فليس للضامن ان يرجع على المضمون عنه بشئ .

 

2  الضمان من العقود اللازمة

المسألة 23

عقد الضمان لازم فلا يجوز فسخه من قبل الضامن ، ولا من قبل المضمون له على الاصح ، سواء وقع العقد باذن المضمون عنه ورضاه أم كان متبرعا به من الضامن . ونسب إلى القول المشهور بين العلماء : أنه يشترط في لزوم العقد من جهة المضمون له ، أن يكون الضامن موسرا في حين صدور العقد ، فإذا كان موسرا في ذلك الحال كان العقد لازما على المضمون له ، وكذلك إذا كان الضامن معسرا في حال العقد وكان المضمون له عالما باعساره ، فلا يجوز له فسخ الضمان في هاتين الحالتين . وإذا كان الضامن معسرا وكان المضمون له جاهلا باعساره ، جاز له فسخ العقد ، وفرعوا على ذلك فروعا ذكروها في كتبهم . والظاهر عدم ثبوت هذا الاشتراط ولا هذه الفروع ، فإذا تم عقد الضمان وتوفرت شروط الصحة فيه كان لازما من قبل الضامن ومن قبل المضمون له معا ، فلا يجوز له فسخ العقد وان كان الضامن معسرا وكان المضمون له جاهلا بذلك .


المسألة 24

يجوز للضامن أن يشترط في عقد الضمان خيار الفسخ لنفسه في مدة معينة أو يشترطه مطلقا ، ويجوز للمضمون له ان يشترط ذلك لنفسه ، ويجوز أن يشترط ذلك كل منهما لنفسه ، فيكون الفسخ جائزا لكل من الطرفين .


المسألة 25

يصح لكل من الضامن والمضمون له أن يشترط على صاحبه في ضمن العقد ما يريد ، فإذا قبل صاحبه بالشرط كان لازما ووجب العمل به إذا كان مستجمعا لشرائط الصحة ، فإذا لم يف له صاحبه بالشرط ثبت له خيار تخلف الشرط .


المسألة 26

تقدم منا في المسألة الرابعة : انه لا يعتبر في صحة الضمان رضى المضمون عنه ، فيصح الضمان وان لم يرض بضمان ما في ذمته ولم يأذن به ، ويكون ضمانا متبرعا به ، وإذا تم الضمان برئت ذمة المضمون عنه من الدين ، سواء كان متبرعا به ام مأذونا فيه ، ثم هما يختلفان بعد ذلك في بعض الاحكام الآتي بيانها .


المسألة 27

إذا ضمن الضامن الدين وأداه لصاحبه ، ولم يستأذن المدين في الضمان عنه ولا في الاداء فليس له الرجوع على المدين بشئ ، وكذلك إذا ضمن الدين عنه بغير اذنه ، ثم أذن له بأن يؤدي عن نفسه ما استقر عليه بسبب الضمان ، أو أمره به ، فإذا أداه الضامن فليس له الرجوع على المضمون عنه بشئ . نعم ، إذا أراد المدين التبرع عن الضامن بوفاء الدين الذي استقر عليه بسبب الضمان ، فقال للضامن : أد الدين الذي استقر في ذمتك بسبب الضمان عني ثم ارجع به علي ، فالظاهر صحة ذلك ، فإذا أدى الضامن الدين صح له الرجوع على المدين في هذه الصورة .


المسألة 28

إذا ضمن الرجل ما في ذمة الشخص المدين وكان ضمانه باذنه ، ثم أدى الدين لصاحبه ، صح للضامن أن يرجع على المضمون عنه بذلك ، وان لم يستأذنه في الاداء .


المسألة 29

إذا أذن المدين للرجل أن يتبرع له ويضمن الدين الذي في ذمته ، فضمنه عنه ثم أداه كان متبرعا بالضمان والاداء فليس له الرجوع على المدين بشى ، ولا اثر لهذا الاذن لانه اذن بالتبرع بالضمان عنه .


المسألة 30

إذا ضمن الرجل ما في ذمة المدين وكان ضمانه باذنه فلا يصح له الرجوع على المدين حتى يؤدي المال الذي ضمنه عنه ، فإذا أدى جميع المال صح له ان يرجع عليه بالجميع ، وإذا دفع إلى الدائن شيئا من الدين واستمهله في دفع بقيته صح له أن يرجع على المدين بالمقدار الذي أداه منه ولم يجز له الرجوع عليه بالباقي حتى يدفعه ، وإذا صالح الدائن عن الدين بمقدار منه ، فليس له الرجوع على المدين الا بالمقدار الذي صالح الدائن به ، وإذا ابرأ الدائن ذمة الضامن من الدين كله لم يرجع على المضمون عنه بشئ من الدين ، وإذا ابرأ ذمته من بعض الدين ، فلا يجوز للضامن ان يرجع على المضمون عنه بمقدار ذلك البعض الذي ابرأه منه . وإذا تبرع أحد عن الضامن فأدى عنه الدين أو تبرع بضمانه عنه لم يرجع على المدين بشئ ، وإذا تبرع احد عن الضامن فأدى عنه بعض الدين أو ضمن بعضه عنه لم يرجع بذلك البعض ، وكذلك إذا ضمن الضامن الدين بأقل منه ورضي المضمون له بذلك ، فليس له الرجوع على المدين الا بذلك المقدار إذا دفعه إليه .


المسألة 31

إذا ضمن الرجل الدين عن أحد وكان ضمانه باذن المدين ، ثم احتسب المضمون له دينه على الضامن زكاة أو خمسا أو صدقة ، فقد أدى الضامن الدين إلى صاحبه ، ولذلك فيجوز للضامن أن يرجع على المدين بدينه ، وكذلك الحكم إذا قبض المضمون له دينه من الضامن ثم وهبه اياه ، أو وهبه الدين الذي في ذمته من غير أن يقبضه منه ، أو مات المضمون له ورجع الدين بعده ميراثا للضامن ، فيجوز للضامن في جميع هذه الصور أن يرجع على المضمون عنه بالدين .


المسألة 32

يجوز للضامن أن يضمن عن غيره الدين سواء كان حالا ام مؤجلا ، وإذا دان الدين حالا أمكن له أن يضمنه حالا أو مؤجلا ، وإذا كان مؤجلا أمكن له أن يضمنه مؤجلا كذلك أو حالا ، وإذا كان مؤجلا أمكن له ان يضمنه مؤجلا بمثل أجله أو بأكثر منه أو بأقل ، فيصح له جميع ذلك إذا رضي به الطرفان . وإذا استأذن الضامن المدين في أن يضمن عنه ما في ذمته ، فقد يكون اذنه له بالضمان مطلقا غير مشروط بالاجل وقد يشترط عليه أن يكون ضمانه إلى أجل ، وقد يشترط عليه أن يكون ضمانه حالا غير مؤجل ، وإذا اشترط عليه في اذنه أن يكون الضمان مؤجلا فضمنه حالا ، أو شرط عليه أن يضمنه حالا فضمنه مؤجلا ، انتفى الاذن وكان ضمانه متبرعا به وغير مأذون فيه .


المسألة 33

إذا أذن المدين لاحد في ان يضمن ما في ذمته ، وكان الدين حالا فضمنه الشخص المأذون مؤجلا إلى مدة معينة ، ثم أسقط حقه من التأجيل فأدى الدين قبل حضور الاجل ، فان كان المضمون عنه قد اذن له بالضمان اذنا مطلقا ولم يشترط فيه أن يكون الضمان إلى أجل ، صح للضامن أن يرجع عليه بعد أداء الدين للدائن وان لم يحل الاجل ، وإذا كان قد اشترط عليه في اذنه أن يكون الضمان مؤجلا أشكل الحكم بجواز الرجوع عليه في الحال بعد أداء الدين وقبل حلول أجله ، إذ لعل المقصود من اشتراط التأجيل في الضمان أن لا يرجع عليه في الحال . وكذلك الحكم إذا مات الضامن قبل انقضاء الاجل ، فحل ما عليه من الدين بسبب موته ، وأخذ الدائن الدين من تركته ، فان كان اذن المضمون عنه مطلقا غير مشروط بالاجل صح لوارث الضامن ان يرجع عليه بعد أداء الدين ، وان كان اذنه مشروطا بالاجل ، اشكل الحكم بجواز الرجوع عليه قبل انقضائه .


المسألة 34

إذا اذن المدين بضمان ما عليه وكان الدين مؤجلا فضمنه الضامن مؤجلا كذلك ، ثم اسقط حقه من الاجل وأدى الدين حالا ، أو مات قبل حلول الاجل واخذ الدائن دينه من التركه كما تقدم ، جرى فيه التفصيل الآنف ذكره ، فيصح له الرجوع على المدين في صورة اطلاق الاذن من المضمون عنه ، ويشكل الحكم إذا اشترط فيه التأجيل .


المسألة 35

إذا أذن المدين لاحد بضمان ما عليه ، وكان الدين الذي في ذمة المدين مؤجلا فضمنه الضامن حالا وأدى الدين لصاحبه ، فالظاهر انه يصح له الرجوع على المدين بعد اداء الدين ، إذا كان الاذن مطلقا غير مشروط بالتأجيل ، وإذا فهم من اذنه بالضمان ولو مؤجلا أن لا يرجع عليه بالدين قبل الاجل لم يصح له الرجوع ، وإذا احتمل ذلك اشكل الحكم كما تقدم .


المسألة 36

إذا كان الدين مؤجلا فضمنه الضامن بأقل من اجله وأداه كذلك ، وكان الضمان باذن المدين جرى فيه التفصيل المتقدم ، وكذلك إذا كان الدين مؤجلا فضمنه الضامن بأكثر من أجله مع اذن المدين ثم اسقط حقه من التأجيل وأدى الدين حالا ، أو مات الضامن وحل دينه بسبب موته قبل الاجل واخذ الدائن من تركته ، فيجري في هذه الفروض ما تقدم من التفصيل .


المسألة 37

إذا دفع المضمون عنه الدين إلى الدائن المضمون له ولم يستأذن الضامن بدفعه ، برئت ذمة الضامن لوفاء دينه ، وبرئت ذمة المضمون عنه لان الضامن لم يؤد المال فلا يحق له الرجوع على المضمون عنه ، وكذلك الحكم إذا تبرع أحد فدفع الدين للدائن بغير اذن الضامن فتبرأ بذلك ذمة الضامن والمضمون عنه .


المسألة 38

إذا طلب الضامن من الشخص المضمون عنه أن يدفع عنه مال الضمان للدائن فدفعه عنه برئت بذلك ذمة الضامن والمضمون عنه ، فالمضمون عنه قد وفى دين الضامن بأمره ، ومن أجل ذلك يصبح الضامن مدينا له بالمبلغ الذي دفعه للدائن ، والضامن قد ضمن ما في ذمة المدين باذنه ثم ادى الدين عنه ، فيصبح المضمون عنه مدينا للضامن بالمبلغ ، فيتقابل الدينان ويحكم الشارع بسقوطهما معا .


المسألة 39

إذا دفع المدين إلى الضامن مقدار الدين الذي ضمنه عنه قبل أن يؤديه الضامن إلى صاحبه ، فقد يقصد بذلك أن يكون المبلغ المدفوع أمانة بيد الضامن ، فإذا هو أدى عنه مال الضمان واستحق الرجوع عليه بما ضمن من الدين احتسب هذه الامانة وفاءا لدينه ، فيكون المال أمانة كما قصد حتى يفي به الدين . وقد يقصد بذلك أن يكون المبلغ المدفوع وفاءا عما في ذمته بالفعل ، فيشكل الحكم بصحته كذلك ، وإذا بقي المال في يد الضامن حتى أدى للدائن مال الضمان ، صح له أن يحتسبه عماله في ذمة المضمون عنه ، ولا يحتاج إلى اذن جديد بذلك إذا بقي الاذن السابق ولو بالاستصحاب .


المسألة 40

إذا تبرع زيد فضمن ما في ذمة صديقه عمرو من الدين ولم يستأذنه في الضمان عنه ، ثم استأذن خالد فضمن عن زيد مال ضمانه ، فإذا أدى خالد وهو الضامن الثاني مال الضمان ، برئت بذلك ذمة زيد وذمة عمرو من الدين ، وصح لخالد أن يرجع على زيد بما أدى عنه لانه قد ضمن عنه باذنه ، ولم يصح له أن يرجع على عمرو فان زيدا كان متبرعا بالضمان عنه ولم يصح لزيد ان يرجع على عمرو .


المسألة 41

إذا ضمن زيد ما في ذمة عمرو وكان ضمانه عنه باذنه ، ثم تبرع خالد فضمن عن زيد مال الضمان بغير اذنه ، فإذا أدى خالد مال الضمان برئت بذلك ذمة زيد وذمة عمرو من دينهما ، ولم يصح لخالد أن يرجع على زيد بما أدى عنه فانه متبرع بالضمان عنه ، ولم يصح لزيد أن يرجع على عمرو فان زيدا لم يؤد مال الضمان عنه بل تبرع خالد بادائه عنه .


المسألة 42

إذا ضمن زيد ما في ذمة عمرو من الدين وكان ضمانه باذنه ، ثم ضمن خالد عن زيد مال الضمان وكان ضمانه عنه باذنه أيضا ، فإذا أدى خالد مال الضمان برئت ذمة زيد وذمة عمرو ، وصح لخالد وهو الضامن الثاني ان يرجع على زيد بما أدى عنه ، وصح لزيد وهو الضامن الاول أن يرجع على عمرو كذلك إذا أدى لخالد ما عليه من مال الضمان ، ولا يرجع عليه إذا لم يؤد .


المسألة 43

يمكن أن يترامى الضمان ، فيضمن الضامن الاول دين المدين ، ثم يضمن الضامن الثاني مال الضمان عن الضامن الاول ، ويضمن الثالث ما في ذمة الثاني ويضمن الرابع عن الثالث وهكذا ، مع مراعاة المناهج والشروط الآنف ذكرها في الضمان . فإذا ضمن زيد دين عمرو برئت ذمة عمرو بالضمان ، واستقر الدين في ذمة زيد ، وإذا ضمن خالد مال الضمان عن زيد برئت ذمة زيد منه واستقر في ذمة خالد ، وإذا ضمن الضامن الثالث ما في ذمة خالد برئت ذمة خالد منه واستقر في ذمة الضامن عنه ، وهكذا حتى يستقر الدين في ذمة الضامن الاخير وتبرأ ذمم من سبقه من الضامنين فإذا أدى الضامن الاخير مال الضمان إلى المضمون له وهو الدائن الاول برئت ذمته منه ، وإذا كان ضمانه باذن الشخص الذي ضمن عنه ، جاز له أن يرجع عليه بما أداه من دينه ، فإذا أدى ذلك الشخص له الدين رجع على سابقه إذا كان ضمانه عنه باذنه ، وهكذا حتى يرجع إلى الضامن الاول فيرجع على المدين الاول إذا كان ضمانهم جميعا مع الاذن ، ولا يرجع اللاحق على السابق إذا لم يؤد ما عليه ، ولا يرجع اللاحق على السابق إذا كان ضمانه عنه متبرعا به من غير اذن . ونتيجة لذلك فإذا كان الضامن الاخير متبرعا بضمانه لم يرجع على من ضمن عنه ولم يرجع أحد من الضامنين قبله ممن ضمنوا عنهم إلى المدين الاول ، وكذلك الحكم إذا كانت السلسلة كلها متبرعة بالضمان من غير اذن . وإذا كان بعض السلسلة متبرعا بضمانه وبعضها مأذونا فيه لم يرجع المتبرع على من ضمن عنه ، ولم يرجع من كان قبله من السلسلة وان كان ضمانه مأذونا فيه إلى أن يصل الامر إلى الضامن الاول والمدين الاول .


المسألة 44

ذكروا قدس الله أرواحهم : انه يجوز للانسان أن يضمن الدين عن غيره بأقل منه ، فإذا كان الرجل مدينا بمائة دينار مثلا ، فيصح للآخر أن يضمن ما في ذمته بثمانين دينارا ، والظاهر ان المراد من ذلك أن الضامن يضمن المقدار الاقل من مجموع الدين ، ويبرئ الدائن ذمة المدين من الزائد عليه ، فيضمن ثمانين دينارا من الدين في المثال المتقدم ، ويبرئ ذمة المدين من بقية المائة ، فإذا اتفق الجميع على ذلك صح الضمان كما اتفقوا عليه ، فإذا أدى الضامن المقدار الاقل وهو المضمون من الدين رجع به على المدين ولم يرجع بالزائد فان الذمة قد أبرئت منه كما هو المفروض . وذكروا أنه يجوز أن يضمن الدين بأكثر منه ، وهو مشكل ، الا ان يراد ان الضامن يلتزم بأن يدفع الزائد للدائن مجانا ومن المعلوم ان ذلك ليس من الضمان .


المسألة 45

يجوز أن يضمن الضامن الدين ويشترط في العقد أو يشترط الدائن عليه أن يكون الوفاء بغير جنس الدين ، وإذا ضمن الدين كذلك وأداه إلى الدائن كما شرط ، صح له الرجوع على المضمون عنه بنفس الدين ولم يجز له الرجوع عليه بغير الجنس الا مع التراضي .


المسألة 46

يجوز للدائن أن يشترط على الضامن في العقد أن يجعل على الدين الذي ضمنه رهنا فإذا اشترط عليه ذلك وجب على الضامن الوفاء بالشرط فيجعل الرهن على الدين بعد الضمان ، وكذلك إذا اشترط عليه ذلك في ضمن عقد آخر بعد عقد الضمان .


المسألة 47

إذا ضمن الضامن الدين ، وكان المدين قد جعل على الدين رهنا ، فان كان المدين قد وضع الرهن عند الدائن وثيقة لفراغ من الدين كما هو الظاهر انفك الرهن بالضمان لتحقق فراغ الذمة بذلك وان كان الرهن وثيقة لوفاء الدين ، فالرهن باق بحاله حتى يحصل الاداء وقد ذكرنا ان الظاهر هو الاول .


المسألة 48

يجوز للضامن أن يضمن الدين ويقيد ضمانه بأن يكون وفاء الدين من مال معين من أمواله ويجوز له أن يشترط ذلك في عقد الضمان ، ويجوز أن يكون الدائن المضمون له هو الذي يقيد ضمان الضامن بذلك أو يشترطه عليه ، وإذا قيد أحدهما الضمان بذلك أو شرطه فيه لزم الضامن ذلك فيجب عليه ان يفي الدين من ذلك المال المعين . وإذا تلف المال المعين ثبت للمشترط خيار فسخ الضمان من غير فرق بين التقييد والاشتراط ، فإذا كان مأخوذا بنحو التقييد ثبت للمشترط خيار تخلف الوصف ، وإذا كان مأخوذا بنحو الاشتراط ثبت للمشترط خيار تخلف الشرط وإذا نقص المال ثبت الخيار كذلك للمشترط ، فإذا هو لم يفسخ الضمان وجب على الضامن ان يتم وفاء الدين من مال آخر ، وإذا كان التقييد بذلك بنحو وحدة المطلوب بطل الضمان بتلف المال .


المسألة 49

إذا كان للضامن مال معين وأراد أن يجعل ضمان الدين على المال المعين ولا تشتغل ذمة الضامن بشئ لم يكن ذلك ضمانا بالمعنى المصطلح للفقهاء ، والمبحوث عنه في هذا الكتاب ، بل يكون ذلك منه تعهدا خاصا ومعاملة مستقلة بينه وبين الدائن وتدل على صحتها عمومات وجوب الوفاء بالعقود .


المسألة 50

لا يصح - على الاقوى - للانسان أن يضمن دينا عن مدين فقير على ان يفي دينه من الخمس أو من الزكاة أو المظالم ونحوها من الحقوق الشرعية التي تنطبق على ذلك الفقير ، سواء كانت ذمة الضامن مشغولة بذلك الحق بالفعل ام لا .


المسألة 51

يجوز للرجل أن يضمن دين المدين الثابت في ذمته من الخمس أو الزكاة أو غيرهما من الحقوق ، والدائن المضمون له هو الجهة العامة التي جعل الشارع لها ذلك الحق ، وولي الجهة هو الحاكم الشرعي ، فإذا أراد الرجل ضمان الدين لها عن المدين راجع الحاكم الشرعي أو وكيله وضمن الدين له بالولاية على الجهة .


المسألة 52

يصح ضمان الضامن وهو في مرض موته ، فإذا مات قبل أداء الدين المضمون أخرج مال الضمان من أصل تركته على الاقوى سواء كان الضمان باذن المدين أم كان متبرعا به بغير اذنه .


المسألة 53

يصح أن يشترك شخصان بالضمان عن رجل واحد ويضمنا عنه مجموع دينه بالمناصفة بينهما أو بالتفاوت ، ويصح أن يقع ذلك منهما بعقدين مستقلين ، فيضمن أحدهما عن الرجل حصة من الدين بعقد مستقل ، ثم يضمن الثاني بقية الدين بعقد آخر ، ويجوز أن يوقعا الضمان بعقد واحد ، فيوكل أحدهما صاحبه أو يوكلا غيرهما فينشئ عقد ضمان يشتركان فيه حسب اتفاقهما من المناصفة أو غيرها فإذا رضي المضمون له تم الضمان وترتبت أثاره وأحكامه كما اوقعاه . وكذلك إذا كانوا أكثر من شخصين ، فيصح لهم ان يشتركوا في الضمان عن واحد على الوجه المتقدم بيانه . ويجوز للشخصين أو الاشخاص أن ينشئوا عقد الضمان من غير اشارة إلى مقادير حصصهم في ضمان الدين ، فينصرف العقد إلى التساوي بينهم في الحصص ، فإذا كانوا شخصين كان ضمانهما للدين بالمناصفة ، وإذا كانوا ثلاثة كان ضمانهما له بالمثالثة ، وكذلك إذا زاد العدد فالحصص متساوية وتكن بعدد الشركاء في الضمان .


المسألة 54

إذا اشترك شخصان أو اشخاص في ضمان دين رجل واحد على النحو الذي بيناه في المسألة المتقدمة ، انفرد كل واحد منهم بضمان حصته من الدين ، وجاز له أن يؤدي ما عليه ، فإذا أداه برئت ذمته سواء أدى الضامن الآخر ما عليه أم لم يؤد ، ويجوز للدائن المضمون له أن يطالب كل شخص منهم بأن يؤدي ما عليه ، ويجوز له أن يطالب واحدا منهم ويؤجل الآخر في حصته ، أو يبرئ ذمته من الدين إذا شاء . وإذا كان أحد الشركاء مأذونا في ضمانه وكان الآخر متبرعا بغير اذن ، وأديا ما عليهما ، جاز للمأذون منهما ان يرجع على المدين بما أدى عنه ، ولم يجز للآخر المتبرع في ضمانه ان يرجع على المدين بشئ كما هي القاعدة في الضمان .


المسألة 55

إذا تعدد الضامنون عن رجل واحد ، وكان ضمان كل واحد منهم على نحو الانفراد بدين الرجل جميعه لا على سبيل الاشتراك فيه كما تقدم ، فان كان ضمانهم مترتبا في وقوعه ، فضمن الاول منهم ورضي الدائن بضمانه لم يصح ضمان الضامن الثاني بعده فان ذمة المدين قد برئت من الدين ولا موضع لضمان الثاني عنه بعد براءة ذمته من الدين . وإذا ضمن الضامن الاول ثم ضمن الثاني ثم ضمن الثالث ، ثم رضي الدائن بواحد منهم ، فالضامن هو من رضي الدائن بضمانه وان كان هو الاخير منهم ، وإذا رضي بواحد ثم رضي بآخر ، فالضامن هو من رضي به أولا ولا حكم للاخر الذي يرضى به بعد ذلك . وإذا رضي بضمانهم على وجه الاطلاق ولم يعين واحدا منهم كان لهذا الفرض الحكم الاتي في ما إذا ضمنوا جميعا عن الرجل دفعة واحدة غير متعاقبين . وإذا وقع الضمان منهم دفعة واحدة ، فان رضي الدائن المضمون له بضمان واحد معين منهم دون الباقين كان ذلك الواحد هو الضامن ، وإذا رضي بضمانهم على وجه الاطلاق ولم يعين واحدا جاز له ان يطالب بالدين أيهم شاء ، وإذا طالب احدهم في هذه الصورة واستوفى منه دينه ، وكان ضمان هذا الضامن باذن المضمون عنه صح للضامن أن يرجع عليه بما أدى عنه ، وإذا كان متبرعا بضمانه عنه لم يرجع عليه بشئ .


المسألة 56

إذا كان لزيد دين معين على عمرو ، وله دين آخر على خالد فضمن كل واحد من المديونين ما في ذمة الآخر ، ورضي الدائن وهو زيد بضمانهما ، صح الضمان وانتقل دين عمرو إلى ذمة خالد ، وتحول دين خالد إلى ذمة عمرو . فإذا كان الدينان مختلفين في المقدار أو في الجنس أو في تأجيل أحدهما وتعجيل الآخر ، أو في مقدار الاجل بينهما فالامر واضح لا خفاء فيه ، وكذلك إذا كان على احد الدينين رهن من المدين دون الآخر أو كان على كل دين منهما رهن معين ، فينفك كل رهن بضمان الدين عن راهنه كما ذكرنا في المسألة السابعة والاربعين . وتظهر الثمرة كذلك في ما إذا ابرأ الدائن أحد الدينين معينا ، فيسقط ضمان ذلك الدين ، ويبقى ضمان الدين الآخر بحاله . وإذا رضي الدائن بضمان أحد الشخصين ولم يرض بضمان الآخر كان جميع الدينين في ذمة المدين الذي رضي بضمانه فإذا أدى جميع ما عليه وكان ضمانه باذن المدين الآخر جاز له الرجوع عليه في مقدار ما أدى عنه ، وإذا كان متبرعا عنه لم يرجع عليه بشئ .


المسألة 57

إذا أدى المدين الضامن في الفرض المتقدم ذكره بعض ما في ذمته ، وقصد في نفسه ان ما أداه يكون وفاءا عن دينه الخاص به ، أو عن دين الضمان اتبع ذلك وكان كما قصد ، وإذا اختلف هو مع الدائن أو المدين الآخر فادعى أنه عين دينه أو عين دين الضمان صدق قوله ، وإذا تنازعا عند الحاكم الشرعي ، فالقول قوله مع يمينه ، إذا لم يقم المدعي بينة على صحة ما يقول . وإذا أدى شيئا عما في ذمته ولم يعين في قصده انه وفاء عن أي الدينين كان مخيرا في التعيين بعد ذلك ، فإذا عين احدهما كان وفاءا عنه .


المسألة 58

إذا أبرأ الدائن ذمة المدين الضامن في الفرض المتقدم ذكره من أحد الدينين وقصد في نفسه انه أبرأ ذمة المدين من دينه الاصلي ، أو من دين الضمان اتبع ما قصده ، فتبرأ ذمته من الدين الذي عينه الدائن ، وإذا اختلف مع المدين فادعى الدائن انه عين احد الدينين وانكره المدين فالقول قول الدائن ، وإذا أبرأ ذمة المدين من احد الدينين ولم يعين أيهما ، تخير بعد ذلك ، فإذا عين واحدا منهما برئت ذمة المدين منه .


المسألة 59

يمكن أن يدور الضمان ، فيضمن رجل دين رجل آخر ، ثم يضمن غيرهما عن الضامن الاول ، ثم يضمن المدين المضمون عنه اولا عن الضامن الثاني ، ولا مانع من ذلك ، فإذا ضمن زيد ما في ذمة عمرو من الدين فانتقل الدين إلى ذمة زيد ، ثم ضمن خالد ما في ذمة زيد من مال الضمان ، فأصبح ضامنا عن الضامن ، ثم ضمن عمرو وهو المدين المضمون عنه أولا - عن خالد ما تحول في ذمته ، صح ضمان الجميع إذا توفرت شروط الضمان في الجميع ، ورضي الدائن المضمون له بضمانهم ، واشتغلت ذمة عمرو بالمال بسبب ضمانه عن خالد بعد ما برئت ذمته منه اولا بسبب ضمان زيد عنه . فإذا كان عمرو قد جعل على دينه رهنا في المرة الاولى ، فقد انفك رهنه بعد ان برئت ذمته من الدين بسبب ضمان زيد عنه ، ولا يعود الرهن بعد عودة الدين إلى ذمته بسبب ضمانه عن خالد ، الا أن يجدد الرهن عليه بعقد جديد ، فإذا أدى عمرو الدين الى الدائن المضمون له برئت ذمته وبرئت ذمة زيد وذمة خالد من المال لسقوط الضمان لسقوط موضوعه وهو الدين ، سواء كان الضمان متبرعا به أم مأذونا فيه . وتظهر الثمرة ايضا بالحلول والتأجيل في الدين ، كما إذا كان دين عمرو في المرة الاولى حالا وفي الثانية مؤجلا أو بالعكس ، وبالاختلاف في مقدار الاجل كما إذا كان الدين في المرة الاولى مؤجلا إلى شهرين وفي المرة الثانية إلى ستة أشهر أو بالعكس ، وبغير ذلك من وجوه الاختلاف الممكنة .


المسألة 60

لا يختص الضمان بالاعيان التي تكون في الذمم بل تشمل الديون التي تشتغل بها الذمة من المنافع والاعمال ، فإذا استأجر أحد من المالك دارا كلية موصوفة للسكنى مدة سنة مثلا واشتغلت ذمة المؤجر له بمنفعة الدار الموصوفة وأصبحت دينا في ذمته ، جاز لغيره أن يضمن للمستأجر تلك المنفعة ، وإذا استأجر أجيرا لعمل كلي من الاعمال ولم يشترط فيه المباشرة ، وأصبح العمل دينا للمستأجر في ذمة الاجير جاز لشخص آخر أن يضمن للمستأجر ذلك العمل ، فإذا ضمنه عنه ورضي المضمون له بضمانه صح وترتبت عليه الآثار المتقدم بيانها ، وإذا اشترط عليه المباشرة في العمل لم يصح ضمانه .


المسألة 61

إذا اشترط الدائن على المديون في ضمن العقد أن يكون اداء الدين من مال معين يملكه المديون نفسه لم يصح ضمان ذلك الدين .

 

3  الضمان العرفي

المسألة 62

يصح ضمان نفقة الزوجة عن زوجها إذا استقرت في ذمته واصبحت دينا ثابتا عليه ، والظاهر من الادلة أن الزوجة تستحق النفقة وتملكها في ذمة الزوج متى احتاجت الزوجة إلى النفقة وكانت ممكنة للزوج من نفسها ، ولا ريب في صدق ذلك في النفقة للمدة الماضية إذا كانت الزوجة فيها ممكنة للزوج من نفسها ، وكذلك في نفقة اليوم الحاضر عند تحقق المعيار المذكور ، فإذا استحقت النفقة وملكتها في ذمة الزوج صح للضامن ضمانها ، ولا تستحق النفقة في اليوم الحاضر إذا لم يتحقق المعيار الآنف ذكره . واما نفقتها للمدة المستقبلة فلا يصح لاحد ضمانها بمعنى الضمان المبحوث عنه بين الفقهاء فان ذمة الزوج لم تشتغل بها بعد لتنقل بالضمان إلى ذمة الضامن . ويصح التعهد والالتزام بها إذا وجد المقتضي لثبوتها في ذمة الزوج والمقتضي هو تحقق الزوجية بينهما والتعهد المذكور هو الضمان بالمعنى
العرفي وهو معاملة مستقلة غير الضمان المصطلح فإذا تمت هذه المعاملة وتم العقد بين المتعهد والمتعهد له صحت المعاملة ووجب ترتيب آثارها ، فيجب على المتعهد دفع النفقة عند حضور وقتها والحاجة إليها وقد تقدم لها عدة نظائر وستأتي لها نظائر أخرى .


المسألة 63

لا يصح ضمان مال الجعالة قبل أن يأتي العامل بالعمل المجعول عليه ، فإذا قال الرجل : من رد على ضالتي فله عندي دينار مثلا ، أو قال من خاط لي ثوبي أو من عمل لي العمل المعين فله علي ديناران ، لم يصح لاحد أن يضمن للعامل مال الجعالة قبل أن يأتي بالعمل المعين ، فان مال الجعالة لا يكون مستحقا للعامل المجعول له ولا يثبت في ذمة الجاعل حتى يأتي العامل بالعمل المعين ولذلك فلا يجري فيه الضمان المصطلح ، وإذا أنشأ الجاعل ايقاع الجعالة وتصدى العامل للعمل المعين ثبت المقتضي لاستحقاقه المال ، وجاز التعهد به قبل الاتيان بالعمل على النحو المتقدم في نفقة الزوجة للمدة المستقبلة ، فإذا تمت المعاملة كما ذكرنا صحت ووجب ترتيب آثارها وتكون من الضمان العرفي . وكذلك الحكم في مال السبق والرماية ، فلا يصح ضمانه قبل أن يتحقق سبق السابق ، وإذا ثبت المقتضي له جاز التعهد به كنظائره المتقدم ذكرها .


المسألة 64

الاعيان التي حكم الشارع بضمانها على واضع اليد عليها ، كالاشياء المضمونة على الغاصب أو المقبوضة بالعقد الفاسد والامتعة المقبوضة بالسوم وأمثال ذلك من الاعيان المضمونة شرعا ، لا يجوز ضمانها عن الاشخاص الذين حكم الاسلام عليهم بضمانها ووجوب ردها إلى أهلها إذا كانت موجودة ووجوب دفع بدلها إذا تلفت ووجوب دفع أرشها إذا نقصت أو ظهر فيها عيب . ومثال ذلك : أن يضمن الضامن العين المغصوبة عن الغاصب ، أو العين المقبوضة بالعقد الفاسد عن المشتري أو بالاجارة الفاسدة عن المستأجر ، أو العين إذا قبضها الرجل بالسوم ولم يتم بيعها أو المعاملة الاخرى عليها ، فلا يصح ضمانه بالمعنى المبحوث عنه بين الفقهاء ، وهو الضمان الذي ينقل الدين من ذمة إلى ذمة أخرى . ويصح ضمانها بالضمان العرفي ، وهو أن يتعهد الضامن للشخص المضمون له بالعين المضمونة ، فإذا تراضيا وتم العقد شملته عمومات الوفاء بالعقود وترتبت عليها آثارها ، فيجب على المتعهد ان يرد العين على صاحبها إذا كانت موجودة وان يدفع له مثلها أو قيمتها إذا تلفت ، وأن يدفع له أرشها إذا ظهر فيها عيب أو نقص . وكذلك الاعيان غير المضمونة كالوديعة ومال المضاربة والرهن وسائر الامانات قبل ان تتحقق اسباب الضمان لها من التعدي أو التفريط فلا يجوز ضمانها ويصح التعهد بها .


المسألة 65

إذا اشترى رجل من غيره أرضا أو دارا أو متاعا ، ودفع الثمن إلى البائع ، فقد يشك المشتري في انتقال المبيع إلى ملكه وسبب شكه هو احتماله ان يكون البائع قد باعه ملك غيره ، أو يكون البيع باطلا لفقد شرط من شروط صحة البيع ولذلك فهو يطلب من البائع ضامنا يضمن له عهدة الثمن الذي دفعه إليه إذا ظهر المبيع ملكا لغيره أو ظهر ان البيع باطل لبعض الجهات التي تخفى عليه . وقد نقل عن الاصحاب ره صحة هذا الضمان ، وسموه ضمان درك الثمن ، وفرعوا على ذلك فروعا عديدة ، والحكم بصحة هذا الضمان مشكل إذا أريد به الضمان بمعناه الاصطلاحي ، ويصح الضمان في ذلك وفي جميع فروعه التي ذكروها إذا أريد به الضمان العرفي ، وهو التعهد والالتزام الذي مر ذكره في المسائل المتقدمة ، فإذا تم العقد والتعهد بين الضامن والمضمون له كان صحيحا ولزم الوفاء به ، ولا يكون من الضمان الاصطلاحي .


المسألة 66

إذا باع الرجل على غيره دارا أو أرضا أو متاعا بثمن شخصي معين وحصل القبض من المتبائعين ، فقد يشك البائع في انتقال الثمن إليه وسبب شكه هو احتمال ان يكون المشتري قد اشترى منه بثمن يملكه غيره أو يكون البيع باطلا لفقد بعض الشروط كما تقدم في المشتري ولذلك فالبائع يطلب من المشتري ضامنا يضمن له درك المبيع ، والحكم فيه كما تقدم في ضمان درك الثمن ، فهو مشكل إذا أريد الضمان بالمعنى الاصطلاحي المتقدم بيانه ويصح بمعنى التعهد العرفي على ما سبق في نظائره .


المسألة 67

إذا اشترى الرجل من غيره أرضا بثمن معين وتقابض المتبائعان ، وأراد المشتري أن يحدث في الارض التي اشتراها غرسا أو بناءا ، وهو يشك في صحة البيع فقد تكون الارض لغير بائعها ولذلك فهو يطلب من البائع ضامنا يضمن له ترك ما يحدثه في الارض من البناء والغرس . وقد قال بصحة الضمان على ذلك جماعة من الاكابر كالشهيد الاول والشهيد الثاني قدس الله أرواحهم ، والقول بذلك مشكل إذا أريد به الضمان الاصطلاحي ، ولكنه يصح وينفذ إذا أريد به الضمان العرفي الذي تقدم بيانه في الفروض المتقدمة ، فإذا أجري العقد على ذلك كان صحيحا ولازما ، سواء كان المتعهد هو البائع نفسه ام كان شخصا غيره يتعهد للمشتري بما يريد .


المسألة 68

إذا قال أحد ركاب السفينة لآخر منهم : ألق متاعك في البحر وعلي ضمانه ، فألقاه في البحر كما أمره ، فان كان ذلك لخوف غرق السفينة كان الآمر بالالقاء ضامنا لمتاع صاحبه ، والضمان هنا من الضمان العرفي الذي تقدم ذكره ، وكذلك إذا كان ذلك لغاية عقلائية أخرى كخفة السفينة أو الخوف من ظالم أو سارق ، فيصح منه التعهد ، ويكون ضامنا للمتاع إذا القاه صاحبه ، وإذا لم تكن له فائدة يقصدها العقلاء لم يصح التعهد فان القاء المتاع في البحر لا لغاية يكون من المحرمات ، وضمان عوضها يكون من التعويض عن المحرم فلا يكون صحيحا ، وان اريد به التعهد والضمان العرفي .

 

4  في بعض منازعات الضمان

المسألة 69

لا يشترط في صحة الضمان أن يعلم الضامن مقدار الدين حين ضمانه كما اشرنا إليه في المسألة الثامنة عشرة ، فإذا علم بوجود الدين على وجه الاجمال فضمنه ، صح ضمانه ، فإذا علم بمقداره بعد ذلك أو شهدت به بينة شرعية وجب عليه اداء ذلك المقدار ، وكذلك إذا ثبت مقدار الدين باقرار المضمون عنه أو باليمين المردودة على الدائن ، إذا كان الاقرار أو اليمين المردودة سابقين على الضمان ، بل وان كان الاقرار به بعد الضمان ايضا إذا كان الضمان باذن المضمون عنه ، فيجب على الضامن اداء المقدار الذي اقر به المضمون عنه ، ثم يرجع به عليه إذا شاء ، وكذلك الحكم - على الاحوط - إذا ثبت المقدار باليمين المردودة بعد الضمان ، وكان الضمان مأذونا فيه ، وإذا أقر المضمون عنه به بعد الضمان أو ثبت باليمين المردودة بعد الضمان كذلك وكان غير مأذون فيه لم يجب أداؤه على الضامن ولزم على المضمون عنه .


المسألة 70

انما يجب على الضامن اداء المقدار الذي تشهد به البينة إذا شهدت بأنه مقدار الدين في حال صدور الضمان من الضامن ، ولا يلزمه الاداء إذا شهدت بأن ذلك هو مقدار الدين بعد الضمان أو اطلقت شهادتها فلم تعين ان ذلك هو مقداره حين الضمان أو بعده .


المسألة 71

إذا قيل للرجل : ان بينة شرعية مقبولة تدل على أن صديقك زيدا مدين بمبلغ من المال ، فقال : ضمنت للدائن ما تشهد به البينة على زيد من الدين ، جاز ضمانه فإذا رضي الدائن صح ونفذ ، ووجب عليه ان يؤدي ما تشهد البينة المذكورة بثبوته على زيد من الدين حينما ضمن الضامن .


المسألة 72

إذا ادعى الدائن ان مقدار الدين المضمون مائة دينار مثلا وأنكر الضامن هذا المقدار وقال : انما هو خمسون دينارا ، وصدقه المضمون عنه فأنكر المائة ، ثم تنازع الدائن والضامن في ذلك إلى الحاكم الشرعي فوجه اليمين على الضامن لانه منكر ، وردها الضامن على الدائن وحلف الدائن على ما يدعيه وثبت عند الحاكم باليمين المردودة ان الدين المضمون مائة دينار ، فإذا أداها الضامن لم يحق له أن يرجع على المضمون عنه بجميع المائة لانه منكر لها وانما يرجع عليه بالخمسين . وكذلك الحكم إذا أقر الضامن بالمائة فثبت ذلك باقراره ، فلا يرجع بها على المدين المضمون عنه ، بل يرجع عليه بمقدار ما يعترف به هو من الدين لا بمقدار ما يقر به الضامن .


المسألة 73

إذا ادعى الدائن على زيد انه قد ضمن له دينه على عمرو وانكر زيد الضمان ، فأقام الدائن بينة على ما يقول وثبت الضمان على زيد وأدى المال ، فلا يحق لزيد أن يرجع على عمرو بما أدى لانه اعترف بأن الدائن أخذ المال منه بغير حق .


المسألة 74

إذا تنازع المدين مع الدائن فادعى المدين أن الدين الذي كان عليه قد ضمنه عنه ضامن فهو يزعم ان ذمته قد برئت من الدين وأنكر الدائن الضمان ولذلك فهو يزعم ان على المدين أن يؤدي ما عليه ، فالقول قول الدائن المنكر مع يمينه . وكذلك الحكم إذا اختلفا فادعى المدين أن الضامن قد ضمن عنه جميع ديونه ، فلا حق للدائن عنده ، وانكر الدائن ذلك وأدعى ان الضامن انما ضمن عنه دينا واحدا ولم يضمن الدين الثاني فعلى المدين أن يؤديه فالقول قول المنكر مع يمينه ، ومثله أن يدعي المدين ان الضامن ضمن جميع دينه ويدعي الدائن انه ضمن نصف دينه أو ربعه .


المسألة 75

إذا اختلف الدائن المضمون له والمدين المضمون عنه ، فادعى المضمون له انه قد اشترط الخيار لنفسه في عقد الضمان فيجوز له أن يفسخ الضمان ويأخذ دينه من المدين ، وانكر المضمون عنه هذا الاشتراط فليس للدائن أن يفسخ الضمان وان ذمته قد برئت بضمان الضامن ، فالقول قول المضمون عنه مع يمينه لانه منكر . وإذا اختلفا في صحة الضمان وفساده ، فالقول قول من يدعي الصحة منهما مع يمينه ، والغالب ان المضمون عنه هو الذي يدعي الصحة ، فان صحة الضمان تستلزم براءة ذمته من الدين ، فإذا اتفق الامر بعكس ذلك فادعى المضمون له صحة الضمان ، كان القول قوله مع يمينه .


المسألة 76

إذا اختلف الدائن مع الضامن ، فادعى أحدهما أن الضامن منهما قد ضمن الدين وانكر الآخر الضمان وادعى عدمه ، فالقول قول من يدعي العدم مع يمينه ، والغالب ان الضامن هو الذي يدعي عدم الضمان فان لازم ذلك براءة ذمته من الدين ، فإذا اتفق الامر بعكس ذلك فادعى الضامن انه ضمن الدين وانكر الدائن فادعى عدم الضمان كان القول قوله مع يمينه . وكذلك الحكم إذا اختلفا في مقدار الدين ، أهو مائة دينار أو ثمانون ، أو اختلفا في أن الضامن ضمن للدائن دينا واحدا أو دينين ، أو اختلفا في ان الدائن قد اشترط على الضامن التعجيل في أداء الدين ام لم يشترط عليه ذلك ، أو انه اشترط عليه تقصير مدة الاجل أو لم يشترط ذلك ، أو أنه اشترط عليه شرطا آخر في عقد الضمان أو لم يشترط ، فالقول في جميع ذلك قول من يدعي العدم مع يمينه ، وهو الضامن في الغالب ، فإذا اتفق الامر بعكس ذلك فادعى الدائن العدم كان القول قوله مع يمينه .


المسألة 77

إذا ضمن الضامن دين الرجل وكان الدين حالا ، فاختلف الضامن والدائن في انهما هل اشترطا في العقد تأجيل الدين إلى مدة ام لم يشترطا ، فادعى أحدهما وجود هذا الشرط وانكره الآخر فادعى عدم اشتراط ذلك ، فالقول قول من يدعي العدم مع يمينه كما تقدم والغالب هنا ان من يدعي عدم الاشتراط هو الدائن المضمون له ، لانه يريد أخذ دينه معجلا ، وإذا اتفق عكس ذلك فادعى الدائن الاشتراط وادعى الضامن العدم كان القول قول الضامن مع يمينه لانه المنكر . ومثله ما إذا كان الدين مؤجلا فادعى أحدهما انهما قد اشترطا الزيادة في المدة وانكر الآخر ، أو اختلفا فقال احدهما : قد اشترطنا في العقد ان يبرئ الدائن ذمة الضامن من الدين أو من بعضه وأنكر الاخر ، أو اختلفا في أن الضامن قد اشترط لنفسه خيار الفسخ لعقد الضمان فادعاه احدهما وانكره الثاني ، فيقدم في جميع ذلك قول من يدعي العدم ، والغالب في هذه الموارد أن يدعي المضمون له ذلك فيكون القول قوله مع يمينه ، وإذا انعكس الامر فادعى الضامن العدم كان القول قوله كما تقدم .


المسألة 78

إذا ضمن الضامن عن المدين واداه عنه ثم تنارع الضامن والمضمون عنه فادعى الضامن أن ضمانه عنه كان باذنه ، فيجوز له أن يرجع عليه بما أدى عنه ، وقال المضمون عنه : انه لم يأذن بالضمان فلا حق للضامن بالرجوع عليه ، قدم قول المضمون عنه مع يمينه ، وكذلك إذا ضمن الضامن الدين عنه باذنه ثم تنازعا ، فادعى الضامن انه قد ادى الدين للدائن فيصح له الرجوع على المضمون عنه ، وانكر المضمون عنه اداء الدين ، فيقدم قول المضمون عنه مع يمينه .


المسألة 79

إذا ضمن الضامن الدين باذن المضمون عنه واداه للدائن ثم تنازعا في مقدار الدين فادعى الضامن انه مائة دينار مثلا ، وقال المضمون عنه : ان الدين ثمانون دينارا وانكر الزيادة ، فالقول قول المضمون عنه مع يمينه ، وإذا ادعى المضمون عنه ان الدين مائة دينار فعلى الضامن أن يدفعها جميعا ، وقال الضامن : انه ثمانون فحسب وانكر الزيادة فالقول قول الضامن مع يمينه .


المسألة 80

إذا ادعى الضامن انه ادى الدين للدائن ، وانكر الدائن المضمون له ذلك ، فان صدق المدين المضمون عنه دعوى الضامن بالوفاء وكان ضمانه باذنه صح للضامن الرجوع عليه سواء حلف الدائن لانكاره دعوى الضامن أم لم يحلف ، وان لم يصدقه في دعوى وفاء الدين لم يرجع الضامن عليه بشئ . وإذا حلف الدائن لانكاره دعوى الضامن وأخذ المال منه لم يرجع به على المضمون عنه إذا لم يصدقه في دعوى الوفاء لان الضامن يعترف بأن هذا المال أخذ منه بغير حق .


المسألة 81

يصح للمدين المضمون عنه ان يشهد للضامن بأداء الدين إذا كان يعلم بذلك وكان جامعا لشروط قبول الشهادة من عدالة وعدم تهمة وغير ذلك .


المسألة 82

إذا طلب المدين من أحد أن يفي عنه دينه فأداه عنه اجابة لطلبه جاز له ان يرجع عليه بما أدى عنه وان لم يضمن عنه ، وكذلك إذا أمره أن يدفع الى زيد مبلغا أو ينفق في بعض السبل شيئا ولم تقم القرائن على طلب التبرع ، فإذا أعطى أو أنفق اجابة لامره جاز له الرجوع عليه بما دفع وبما انفق ، وهذا ليس من الضمان المصطلح ولا من التعهد العرفي . وإذا أذن المدين لاحد بوفاء دينه ولم يطلب ذلك منه ، لم يحق له الرجوع عليه إذا وفاه عنه الا إذا أفهمته القرائن انه لا يؤدي تبرعا ، وانه إذا وفى له دينه رجع عليه بما أدى ، فيرجع عليه حين ذاك .