كتاب الدَّين


1  في أحكام الدّين

2  في القرض وأحكامه

3  الربا في القرض


1  في أحكام الدّين

المسألة 1

الدين هو مال تشتغل به ذمة انسان لانسان آخر ، لاحد الاسباب التي توجب ذلك ، كاقتراض مال يبقى عوضه في ذمة المقترض ، وابتياع شئ يكون ثمنه في ذمة المشتري ، وبيع شئ موصوف مؤجل إلى اجل في ذمة البائع كما في بيع السلف ، وكالتزويج بامرأة يؤجل صداقها في ذمة الزوج ، واستئجار عين أو أجير يبقى بدل اجارته في ذمة المستأجر ، وفدية خلع أو مباراة تبقى في ذمة المرأة المختلعة ، وضمان مال بسبب اتلاف أو عيب أو غير ذلك من موجبات الضمان ، ونحو ذلك من أسباب اشتغال ذمة الانسان بالمال ، وهذا هو الدين الذي يبحث عنه وعن احكامه في كتاب الدين . ويطلق الدين ايضا على ما تشتغل به ذمة الانسان من الاموال والحقوق لجهة عامة أو جهة خاصة ، كالزكاة والخمس والكفارات والنذور ، واشباهها ، وهي ديون خاصة يبحث عنها وعن أحكامها في مواضعها المختصة بها من فقه الشريعة ولا تدخل في مباحث هذا الكتاب .


المسألة 2

الدين اما حال ، وهو الذي حان وقت وفائه ، ولذلك فيجوز لمالك الدين أن يطالب المدين به ، ويجب على المدين أداؤه إذا طالبه الدائن به ، وكان المدين موسرا متمكنا من الوفاء ، واما مؤجل ، وهو الذي ضرب له أجل مسمى ، ولذلك فلا يحق لمالك الدين أن يطالب المدين به ، ولا يجب على المدين أن يؤديه الا بعد حضور أجله ، سواء كان التأجيل باشتراط المتداينين أو باشتراط أحدهما ، أم كان بحكم الشارع بذلك ، كما في أقساط الدية التي تبين في كتاب الديات .


المسألة 3

إذا حان أجل الدين أو كان الدين بنفسه حالا غير مؤجل ، وأراد المدين دفعه لصاحبه ليفرغ ذمته منه ، وجب على صاحب الدين أن يأخذه منه ، ولا يجوز له الامتناع بغير عذر يسوغ له ذلك .


المسألة 4

إذا كان الدين مؤجلا ولم يحضر وقت ادائه ، وأراد المدين تعجيل وفائه قبل حلول الاجل ، فالظاهر انه يجب على الدائن أن يقبل ذلك منه ، الا أن تكون في تعجيل الوفاء منة لا يتحملها الدائن ، أو تدل قرائن خاصة على أن تأجيل الدين في المقام حق من حقوق الدائن كما هو حق من حقوق المدين ، وقد ذكرنا هذا في المسألة الثلاثمائة من كتاب التجارة .


المسألة 5

إذا حضر أجل الدين ودفعه المدين ، وامتنع الدائن من قبضه من غير عذر يسوغ له ذلك ، جاز للحاكم الشرعي أن يجبره على القبض إذا طلب المدين من الحاكم ذلك ، وإذا تعذر اجباره على القبض رفع المدين أمره إلى الحاكم وأمر الحاكم المدين أن يحضر المال ويمكن الدائن منه بحيث يكون مستوليا عليه وفي قبضته في نظر أهل العرف ، فإذا حصل ذلك بأمر الحاكم وبمراجعته ، برئت ذمة المدين من الدين ، وإذا ترك المدين المال كذلك وانصرف ، فلا ضمان عليه إذا تلف المال أو حدث فيه عيب ، فهو من مال الدائن . وإذا لم يمكن ذلك جاز للمدين أن يدفع المال إلى الحاكم ، فإذا قبل الحاكم ذلك منه وقبض المال أو أمر بقبضه برئت ذمة المدين ، ويشكل الحكم بوجوب قبول الحاكم للمال إذا رفعه المدين إليه . وكذلك الحكم إذا حضر أجل الدين وكان صاحبه غائبا لا يمكن ايصال المال إليه ، فإذا أراد المدين براءة ذمته دفع المال إلى الحاكم ، فإذا قبله منه وقبضه برئت ذمته ، ويشكل الحكم بوجوب قبول الحاكم للمال كما في الفرض المتقدم .


المسألة 6

يجوز للانسان أن يتبرع بوفاء الدين عن غيره ، سواء كان المدين المتبرع عنه حيا أم ميتا ، وسواء كان التبرع والوفاء باذن المدين أم بغير اذنه ، بل الظاهر جواز ذلك وان لم يرض المدين بتبرعه عنه ، وإذا وفى المتبرع عنه برئت ذمة المدين في جميع هذه الفروض ، ووجب على الدائن قبول الوفاء منه .


المسألة 7

إذا قصد المتبرع بتبرعه في أداء الدين المنة على المدين ، أو قصد اهانته واذلاله بذلك أشكل تناول الادلة له ، فلا تجري الاحكام المذكورة في المسألة السابقة مع قصد أحدهما .


المسألة 8

إذا عين المدين الدين في مال مخصوص لم يتعين بذلك ولم يصبح ملكا للدائن حتى يقبضه الدائن وفاءا عما يستحقه في ذمة المدين ، ويستثنى من هذا الحكم ما ذكرناه في المسألة الخامسة ، ونتيجة لذلك فإذا كان الرجل مدينا لاحد خمسة دنانير مثلا ، وأخرجها من ماله ليدفعها إليه ، ثم تلفت قبل أن تصل إلى الدائن ، لم تبرأ ذمة المدين من دينه وكان التلف من مال المدين ، وكذلك إذا دفعها إلى وكيله ليوصلها إلى الدائن ، فتلفت في يد الوكيل قبل أن يوصلها ، وإذا دفعها إلى وكيل الدائن المفوض منه في قبض الدين وتلفت في يد هذا الوكيل برئت ذمة المدين .


المسألة 9

إذا مات الشخص المديون حلت بموته ديونه التي في ذمته وان كانت مؤجلة وكان موته قبل حلول أجلها ، وإذا مات الشخص الدائن لم تحل بموته ديونه المؤجلة التي يستحقها في ذمم المديونين ، فلا يجوز لورثته مطالبتهم بهذه الديون حتى تحل أوقاتها المعينة لها .فإذا مات الرجل وفي ذمته مهر زوجته المؤجل وجب على ذريته دفع مهر الزوجة من التركة وان لم يحضر أجله بعد ، وإذا ماتت الزوجة ولها في ذمة الزوج مهر مؤجل لم يحق لورثتها أن يطالبوا الزوج بمهرها حتى يحضر الاجل التي اشترط للوفاء به .


المسألة 10

لا تحل الديون المؤجلة في ذمة الشخص إذا قصرت أمواله الموجودة لديه عن الوفاء بديونه ، فأصبح مفلسا ، فإذا حجر عليه للفلس قسمت أمواله الموجودة على ديونه الحالة ولم يشارك في الاموال أصحاب الديون المؤجلة وسنذكر هذا في كتاب الحجر ان شاء الله تعالى .


المسألة 11

يجوز للشخص ان يبيع الدين بمال حاضر ، فإذا كان له في ذمة زيد من من الحنطة جاز للدائن أن يبيع دينه على زيد نفسه أو على غيره بثمن حاضر نقدا ، سواء كان الثمن من جنس الدين المبيع أم من غير جنسه ، وسواء كان الثمن أقل من المبيع أم مساويا له في المقدار أم اكثر منه ، ولا يجوز ذلك إذا لزم منه الربا ، وهو ما إذا باع الدين بثمن من جنسه اقل منه أو اكثر ، وكان العوضان مما يكال أو يوزن ، فلا يمنع من البيع إذا كان الثمن من غير جنس المبيع ، ولا يمنع منه إذا كانا من جنس واحد وكان العوض أو المعوض غير مكيل ولا موزون .


المسألة 12

لا يجوز للشخص أن يبيع الدين بالدين ، وهو أن يكون المبيع والثمن كلاهما دينا في الذمة قبل بيع أحدهما بالآخر ، سواء كانا مؤجلين أم كانا حالين أم كانا مختلفين على الاقوى في جميع ذلك . وهو يقع على صور ، فقد يكون البيع بين المتداينين ، ومثال ذلك أن يكون لزيد من من الحنطة في ذمة عمرو ، ويكون لعمرو من من الارز في ذمة زيد ، فيبيع زيد من الحنطة الذي يستحقه في ذمة عمرو ، على عمرو نفسه ، ويكون ثمن المبيع هو من الارز الذي يستحقه عمرو في ذمة زيد . الصورة الثانية : أن تكون لزيد وزنة من الحنطة في ذمة شخص ما ، وتكون لعمرو وزنة من الارز في ذمة ذلك الشخص أيضا ، فيبيع زيد على عمرو وزنة الحنطة التي يستحقها في ذمة الشخص المدين بوزنة الارز التي يملكها عمرو في ذمة ذلك الشخص المدين نفسه . الصورة الثالثة : أن تكون لزيد وزنة من الحنطة في ذمة شخص ما ، ويكون لعمرو وزنة من الارز في ذمة شخص آخر فيبيع زيد حنطته التي يملكها في ذمة الشخص الاول ، على عمرو ، ويكون الثمن وزنة الارز التي يملكها عمرو في ذمة الشخص الثاني ، فلا يجوز البيع في جميع هذه الصور . وكذلك الحكم على الاحوط لزوما إذا صار العوضان دينا بعد العقد ، وكانا مؤجلين . ومثال ذلك أن يبيع زيد على عمرو وزنة من الحنطة يدفعها له بعد شهر مثلا ، بعشرة دنانير يدفعها له عمرو بعد مضي عشرين يوما ، فلا يجوز ذلك على الاحوط . ومثله ما إذا كان أحد العوضين دينا قبل العقد ، والعوض الثاني دينا بعد العقد ، ومثال هذا ان تكون لزيد في ذمة عمرو وزنة من الحنطة إلى أجل معين ، فيبيع زيد على عمرو هذه الوزنة التي يملكها في ذمته بعشرة دنانير تبقى في ذمة عمرو إلى مدة شهر ، فلا يجوز ذلك أيضا على الاحوط ، وتراجع المسألة الثلاثمائة والتاسعة والتسعون وما بعدها من كتاب التجارة في ما يتعلق ببيع المال المسلم فيه وتراجع ما بعدهما في بيع المال المسلم فيه بعد حلول أجله .


المسألة 13

إذا كان للرجل على احد دين إلى أجل مسمى ، جاز للمتداينين أن يتراضيا بينهما على تعجيل الدين باسقاط بعضه ، فإذا كان الدين مائة دينار إلى مدة ستة أشهر ، صح لهما أن يتراضيا فيدفع المديون لمالك الدين ثمانين دينارا معجلة ويسقط الدائن عنه بقية الدين . ولا يجوز لهما أن يؤجلا الدين إذا كان حالا بزيادة فيه ، وان تراضيا على ذلك ، ومثاله أن يكون لزيد في ذمة عمرو مائة دينار حالة ، فيطلب المدين من زيد أو يطلب زيد من المدين أن يجعل الدين مائة وعشرين دينارا ، ويؤجله فيه إلى مدة شهرين ، وكذلك الحكم إذا كان الدين مؤجلا الى مدة فلا يجوز للمدين أن يزيد الدائن في مقدار الدين ليزيده الدائن في مقدار الاجل ، فيضيف إليه عشرة دنانير مثلا ليؤجله الدائن إلى شهرين بعد ان كان مؤجلا الى شهر ، ومثله أن يطلب الدائن ذلك .


المسألة 14

يجوز للمدين إذا كان الدين عليه حالا ، أن يشترط على الدائن ان يؤجله في الدين إلى مدة معلومة فإذا كان الشرط في ضمن عقد لازم وقبل الدائن بالشرط لزم الشرط ووجب عليه الوفاء به ومثال ذلك ان يبيع المدين على الدائن سلعة بثمن معين ويشترط عليه في ضمن عقد البيع أن يؤجله بدين حال آخر ، يستحقه في ذمته إلى مدة شهر ، ويجوز له كذلك أن يشترط عليه زيادة الاجل في الدين المؤجل فإذا اشترط ذلك عليه في عقد لازم لم تجز للدائن المطالبة بالدين حتى يحل الوقت المشترط في كلا الفرضين ، وكذلك إذا اشترط أحدهما في ضمن عقد جائز فيجب الوفاء بالشرط مادام ذلك العقد باقيا ، وإذا انفسخ العقد سقط وجوب الشرط


المسألة 15

لا تجوز قسمة الدين بين الشركاء فيه ، فإذا كان لرجلين دين مشترك في ذمة أحد أو في ذمم أشخاص لم يجز للشريكين أن يقتسما الدين فيجعلاه سهمين مثلا ، فالقسط الاول الذي يدفعه المدين في شهر محرم يكون لزيده ، والقسط الثاني الذي يدفعه في شهر صفر يكون لعمرو ، أو يكون ما في ذمة احد المدينين للاول وما في ذمة المدين الثاني للشريك الثاني ، بل يكون الدين مشاعا ، فكل ما يحصل منه فهو للشريكين معا ، وما يتأخر منه يكون عليهما وقد ذكرنا هذا في المسألة السادسة والخمسين من كتاب الشركة .


المسألة 16

إذا غاب الدائن غيبة انقطع فيها خبره ولم يعلم أحي هو أم ميت ، وجبت على المدين نية وفاء الدين متى تمكن من ايصاله إلى الدائن ،وتجب عليه الوصية به عند ظهور امارات الموت عليه ليعلم وارثه بذلك ، وإذا علم بموت الدائن وجب عليه أن يدفع الدين إلى ورثة الدائن ، وإذا لم يعرفهم وجب عليه الفحص عنهم حتى يعرفهم ويؤدي إليهم حقهم ، فإذا أيس من معرفتهم تصدق بالمال عنهم باذن الحاكم الشرعي ، وإذا علم ان الدائن الميت لا وارث له كان ميراثه للامام ( ع ) ، فيجب دفع الدين إليه .


المسألة 17

إذا حل ميعاد الدين وطالب الدائن بالوفاء به ، وجب على المديون أن يبذل جهده في أداء دينه وبراءة ذمته ببيع عقار أو أمتعة أو أعيان يملكها ولا تدخل في مستثنيات الدين ، أو اجارة أملاك له ، أو تحصيل ديون له عند الناس ، ويلزمه على الاحوط لزوما التكسب لذلك بما يليق به في شرفه وقدرته ومنزلته الاجتماعية .


المسألة 18

يستثنى من الحكم بوجوب البيع لوفاء الدين كل شئ يكون ضروريا للمدين بحسب حاله وشرفه ومنزلته في المجتمع ، وما يكون بيعه موجبا لوقوع المدين في عسر أو حرج أو منقصة ، فلا يجب عليه بيع شئ من ذلك أو المعاوضة عليه بغير البيع لوفاء الدين ، ومن ذلك داره التي يحتاج إليها في السكنى ، والثياب التي يحتاج إليها ولو للتجمل ، والدابة التي يفتقر إلى ركوبها ، والخادم الذي يحتاج إليه في قضاء حوائجه إذا كان من شأنه ان تكون له دابة أو خادم ، بل والسيارة التي يفتقر إليها في ركوبه وتنقلاته إذا كان من شأنه ذلك ، وأثاث منزله وأدواته وآلاته وأوانيه وظروفه المختلفة لاكله وشربه وطبخه ، وفرش البيت وفرش النوم واغطيته وملاحفه له ولعياله وزواره وضيوفه ، وتسمى هذه مستثنيات الدين . والمدار فيها هو ما ذكرناه في أول المسألة ، ولذلك فهي لا تختص بما ذكرناه ، ومنها الكتب التي يحتاج إليها وتعد من ضروراته أو يلزمه العسر والحرج أو المنقصة إذا فقدها .


المسألة 19

إذا كانت لدى المديون دور متعددة وهو يحتاج إليها جميعا للسكنى فيها لكثرة عياله ، فهي بحكم الدار الواحدة ، فلا يجب عليه بيعها لوفاء الدين ، وكذلك إذا احتاج إلى اكثر من خادم واحد ، والى اكثر من دابة واحدة أو احتاج الى اكثر من سيارة ، ومثله الحكم في الفرش المتعددة والثياب ، فالمدار في ذلك على مقدار ما تتأدى به الضرورة وينتفي به العسر ولا يتأدى بأقل منه . وإذا كانت لديه دار للسكنى تزيد في سعتها على مقدار حاجته تخير بين أن يسكن منها ما يفي بحاجته ، ويبيع منها ما زاد على ذلك ، وأن يبيع الدار الواسعة ويشتري دارا تفي بحاجته ولا تزيد ، وإذا كانت الدار التي يسكنها أرفع في القيمة والمنزلة مما يحتاج إليه باعها واشترى دارا تناسب شأنه ، وصرف الزائد من ثمنها في وفاء الدين وكذلك في السيارة والخادم والاثاث .


المسألة 20

إذا كانت لديه دار موقوفة أو موصى بها لجهة تنطبق عليه وهي تكفي لسكناه وتناسبه في حاله وشرفه ، وله دار مملوكة ، فالاحوط أن يبيع داره المملوكة ويفي بثمنها الدين ويكتفي بما عنده من الدار الموقوفة أو الموصى بها .


المسألة 21

انما تكون دار السكنى من المستثنيات في الدين ، إذا كان المدين موجودا ، فإذا مات ولم يترك شيئا الا دار سكناه ، أو ترك معها غيرها وكان دينه يستوعب الجميع ، أو كان الدين بمقدار لا يمكن وفاؤه الا ببيع الدار وجب بيع الدار في جميع هذه الصور ، وصرف الثمن في وفاء الدين .


المسألة 22

لا يجب على المدين أن يبيع المستثنيات التي تقدم ذكرها ليفي به دينه ولا يجبر على ذلك ، وإذا رضي المدين بذلك فباعها باختياره وصرف أثمانها في قضاء دينه صح له ذلك ، وجاز لصاحب الدين أن يقبض ما يدفعه إليه من ذلك ، غير أنه يستحب للدائن أن يترفع عن ذلك ويتنزه ، فلا يكون سببا لبيع المدين داره وان كان البيع برضاه ، وقد تستفاد كراهة ذلك من خبر عثمان بن زياد عن أبي عبد الله ( ع ) .


المسألة 23

إذا حل موعد الدين وطالب به صاحبه ، وعرض المدين عقاره وأمتعته الموجودة لديه - مما يزيد على المستثنيات - ليبيعها في وفاء دينه ، فوجد أنها لا تباع الا بأقل من أثمانها ، وجب عليه بيعها ، ولم يجز له الانتظار حتى ترتفع القيمة أو يوجد الراغب . وإذا كان التفاوت في القيمة كثيرا يكون البيع معه تضييعا للمال واتلافا له في نظر العقلاء ، فلا يبعد عدم وجوب البيع في هذه الصورة ، وخصوصا إذا لزم منه الضرر أو الحرج على المدين .


المسألة 24

يحرم على المدين أن يماطل صاحب الدين في قضاء دينه مع قدرته على الوفاء ، وقد عد في بعض النصوص المعتمدة حبس الحقوق الواجبة من غير اعسار من المعاصي الكبيرة ، وقد أشرنا الى ذلك في تعداد الكبائر من بحث صلاة الجماعة ، وعن النبي صلى الله عليه وآله : ( من مطل على ذي حق حقه وهو يقدر على اداء حقه فعليه كل يوم خطيئة عشار ) ، وإذا أعسر المدين ولم يقدر على الوفاء وجبت عليه نية القضاء بأن يعزم في نفسه انه يؤدي الدين متى قدر على وفائه ، وإذا تجددت له الاستطاعة وجب عليه القضاء ولم تجز له المماطلة .


المسألة 25

تكثرت الادلة على وجوب انظار المدين إذا ثبت اعساره ، وفي الآية الكريمة : ( وان كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة ) ، وعن الامام أبي عبد الله ( ع ) : ( اياكم واعسار أحد من اخوانكم المسلمين أن تعسروه بشئ يكون لكم قبله وهو معسر ، فان أبانا رسول الله صلى الله عليه وآله كان يقول : ليس للمسلم أن يعسر مسلما ، ومن أنظر معسرا أظله الله يوم القيامة لظله يوم لاظل الا ظله ) ، وقد تنوعت الادلة في التعبير عن ذلك .


المسألة 26

لا يسقط الدين بعدم مطالبة الدائن به وان طالت المدة ، ولا بنسيان الدائن أو المدين له فمتى ذكره لزمه القضاء ، وإذا نسيه المدين حتى مات وعلم به وارثه بعد موته وجب عليه قضاؤه من تركة الميت .

 

2  في القرض وأحكامه

المسألة 27

القرض هو أن يملك الانسان غيره مالا ويضمنه عوضه ، مثله أو قيمته ، يقال : أقرضه المال إذا ملكه اياه وضمنه عوضه ، فدافع المال مقرض ، وآخذه مقترض وطالبه مستقرض .


المسألة 28

يكره للانسان أن يستقرض أو يستدين مع عدم الحاجة كراهة شديدة ، ففي الحديث عن أبي عبد الله ( ع ) عن آبائه ( ع ) ، عن علي ( ع ) : ( اياكم والدين ، فانه مذلة بالنهار مهمة بالليل ، وقضاء في الدنيا وقضاء في الآخرة ) وعن أبي جعفر ( ع ) : ( كل ذنب يكفره القتل في سبيل الله ، الا الدين ، فانه لا كفارة له الا اداؤه أو يقضي صاحبه ، أو يغفر الذي له الحق ) ، وإذا حصلت الحاجة إلى الاستقراض والاستدانة خفت الكراهة ، وكلما تزايدت الحاجة ازدادت خفة الكراهة حتى تزول ، وعن أبي الحسن وموسى بن جعفر ( ع ) : ( من طلب هذا الرزق من حله ليعود به على نفسه وعياله كان كالمجاهد في سبيل الله ( عز وجل ) ، وان غلب عليه فليستدن على الله ( عز وجل ) وعلى رسوله ما يقوت به عياله ) .


المسألة 29

إذا لم يكن لدى الانسان ما يفي به دينه إذا هو استدان ، ولا يترقب أن يحصل له ما يفي به فالاحوط له أن لا يقترض ولا يستدين الا مع الضرورة التي تحتم عليه ذلك ، أو مع علم الدائن بحاله وطيب نفسه بالاستدانة منه .


المسألة 30

يستحب للمؤمن أن يقرض أخاه المؤمن استحبابا مؤكدا ، ويتضاعف تأكيده ويعظم ثوابه وأجره عند الحاجة وفي أوقات الشدة ، فقد ورد عن الرسول صلى الله عليه وآله : ( من أقرض مؤمنا قرضا ينظر به ميسوره كان ماله في زكاة ، وكان هو في صلاة من الملائكة حتى يؤديه اليه ) ، وعن أبي عبد الله ( ع ) : ( لان أقرض قرضا احب الي من ان اتصدق بمثله ) وقال ( ع ) : ( من أقرض قرضا وضرب له أجلا ، ولم يؤت به عند ذلك الاجل كان له من الثواب في كل يوم يتأخر عن ذلك الاجل مثل صدقة دينار واحد كل يوم ) .


المسألة 31

القرض أحد العقود ، ولذلك فيعتبر فيه الايجاب من المقرض والقبول من المقترض ، وايجابه أن يقول للمقترض : أقرضتك المبلغ المعين أو يقول : ملكتك المبلغ وعليك أن ترد لي عوضه إلى أجل كذا ، ويكفي فيه أي لفظ يؤدي المعنى المقصود ، وان كان بلغة غير عربية ، وقبوله أن يقول المقترض : قبلت أو رضيت ، ويكفي اي لفظ يدل على ذلك وان لم يكن عربيا . ويصح وقوعه بالمعاطاة ، فيدفع المقرض المال بقصد انشاء القرض ، ويتسلمه المقترض بقصد القبول ، ويشترط في المقرض والمقترض أن يكونا بالغين وعاقلين وقاصدين ومختارين وغير محجور عليهما لفلس أو سفه ، كما هو الشأن في كل متعاقدين .


المسألة 32

يشترط في مال القرض على الاحوط أن يكون عينا ، فلا يصح أن يكون دينا ، فيقول له : أقرضتك الدين الذي أملكه في ذمة زيد ، ويجوز للمقرض أن يوكل المستقرض في قبض الدين من زيد ، فإذا قبضه منه جاز أن يقرضه اياه ، ولا يصح أن يكون مال القرض منفعة ، فيقول له : أقرضتك سكنى داري مدة شهر أو مدة شهرين ، أو يقول له : أقرضتك سكنى دار زيد التي استأجرتها منه . ويشترط في المال أن يكون مملوكا ، فلا يصح أن يقرضه مالا يملكه المسلم كالخمر والخنزير ، ولا يصح أن يقرضه شيئا يملكه غيره ، وإذا أقرضه مال غيره كان فضوليا ، فان أجازه مالك المال صح ، وان لم يجزه كان باطلا .


المسألة 33

يصح للرجل أن يقرض صاحبه أمرا كليا في الذمة ، فيقرضه خمس وزنات من الارز أو من الحنطة ، في ذمته ، ثم يدفع إليه فردا شخصيا ، فيقبضه المقترض ، أو يقرضه خمس وزنات كلية من هذه الصبرة ثم يزن له من الصبرة المقدار المعين فيدفعه إليه ويحصل القبض .


المسألة 34

إذا كان مال القرض من المثليات كالحبوب والادهان وسائر المثليات فيشترط في صحة قرضه أن يكون مما يمكن ضبط أو صافه وخواصه التي يكون اختلافها موجبا لاختلاف القيمة والرغبة في المال بين المتعاملين من الناس ، وإذا كان المال من القيميات لم يشترط فيه ذلك على الاقوى ، فيكفي في صحة قرضه علم المتداينين بقيمته ، وان لم يمكن ضبط صفاته وخصائصه كما اشترطناه في المثليات ، فيصح اقراض الغنم والجواري والعبيد وغيرها من القيميات إذا علم الطرفان بقيمتها وان لم تضبط أوصافها في العقد ، أو لم يمكن ذلك فيها كاللئالئ والجواهر وأمثالها .


المسألة 35

يشترط في مال القرض أن يكون معينا ، فلا يصح أن يكون أمرا مبهما غير معين ، كما إذا قال الرجل لصاحبه : أقرضتك أحد هذين المبلغين ، أو أحد هذين الثوبين . ويشترط أن يكون المال معلوم المقدار ، بأن يعلم مقدار كيله إذا كان مما يكال ، ومقدار وزنه إذا كان مما يوزن ، ومقدار عدده إذا كان مما يعد ، فلا يصح أن يقرضه الطعام الموجود من غير أن يعرف وزنه أو كيله ، ولا يكفي أن يقدره بغير المقياس الذي يتعارف تقديره به ، فيقرضه مل ء هذا الوعاء أو هذا الاناء بيضا من غير أن يعرف عدده .


المسألة 36

إذا أقرض الرجل صاحبه المال مما يكال ، وقدره بكيلة معينة من غير المكاييل المعروفة بين الناس ، فلا يبعد الحكم بصحة القرض ، ويجب أن يقدر العوض عند الوفاء بتلك الكيلة المعينة ، وكذلك إذا اقرضه المال مما يوزن ، واعتمد في تقديره على صخرة أو حديدة معينة من غير المعايير التي يتعارف الوزن بها ، فيصح القرض ويقدر وزن العوض عند الوفاء بتلك الصخرة أو الحديدة التي وزن مال القرض بها ، والاحوط استحبابا اجتناب ذلك .


المسألة 37

يشترط في صحة القرض أن يسلم المقرض المال وأن يستلمه المقترض ، فلا يملك المقترض مال القرض حتى يقبضه ، ولا يشترط في ملكه للمال أن يتصرف فيه .


المسألة 38

الظاهر أن القرض من العقود اللازمة ، فإذا تم العقد من الايجاب والقبول وحصل القبض ، لم يجز للمقرض أن يفسخ العقد ويرجع بالعين التي أقرضها ، ولم يجز للمقترض أن يرد العين التي اقترضها إذا كانت من القيميات ، نعم ، إذا كان القرض غير مؤجل إلى أجل معين ، فللمقرض أن يطالب المقترض بوفاء دينه وان لم تمض عليه مدة بعد القرض ، ويجوز للمقترض أن يرد المال الذي أخذه إذا كان من المثليات ، على أن يكون ذلك وفاءا بالدين ، لافسخا للعقد .


المسألة 39

إذا تم عقد القرض وحصل الاقباض والقبض بين المتداينين ، اشتغلت ذمة المقترض بعوض المال ، فإذا كان مال القرض من المثليات ، ثبت للمقرض في ذمة المقترض مثل المال ، وقد بينا في ما تقدم ان ما تنتجه المعامل والمصانع الحديثة من الاشياء المتماثلة في كل جهة يكون بحكم المثليات ، فإذا أقرض الانسان صاحبه شيئا منها ثبت له في ذمة المقترض مثله . وإذا كان مال القرض من القيميات ثبتت للمقرض في ذمة المقترض قيمة ذلك المال ، وإذا اختلفت قيمته فالمدار على قيمة المال يوم دفعه إلى المقترض على الاقرب .


المسألة 40

إذا كان المال الذي اقترضه الرجل مثليا ، ثبت في ذمته مثله كما قلنا ، ومعنى ذلك أن يكون وفاؤه للقرض هو ان يدفع للمقرض ما يماثل المال في جنسه وصفاته سواء ارتفعت قيمته في السوق عن قيمته في يوم الاقتراض أم نقصت عنها ، أم ساوتها ، فإذا دفع الرجل المثل إلى المقرض وجب عليه قبوله ولم يكن له أن يمتنع عنه ، وان نقص سعره نقصانا كبيرا عن سعره في يوم الاقتراض ، وإذا طالب به المقرض عند حلول وقته وجب على المقترض أن يدفعه إليه ولم يجز له أن يمتنع عن ادائه وان ارتفع سعره كثيرا عن قيمته يوم الاقتراض . وإذا طلب أحد المتداينين من صاحبه أن تؤدى قيمة المثل بدلا عنه أو يدفع عنه من غير جنسه لم يجز ذلك الا بالتراضي من الطرفين فلا يجبر أحدهما إذا امتنع عن قبول ذلك .


المسألة 41

إذا كان المال الذي اقترضه الرجل قيميا ، ثبتت في ذمة الرجل قيمته كما ذكرناه قريبا ، والمراد أن يكون الوفاء بدفع مقدار قيمة المال السوقية من النقد المتداول بين الناس في معاملاتهم من دراهم أو دنانير أو أوراق نقدية أو غير ذلك ، فإذا دفع المدين القيمة من ذلك إلى المقرض وجب عليه قبولها ولم يجز له ان يمتنع عن القبول ، وإذا طالب بها المقرض عند حلول وقت الدين وجب على المقترض دفعها إليه ولم يكن له أن يمتنع عن الدفع . وإذا طلب أحدهما أن تؤدى قيمة المال من جنس آخر أو من نقود أخرى غير متداولة في البلد لم يجز ذلك الا بالتراضي بينهما ، فلا يجبر أحدهما إذا امتنع عن قبول ذلك . وإذا كانت العين المقترضة بذاتها موجودة فطلب المقرض أو أراد المقترض أن يكون وفاء الدين بدفع العين نفسها لم يصح ذلك الا بالتراضي ، فلا يجبر الممتنع منهما عن قبولها .


المسألة 42

إذا وجب على المقترض أن يدفع مثل المال وفاءا عما في ذمته للمقرض ، وتعذر وجود المثل ، وجب عليه أن يدفع له قيمة المثل في يوم دفعها .


المسألة 43

يجوز للمتداينين مع التراضي في ما بينهما أن يتقايلا في القرض ، فإذا تقايلا وجب على المقترض أن يدفع العين التي اقترضها إلى مالكها إذا طلبها ، وإذا لم يطلبها منه فهي أمانة في يده لا يجوز له التصرف فيها .


المسألة 44

إذا اقترض ذمي من مسلم مالا أو استدان منه دينا ، ثم باع الذمي بعض المحرمات في الاسلام كالخمر والخنزير ، ودفع إلى المسلم من ثمنها وفاءا لدينه ، جاز للمسلم أن يقبض دينه منها ، وإذا باع الذمي شيئا منها وبقيت أثمانها في ذمة المشتري ، ثم أسلم الذمي ، جاز له أن يقبض الاثمان بعد اسلامه ، ولا يسقط حقه من المطالبة بها .


المسألة 45

الدراهم المسكوكة من المثليات ، فإذا اقترضها الرجل ثبت للمقرض في ذمته مثلها ، وكذلك الدنانير المسكوكة ، والاوراق النقدية التي تعتبرها الدولة نقدا رسميا تجري به المعاملات في البلد ، فإذا اقرض الرجل صاحبه مبلغا منها ، ثبت في ذمة المقترض مثل ذلك المبلغ ، سواء اتحد سعرها في النقود الاخرى وفي الاجناس غير النقود أم اختلف . وإذا ألغت الدولة اعتبار دراهمها أو دنانيرها أو عملتها الورقية ، فان سقطت بسبب ذلك الدراهم أو الدنانير أو العملة الورقية عن المالية أصلا ، وجب على المدين أن يدفع للدائن قيمتها في آخر أزمنة ماليتها ولم يجز له أن يدفع عينها ، وان لم تسقط بسبب ذلك عن المالية ، كفاه أن يدفع له مثل ما في ذمته من تلك الدراهم أو الدنانير المسكوكة التي الفتها الدولة ، أو العملة الورقية وان قلت قيمتها عن قيمتها يوم اقتراضها بسبب الغاء الدولة .

 

3  الربا في القرض

المسألة 46

لا يجوز للمقرض أن يشترط على المقترض دفع زيادة على عوض المال الذي اقترضه منه ، سواء كان الشرط صريحا مذكورا في ضمن العقد أم دلت عليه القرائن الحافة فهو كالصريح ، أم علم أن ذلك من قصد المتداينين بحيث يكون عقد القرض بينهما مبنيا على هذا الشرط ، وإذا شرط ذلك بطل الشرط خاصة ، ولم يبطل عقد القرض على الاقوى ، ونتيجة لذلك فيصح العقد ويملك المقترض مال القرض ، ويثبت عوض المال في ذمته ويحرم على المقرض أخذ الزيادة التي شرطها عليه . وهذا أحد نوعي الربا الذي حرمه الاسلام ، وقد صرحت الادلة الكثيرة بتحريمه وتعاضدت في الدلالة عليه من الكتاب الكريم والسنة المطهرة وعلى التشديد في أمره ، وقد تقدم في الفصل الحادي عشر من كتاب التجارة ذكر النوع الاخر منه ، وهو الربا في المعاملة .


المسألة 47

لا يختص تحريم هذا النوع من الربا بما يكال أو يوزن من أجناس المال ، بل يجري في مطلق ما يقترض من الاموال ، حتى في المعدود منها ، كالدراهم والدنانير ، والعملات المسكوكة الاخرى ، والاوراق النقدية والجوز والبيض ، فإذا اشترطت فيها زيادة في العوض على المال المقترض كانت من الربا المحرم ، وحتى الاعيان القيمية التى يكتفى في صحة قرضها بالمشاهدة ، كالغنم والدواب والجواري والارض وغيرها مما يصح اقتراضه وتثبت في الذمة قيمته يوم الاقتراض كما تقدم ، فإذا أقرض شيئا منها واشترط في العقد زيادة على مقدار العوض ، وهو القيمة التي تثبت في الذمة ، كان ذلك من الربا المحرم .


المسألة 48

لا يجوز في القرض أن تشترط فيه زيادة على العوض ، سواء كانت الزيادة المشترطة عينية ، وكانت من جنس مال القرض ، ومثال ذلك أن يقرض زيد عمرا عشرة دنانير ويشترط عليه أن يؤدي له اثني عشر دينارا ، أم كانت الزيادة عينية من غير جنس المال ، ومثال ذلك أن يقرضه عشرين دينارا ويشترط عليه أن يدفع له عوض ذلك عشرين دينارا وسلعة معينة أخرى غير الدنانير ، أم كانت الزيادة المشترطة منفعة أم عملا أم انتفاعا ، ومثال ذلك أن يقرضه عشرين دينارا ويشترط أن يؤدي له عوض ذلك عشرين دينارا مع سكنى دار المقترض اسبوعا أو مع خياطة ثوب ، أو مع انتفاع المقرض بالعين المرهونة عنده على الدين المذكور ، وكذلك إذا أقرضه عشرين درهما مكسورا واشترط عليه أن يدفع له عشرين درهما صحيحا ، فلا يصح الشرط في جميع الفروض المذكورة ، وإذا اشترطه كان من الربا المحرم .


المسألة 49

إذا أقرض الرجل صاحبه مقدارا من المال واشترط عليه أن يدفع له عوض المال وان يؤجره مع ذلك داره المعينة بأقل من أجرتها ، أو اشترط عليه أن يدفع له العوض وأن يبيعه شيئا من أملاكه بأقل من ثمنه ، كان ذلك من اشتراط الزيادة فيكون من الربا المحرم .


المسألة 50

لا فرق في تحريم الربا بين أن يشترط على المقترض زيادة تعود إلى المقرض نفسه كما في الامثلة المتقدم ذكرها أو تعود إلى شخص آخر ، فلا يجوز له أن يقرض المدين عشرين دينارا ويشترط عليه أن يؤدي له عشرين دينارا ويعطي زيدا دينارا أو يهب له كتابا أو سلعة معينة . ولا يجوز له أن يقرضه مبلغا من المال ويشترط عليه ان يؤدي له المبلغ وأن يصرف في تعمير مسجد معين أو في اقامة مأتم خاص أو في تعميره كذا دينارا .


المسألة 51

ليس من الربا أن يشترط المقرض على المقترض أن يؤدي مالا يجب على المقترض اداؤه ، ومثال ذلك أن يقول له : اقرضتك عشرين دينارا واشترطت عليك ان تدفع لي عشرين دينارا عوض القرض وأن تؤدي زكاة مالك لمستحقها أو تقضي الدين الذي يستحقه عليك فلان ، وليس من الربا إذا قال له في عقد القرض : بشرط ان تؤدي صلاتك أو صيامك أو حجك ، أو بشرط أن تذكرني في دعائك أو تستغفر لابي في صلاتك .


المسألة 52

لا تكون الزيادة محرمة إذا لم تكن مشترطة في العقد ، فإذا دفع المقترض للدائن زيادة على عوض المال الذي اقترضه منه من غير اشتراط من الدائن ، بل دفعها إليه من تلقاء نفسه ، جاز للمقترض دفعها وحل للمقرض أخذها ، سواء كانت زيادة عينية أم غيرها ، وفي بعض النصوص دلالة على استحباب ذلك للمقترض وأنه من حسن القضاء ، وأن خير الناس احسنهم قضاءا . وفي بعضها دلالة على كراهة قبولها للمقرض ، وفي رواية غياث بن ابراهيم عن أبي عبد الله ( ع ) : أن رجلا أتى عليا ( ع ) فقال له : ان لي على رجل دينا فأهدى الي هدية ، قال ( ع ) : احسبه من دينك عليه ، وهذه الرواية محمولة على استحباب ذلك للمقرض .


المسألة 53

الربا المحرم في الاسلام : هو أن يشترط على المقترض دفع الزيادة للمقرض ، وليس من الربا إذا اشترطت الزيادة للمقترض ، فيصح اشتراط ذلك ويحل للمقترض أن يأخذها ، ومثال ذلك أن يقرض زيد عمرا عشرين دينارا مثلا ، ويشترط على المقترض - لبعض الاغراض الخاصة - أن يؤدي له عوض دينه ثمانية عشر دينارا فقط ، فتكون الزيادة ، وهي الديناران مشترطة للمقترض لا للمقرض فلا تكون من الربا المحرم . ومن ذلك ما إذا احتاج الانسان إلى تحويل مبلغ من المال إلى بلد آخر ، فيدفع ذلك الانسان إلى تاجر في بلده مائة دينار مثلا ، ليحوله التاجر بثمانين دينارا منها على وكيله أو على البنك في البلد الاخر المقصود ، فيكون ذلك الانسان قد أقرض التاجر مائة دينار ، واستلم منه عوضها في ذلك البلد المقصود ثمانين دينارا فقط ، وتكون العشرون دينارا وهي الزيادة مشترطة للمقترض وهو التاجر ، فيحل له أخذها ولا تكون من الربا المحرم .


المسألة 54

يجوز للرجل أن يقرض غيره مالا مثليا ، كالدراهم والدنانير والحبوب ، ويشترط على المقترض أن يدفع عوض ذلك المال من غير جنسه ، فيصح الشرط ويلزم العمل به إذا كان العوض الذي اشترط دفعه مساويا للمال المقترض في القيمة أو أقل منه ، ولا يصح الشرط إذا كان العوض المشترط اكثر من المال في القيمة .


المسألة 55

إذا اشترط التأجيل في أداء عوض القرض إلى اجل معين ، وكان الاشتراط في ضمن عقد لازم كالبيع والاجارة والصلح ، صح الشرط ووجب الوفاء به ، وكذلك إذا اشترط تأجيله في ضمن عقد القرض على الاقوى ، فيجب الوفاء به ، ولا يجوز للمقرض أن يطالب المقترض بعوض القرض قبل أن يحل الاجل ، وإذا اشترط التأجيل في ضمن عقد جائز وجب الوفاء بالشرط مادام العقد الذي اشترط ذلك في ضمنه موجودا ، فإذا فسخ العقد سقط الشرط ولم يجب الوفاء به .


المسألة 56

يصح للمقرض أن يشترط على المقترض أن يدفع إليه العوض في بلد معين ، فإذا شرط عليه ذلك نفذ الشرط ووجب العمل به وان كان في حمل المال إلى ذلك البلد مؤنة ، فإذا دفع المقترض عوض القرض في بلد آخر لم يجب على المقرض قبوله منه ، وإذا طالب الدائن المقترض بالعوض في بلد آخر لم يجب الاداء فيه .


المسألة 57

إذا أطلق المقرض العقد ولم يعين موضعا خاصا لتسليم الدين فيه انصرف العقد إلى البلد الذي وقع فيه القرض ، فيجب على المقترض اداء الدين إذا طالبه المقرض به في ذلك الموضع ، ويجب على المقرض القبول إذا دفعه المقترض فيه ، الا إذا قامت قرينة على عدم ارادة ذلك الموضع ومثال ذلك أن يقرضه المال وهما غريبان عن بلد القرض ويريدان مفارقته .


المسألة 58

يجوز للمقرض أن يشترط على المقترض أن يجعل عنده رهنا لدينه ، فيلزم المقترض الوفاء بالشرط ويجوز للمقرض أن يشترط عليه أن يقدم له ضامنا للمال ، أو كفيلا للمقترض ، فيلزم الوفاء بالشرط كذلك ، ويجوز له أن يشترط على المقترض أي شرط يريده إذا كان الشرط جامعا لشرائط الصحة ولم يوجب نفع المقرض بما يعد زيادة في العوض .


المسألة 59

إذا اقترض زيد من عمرو مبلغا معينا من المال ثم رهن عليه رهنا ، واشترط المرتهن على الراهن في ضمن العقد أن يستوفي المرتهن منافع العين المرهونة مجانا مدة رهنها ، فيسكن الدار ، أو يستعمل الفراش ، أو يركب السيارة ، لم يصح ذلك فانه من اشتراط الزيادة في عوض القرض ، فيكون من الربا المحرم . وكذلك الحكم إذا لم يكن الرهن على قرض ، ولكنهما اشترطا أن تكون المنفعة المستوفاة من هذا الرهن زيادة في عوض قرض ، فيكون من الربا المحرم .