كتاب الرَّهن


1  في الرَّهن وشروطه

2  في لزوم الرَّهن وجوازه

3  في استيفاء الحق من الرَّهن


1  في الرَّهن وشروطه

المسألة 1

الرهن وضع شئ وحبسه عند أحد تأمينا له على دينه ، ومن ذلك جعلت كلمة الرهن في عرف المتشرعة اسما للمعاملة التي يجعل بها الشئ وثيقة للدائن على دينه ، والراهن هو المدين الذي دفع ذلك الشئ ، وأجرى عليه المعاملة ووثق به دين الدائن ، والمرتهن هو الدائن الذي أخذ الشئ من صاحبه واستوثق به لدينه ، والمرهون هو الشئ الذي جعل كذلك ، ويطلق عليه اسم الرهن أيضا ، ويجمع على رهون ورهان ، ومنه قوله تعالى : فرهان مقبوضة ، وقد ذكرنا في كتاب التجارة ان الرهن من الايقاعات وهو الاقوى ، ولكن اجراء شرائط العقود وبعض أحكامها عليه أحوط ، ومن أجل ذلك أطلقنا عليه كلمة العقد في هذا الكتاب واعتبرنا فيه شروطه وأجرينا ما يوافق الاحتياط من آثاره ، فلا تغفل .


المسألة 2

الرهن عقد من العقود كما ذكرناه ، وهذا العقد قد ينشأ باللفظ ، فيكون محتاجا إلى ايجاب وقبول لفظيين ويكون الايجاب من الراهن ، ويكفي فيه كل لفظ يدل على جعل الشئ المعين وثيقة عند المرتهن على دينه في ذمة الراهن ، ومنه أن يقول له : رهنتك هذا الشئ على دينك في ذمتي ، أن يقول له : هذا الشئ وثيقة لديك على الدين ، أو يقول له : جعلت هذا الشئ رهنا عندك لتتوثق به على دينك في ذمتي ،ويكون القبول من المرتهن ، ويكفي فيه أي لفظ يكون دالا على الرضا بما أنشأه الراهن في ايجابه ، ومنه أن يقول : قبلت ، أو رضيت ، أو ارتهنت ، والاحوط أن ينشأ عقد الرهن باللغة العربية . ولا يصح أن يقدم القبول على الايجاب ، ونتيجة لهذا ، فإذا كان الرهن شرطا في عقد لازم مثلا ، فقال الموجب : زوجتك ابنتي فلانة على ألف دينار مؤجل إلى سنة ، واشترطت عليك أن ترهن دارك عندي على المهر المؤجل المذكور ، فقال الزوج : قبلت تزويج ابنتك فلانة لنفسي على الصداق المعين ، ورهنتك داري على مهر ابنتك المؤجل ، فلابد وأن يقول الموجب الاول بعد ذلك : قبلت الرهن ، ولا يكتفي بالشرط الذي ذكره في عقد النكاح .


المسألة 3

يصح أن ينشأ عقد الرهن بالفعل ، إذا كان الفعل دالا في متفاهم أهل المحاورة على المعنى المقصود ، فإذا دفع الراهن الشئ المعين وقصد بدفعه انشاء الرهن على الدين الخاص ، وقبض الدائن الشئ المدفوع إليه بقصد قبول الرهن ، صح العقد وثبتت أحكامه .


المسألة 4

يشترط في الراهن أن يكون بالغا ، فلا يصح ان يرهن الصبي غير البالغ ماله بغير اذن وليه ، وان كان الصبي مميزا ، ويشترط فيه أن يكون عاقلا ، فلا يصح الرهن من المجنون ، ويصح الرهن منه إذا كان جنونه ادوارا وكان رهنه للشئ في دور افاقته ، ويشترط في الراهن أن يكون مختارا في فعله ، فلا يصح رهنه إذا كان مكرها عليه ، ويشترط في الراهن أن يكون قاصدا للانشاء في اجرائه للمعاملة ، فلا يصح الرهن إذا كان غافلا أو هازلا في معاملته ، ويشترط في المرتهن ايضا أن تجتمع فيه الشروط الآنف ذكرها ، فتجري فيه أحكامها كما تقدم في الراهن . ويشترط في الراهن أن يكون غير محجور عليه لسفه أو لفلس ، ولا يمنع السفه ولا الفلس الرجل أن يرتهن مال غيره إذا كان هو الدائن .


المسألة 5

يجوز للولي إذا كان الطفل مدينا لاحد أن يرهن مال الطفل عند دائنه إذا اقتضت المصلحة ذلك ، ويجوز للولي إذا كان الطفل هو الدائن أن يرتهن عنده بعض أموال المدين توثيقا لدين الطفل عليه ، ويتعين ذلك إذا كان حفظ مال الطفل يتوقف على الرهن ، وإذا كان الولي هو الاب أو الجد للاب كفى في صحة تصرفهما في مال الطفل برهن أو بغيره عدم وجود المفسدة فيه ، ولم يشترط وجود المصلحة ، نعم يعتبر التوثق الكامل من حفظ ماله . وتجري الاحكام الآنف ذكرها جميعا في ولي المجنون إذا حصلت للولي الفروض المذكورة في مال المولى عليه .


المسألة 6

إذا أكمل الولي بنفسه المعاملة لرهن مال الصبي عند دائنه أو للارتهان عند الصبي من مال المدين له وتوفرت لدى الولي شروط صحة المعاملة جاز له أن يوكل الصبي - إذا كان مميزا - ليجزي بنفسه صيغة الرهن لماله عند الدائن بالوكالة عن الولي ، أو ليتولى قبول الرهن عنده من المدين بالوكالة عن الولي أيضا ، وتنفذ المعاملة إذا أجرى الصيغة على الاقوى ، وقد تقدم نظير هذا في فصل شرائط المتعاقدين من كتاب التجارة .


المسألة 7

يصح أن يتولى الصبي غير البالغ معاملة الرهن لغيره ، بالوكالة عن ذلك الغير إذا كان الصبي مميزا وتنفذ معاملته إذا أجراها على الوجه الشرعي الصحيح ، سواء كان ذلك الغير راهنا أم مرتهنا ، ولا يشترط أن يستأذن ولي الصبي بذلك .


المسألة 8

يشترط في صحة الرهن على الاحوط أن يقبض المرتهن العين المرهونة ، وأن يكون قبضه اياها باقباض من الراهن أو باذن منه . وإذا كانت العين في يد الرجل وديعة أو عارية ، ثم رهنها مالكها عنده ، فان دلت القرائن على أن الراهن أقر القبض الموجود حال الرهن ، واعتبره قبضا للرهن ، كفى ذلك في تحقق شرط الرهن ، ولم يحتج إلى اذن جديد ولا إلى قبض آخر وان لم تدل القرائن على ذلك ، فالاحوط لزوما أن يأذن الراهن في القبض بعد العقد ويمضي زمان يتحقق فيه القبض بعد الاذن ، وكذلك الحكم إذا كانت العين مغصوبة عند الرجل ثم رهنها المالك عنده ، فيأتي فيها التفصيل المذكور .


المسألة 9

إذا كانت للرجل حصة مشاعة من دار أو عين أخرى مشتركة بينه وبين غيره ، ورهن حصته عند دائنه ، فلا يجوز للرجل تسليم الحصة المرهونة للمرتهن الا باذن شريكه بتسليم العين ورضاه ، وإذا تعدى فسلم العين إلى المرتهن من غير اذن شريكه ، تحقق القبض بذلك وصح الرهن ، وان كان آثما بعدوانه على حصة الشريك .


المسألة 10

إذا وقع القبض بعد عقد الرهن تحقق الشرط بذلك وثبتت الصحة ، فإذا أخذ الراهن العين المرهونة بعد ذلك من يد المرتهن أو وضعها بيد شخص ثالث ، أو غصبها منه أحد لم يقدح في صحة عقد الرهن ولم يبطل بذلك رهن العين ، فلا تفتقر صحة الرهن إلى استمرار القبض . ولا يجوز أخذ العين المرهونة من يد المرتهن الا باذنه من غير فرق بين أخذ الراهن وغيره ، كما لا يجوز وضعها بيد شخص ثالث الا باذن مالك العين الا إذا اشترط عليه ذلك في ضمن العقد فيكون الشرط نافذا .


المسألة 11

إذا اشترط الراهن على المرتهن في ضمن العقد أن تكون العين بيد الراهن مدة الرهن ، أو أن تكون بيد شخص ثالث ، فان كان المقصود من الشرط أن تكون العين في جميع المدة بيد الراهن أو بيد الشخص الثالث بحيث لا يقبضها المرتهن بعد العقد لم يصح هذا الشرط ، فقد تقدم ان القبض شرط في صحة الرهن فلا يصح الرهن إذا لم يقبض المرتهن العين ، فإذا اشترط عليه عدم القبض كان الشرط ملغى . وان كان المراد أن يقبض المرتهن العين بعد العقد حتى يتحقق الشرط ثم يسترجعها الراهن في بقية المدة أو يجعلها بيد الشخص الثالث ، فالظاهر صحة الشرط ونفوذه ، وقد ذكرناه قريبا .


المسألة 12

يشترط في المال الذي يراد رهنه أن يكون عينا وهذا على القول المشهور بين الاصحاب قدس الله أرواحهم ، وبناء على هذا القول ، فلا يصح رهن الدين ، ولا يصح رهن المنفعة ، وللمناقشة في ادلة هذا القول مجال متسع ، ولكنه أحوط ولا ينبغي تركه ، فإذا كان للرجل دين على زيد مبلغ من المال ، لم يصح له ان يجعله رهنا عند عمرو على دين له ، وإذا كانت له دار معينة فلا يصح له ان يجعل سكنى داره مدة معلومة رهنا عند عمرو على دينه . ويشترط في المال ايضا ان يكون مملوكا ، وبناء على ذلك فلا يصح ان يرهن الحر ، ولا الخمر ولا الخنزير ، فانها غير قابلة للتملك ، ولا يصح أن ترهن الارض الخراجية ، وهي الارض التي فتحها المسلمون عنوة ، والارض التي صالح أهلها المسلمين على أن تكون الارض ملكا للمسلمين وتبقى بأيدي أهلها ويدفعون خراجها لامام المسلمين ، فإذا تقبل هذه الارض أحد من ولي أمر المسلمين لم يملكها ولم يصح له رهنها على دين . ولا يصح رهن العين الموقوفة سواء كانت أرضا أم دارا أم غيرهما من سائر الموقوفات ، وسواء كانت موقوفة وقفا عاما أم خاصا ، ويشترط أن يكون المال مما يمكن قبضه ويصح بيعه ، فلا يصح أن يرهن الطير المملوك إذا طار فلم يمكن قبضه ولم يؤمل عوده ، أو يرهن السمك المملوك إذا ذهب في الماء فلم يمكن الاستيلاء عليه بعد انطلاقه .


المسألة 13

يجوز لمتقبل الارض الخراجية أن يرهن ما غرس فيها من شجر وما أنبت فيها من زرع وما اقام فيها من بناء ، ولا يصح على الاقرب أن يرهن الارض معه بالتبعية ، واما رهن الارض مستقلة فقد ذكرنا في المسألة المتقدمة أن الاقوى عدم صحته .


المسألة 14

إذا رهن الانسان على دينه ما يملكه هو وما يملكه غيره ، صح الرهن في ما يملكه وكانت الصحة في ما يملكه غيره موقوفة على اجازة مالكه ، فإذا أجاز مالكه الرهن صح ، وان لم يجزه كان باطلا ، ومثال ذلك ان يكون زيد مدينا لاحد ، فيرهن على الدين الذي في ذمته دارا مشتركة بينه وبين مالك آخر ، فيكون الرهن في حصته من الدار صحيحا نافذا ، ويكون الرهن في حصة شريكه من الدار فضوليا أو هو بحكم الفضولي ، فتتوقف الصحة فيه على اجازة الشريك ، فإذا أجازه صح رهنا على دين الراهن .


المسألة 15

إذا استدان زيد من خالد مبلغا من المال ولم يجعل على دينه رهنا ، فرهن عمرو بعض أموال زيد - وهو المدين - على الدين المذكور ولم يستأذن زيدا في ذلك ، كان رهنه فضوليا ، فان أجازه زيد كان صحيحا وان لم يجزه كان باطلا .


المسألة 16

يجوز للانسان أن يتبرع بالرهن ، فيجعل ماله رهنا لدين غيره ، سواء رضي المدين بتبرعه عنه أم لم يرض بذلك ، بل الظاهر صحة رهن المتبرع وان منعه المدين من الرهن ، وإذا كان في تبرعه منة لا يتحملها المدين ، لم يصح الرهن حين ذاك ، وكذا إذا قصد به اذلاله أو الحط من مكانته وكرامته . وإذا تبرع الرجل فرهن ماله لدين غيره ولم يستأذن من المدين ، ثم بيع المال بالدين ، فليس للمتبرع الرجوع على المدين بعوض ماله ، وخصوصا إذا كان المدين قد منعه من الرهن


المسألة 17

إذا كان الدين على الرجل مؤجلا إلى مدة معلومة ، ورهن على الدين عينا يدركها الفساد قبل حلول أجل الدين ، فان شرط الراهن أو المرتهن في ضمن العقد أن يباع المال المرهون قبل أن يصيبه الفساد ، ويجعل ثمنه رهنا على الدين حتى يحل الاجل ، صح الرهن وعمل بالشرط ، فيتولى الراهن بيع المال قبل أن يعرض له الفساد ، ويجوز له أن يوكل المرتهن في ذلك أو يوكل شخصا آخر يتفقان عليه فينفذ تصرف الوكيل . وإذا امتنع الراهن من بيع المال وخيف على الرهن الفساد أجبره الحاكم الشرعي على بيعه وان لم يمكن جبره تولى الحاكم البيع ، وإذا لم يوجد حاكم شرعي أو لم يمكن الوصول إليه ، تولى المرتهن بيع المال وجعل الثمن رهنا على الدين . وكذلك الحكم إذا دلت القرائن الحافة بالعقد على اشتراط بيع المال وجعل الثمن رهنا فيجري فيه جميع ما تقدم ، وإذا شرط عدم بيع المال قبل حلول الاجل كان الرهن باطلا .


المسألة 18

إذا كان الدين مؤجلا إلى مدة معلومة ورهن المدين عليه عينا لا يدركها الفساد بحسب العادة ، ولكن طرأ عليها ما جعلها مظنة لعروض الفساد والتغير ، ومثال ذلك أن يرهن على الدين حنطة أو أرزا أو غيرهما من الحبوب فيصيبه المطر أو الرطوبة ، فلا يبطل الرهن بحدوث ذلك ، سواء شرط بيع المال قبل حلول الاجل أم شرط عدم البيع ، أم لم يشترط في عقد الرهن شيئا ، فيباع المال المرهون ، ويستبقى ثمنه رهنا حتى يحل أجل الدين .


المسألة 19

يشترط في المال الذي يراد رهنه أن يكون معينا ، فلا يصح أن يرهن شيئا مرددا مبهما ، ومثال ذلك أن يرهن عند دائنه أحد العبدين ، أو احدى العينين ، فإذا رهن احداهما لا على وجه التعيين كان الرهن باطلا .


المسألة 20

يصح أن يكون المال المرهون كليا في المعين إذا كانت الافراد متساوية في الصفات وفي المالية ومثال ذلك أن يرهن عند الدائن وزنة من صبرة معينة من الحنطة المتساوية في الاجزاء ، أو يرهن عنده عددا معلوما من الاواني أو الاشياء الاخرى الموجودة في محله مما انتجته المعامل الحديثة متساوي الصفات والمالية ، فإذا رهن الكلي من هذه الافراد المتساوية الموجودة ثم عين الراهن فردا من الكلي وقبضه المرتهن ، صح الرهن وكان نافذا ، ويتحقق قبض الكلي بقبض ذلك الفرد . ويتحقق قبض الكلي في المعين أيضا بأن يدفع إليه جميع الافراد الموجودة لديه من الكلي ، فإذا دفع له جميع الصبرة المعينة وقبضها المرتهن فقد قبض الكلي وتحقق الشرط وصح الرهن .وإذا كانت أفراد الكلي مختلفة في الصفات أو في المالية أو في كليهما ، أشكل الحكم بصحة رهن الكلي منها .


المسألة 21

يصح أن يرهن المدين كليا في الذمة على الاقوى إذا كان جنسه ونوعه مما تتساوى الافراد منه في الصفات والمالية كما اشترطنا في المسألة السابقة ، ويتحقق القبض بقبض المصداق الذي يعينه الراهن بعد ذلك ، فإذا عين فردا من الكلي وقبضه المرتهن صح الرهن وترتبت آثاره وأحكامه ، وإذا تفاوتت افراد الكلي في صفاتها وماليتها أشكل الحكم بجواز رهن الكلي منها كما تقدم في نظيره .


المسألة 22

إذا كان المال الذي يراد رهنه معلوم الجنس والصفات وكان مجهول المقدار فالظاهر صحة رهنه ، إذا كان مشاهدا ، ومثال ذلك ان يرهنه صبرة معينة من الحنطة المعلومة ، وهما لا يعلمان مقدار وزنها وكيلها .


المسألة 23

إذا رهن الرجل عند دائنه شيئا مجهولا ، فلا يعلم أن الشئ المرهون مما له مالية أو لا ، لم يصح رهنه ومثال ذلك أن يرهنه شيئا موجودا في الحجرة وهو لا يعلم اي شئ فيها ، وكذلك على الاحوط إذا رهن عنده شيئا يعلمان أنه مما له مالية ولكنهما يجهلان صفاته وخصائصه ، أو كان أحدهما يجهل ذلك ، ومثال ذلك ان يرهن عند صاحبه ما في الصندوق من المال وهما يجهلان اي نوع من المال يحتويه الصندوق ، أو كان احدهما يجهل ذلك ، فلا يصح الرهن على الاحوط .


المسألة 24

يشترط في الحق الذي يرهن عليه أن يكون دينا ثابتا في ذمة المدين بالفعل ، فلا يصح أن يجعل الرهن وثيقة على مبلغ سيستقرضه بعد هذا أو على ثمن شئ سيشتريه في الذمة ، أو على ما سيبيعه سلفا على زيد ، أو على صداق مؤجل لامرأة سيتزوجها ، أو على مال اجارة لدار سيستأجرها من مالكها أو نحوها من الديون التي لم تثبت في ذمته ولكنها تثبت في ما يأتي عندما تتحقق أسبابها ، فلا يصح الرهن عليها قبل ثبوتها ، وان تحققت بعد ذلك كما إذا رهن على الدين المقبل ثم استدان أو رهن على الصداق المؤجل قبل التزويج ثم تزوج .


المسألة 25

لا يصح أن يجعل الرهن على الدية قبل أن تستقر في ذمة القاتل بموت المقتول وان علم بأن السبب الذي جناه القاتل يؤدي إلى الموت ، ولا يصح الرهن على مال الجعالة قبل شروع المجعول له في العمل المجعول عليه ، ولا بعد الشروع فيه وقبل اتمامه .


المسألة 26

إذا تحقق سبب الدين وثبت المال في الذمة ، صح طلب جعل الرهن عليه من الدائن ، وصح جعل الرهن عليه من المدين ، سواء كان الدين حالا أم مؤجلا .


المسألة 27

إذا استأجر الانسان الدار أو المحل من مالكه ، وكان مال الاجارة دينا في ذمة المستأجر جاز للمؤجر أن يطلب الرهن عليه كما ذكرنا ، وإذا استأجر الرجل أجيرا على عمل في ذمته جاز للمستأجر أن يطلب من الاجير رهنا على العمل الثابت في ذمته ، إذا أمكن استيفاء العمل المستأجر عليه من الوثيقة ومثال ذلك أن يستأجر الاجير على عمل في الذمة ولا يشترط عليه المباشرة ، فإذا انقضت المدة المحددة للعمل ولم يقم الاجير به أو علم منه الامتناع عن الوفاء بالاجارة ، بيع الرهن واستؤجر بثمنه عاملا يأتي بالعمل المطلوب ، وإذا لم يمكن استيفاء العمل من الرهن لم يصح ، كما إذا اشترطت على العامل المباشرة في العمل .


المسألة 28

إذا اشترى الرجل سلعة أو متاعا وبقي الثمن دينا في ذمة المشتري ، صح له ان يجعل السلعة أو المتاع الذي اشتراه رهنا على الثمن الباقي في ذمته من ذلك الشراء


المسألة 29

لا يبعد أنه يجوز جعل الرهن على الاعيان التي يستقر ضمانها على
الانسان شرعا ، لقوله صلى الله عليه وآله ( على اليد ما أخذت حتى تؤدي ) وأمثاله ، كالاعيان التي يستولي عليها الانسان غصبا ، والاعيان التي يقبضها بالعقود الفاسدة أو يقبضها بالسوم ، وكالعارية التي يحكم الشارع بضمانها ، ونحو ذلك ، فإذا رهن الضامن في بعض هذه الموارد شيئا على العين التي حكم الشارع عليه بضمانها ، ولم يؤد العين المضمونة لصاحبها حتى تلفت ، بيع الرهن وأخذت قيمة العين التالفة من ثمنه .


المسألة 30

إذا باع الرجل عينا شخصية على أحد ، وسلم العين المبيعة للمشتري ، كانت العين المذكورة في عهدة بائعها ، فإذا استبان أن العين مملوكة لغيره كان عليه ضمانها ، فيرد الثمن على المشتري إذا كان الثمن باقيا ويرجع عليه بدله إذا كان تالفا ، وكذلك إذا اشترى سلعة من أحد بثمن شخصي معين ، فالثمن المذكور في عهدة المشتري على النهج المذكور في المبيع ، ومثله مال الاجارة إذا استأجر الدار أو الارض بأجرة شخصية ، وعوض الصلح إذا صالح على الشئ بعوض شخصي ، فتكون الاعواض الشخصية المذكورة التي جرت عليها المعاوضة في عهدة دافعها وضمانه ، فإذا ظهر انها مملوكة لغيره وجب عليه رد عوضها إذا كان موجودا ولزمه رد بدله إذا تلف . ويشكل الحكم بصحة جعل الرهن على هذه العهدة ، بل الظاهر عدم جواز ذلك قبل أن ينكشف أمر العين المضمونة أهي مستحقة للغير أم لا ، وإذا انكشف ان العين مملوكة لمالك آخر ، فالظاهر صحة الرهن عليها .


المسألة 31

لا يمنع رهن العين على دين من أن ترهن تلك العين نفسها على دين آخر للمرتهن الاول ، فإذا استدان الرجل من أحد مبلغا من المال ، ورهن عليه عشرين مثقالا من الذهب مثلا ، ثم استدان منه ايضا دينا آخر يساوي الدين الاول في المقدار أو يزيد عليه أو ينقص عنه أو يخالفه في الجنس ، وأراد أن يجعل الذهب المرهون على الدين الاول رهنا على الدينين معا جاز له ذلك ، وكذلك إذا كان الرجل مدينا لزيد بدينين مستقلين فجعل على أحدهما رهنا معينا ذهبا أو غيره ، ثم جعل ذلك الشئ رهنا على الدين الاخر أيضا ، ولا يمنع ذلك من أن يجعله رهنا أيضا على دين ثالث أو رابع مثلا للمرتهن نفسه سواء كانت الديون التي يرهن عليها متجددة أم سابقة على الرهن الاول ، فيصح له ذلك في جميع الصور .


المسألة 32

إذا رهن الرجل شيئا معينا على دين لزيد ، ثم أراد أن يجعل على الدين نفسه رهنا ثانيا توثيقا لزيد على دينه الواحد جاز له ذلك فيكون كل واحد من الشيئين رهنا مستقلا على ذلك الدين الواحد . وإذا أراد أن يفسخ الرهن الاول ويجعل الشيئين معا رهنا واحدا على الدين صح ذلك إذا فسخ المرتهن الرهن الاول أو تقايلا بينهما فأبطلا الرهن الاول واتفقا على انشاء الرهن الثاني .


المسألة 33

إذا رهن الرجل شيئا معينا على دين عليه لزيد ، ثم أراد أن يرهن ذلك الشئ نفسه على دين في ذمته لعمرو ، صح له أن يفعل ذلك إذا رضي الدائنان واتفقا معه عليه ، فيصبح الشئ رهنا على كل واحد من الحقين ، فإذا أدى أحد الدينين أو أبرأه صاحبه منه بقي الشئ رهنا بالدين الاخر . وإذا رضي الدائن الاول ففسخ رهنه ورهن الشئ على الدين الثاني وحده صح ذلك ، وإذا فسخ رهن الاول ثم جعل الشئ رهنا مشتركا على الدينين صح ذلك إذا اتفق جيمعهم عليه .


المسألة 34

إذا استدان كل واحد من زيد وعمرو دينا خاصا من دائن واحد ، ورهنا عنده على الدينين دارا مشتركة بينهما بعقد واحد أو بعقدين ، أصبحت حصة كل واحد منهما من الدار رهنا خاصا على دينه الذي في ذمته ، فإذا أدى أحدهما دينه الخاص انفكت حصته من الدار من رهنها ، وبقيت حصة شريكه مرهونة بدينه سواء تفاوت الدينان في المقدار أم تساويا ، وسواء اختلفت حصتاهما من الدار في المقدار أم تساوتا ، وسواء كان معهما شريك ثالث في الدار أم لا .


المسألة 35

إذا استدان زيد من عمرو مبلغا من المال ، ثم استدان من خالد مبلغا آخر ، وجعل داره رهنا عندهما على الدينين ، فان كان الدينان متساويين في مقدارهما ، فظاهر ذلك ان نصف الدار رهن عند عمرو على دينه ونصفها الاخر رهن عند خالد على دينه . وإذا اختلف الدينان في المقدار ، فالظاهر منه أن رهن الدار بينهما يكون بنسبة حق الدائن إلى مجموع الدينين ، فإذا كان دين عمرو مائة دينار مثلا ، وكان دين خالد مائتي دينار كانت حصة عمرو من الدار المرهونة الثلث وكانت حصة خالد الثلثين منها ، وهذا هو مقتضى ظاهر مناسبة الرهن مع الدين في كلا الفرضين ، الا أن تدل قرينة خاصة على ان المراد غير ذلك فيجب اتباعها .


المسألة 36

إذا استدان زيد من عمرو مبلغا من المال ورهن عنده داره على دينه ، ثم مات الراهن وهو زيد ، وخلف من بعده ولدين ، فأدى أحد الولدين ما يصيبه من دين أبيه ، لم تنفك حصته من الدار عن رهنها حتى تؤدى بقية الدين . وإذا مات المرتهن وهو عمرو في الفرض المذكور ، وخلف من بعده ولدين ، فدفع الراهن وهو زيد حصة أحد الولدين من الدين لم ينفك الرهن عن حصته من الدار كذلك حتى يدفع جميع الدين لصاحبه .


المسألة 37

إذا رهن الانسان بقرة أو شاة أو دابة لم يدخل حملها الموجود في بطنها في الرهن ولا ما يتجدد منه بعد العقد ، الا إذا اشترط في العقد أن يدخل الحمل في الرهن ، فيتبع الشرط ، أو كان دخول الحمل هو القاعدة المتعارفة بين الناس في ذلك فيكون التعارف قرينة على الدخول . وكذلك الثمر في الشجر والتمر في النخيل ، فلا يدخل الموجود منه في رهن الاصل ، ولا ما يتجدد منه بعد عقد الرهن الا مع الشرط أو يكون ذلك هو المتعارف بين الناس فيثبت ذلك فان المتعاقدين يقصدان ما هو المتعارف بين الناس .


المسألة 38

إذا رهن الانسان على دينه جملا أو بقرة أو شاة أو غيرها من الحيوان ، فالظاهر دخول وبر الحيوان وصوفه وشعره في رهن الحيوان من غير فرق بين الموجود منه وما يتجدد ، وإذا رهن الشجرة دخل في الرهن أوراق الشجرة واغصانها الخضراء واليابسة . ولا يدخل مغرس الشجرة في رهنها ومغرس الشجرة هو موضع غرسها من الارض ، ولا يدخل اس الجدار في رهن الجدار وهو موضع أساسه من الارض . ويشكل الحكم بدخول اللبن الموجود في الضرع في رهن البقرة والشاة والناقة ، وكذلك ما يتجدد منه والاحوط الرجوع فيه إلى المصالحة ، وان كان الاقوى عدم الدخول في الرهن الا مع الاشتراط .

 

2  في لزوم الرَّهن وجوازه

المسألة 39

عقد الرهن لازم من جانب الراهن ، وهو جائز من جانب المرتهن ، فلا يصح للراهن أن يفسخ الرهن أو يأخذ العين المرهونة من المرتهن بغير رضاه ، ويجوز للمرتهن أن يسقط حقه من الرهن فإذا أسقط حقه منها جاز للراهن أخذ العين والتصرف فيها وان لم يرض المرتهن ولم يأذن بالتصرف بعد اسقاط حقه ، ومثل ذلك ما إذا أدى الدين أو فرغت ذمته منه بابراء أو مصالحة أو هبة أو غيرها فيسقط حق المرتهن ويجوز للراهن التصرف .


المسألة 40

إذا برئت ذمة المدين من بعض الدين لم ينفك الرهن بذلك ، ولم ينفك منه شئ على الاقوى بل يبقى الجميع رهنا حتى يؤدي جميع الدين ، أو تبرأ ذمته منه بأحد المبرئات . وإذا شرط الراهن في العقد أن ينفك من الرهن بمقدار ما يؤدى من الدين نفذ الشرط ، فإذا أدى نصف الدين انفك نصف الرهن وبقي

نصفه رهنا على بقية الدين ، وإذا شرط أن تكون العين مرهونة على مجموع الدين نفذ ذلك ، فإذا أدى بعض الدين انفك جميع الرهن .


المسألة 41

لا يجوز للراهن أن يتصرف في العين المرهونة تصرفا ينافي حق المرتهن كالبيع والاجارة ونحوهما من التصرفات التي تنقل العين أو المنفعة إلى ملك غيره وكالوقف والتحبيس والصدقة ، ويجوز له أن يتصرف فيها تصرفا لا ينافي حق المرتهن ، ولا يخرجها من يده على الاقوى كسقي الشجر المرهون وعلف الدابة وتعمير الدار ومداواة المريض ، بل يجوز استخدام العبد والامة وركوب السيارة والدابة وسكنى الدار إذا لم تخرج العين بتصرفه عن يد المرتهن أو كان التصرف باذنه ورضاه


المسألة 42

إذا أتلف الراهن العين المرهونة لزمه أن يؤدي قيمتها ، فتوضع القيمة رهنا مكان العين التالفة وإذا آجر الراهن الدار المرهونة كانت صحة الاجارة موقوفة على اجازة المرتهن ، فان ردها بطلت ، وان أجازها صحت ولم يبطل رهن الدار بذلك ، وكانت الاجرة المسماة للمالك الراهن .


المسألة 43

إذا باع الراهن العين المرهونة توقفت صحة البيع على اجازة المرتهن ، فإذا هو رد العقد بطل البيع وبقي الرهن ، وإذا أجاز العقد صح البيع وبطل الرهن ، الا إذا باع الراهن العين على أن يكون ثمنها رهنا في موضع العين وأجاز المرتهن البيع كذلك ، فيصح البيع ويبقى الثمن رهنا كما اشترط . وكذلك الحكم إذا أذن المرتهن في بيع العين فباعها الراهن ، فيصح البيع ويبطل الرهن ، وإذا باع العين على أن يكون ثمنها رهنا في موضع العين ، وقد أذن له المرتهن كذلك صح البيع ولم يبطل الرهن بل يبقى الثمن رهنا كما اشترط وتراجع المسألة المائة والتاسعة والعشرون من كتاب التجارة في بقية من فروض هذه المسألة .


المسألة 44

لا يجوز للمرتهن أن يتصرف في العين المرهونة الا باذن مالكها ، فإذا ركب السيارة أو الدابة المرهونة عنده ، أو سكن الدار أو اكتسب في الدكان بغير اذن المالك كان آثما بتصرفه ، وكان ضامنا للعين إذا تلفت فيضمنها بمثلها إذا كانت مثلية وبقيمتها يوم التلف إذا كانت قيمية ، ويجب عليه أن يدفع للمالك أجرة المثل للمنفعة التي استوفاها من ماله .


المسألة 45

إذا باع المرتهن العين المرهونة ، كان بيعه فضوليا ، فلا يصح الا باجازة المالك الراهن ، فان أجازه صح ، وان رده كان باطلا . وإذا أجاز المالك بيع المرتهن ، وكان بيعه للعين مشروطا بأن يكون ثمنها رهنا ، وقد أجازه المالك كذلك صح البيع وبقي الثمن رهنا مكان العين كما اشترط . وإذا باع المرتهن العين ولم يشترط في البيع شيئا ثم أجاز الراهن البيع صح البيع وبطل الرهن ولا يكون الثمن رهنا على الدين الا بعقد جديد .


المسألة 46

إذا آجر المرتهن الدار المرهونة بغير اذن مالكها كان عقد الاجارة فضوليا ، فان أجازة المالك صحت الاجارة وكان بدل الاجارة له لا للمرتهن ، وان رده كانت الاجارة باطلة ، وبقيت العين رهنا على حالها في كلتا الصورتين .


المسألة 47

منافع العين المرهونة ونماءاتها تابعة للعين في الملك ، فإذا كانت العين مملوكة للراهن كما هو الغالب ، فمنافعها ونماءاتها كلها للراهن ، فسكنى الدار المرهونة ، والعمل والتكسب في الدكان المرهون وخدمة العبد والامة المرهونين ، واستعمال الفرش والاواني والاثاث والامتعة وركوب السيارة والدابة إذا كانت هذه الاشياء مرهونة ، وكل منفعة من منافعها ، وأجرتها إذا استؤجرت كلها للراهن وكذلك نماءاتها كنتاج الحيوان ولبنه ودهنه وبيضه وسمنه إذا سمن ، وثمر النخيل والشجر ونموه وفسيله ، فجميع ذلك للراهن ، ولا ينتقل شئ منه إلى المرتهن ولا يدخل في الرهن الا إذا اشترط دخوله أو دلت قرينة أو عرف على دخوله ، وقد ذكرنا ما يدخل في الرهن وما لا يدخل فيه في المسألة السابعة والثلاثين والمسألة الثامنة والثلاثين ، فليرجع اليهما من يريد الوقوف على ذلك . وإذا كانت العين المرهونة ملكا لغير الراهن فمنافعها ونماؤها لمالك العين وقد ذكرنا في المسألة السادسة عشرة حكم من يتبرع بالرهن ، فيجعل ماله رهنا على دين غيره .


المسألة 48

يصح للمالك أن يرهن ثمرة الشجرة دون أصلها ، ويصح له أن يرهن الاصل والثمرة معا فإذا أدركت الثمرة وحل أجل الدين في وقت واحد ، أو كان الدين حالا لا أجل له ، أجريت على الثمرة أحكام الرهن عند حلول الاجل ، سواء كانت مرهونة مع الاصل أم على انفرادها . وإذا كان الدين مؤجلا وأدركت الثمرة قبل حلول أجله ، فان كانت الثمرة مما يحفظ بتجفيف ونحوه حتى يحل أجل الدين ، صنع بها كذلك وبقيت رهنا ، وان لم يمكن حفظها ، جرى عليها حكم رهن العين التي يسرع إليها الفساد قبل حلول الدين ، وقد ذكرناه في المسألة السابعة عشرة فلتراجع لتطبيق حكمها في المورد .


المسألة 49

إذا كان على الشخص دين حال ، أو كان الدين مؤجلا فحل وقته ، ورهن عليه رهنا ، وشرط الراهن أو المرتهن في ضمن العقد ، أن يستوفي الدائن المرتهن منفعة العين المرهونة مجانا ليؤجل الدين إلى مدة معينة لم يصح ذلك ، وكذلك الحكم إذا كان الدين مؤجلا إلى مدة ، فرهن عليه رهنا ، وشرط أن يستوفي المرتهن منفعة العين مجانا ليزيد في مدة الاجل ، فلا يصح ذلك في الصورتين ، وقد ذكرنا في المسألة الثلاثمائة والخامسة وما بعدها من كتاب التجارة نظيري هذين الحكمين .


المسألة 50

يجوز للدائن المرتهن أن يشترط في العقد على الراهن أنه يستوفي منفعة العين المرهونة مجانا . في مدة رهنها عنده ، إذا لم يكن استيفاء المنفعة المذكورة زيادة في عوض قرض ، كما ذكرناه في المسألة التاسعة والخمسين من كتاب الدين ، ولم يكن عوضا لتأجيل دين حال ، أو عوضا لزيادة في أجل دين مؤجل كما ذكرناه في المسألة السابقة ، فإذا لم يكن استيفاء منفعة الرهن راجعا إلى ذلك ، صح للمرتهن اشتراطه وإذا شرطه في الرهن لزم العمل به ما دامت المدة المشترطة باقية .

 

3  في استيفاء الحق من الرَّهن

المسألة 51

لا يتعين على الراهن أن يبيع العين المرهونة لوفاء دينه ولا يحق للمرتهن أن يجبره على بيعها ووفاء الدين من ثمنها إذا كان يستطيع وفاءه من مال آخر ، أو ببيع عين أخرى أو بالاستدانة من دائن آخر ، فيكون مخيرا في الوفاء من اي سبيل أراد ، الا إذا انحصر سبيل ذلك ببيع العين ، فيتعين عليه بيعها حين ذاك ويجبر عليه إذا امتنع .


المسألة 52

إذا رهن الرجل بعض أمواله عند الدائن يوثق به دينه ، فقد يجعل الراهن صاحب الدين وكيلا عنه في بيع العين المرهونة عند حضور أجل الدين وفي استيفاء حقه من ثمنها ، وقد لا يوكله في ذلك بل يجعل أمر بيع الرهن ووفاء الدين لنفسه لا للمرتهن ، وإذا وكله في البيع والاستيفاء ، فقد يجعل وكالته مطلقة في ذلك بمجرد حلول وقت الوفاء ، وقد يجعل وكالته مقيدة بمراجعة الراهن في تسديد الدين ، فلعله يوفي الدين من جهة أخرى غير جهة الرهن ، فإذا لم يوف الراهن الدين من ناحية أخرى كان المرتهن وكيلا عنه في البيع والاستيفاء . فإذا حضر أجل الدين أو كان حالا غير مؤجل ، وأراد المرتهن أن يستوفي حقه جاز له أن يعمل بموجب وكالته إذا كان وكيلا وجاز له ان يطالب الراهن بالوفاء إذا لم يوكله في ذلك .


المسألة 53

إذا حضر أجل الدين أو كان الدين حالا غير مؤجل ، وكان المرتهن وكيلا عن المديون في أن يبيع العين المرهونة ويستوفي دينه من ثمنها ، وكانت وكالته مطلقة بمجرد حلول الدين ، جاز له أن يتولى بيع العين واستيفاء الدين ولم يجب عليه أن يراجع الراهن في ذلك ، ويلزمه أن يقتصر في تصرفه على ما تتناوله وكالته في نظر العقلاء فلا يجوز له أن يراعي حق نفسه من غير مراعاة لمصلحة موكله في كل من البيع والاستيفاء . ويحسن ان يراجع الراهن قبل البيع وفي البيع وفي الاستيفاء ، وان لم يجب عليه ذلك إذا كانت الوكالة مطلقة وكان مراعيا لشؤون الوكالة كما بينا .


المسألة 54

إذا كانت وكالة المرتهن في بيع العين مقيدة بمراجعة الراهن قبل البيع كما ذكرنا في المسألة الثانية والخمسين وجب عليه أن يراجع الراهن أولا ، فإذا لم يحصل منه على الوفاء من جهة أخرى جاز له أن يتولى البيع ويستوفي حقه من الثمن على نهج ما بيناه في المسألة المتقدمة .


المسألة 55

إذا شرط المرتهن على الراهن في ضمن العقد أن يكون وكيلا عنه في بيع العين واستيفاء الحق من ثمنها لزم الشرط وثبتت وكالة المرتهن عن الراهن في ذلك ، ولم ينعزل إذا عزله الراهن ، حتى يتحقق البيع والاستيفاء منه أو من الراهن باذن المرتهن أو اجازته ، أو يحصل الوفاء للدين من طريق آخر ، وإذا وكل الراهن المرتهن في بيع العين بعد أن تم عقد الرهن ولم يشترط ذلك في ضمنه جاز للراهن أن يعزله قبل أن يحصل البيع .


المسألة 56

إذا حضر أجل الدين أو كان حالا غير مؤجل ، ولم يكن المرتهن وكيلا عن الراهن في بيع العين لم يجز له أن يتولى البيع بنفسه ، بل يطالب الراهن بوفاء الدين بأحد السبل التي يختارها في ذلك فيبيع العين المرهونة ، أو يوكل المرتهن أو غيره في بيعها ، أو يؤدي الدين من مال آخر ، وإذا باع الراهن العين توقفت صحة البيع على اذن المرتهن أو اجازته كما تقدم ، وكذلك إذا وكل الراهن غير المرتهن فباعها فتتوقف صحة البيع على اذن المرتهن أو اجازته .


المسألة 57

إذا امتنع الراهن من وفاء الدين ومن بيع الرهن والتوكيل في بيعه ، رفع المرتهن الامر إلى الحاكم الشرعي ، فألزمه الحاكم ببيع العين ووفاء الدين من ثمنها ، أو ادائه من وجه اخر . وإذا امتنع على الحاكم أن يلزمه بشئ ، لغيبة ونحوها ، تولى الحاكم بيع الرهن ووفاء الدين ، أو وكل غيره في ذلك ، ويجوز ان يتولى المرتهن ذلك بالوكالة عن الحاكم الشرعي واذنه .


المسألة 58

إذا فقد الحاكم الشرعي أو تعذر الاستئذان منه ، جاز للمرتهن أن يتولى بيع الرهن بنفسه فيستوفي دينه من الثمن ، وإذا زاد الثمن على الدين بقيت الزيادة امانة في يد المرتهن ، يجب عليه ان يوصلها إلى مالك العين .


المسألة 59

لا يجوز للمرتهن أن يتولى البيع بنفسه في الصورة المتقدم ذكرها مع تمكنه من استئذان الحاكم الشرعي وان كان الحاكم غير قادر على الزام الراهن بالبيع والوفاء لعدم بسط يده ، فلابد من استئذانه .


المسألة 60

إذا كانت العين المرهونة بيد المرتهن وامتنع الراهن من بيعها ومن وفاء الدين ، وتعذر على المرتهن اثبات دينه عند الحاكم لعدم البينة الشرعية ، وخشي إذا هو رفع أمره إلى الحاكم الشرعي ان يجحد الراهن الدين فلا يستطيع هو اثباته لعدم وجود البينة ، فتؤخذ منه العين المرهونة لاعترافه بها وعدم ثبوت حقه ، جاز له أن يبيع الرهن ويستوفي دينه من ثمنه من غير مراجعة للحاكم الشرعي . وكذلك الحكم إذا مات الراهن وخاف المرتهن أن يجحد وارث الراهن الدين ، ولا بينة للمرتهن على اثبات حقه ، فإذا رفع الامر إلى الحاكم لم يستطع اثبات الدين عنده ، فتؤخذ منه العين المرهونة كما في الفرض السابق ، فيجوز له أن يبيع الرهن ويستوفي الدين من غير مراجعة للحاكم .


المسألة 61

إذا جاز للمرتهن أن يبيع العين المرهونة من غير مراجعة للحاكم الشرعي كما في الصور الآنف ذكرها ، وكان بيع بعض الرهن كافيا في وفاء الدين كله فالاحوط للمرتهن لزوما ان لا يبيع جميع الرهن ، بل يقتصر على بيع ما يكفيه من الرهن في تسديد الدين ، ويبقي بقية الرهن أمانة شرعية في يده يوصلها إلى مالكها ، وهو الراهن . وإذا تعذر عليه أن يبيع بعض الرهن لعدم امكان التفكيك بين أجزائه أو لعدم وجود الراغب مثلا أو كان بيع البعض يوجب ضررا للراهن جاز له ان يبيع جميع الرهن ، فيستوفي مقدار دينه من الثمن ويبقى الباقي منه امانة في يده يوصله إلى الراهن .


المسألة 62

إذا رهن الرجل عند دائنه بعض الاعيان التي جعلها الاسلام من المستثنيات في وفاء الدين ، وهي الامور التي تقدم ذكرها في المسألة الثامنة عشرة من كتاب الدين ، جاز للمرتهن أن يبيعها ويستوفي دينه من ثمنها ، والاحوط أن لا يبيع دار سكناه ، ففي الخبر عن ابي عبد الله ( ع ) : أعيذك بالله أن تخرجه من ظل رأسه .


المسألة 63

إذا كان لزيد في ذمة عمرو دينان يستقل احدهما عن الآخر ، وقد جعل عمرو على الدين الاول منهما بخصوصه ، أو على الثاني بخصوصه رهنا ، اختص الرهن بالدين المقصود منهما ، فإذا وفاه المدين انفك رهنه ، ولم يجز للمرتهن ان يحتبس الرهن بالدين الاخر ، وإذا وفي الدين الآخر الذي لا رهن عليه برئت ذمته منه ، وبقي الرهن محبوسا حتى يؤدي الدين الذي ارتهن عليه . إذا دفع للدائن مبلغا ولم يعين عند دفعه ، انه وفاء عن الدين الاول أو عن الثاني ، لم ينفك الرهن بذلك على الاقوى حتى يعلم فكه .


المسألة 64

المرتهن أمين على العين المرهونة في يده ، ولذلك فلا يكون ضامنا لها إذا تلفت في يده أو نقصت أو أصابها عيب أو عوار ، الا إذا تعدى عن الحد المأذون فيه ، فتصرف في العين تصرفا غير مأذون فيه أو فرط في حفظها فيكون ضامنا لما يحدث فيها ، كما ذكرناه في المسألة الرابعة والاربعين .


المسألة 65

إذا كانت العين في يد الرجل وهي مضمونة عليه كما إذا كان غاصبا لها أو كان قد قبضها بالسوم أو بعقد فاسد أو كانت عنده عارية مضمونة أو أمانة قد فرط فيها فأصبحت مضمونة عليه ، ثم رهنها مالكها عنده ، فان أذن له مالك العين في بقائها في يده أو كان رهنها عنده دليلا على اذنه ورضاه بذلك أو دلت عليه قرينة أخرى ارتفع الضمان عنه بذلك وأصبح أمينا ، وان لم يأذن له المالك صريحا ولم تدل القرائن على الاذن ، فالضمان الاول لا يزال باقيا بحاله حتى يحصل ما يرفعه .


المسألة 66

إذا أدى الراهن الدين الذى جعل الرهن عليه ، أو أبرأ الدائن ذمة المدين منه أو تبرع أحد بأدائه عنه انفك الرهن ، وبقيت العين أمانة عند المرتهن ، فإذا طالبه المالك بها وجب عليه أن يسلمها له ، ولا يجب عليه تسليمها إذا لم يطالبه بها .


المسألة 67

إذا كانت العين المرهونة بيد المرتهن وظهرت عليه امارات الموت ، وعلم أو خشي انه ان لم يوص بها لم يوصلها الوارث من بعده إلى صاحبها ، لان الوارث لا يعلم بها أو هو يخشى من نسيان الوارث لها ، أو لان الباعث له على اداء الامانة إلى أهلها ضعيف في نفسه ، فإذا لم يوص بها لم يؤدها الوارث أو هو خشى منه ان لا يؤديها ، فتجب عليه الوصية بها والتعريف بها وبصاحبها والاشهاد عليها ، وإذا لم يوص بها في هذا الفرض أو لم يشهد كان مفرطا وضامنا لها ، وكذلك إذا خشي من بعض الورثة أن يجحد ، ويقع النزاع بينهم ، فلا يصل الحق إلى صاحبه فتجب عليه الوصية والاشهاد وإذا علم أو اطمأن بأن وارثه يوصل الحق إلى أهله ، وكان الوارث عالما بالرهن وعارفا بالعين المرهونة وبأهلها وبالحق الذي رهنت عليه لم تجب عليه الوصية بها على الاقوى ، والاحوط استحبابا عدم تركها .


المسألة 68

لا يبطل الرهن بموت الراهن ، بل تنتقل العين ملكا لورثته من بعده وتبقى مرهونة بالدين الذي اشتغلت به ذمة مورثهم حتى تبرأ ذمته من الدين ، ولا يبطل الرهن بموت المرتهن ، بل ينتقل الحق إلى ورثته من بعده فتكون العين رهنا عند الورثة على دين مورثهم في ذمة الراهن . وإذا لم يأتمنهم الراهن على العين المرهونة جاز لهم أن يتفقوا معه فيضعوها بيد أمين ، فان لم يتفقوا على ذلك رفعوا الامر إلى الحاكم الشرعي ، فوضع العين بيد شخص يرتضيه ، فان لم يوجد الحاكم الشرعي قام بالامر عدول المؤمنين .


المسألة 69

إذا أذن الراهن للمرتهن في بيع العين المرهونة قبل أن يحل أجل الدين ، فباعها المرتهن كان ثمنها أمانة بيده ، ولم يجز له أن يتصرف فيه ، ولم يجز له أن يستوفي منه الدين حلول الاجل الا باذن الراهن . وإذا حل الاجل وأذن الراهن للمرتهن باستيفاء الدين من الثمن جاز له ذلك ، ويجوز للراهن أن يتولى ذلك ، فيأخذ المال ويوفي الدين منه أو من غيره . وإذا لم يأذن الراهن للمرتهن في الاستيفاء ولم يؤده لنفسه رجع إلى الحاكم الشرعي فالزم الراهن بالوفاء وإذا امتنع تولى الحاكم أو وكيله وفاء الدين من المال ، وإذا تعذر عليه ان يرجع إلى الحاكم الشرعي جاز للمرتهن أن يستوفي دينه من المال الموجود بيده بغير اذن .


المسألة 70

إذا رهن الرجل بعض أمواله عند أحد على دين معين ثم أصبح مفلسا وحجر على أمواله لكثرة ديونه ، اختص المرتهن بالعين المرهونة ولم يشاركه باقي الغرماء فيها حتى يستوفي دينه المذكور منها ، وإذا كان للمرتهن دين آخر على الفلس لا رهن فيه شارك الغرماء الاخرين بالضرب معهم في بقية أموال المفلس بنسبة دينه الاخر ، وإذا فضل من الرهن شئ بعد استيفاء دين المرتهن اقتسمه الغرماء بالحصص بنسبة ديونهم كسائر أموال المفلس ومنهم المرتهن في دينه الآخر ، وإذا زاد دين المرتهن الذي كان الرهن عليه على ثمن الرهن ، اخذ الثمن وضرب مع الغرماء بالباقي من دينه في أموال المفلس الاخرى .


المسألة 71

إذا مات المرتهن وبيده العين المرهونة جرت فيه الصور الست التي ذكرناها وفصلنا احكامها في المسألة المائة والثانية عشرة والمسائل التي بعدها من كتاب المضاربة فليرجع إليها من أراد ولا حاجة إلى اعادة ذكرها في المقام .


المسألة 72

يصح للمرتهن ان يشتري العين المرهونة عنده سواء كان المتولي لبيعها هو الراهن أم وليه أم وكيله غير المرتهن ، وإذا كان الوكيل في بيع العين هو المرتهن نفسه ، اشكل الحكم بالجواز ، من حيث الاشكال في الصحة إذا اتحد الموجب والقابل في العقد ، فإذا وكل المرتهن أحدا في قبول الشراء عنه ، فباع هو بالوكالة عن الراهن ، وقبل وكيله الشراء بالوكالة عنه ، فالظاهر الصحة .


المسألة 73

إذا تلفت العين المرهونة أو نقصت أو ظهر فيها عيب ، فادعى الراهن ان المرتهن قد تعدى في الامانة أو فرط في حفظها ، فيكون ضامنا لما حدث فيها وانكر المرتهن ذلك كان القول قول المرتهن مع يمينه لانه منكر ، ولانه أمين .


المسألة 74

إذا تنازع المرتهن والراهن في قدر الدين الذي وضع عليه الرهن ، فادعى المرتهن ان العين قد رهنت عنده على ألف دينار مثلا ، وقال الراهن ، هي مرهونة على ثمانمائة ، فالقول قول الراهن مع يمينه لانه منكر .


المسألة 75

إذا استوفى المرتهن دينه ثم اختلف الراهن والمرتهن في رد العين المرهونة إلى مالكها ، فقال المرتهن اني رددتها عليك وانكر الراهن ردها ، فالقول قول الراهن المنكر مع يمينه .


المسألة 76

إذا كان زيد مدينا لعمرو بدين وقد جعل عليه رهنا معينا ، وله عليه دين آخر لم يجعل عليه رهنا ، ثم أدى زيد أحد الدينين المذكورين ، وقصد في نفسه أن ما أداه وفاء عن الدين الاول المرهون عليه ، أو عن الدين الثاني الذي لا رهن عليه اتبع قصده وكان المبلغ المدفوع وفاءا عما قصده في نفسه ، وإذا اختلف هو مع الدائن في انه عين أحد الدينين أم لا ، فالقول قوله ، وكذلك إذا اختلفا في ان الدين الذي قصد الوفاء عنه هل هو الاول الذى جعل الرهن عليه أو الثاني الذي لا رهن عليه ؟ فيكون القول قوله لانه ابصر بنيته . وإذا أدى المبلغ ولم يقصد انه وفاء عن ايهما ، تخير في التعيين بعد ذلك فإذا عين أحد الدينين تعين وكان المبلغ وفاءا عنه .