كلمة التقوى

الجزء السادس : كتاب الإقرار

وبيان البحث في هذا الكتاب يقع في ثلاثة فصول

الفصل الأول

في الإقرار ولوازمه وشروطه

المسألة الأولى: الإقرار: هو أن يخبر الرجل على وجه قاطع جازم ، لا تردّد له فيه ولا  احتمال ، بثبوت حق لشخص آخر يلزم المخبر الوفاء به لذلك الشخص الآخر، أو يخبر كذلك بنفي حق له يلزم ذلك الشخص أن يفي به للمخبر، ومن الإقرار أيضاً أن يخبر الإنسان بوجود شيء يستلزم وجوده ثبوت حق للغير يلزم على المخبر نفسه أن يفي به، أو يستلزم ثبوت حكم يجب على المخبر امتثاله ، ومن الاقرار أن يخبر بنفي شيء يستلزم نفيه انتفاء حق للمخبر على الغير.

ومثال الفرض الأول: أن يقول المخبر لرجل آخر: لك في ذمتي مائة دينار ، وأن يقول مشتري الدار: ان بائع هذه الدار قد اشترط عليّ أن يكون له خيار فسخ البيع ، إذا هو ردّ الثمن بعد مضي سنة من حين وقوع البيع ، فهو يملك حق الخيار على رأس السنة إذا ردّ الثمن.

ومثال الفرض الثاني: أن يقول الشخص للمدعي: لا حق لي في الدار التي تدعي ملكها، وأن يخبر الشريك بأنه لا يستحق الشفعة على المشتري في الحصة التي اشتراها من شريكه .

ومثال الفرض الثالث: أن يقول الرجل: إن فاطمة بنت زيد زوجته نفسها ومكنته من حقوق الزوجية، فإن ذلك يستلزم ثبوت حق النفقة لفاطمة على المخبر، وثبوت حق القسمة لها في الليالي ، ويستلزم أيضاً حرمة زواجه بأختها حتى يطلّقها، وحرمة بنتها عليه إذا كان قد دخل بالأم ، وحرمة الزواج بامرأة خامسة إذا كانت فاطمة هي الرابعة من زوجاته .

ومثال الفرض الأخير ان تقول المرأة المطلقة: ان الزوج الذي طلقها لم يرجع بها حتى انقضت عدة الطلاق ، فلا يجوز لها بعد إقرارها بذلك ان تطالب الزوج بحق الإنفاق عليها، وليس لها أن تمكنه من الاستمتاع بها، أو تنظر إليه أو تلمسه بشهوة إلا بعد عقد جديد.

وقد ذكرنا -في أول المسألة- أن اخبار الإنسان بحصول الأمر المذكور فيها ، أو بنفيه إنما يكون إقراراً إذ وقع منه على نحو الجزم به ، ولهذا التقييد ؛ فإذا أخبر الإنسان بحصول الأمر وهو يظن حصوله ، أو على نحو الشك والتردد فيه لم يكن إخباره اقراراً، ولم تترتب عليه آثاره .

والمتبع في تبيّن ذلك هو ظهور اللفظ الذي نطق به ودلالته في متفاهم أهل اللغة واللسان، وان لم تكن دلالة قطعية ، أو كانت الدلالة بسبب وجود قرينة عامة أو خاصة من حال أو مقال ، فإذا دل اللفظ كذلك على حصول الشيء أو نفيه ، ودل على أن القائل كان جازماً بخبره ، وليس ظاناً ولا شاكاً فيه ، كان هذا الإخبار منه إقراراً بالمضمون ، ولا اعتبار به إذا لم يكن للفظ ظهور في المعنى المراد، وكان أهل المحاورة يحتملون أن المراد منه شيء يخالف ذلك .

المسألة الثانية: يعتبر في الإقرار أن يكون المخبر عارفاً باللفظ الذي نطق به ، وعارفاً بمعناه الذي يدل عليه عند أهل اللغة، وبالقرينة الموجودة الموجبة لظهور اللفظ في المعنى المراد إذا كان الاعتماد في الظهور على القرينة، فإذا نطق هذا المخبر باللفظ المذكور كان مقراً بمضمونه، سواء كان اللفظ عربياً أم غير عربي، وسواء كان المخبر من أهل تلك اللغة أم من غيرهم .

وبحكم اللفظ الإشارة المفهمة للمعنى، فإنها ان لم تكن إقراراً حقيقيا فهي بمنـزلة الإقرار، فإذا سأل سائل من بائع الدار بعد تمام العقد بينه وبين المشتري فقال له: هل اشترطت لنفسك خيار فسخ البيع إذا أنت رددت ثمن الدار على المشتري ؟، فأشار البائع إشارة واضحة تدل على عدم الاشتراط ، كانت إشارته بمنـزلة الإقرار على نفسه بنفي حق الخيار له ، وإذا سئل الرجل: هل تزوجت هنداً؟، فأشار بالإيجاب كانت إشارته بمنـزلة الإقرار على نفسه بزوجية المرأة، وإذا أشار بالنفي ، كانت إشارته بمنـزلة الإقرار بعدم الزوجية، فتلزمه أحكام الإقرار في الأمثلة المذكورة .

المسألة الثالثة: إذا وقع الإخبار من المخبر على الوجه الذي أوضحناه ، كان إقراراً من المخبر على نفسه بمضمون الخبر، وان لم يكن قاصداً للإقرار على نفسه ، فإذا سأله أحد هل استدنت من زيد مائة دينار؟. فقال نعم ، كان قوله: نعم اقراراً منه بأن ذمته مشغولة لزيد بالمبلغ المذكور وصح للسامع أن يشهد على إقراره به ، وكذلك إذا قال -وهو في أثناء حديثه مع بعض الناس-: يمكنك أن تنكر دين فلان عليك ولا بينة له عليك ،كما أنكرت أنا دين زيد عليّ فلا يستطيع إثباته ، فيكون قوله هذا إقرارا يمكن لمن سمعه منه أن يشهد عليه ، وان لم يكن قاصدا للإقرار ، ومثل ذلك أن يدعي عليه المدعي ويقول له: هذه الدار ، أو هذه الأرض التي بيدك مملوكة لي وليست لك ، فيقول له إنني قد اشتريتها منك ، فيكون إخباره بشراء الدار منه إقرارا منه بأن المدعي يملك الدار ، ودعوى منه بان الدار انتقلت إليه بالبيع، فيؤخذ بإقراره، وعليه أن يثبت صحة ما يدعيه من البيع بإقامة بيّنة ونحوها.

المسألة الرابعة: إذا قال المدعي للإنسان الذي يدعي عليه: إن لي في ذمتك مائة دينار، أو قال له: ماذا صنعت بالمبلغ الذي استحقه في ذمتك ؟، أو قال له: ان الدين الذي استحقه عليك قد حضر ميعاده ، فقال له الرجل: سأدفعه إليك ، أو قال له: انك ذكرتني به وقد نسيته ، أو قال له: سيدفعه لك وكيلي فلان، فقد أقر له بالحق ، وبمقداره في المثال الأول ، وأقر له بالحق في المثال الثاني ، واقر له بالحق وبحضور وقته في المثال الأخير.

ولا فرق في الإقرار بين أن تكون دلالة القول عليه بالمطابقة أو بالالتزام ، والأمثلة التي ذكرناها في المسألة من القسم الثاني ، وقد تقدمت لذلك عدة من الأمثلة أيضاً.

وإذا أخبر الإنسان بثبوت حق لغيره على نفسه ، وعلق في إخباره ثبوت الحق على وجود شيء معين ، فقال: ان لزيد عندي أو في ذمتي مائة دينار إذا أنا وجدت المبلغ المذكور مسجلا في دفتري الخاص بالديون، لم يكن ذلك منه إقراراً، فلا ينفذ ولا يثبت له أثر، ونظير ذلك أن يقول لشخص: لك في ذمتي خمسون دينارا، إذا أنا قبضت مثل هذا المبلغ من زيد، فلا يكون إخباره إقراراً، وقد سبق منا أن الإقرار هو الإخبار بثبوت الحق على نفسه على وجه الجزم ، ولذلك فيعتبر في الإقرار أن يكون الإخبار بثبوت الحق أو بنفيه منجزاً غير معلّق على وجود شيء أو على عدمه .

المسألة الخامسة: قد تصحب إخبار المخبر قرينة خاصة تدل على ما يخالف الظاهر من لفظه الذي تكلم به ، فلا يتم ظهور اللفظ ولا دلالته على المعنى عند أهل العرف بسبب وجود تلك القرينة، وان كان اللفظ ظاهراً أو صريحاً في معناه لو لم توجد تلك القرينة، فلا يكون خبره خبراً ، ولا إقراره إقراراً بسببها.

ومثال ذلك: أن يخبر بخبره وهو يضحك من ذلك القول ، أو يبتسم ابتسامة هازئة أو ساخرة أو يتكلم بلهجة تدل على التهكم والإنكار للخبر، أو يصحب قوله بحركة رأس أو يدٍ أو عين أو مطّ شفة تدل على شيء من ذلك ، فلا يكون خبره خبراً -كما قلنا- ولا إقراره إقراراً، ومثل ذلك:  ما إذا كان إخباره بالشيء بإشارة مفهمة لثبوته أو نفيه ، أو بقول: لا، أو نعم، بعد سؤال السائل عن وجود الحق ، أو بغير ذلك مما تقدم ذكره ، فلا يثبت خبره ولا إقراره مع وجود شيء من هذه القرائن ، وهو أمر معلوم لا يرتاب فيه عاقل ، وإنما يذكر للتنبيه ، ولكي لا تلتبس الحقائق والأحكام في بعض الموارد لغفلة ونحوها.

المسالة السادسة: إذا أقر الرجل على نفسه بثبوت حق لبعض الناس عليه ، أو بنفي حق للمخبر على بعض الناس الآخرين ، أو اقر بوجود شيء يستلزم وجوده ثبوت حق على المخبر، أو انطباق حكم شرعي ملزم عليه ، أو اقرّ بعدم شيء يستلزم عدمه مثل ذلك ، وكان إقراره جامعاً للشرايط المعتبرة فيه ، لزمه الأمر الذي اقر به ، ولا ريب في هذا الحكم، بل ولا إشكال فيه بين عامة العقلاء والمشرّعين ، والاختلاف في نظرات المشرعين إنما حصل لاختلافهم إزاء الشروط التي يعتبرونها في صدق الإقرار، وفى ثبوت لوازمه على المقر عندهم .

والشروط المعتبرة شرعاً في تحقق الإقرار ولوازمه متنوعة، فبعض هذه الشروط يجب توفره في الأمر المقرّ به ، وبعضها يعتبر اجتماعه في الشخص المقر نفسه ، وبعضها يلزم وجوده في الذات أو الجهة المقرّ لها، وسنوضح كل قسم منها في موضعه من المسائل الآتية -إن شاء الله تعالى-.

المسألة السابعة: الحق الذي يقر به الإنسان لغيره على نفسه ، فيلزم المقر أداؤه إليه ، يصح ان يريد به واحداً معينا من الأشياء التي يمكن للإنسان تملكها، فيعمّ ما إذا كان الشيء عيناً موجودة في الخارج ، ومثال ذلك: أن يقول الرجل : الدار أو الأرض التي بيدي مملوكة لزيد، أو يقول : نصف هذه الدار أو الأرض مملوك له .

أو كان عيناً كلية تشتغل بها الذمة، ومثاله: أن يقول: يملك زيد في ذمتي ألف دينار، أو مائة منّ من الحنطة.

أو كان منفعة خاصة لعين مملوكة للمقر، ومثاله أن يقول: فلان يملك حق السكنى في داري هذه مدة سنة، أو يقول: انني آجرت فلاناً أحد هذه الدكاكين المعينة التي بيدي ، فهو يملك الاتجار في واحد منها مدة ستة أشهر ، ويصح أن يكون الدكان المستأجر واحداً في الذمة فيكون الحق المقر به منفعة كلية في الذمة.

أو كان عملاً من الأعمال ، ومثاله أن يقول: يملك فلان علي أن اعمل له في مزرعته أو ضيعته مدة ستة اشهر.

أو كان حقاً من الحقوق التي تجوز لصاحبها المطالبة بها، ومثال ذلك أن يقول: لزيد علي حق الشفعة في الأرض التي اشتريتها من شريكه ، أو يقول: له علي حق الخيار في الدار التي اشتريتها منه .

وكذلك الحال عند ما يقر الرجل بنفي حقه عن رجل آخر، فان الحق المنفي يمكن ان يراد به أيّ واحد معيّن من الأشياء التي تقدّم ذكرها.

وقد يكون المقرّ به أمراً خارجيا إذا كان الإقرار به يستتبع ثبوت حق لأحد على المقر، أو يستتبع حكماً شرعياً ملزما له ، ومثال ذلك: أن يقر الرّجل بنسب ولد ، فيتبع ذلك إلحاق الولد بنسبه وميراثه منه بعد موته ، وأن يقرّ بزوجية امرأة ، فيتبع ذلك ثبوت نفقتها عليه ، وحرمة زواجه بأختها.

ونظير ذلك: ما إذا أخبر الرجل بنفي شيء خارجي ، وكان نفيه يستتبع سقوط حق للمقر على غيره ، أو يستتبع حكماً شرعياً ملزماً للمقر، وقد ذكرنا في ما مضى أمثلة لذلك .

المسألة الثامنة: يشترط في صحة الإقرار وفي نفوذه على الشخص المقر: أن يكون ثبوت الأمر الذي يقر به مما يوجب دخول نقص عليه أو شيء يضرّ به ،كما في الأمثلة الماضية، فإن وجوب حق للغير على المقر ، أو تعلق حكم شرعي ملزم به ، وما يشبه ذلك من الأمور التي تكلّفه وتوجب الثقل عليه ، أو تسبب له تضرراً ماليا أو خسارة ، أو تحمله كلفة ومؤنة في ماله أو بدنه أو في نفسه ، أو في بعض الاعتبارات المتعلقة به ، أو تلقى عليه مسؤولية خاصة .

ولذلك فلا ينفذ الإقرار في ما يكون فيه نفع للمقر، ولا ينفذ في ما كون مضرّاً بالغير ، أو مثبتا للحق أو الحكم عليه ، وإذا كان ثبوت الشيء المقرّ به مضراً بالمقر من ناحية ، مضراً بغيره من ناحية أخرى، نفذ الإقرار وثبت أثره على المقر ، فيجب عليه تحمل الضرر الذي يلم به ، ولم ينفذ ولم يترتب أثره على الشخص الآخر ، فلا يجب عليه تحمل شيء ، إلا إذا صدّق ذلك الشخص إقرار المقر ، وشاركه في الاعتراف بما قال ، فإذا أقر الرجل بنسب الولد إليه ، واعترف بأنه ولد شرعي له ، وجب على الرجل المقر أن ينفق على الولد من ماله ، إذا كان الولد فقيراً محتاجاً، وكان الرجل غنيا قادراً على الإنفاق ، ولم يجب على الولد أن ينفق على الرجل إذا انعكس الأمر ، فكان الولد غنيا متمكنا، وكان الرجل المقر هو المحتاج، واستحق الولد نصيبه من الميراث إذا مات الرجل الذي أقر به قبله ، ولا يرث المقر من مال الولد شيئاً ، إذا مات الولد قبل الرجل ، إلا إذا صدّق الولد إقرار الرجل بالنسب ، واعترف بأبوته ، فيثبت وجوب الانفاق والتوارث من الجانبين ، وسيأتي تفصيل الحكم -إن شاء الله تعالى-.

وإذا أقر الرجل بامرأة أنها زوجته شرعا لزمه الإنفاق عليها، ولم يجب عليها أن تمكنه من الاستمتاع بها، واستحقت هي نصيبها من الميراث إذا مات الرجل قبلها، ولم يستحق هو شيئاً من ميراثها إذا ماتت قبله ، إلا إذا أقرات به زوجاً ، وصدقته في قوله ، فتثبت الحقوق والأحكام من الجانبين .

المسألة التاسعة: لا يشترط في صحة الإقرار بالشيء أن يكون المقرّ به أمراً معيناً ، أو أمراً معلوماً ، فيصح الإقرار به إذا كان شيئاً مبهماً أو مرددا غير معين ، ويصح الإقرار به إذا كان مجهولاً غير معلوم ، فإذا قال الرجل لشخص آخر: لك عندي بعض الأشياء، أو لك عندي حاجة، أو أحتفظ لك بشيء ، صح الإقرار منه ، ونفذ عليه شرعاً، وألزم -على الأحوط- بأن يبيّن مراده من اللفظ الذي تكلم به ، وأن يرفع الإبهام واللبس عنه ، فإذا هو بيّن المراد ، وكان بيانه يتطابق -عند أهل العرف واللسان- مع القول الذي نطق به ، ويصلح لأن يكون مدلولاً له ، ويصح أن يكون ذلك المدلول مما يلتزم به مثل هذا المقر لمثل ذلك الشخص ، ويكون على عهدته -كما هو ظاهر قوله: (لك عندي)- قبل منه تفسيره لمقصده ، وألزم بأدائه للمقرّ له ، وان كان ما ذكره قليلا، أو كان مما لا يعدّ مالاً، وإذا لم يصلح ما ذكره أن يكون تفسيراً للفظ الذي نطق به ، أو لم يصح أن يكون على عهدة مثله في منـزلته ومقامه الاجتماعي ،لم يقبل تفسيره ، ولزمه أن يتخلص من تبعة إقراره بوجه صحيح ، من مصالحة أو نحوها.

وإذا قال للمقر له: لك في ذمتي شيء ، وجب أن يكون المدلول الذي يفسره به مما يصلح أن يكون في الذمة وتشتغل به ، وإذا قال: لك عندي مال ، وجب ان يكون الأمر الذي يفسره به مما يعدّ مالا عند أهل العرف وفي حكم الشرع ، فلا يقبل منه إذا فسّره بخمر أو بخنـزير، أو بنحوهما مما لا مالية له في حكم الإسلام ، ولايقبل منه إذا فسّره بحفنة من التراب، أو بخرقة بالية ، أو بحبة حنطة ، مما لا يعد مالا في العرف .

المسألة العاشرة: إذا قال الرجل لآخر: لك في ذمتي منّ واحد من الحنطة ، أو منّ واحد من الأرز -مثلا- على نحو التردد بين الجنسين ، صح إقراره بالمن المردد ، ونفذ عليه ، والزم المقر -على الاحوط- بأن يعيّن ما في ذمته منهما ويزيل الإبهام عنه ، وإذا هو استجاب وعيّن أحدهما، فقال لصاحبه: الذي تملكه في ذمتي هو منّ الحنطة -مثلاً-، قبِل تعيينه ولزمه أداؤه ، وإذا دفعه إلى صاحبه المقر له ورضي به برئت ذمة المقر ظاهراً، وإذا تذكر بعد أن دفع إليه الحنطة أن ما في ذمته للمقر له هو الأرز وليس هو الحنطة ، أعلم صاحبه بغلطه في التعيين ، واسترد منه ما دفعه إليه ، وأعطاه الشيء الثاني ، ولا تبرأ ذمته بدفع الأول إلا إذا تصالحا، فجعلا ما في ذمة أحدهما عوضا عما في ذمة الآخر، أو أبرأ كل واحد منهما ذمة الثاني، واسقط حقه عنه .

وإذا عين المقر أحد الأمرين اللذين تردد بينهما في إقراره وقال لصاحبه: إن الشيء الذي لك في ذمتي هو من الحنطة، وأنكر المقر له ذلك ، ولم يرض بتعيينه ، وقال: لست أملك في ذمتك منّ الحنطة، سقط حقه ظاهرا بسبب إنكاره لإقرار المقر، فلا تجوز له المطالبة به، ولم يسقط حقه واقعاً، ولذلك فيجب على المقر - مع الامكان- أن يوصل حقه إليه، ولو بدسه في ماله في الخفاء ، أو يصالحه عنه .

وإذا طلب من المقر أن يعيّن الشيء الذي اقرّ به لصاحبه من الأمرين ، فقال: لست أعلم به على التعيين ، وصدّقه صاحبه في دعوى عدم العلم ، فالأحوط لهما أن يرجعا إلى المصالحة بينهما، وإذا أقيمت بينة شرعية على تعيين أحد الأمرين لزم العمل بها، أو رجعا إلى المصالحة إذا شاءا .

المسالة 11: إذا كان في يد الإنسان شيئان معلومان من الأعيان الخارجية ، ولنفرض أحدهما دارا معينة ، والآخر بستاناً معلوما، فقال صاحب اليد لشخص آخر: انك تملك أحد هذين الشيئين ، إما الدار وإما البستان صح إقراره بالشيء المردد بينهما وألزم -على الاحوط- بأن يعين مراده من الشيء الذي اقرّ به ، ويزيل التردد فيه كما سبق في نظيره، فإذا استجاب المقر وعيّن أحد الشيئين ، وقال لصاحبه : الشيء الذي تملكه منهما هي الدار مثلاً، فان صدقه المقرّ له في تعيينه ،أو رضي به من غير تصديق ، صح تعيينه، والزم بدفع الدار -في المثال- للشخص المقر له ، وإذا جحد المقر له ما قاله المقر، ولم يرض بتعيينه، واستمر المقر على إقراره وتعيينه الأول وأصر المقرّ له على جحوده للتعيين ، وإنكاره كان ما عينه المقر -وهي الدار في المثال الذي ذكرناه- من مجهول المالك ظاهراً، فتولى الحاكم الشرعي المحافظة عليها، أو سلّمها بيد ثقة يأتمنه على حفظها حتى يتبين أمرها ببينة أو غيرها ، ويمكن للحاكم الشرعي أن يبقيها في يد المقر إذا كان ثقة مأمونا لا تخشى خيانته ، فإذا يئس الحاكم من استيضاح الأمر، ولم يمكنه إيقاع المصالحة بين المقر والمقر له عليها ، صرفها في باب مجهول المالك .

وإذا اقـر الإنسان لغيره بأنه يملك أحد الشيئين ، الدار أو البستان -كما في المثال المتقدم-، وجهل المقرّ والمقرّ له أي الأمرين هو الذي يملكه المقر له ، ولم يعلما من ذلك شيئاً، ولم يمكنهما التعيين ولا إقامة البينة، تخلصا من الإشكال بالمصالحة بينهما.

المسألة 12: يشترط في صحة الإقرار: أن يكون المقرّ بالغاً ، فلا يصح الإقرار ولا ينفذ إذا صدر من الصبي قبل أن يبلغ الحلم ، وان كان إقراره بإذن وليه الشرعي ، وكان مميزاً رشيداً، وحتى إذا اكمل السنة العاشرة من سني عمره وكان إقراره في ما يصح منه فعله وإيقاعه ، وهو الوصية بالمعروف ووجوه الخيرات والمبرات ، على الأحوط في الإقرار الأخير.

ويشترط في صحته: أن يكون المقر عاقلاً، فلا يصح إقرار المجنون ، سواء كان جنونه مطبقاً أم ذا أدوار، وكان إقراره في دور جنونه ، ويصح إقراره إذا وقع في دور إفاقـته .

ويشترط في صحته: أن يكون المقر قاصدا للمعنى المراد في إخباره ومختاراً فيه، فلا يصح الإقرار إذا كان المقر سكران في حال إقراره ، أو غضبان لا قصد له لشدة غضبه ، أو كان هازلاً غير جاد في خبره، أو ساهياً ، أو غافلاً ينطق بدون وعي كامل ، أو كان مبرسماً، والمبرسم هو من تصيبه بعض الحمّيات أو الأمراض الحادة، فيفقد شعوره وينطق من غير قصد، ولا يصح إقراره إذا كان مكرهاً لا اختيار له .

المسألة 13: إذا أخبر الصبي عن نفسه بأنه قد بلغ ،لم يثبت بلوغه بإخباره ، سواء قصد بذلك أن يرفع عن نفسه الحجر ويتسلم أمواله ويتخلص من ولاية الولي ، أم أراد بذلك الإقرار على نفسه ليثبت عليه حداً شرعياً عن ذنب قد ارتكبه ، ويتخلص من تأنيب الضمير، وقد سبق في المسألة السابقة أن إقرار الصبي غير نافذ ما لم يثبت بلوغه ، فإذا هو ادّعى البلوغ بنبات الشعر الخشن في موضـع العانة من جسده ، فحص عن ذلك ليعلم بالاختبار صحة قولـه ، وإذا ادّعى البلوغ بإكمال السنة الخامسة عشرة من عمره طلب منه إقامة البينة الشرعية على صحة دعواه ، وإذا ادعى البلوغ بالاحتلام أشكل الحكم بثبوت دعواه بمجرد قوله مع اليمين و بغير يمين .

المسألة 14: يشترط في صحة الإقرار: أن يكون المقر رشيداً غير محجور عليه ، فلا يصح إقراره إذا كان سفيهاً، فان كان سفهه مختصاً بالتصرفات المالية لم يصح إقراره إذا كان متعلقاً بالمال ، ويصح منه الإقرار المتعلق بغير المال من التصرفات الأخرى ، كما إذا أقر بطلاق زوجته ، أو بجناية على غيره توجب القصاص في بدنه ، وكما إذا اقر على نفسه بأحد الإقرارات التي توجب الحدّ ، كالزنا والقذف وشرب الخمر.

وإذا اقر السفيه المحجور عليه في المال على نفسه بالسرقة ، وشبهها من الأمور التي تشتمل على الضمان المالي وعلى غيره ، نفذ إقراره في غير جهة المال ، فيقام عليه الحد الشرعي إذا أقر بالسرقة، ولا يقبل إقراره في جهة المال ، وهكذا إذا اقر بخلع زوجته ، فيقبل إقراره وينفذ عليه بفراق الزوجة وبينونتها منه ، ولا ينفذ في الفدية، وتراجع المسألة الحادية والأربعون من كتاب الحجر من هذه الرسالة.

وإذا كان سفه السفيه عاماً ، يوجب الحجر عليه في جميع التصرفات المالية وغيرها ،لم يصح إقراره في الجميع ، ويلاحظ ما حررناه في مبحث الحجر على السفيه من الرسالة.

المسألة 15: يصح الإقرار إذا صدر من المفلّس المحجور عليه ، ولا يكون الحجر عليه مانعاً من نفوذ إقراره على نفسه ، من غير فارق بين أنواع الإقرارات ، فإذا هو أقر -بعد تحقق فلسه والحجر عليه في أمواله- بان لزيد عليه ديناً في ذمته سابقا على تاريخ الحجر عليه ، صح منه هذا الإقرار ونفذ عليه، ونفذ على الديان الغرماء، فيكون زيد -الذي أقر له بالدين- شريكا معهم في الاستحقاق، ويضرب معهم في الأموال التي تعلّق بها الحجر، ويأخذ من الأموال بنسبة مقدار دينه إلى مجموع الديون، وتثبت له فيها حصة من الحصص ، وقد ذكرنا هذا في المسألة الثانية والستين من كتاب الحجر. وإذا اقر المفلس بعد الحجر عليه فقال : إن لزيد علي دينا حادثاً قد استدنته منه بعد وقوع الحجر، صح الإقرار ونفذ عليه كذلك ، ولكن هذا الدائن الجديد لا يشارك الغرماء السابقين ، فلا يضرب معهم في الأموال الموجودة ، والتي تعلق بها الحجر ، فيبقى دينه إلى ما بعد ارتفاع الحجر، وتلا حظ المسألة الثالثة والستون من كتاب الحجر.

وإذا أقر المفلس -بعد الحجر عليه ومنعه من التصرف في أمواله الموجودة- فقال : إن هذه العين الخاصة من الأموال الموجودة التي بيدي ليست ملكاً لي بل هو مملوكة لزيد، نفذ إقراره على نفسه ، ولم ينفذ على الغرماء، فإذا اتفق أن العين التي أقر بها بقيت في يده -حتى استوفيت ديون الغرماء، وارتفع الحجر عنه- لزمه أن يدفع العين المذكورة لزيد الذي اقر له بملكها، وإذا لم تسدد الديون ، ولم تسقط حقوق الغرماء ، اشكل الحكم في العين المقر بها، ولابد فيها من مراعاة الاحتياط .

المسألة 16: إذا أقر العبد الملوك على نفسه بمال لغيره ، فقال : إن لزيد في ذمتي مائة دينار ، أو قال: إن هذه العين التي بيدي مملوكة لزيد ، وصدّقه مالكه في ما قاله، نفذ الإقرار عليه، ولزمه الوفاء به بالفعل، ولم ينتظر به إلى ما بعد العتق ، وكذلك  إذا اقر على نفسه بما يوجب عليه الحد ، أو التعزير الشرعي ، أو بجناية على غيره توجب القصاص من المقر في نفسه، أو في بعض أعضائه ، أو توجب عليه الدية في ماله ، وصدّقه مالكه في ما قال ، فينفذ إقراره بالفعل ، ويؤخذ بـه ، ولا ينتظر إلى ما بعد العتق .

وإذا اقر لغيره بمالٍ في ذمته ، أو بعين أو منفعة في يده ، أو أقر بما يوجب عليه الحد الشرعي أو التعزيز، أو القصاص أو الدية، ولم يصدقه مولاه في قوله ، لم ينفذ إقراره عليه بالفعل، لأنه إقرار في حق مالكه ، فإذا أعتقه مولاه ، أو انعتق العبد بسبب آخر يوجب الانعتاق ، نفذ عليه الإقرار بعد العتق ، ولزم العمل بموجبه .

المسألة 17: يصح لمالك العبد أن يجعله وكيلاً عنه في التجارة للمالك نفسه ، وان يجعله مطلق الحرية في التصرف في ما يتعلق بهذه التجارة من البيع والشراء، والأخذ والرد ، والبيع نقداً وفي الذمة والشراء كذلك ، حسب ما تقتضيه قوانين التجارة وقواعدها المألوفة بين الناس ، فإذا وكله في التجارة على هذه الوجه ، وأذن له في جميع ذلك ، كان هذا العبد الوكيل نافذ الإقرار والتصرف في ما يتعلق بتجارته وبعمله فيها ، سواء اقر بثبوت حق للآخرين عليه ، أم بنفي حق له على الآخرين ، ولا يعم إذن المالك له غير هذه التجارة ، فإذا اقر بمال أو بأمر يتصل بها لم ينفذ إقراره إلا إذا صدقه سيده ، فان هولم يصدقه فيه لم ينفذ الإقرار بالفعل ، واتبع به بعد أن يعتق ، أو ينعتق بسبب يوجب ذلك .

ويصح لمالك العبد أن يأذن له في أن يتجر لنفسه لا للمولى، ويأذن له بجميع التصرفات التي تتعلق بعمله ومعاملته في التجارة ، على نهج ما تقدم في الفرض السابق ، فيجري فيه مثل تلك الأحكام ، وتنفذ إقراراته التي تتعلق بتجارته بموجب هذا الإذن العام في كل ما له وما عليه ، ولا يصح تصرفه ولا ينفذ إقراره في غيرها إلا بإذن من مولاه ، وإذا لم يأذن له المولى ولم يصدقه في الإقرار اتبع به بعد العتق.

المسألة 18: يشكل الحكم بالصحة في أن يسقط المولى عن عبده المملوك له وجوب الاستئذان منه في جميع تصرفاته وإقراراته التي يوقعها، أو أن يأذن له في ذلك إذناً عاما ، يفعل فيه ما يشاء كما يشاء، ولا يحتاج إلى الإذن من السيد في الموارد الخاصة التي تجدّ له ما دامت الحياة، بل الظاهر عدم صحة ذلك ، لان العبد مملوك لا يقدر على شيء ، وهذا حكم من أحكام العبد المملوك اللازمة له ، وليس حقا من حقوق المولى ، ولذلك فلا يصح ، بل لا يمكن للمولى أن يسقطه إلا بالعتق فانه يرفع الموضوع .

المسألة 19: يصح إقرار المريض وان كان في مرض موته ، وينفذ عليه كما ينفذ إقرار الصحيح السليم ، سواء أقر لبعض وارثيه أم لشخص لا يرثه ، وسواء اقر له بدين في ذمته أم بعين موجودة في يده.

وإذا اقر بذلك ثم مات في مرضه ، ولم يكن متهماً في إقراره نفذ الإقرار منه ، ولزم على الوصي أو الوارث أن يدفع المال الذي أقر به ذلك الميت قبل موته من اصل تركته ، وإذا كان متّهما نفذ الإقرار منه كذلك ، ويدفع المال إلى المقر له من ثلث تركة الميت المقرّ، وإذا قصر ثلثه ولم يكف للوفاء بالمال المقر به لم ينفذ الإقرار في المقدار الزائد من المال على الثلث ، فينفذ الإقرار في البعض ، ويسقط في البعض .

والمراد بالمريض المتهم هنا: هو من تدل القرائن على أنه يريد تخصيص الشخص الذي اقر له بالمال الذي اقر به ، أو يريد أن يحرم الورثة الآخرين منه .

المسألة 20: يشترط في صحة الإقرار بالمال: أن يكون المقر له ممن له قابلية تملك المال أو الاختصاص به كالإنسان مثلاً، فانه ممن ثبتت له هذه القابلية، سواء كان كبيراً أم صغيراً، وذكرا أم أنثى، وعاقلاً أم مجنوناً، ولذلك فيصح الإقرار للإنسان بجميع الأقسام المذكورة، سواء كان المقر له واحداً أم متعددا، ومثال ذلك: أن يقول المقر: يملك زيد في ذمتي عشرين ديناراً مثلاً، أو يقول :يملك زيد وعمرو في ذمتي عشرين ديناراً، أو لهما عندي هذا المبلغ، أو يقول : يملك أولاد عبد الله الثلاثة أو الأربعة هذه الدار التي بيدي ، أو هذا البستان ، أو لهم عندي مبلغ مائة دينار.

ويصح أن يقرّ الرجل لعنوان عام ، ينطبق على كثير من الأفراد، فيقول : للفقراء عندي أو في ذمتي ألف دينار،أو يقول : عندي للفقراء من بني هاشم أو للفقراء من أهل هذا البلد مبلغ كذا من المال .

وإذا اقر الرجل بالمال لعنوان كثير الأفراد أو قليلها، فعليه أن يعين أن المال المقر به لأفراد هذا النوع أو هذا الصنف كلهم ، على وجه الاستيعاب لكل فرد فرد منهم ، أو هو لهم على نحو التقسيم فيهم ، ولو على بعضهم .

ويصح للرجل أن يقر بالمال لمسجد ، أو لمشهد أو لمدرسة أو مقبرة أو رباط ، معينة أو غير معينة ، فان المال قد يكون منذوراً لينفق في هذه الجهات ، وقد يكون من غلة ارض موقوفة عليها ، أو من مال أوصى به الموصي لينفق فيها ، ولذلك فيصح الإقرار به ، وينفذ على المقر، وعليه أن يفي بما اقر به ، ويقوم بأدائه حسب ما يعين في إقراره.

المسألة 21: لا يصح الإقرار بالمال لبهيمة من البهائم ، أو لحيوان من الحيوانات ، فإنها غير قابلة لتملك المال أو الاختصاص به ، فيكون الإقرار لها بالمال باطلاً، إلا في موارد نادرة يمكن تصورها ، وقد لا يتفق وجودها ، ومثال ذلك: أن يكون المال منذوراً  أو موصى به لعلف خيل المجاهدين ، أو لأنعام الصدقات ، وما أشبه ذلك ، فيمكن أن يحصل الاختصاص بها في هذه الموارد ويصح الإقرار لها.

ولا يصح الإقرار لشخص بشيء لا يثبت له تملكه في الإسلام ، ومثال ذلك: أن يقر الرجل لرجل مسلم بخمر أًو خنـزير.

المسألة 22: إذا أقر الرجل على نفسه بحق من الحقوق اللازمة غير المالية: كحق القصاص في النفس ، أو بإحدى الجنايات التي توجب القصاص في الطرف ، أو الضمان للدية أو الأرش ، فالمقر له هو الإنسان الذي يثبت له ذلك الحق ، والحق نوع من الملك ، فلا يثبت لغير الإنسان ، وإذا أقر على نفسه بما يوجب الضمان لبهيمة قد غصبها ، أو أتلفها ، أو أحدث فيها عيباً أو نقصاً أو كسراً، فالمقر له هو مالك البهيمة.

المسألة 23: إذا اقر الإنسان لعبد مملوك بمال يملكه العبد في ذمة المقر ، أو يعين في يده فالمقر له هو العبد نفسه ، والأحوط له أن يستأذن من مالك العبد في دفع المال إليه ، وإذا أقر بجناية جناها على العبد ، فالمقر له هو مالك العبد، فلا يكفى أن يرضي العبد ، أو أن يسقط العبد حقه من الجناية ، مالم يرض المالك أو يسقط حقه .

المسألة 24: لا يعتبر في صحة الإقرار من الإنسان أن يكون المقر له شخصاً معينا ، غير مردد في الإقرار، ولا أن يكون فرداً معلوماً غير مجهول، فإذا قال الرجل: هذه الأرض التي بيدي مملوكة إما لزيد أو لعمرو قبل منه إقراره ، ثم  ألزم بأن يعيّن المالك الحقيقي للأرض من الرجلين اللذين اقر لهما ، فإذا عيّنه وقال : مالك الأرض المذكورة هو زيـد ، وصدقه الشخص الآخر -وهو عمرو- في تعيينه ، أو رضي بقوله ولم ينازع، قبل منه الإقرار والتعيين،  وعليه أن يدفع الأرض لزيد، وإذا أنكر عمرو تعيين المقر، ولم يقبل به ، وقعت المخاصمة بين المقر -وهو المدعي- وبين عمرو -وهو المنكر-.

وكذلك إذا قال الرجل : الدار التي بيدي لرجل من أهل هذه القرية أو لرجل من بنى هاشم ، فيقبل منه الإقرار ، ويلزم شرعاً بأن يعين الرجل المقصود من أهل القرية ، أو من بني هاشم، فإذا عيّنه قبِل تعيينه ، ودفعت الدار المقر بها إليه ، وإذا ألزم بتعيين الرجل الذي يملك الدار، فقال: لست اعلم به حتى أعيّنه لم يلزم بذلك ، وإذا ادعى عليه أحد الطرفين ، أو أحد الأطراف الذين اقر لهم بأنه يعرف شخص المالك الحقيقي للدار، وأنكر المقر معرفته على الخصوص أحلف على عدم العلم ، وسقط عنه الالزام .

المسألة 25: إذا اقر الإنسان لأحد بحق لازم من الحقوق المالية أو غيرها ، فقال: إن سعداً يملك علي حق الشفعة في الحصة التي اشتريتها من شريكه ، أو قال: انه يملك حق الخيار في الدار التي اشتريتها منه ، ولما سمع المقر له -وهو سعد- قوله جحد ذلك وقال : ليس لي هذا الحق عندك ، أو قال : لست أملك عليك حقاً أطالبك به ، برئت ذمة المقر من ذلك الحق الذي اعترف به .

وإذا اقر للغير بمال ، أو بدين في ذمته ، فقال: يملك إبراهيم في ذمتي مائة دينار ، ولما سمع المقر له أنكر أن الرجل مدين له بالمبلغ الذي ذكره ، أو قال : ليس لي في  ذمة هذا الرجل شيء، أو قال : ليس لي عنده قليل ولا كثير، برئت ذمة المقر ظاهراً من هذا الدين ، فلا يحق للمقر له أن يطالب المقرّ بالدين بعد إنكاره ، ولم تبرأ ذمته إذا كان مديناً له في الواقع ، فيجب عليه أن يوصل الدين إليه ، ولو من حيث لا يعلم ، أو يصالحه عنه .

وإذا رجع المقر له عن إنكار الدين ، فقال : فحصت دفاتري فلم أجد ذكراً للدين ، ولذلك أنكرته ، ثم وجدته في دفتر مخصوص ، جازت له المطالبة به وأخذه من المقر ، إذا دفع المال إليه ، وهذا إذا كان المقر بالدين لا يزال مقراً به ، وإذا رجع عن إقراره الأول ، أشكل الحكم بوجوب الدفع إليه في هذه الصورة .

المسألة 26: إذا أقر إنسان لغيره بعين موجودة في يده ، فقال : إن هذا المتاع ، أو هذا الجهاز ، أو هذه الدار التي بيدي مملوكة لإبراهيم ، ولما سمع المقر له بذلك أنكر قوله ، وقال: إن الرجل مخطئ ، وليست العين التي ذكرها مملوكة لي ، أصبحت العين المقر بها مجهولة المالك بحسب ظاهـر الحال ، فيستولي عليها الحاكم الشرعي ، أو من يعتمد عليه ، لتحفظ عنده حتى يتبين أمرها ويعلم مالكها ، ويجوز للحاكم إبقاؤها في يد المقر نفسه ، إذا اطمأن على حفظها مـع بقائها في يده ، وتراجع المسألة الحادية عشرة فقد بيّنا فيها بقية متعلقات المسألة وأحكامها.

وإذا رجع المقر له -وهو إبراهيم- عن إنكاره لتملك العين ، واعترف بها جرى فيه نظير الحكم الذي ذكرناه في المسألة المتقدمة، في فرض الإقرار بالدين إذا أنكره المقر له ، ثم رجع بعد ذلك عن إنكاره ، فليلاحظ ليطبق هنا.

المسألة 27: إذا أقر شخص لغيره بدين عليه ، أو بمال في يده ، فقال: إن سعداً يملك الدين أو المال ، وذكر في إقراره أن مقدار ذلك الدين ، أو المال الذي يملكه الرجل المقر له عنده، مردد بين أن يكون مائة دينار فقط ، وان يكون مائة وخمسين دينارا، وهو لا يدري بمقداره على التعيين ، أجزأ المقر أن يدفع له أقل الأمرين ، وهو المائة دينار ، ولم يجب عليه دفع الزائد.

المسألة 28: إذا أقر الشخص لغيره بدين مؤجل إلى أجل مسمى ، ثبت للمقر له ذلك الدين إلى ذلك الأجل المعين ، فلا يحق له أن يطالب المقر بالدين قبل حضور ذلك الوقت ، وإذا أقر له بدين مؤجل ، وقال في إقراره: إن الدين الذي يملكه الرجل في ذمتي مؤجل ، إما إلى شهر واحد وإما إلى شهرين ، ولست أعلم بمقدار الأجل على وجه التعيين، ثبت الدين للرجل المقر له إلى الأجل الأبعد منهما ، فلا تحق له المطالبة بالدين قبل ذلك ، وكذلك إذا أقر له بدين ، وتردد -في أمر الدين- بين أن يكون حالاً في الوقت ، وأن يكون مؤجلاً إلى شهر مثلا، فيؤخذ بإقراره ويثبت الدين للمقر له مؤجلاً ، ولا تجوز له المطالبة بالدين قبل حلول الأجل الذي ذكره.

الفصل الثاني

في بعض ما يلحق الإقرار ويتبعه

المسألة 29: إذا اقر الرجل لأحد بأنه يملك في ذمته مبلغاً معيناً من النقود، وأطلق قوله ولم يعين نقداً خاصاً، فالمراد به النقد الموجود في بلد المقر، سواء كان النقد الموجود فيه من الذهب أم من الفضة أم من غيرهما، وسواء كان خالصاً في جنسه ، أم مخلوطا من جنسين أو أكثر، وكذلك إذا أقر له بمبلغ من العملة الورقية، وأطلق القول ولم يعين عملة خاصة منها، فيكون المراد من إقراره العملة الدارجة في بلد المقر من أي فئة كانت ، فإذا قال الرجل: يملك عبد الله في ذمتي مائة دينار، فالمراد هو الدينار الموجود في بلد الرجل المقر، فإذا كان من أهل العراق -مثلاً- كان مضمون إقراره انه مدين لعبد الله بمائة دينار من العملة الموجودة في العراق ، ويجزيه أن يؤديها للمقر له من أي الفئات الموجودة في البلد، فله ان يفي دينه من الفئة ذات الدينار الواحد ، أو الخمسة دنانير ، أو العشرة ، أو الأكثر، بل ويجوز له ان يدفع الدين من الفئة ذات النصف دينار أو الربع الموجودة في البلد.

وهذا إذا كان الحق الذي اقر به أمراً كلياً ، كالدين وثمن المبيع ، وما يشبه ذلك : وإذا كان المال المقر به وديعة، فلابد له من أن يدفع العين المودعة بذاتها إذا كانت موجودة في يده.

وإذا اقر له بالمبلغ ، وكان في بلد المقر نوعان من النقد الذي أقر به ، فالمراد في إقراره هو النقد الغالب في المعاملات الجارية بين الناس من أهل البلد ، ولا يجزيه أن يدفع الحق من النقد غير الغالب ، ولا يحق للمقر له أن يطالب المقر به إلا إذا اتفق الجانبان على الاكتفاء به ، وإذا اقر له بالحق ، وعين في إقراره نقداً خاصاً ، لزمه ان يدفع للمقر له ذلك النقد الذي عينه ، وان كان من غير الغالب ، أو من نقد غير البلد .

وإذا وجد في البلد نقدان مختلفان ، وهما متساويان في معاملة الناس بهما ، ولا غلبة لأحدهما على الثاني ، رجع إلى المقر نفسه في تعيين النقد الذي اراده في إقراره .

المسالة 30: إذا أقر الإنسان لأحدٍ بحق ، وكان الحق الذي أقر به مما يوزن أو يكال ، فان عين في إقراره وزناً أو كيلاً خاصاً ثبت ما عيّنه ، ولزم العمل به ، وان لم يكن متعارفاً في البلد، وإذا أطلق إقراره بالحق ، ولم يعيّن شيئاً ، فالمراد الوزن والكيل الموجودان في بلد المقر، ويجري فيه التفصيل الذي تقدم في النقد ، وتلاحظ المسألة السابقة .

المسالة 31: إذا اقر أحد لغيره بشيء ، وذكر أن الشيء مودع في ظرف ، ثبت إقراره بالشيء المظروف وحده ، ولا يكون اخباره به إقراراً بالظرف معه ، فإذا قال: عندي لسعيد عشرة دنانير في محفظة نقود ، كان قوله إقراراً لسعيد بالدنانير العشرة وحدها ، وليس إقراراً بالمحفظة معها، وإذا قال : له عندي عشرة امنان من الحنطة في اكياس كان اخباره إقرارا بأمنان الحنطة ، لا بالأكياس مع الحنطة، فلا يحق لسعيد أن يطالبه بالمحفظة أو بالأكياس وما فيها، إلا أن توجد قرينة تدل على إرادة الظرف مع المظروف، فيقول مثلاً: لسعيد عندي عشرة دنانير مع محفظتها، أو عشرة امنان من الحنطة مع أكياسها ، فيكون إقراراً بالأمرين .

وكذلك الحكم في العكس ، فإذا أقر الشخص لغيره بالظرف .لم يكن ذلك إقراراً له بالشيء المودع فيه ، ومثاله ان يقول: لسعيد عندي عشرة أكياس فيها حنطة، أو له عندي محفظة فيها نقود، فقوله إقرار لسعيد بالظروف خاصة ، ولا يعد إقراراً بالحنطة مع الأكياس ، أو بالنقود مع المحفظة، إلا مع وجود قرينة ظاهرة تدل عليه فيكون إقراراً بهما ، ولا اعتبار بالاحتمال .

المسألة 32: إذا أقر الرجل بشيء ، ثم اقر بعده إقراراً آخر، وعطف إقراره الثاني على الأول بكلمة (بل) ، اتبع في إقراره ما يظهر عند أهل العرف واللسان من مجموع قوله في الإخبار عن ذلك ، وله عدة صوركما سيأتي:

(الصورة الأولى): أن يقر الإنسان لأحدٍ بشيء ، ثم يقر لذلك الرجل أيضاً بشيء آخر يختلف عن الشيء الأول ، ومثاله أن يقول: يملك عبد الله في ذمتي مناً من الحنطة، بل يملك فيها مناً من الأرز، والظاهر من هذا القول في متفاهم أهل العرف: انه قد اقر لعبد الله بالإقرارين كليهما، فهو يملك في ذمة المقر منّ الحنطة ، ومنّ الأرز ، فيلزمه أن يدفع للمقر له كلا المنّين ، ويصح لعبد الله أن يطالبه بهما ، وهذا هو الأقوى ، إلا ان تدل قرينة قوية الظهور على أن كلمة (بل) في الإقرار الثاني كانت للإضراب عن إقراره الأول ، وانه قد غلط في هذا القول ، أو توهم فاقر إقراره الثاني ليصحح غلطه ، فيكون هذا هو الثابت .

ويجري هذا في كل مورد يقول الإنسان فيه مثل هذا القول ، ويكون الشيء الثاني المقر به مختلفاً عن الشيء الأول في الجنس ، فإن إخباره كذلك يكون إقراراً بالشيئين معاً، ويلزمه دفعهما إلى المقر له، إلا إذا ثبت غلطه واضرابه عن الإقرار الأول ، وبوجه ظاهر عند أهل العرف.

وكذلك إذا قـال الرجل مثل هذا القول ، وأقر مثل هذا الإقرار بشيئين معينين في الخارج ، فقال مثلا: يملك سليمان هذا الدكان الذي بيدي ، بل هذا الدكان ، أو قال: يملك هذا المتاع بل هذا المتاع ، فيجرى فيه نظير الحكم المتقدم .

المسألة 33: الصورة الثانية: ان يقر الرجل لغيره بمقدار من الجنس ، ثم يقر لذلك الشخص نفسه بأكثر من ذلك المقدار من الجنس الأول ، ويعطف الإقرار الثاني على الأول بكلمة (بل) ، فيقول مثلا: لسليمان عندي ، أو في ذمتي منّ واحد من الحنطة ، بل له عندي منان من الحنطة، أو يقول: له عندي خمسة دنانير ، بل عشرة دنانير ، والظاهر من هذا القول انه يقر لسليمان بالعدد الأكثر من ذلك الجنس ، فهو يملك عند المقر منّين من الحنطة في المثال الأول ، ويملك عنده عشرة دنانير في المثال الثاني، ولا يكون إقراراً بكلا العددين: الأقل والأكثر معاً -كما في الصورة الأولى-.

وكذلك الحكم إذا قدّم العدد الأكثر في الذكر على العدد الأقل ، فقال: له عندي أو في ذمتي منان من الحنطة بل من واحد منها ، أو قال: له عندي عشرة دنانير ، بل خمسة دنانير فيكون ، قوله إقرارا بالعدد الأكثر في المثالين ، ولا يكون إقراراً بثلاثة امنان من الحنطة ، أو بخمسة عشر دينارا. وأوضح من ذلك في الظهور أن يقر كذلك في عين خارجية فيقول: له هذه الغرفة من الدار بل له الدار كلها.

المسألة 34: (الصورة الثالثة): ان يقر لأحد بشيء معين موجود في الخارج يكون في يد المقر، ثم يقر بذلك الشيء المعين نفسه لشخص آخر غير الأول ، فيقول مثلاً: هذه الدار التي بيدي مملوكة لزيد بل هي مملوكة لعمروٍ، والظاهر أن ما قاله المخبر في هذه الصورة يحتوي على إقرارين لازمين له ، ولذلك فيلزمه أن يدفع الدار المعينة نفسها للشخص الذي أقر له أولا -وهو زيد-، وان يدفع قيمة الدار للشخص الثاني -وهو عمرو-، وإذا كانت العين التي أقر بها للرجلين من المثليات ، كما إذا قال: هذه الأمنان من الحنطة مملوكة لزيد، بل هي مملوكة لعمرو، لزمه ان يدفع العين -ذاتها وهي أمنان الحنطة التي وقع عليها الإقرار- لزيد المقر له أولاً، وأن يدفع مثلها لعمرو ، وإذا كان الشيء الذي أقر به للرجلين من الأمور الكلية،كما إذا قال: يملك زيد في ذمتي مائة دينار، بل يملك المائة في ذمتي عمرو، لزمه أن يدفع لكل واحد من الرجلين مائة دينار عما في ذمته ، فلا يكون أحدهما أصلا والثاني بدلاً عنه .

المسألة 35: إذا أقر الرجل للشخصين اللذين ذكرهما -على الوجه المتقدم في المسألة السابقة- بأحد تلك الإقرارات أو بما يماثلها، وأنكر أحد الشخصين المقر لهما قول الرجل المقر وجحد أن يكون له حق ، أو ملك في العين أو الدين الذي أقر به ، سقط حق هذا المنكر، وبرئت ذمة المقر منه ظاهراً، فلا يحق لهذا الشخص ان يطالب بالحق بعد إنكاره ، وعلى المقر أن يدفع العين أو الدين المقر بهما للشخص الآخر.

المسألة 36: إذا أقر الإنسان لغيره بشيء ، وتم إخباره به ، ودل ظاهر كلامه على الإقرار بالشيء عند أهل اللسان والعرف ، ثبت إقراره شرعاً ، ولزمته أحكامه وآثاره ، فإذا عقب على قوله المتقدم بقول آخر ينافي قوله الأول بظاهره ويبطله ،لم يقبل القول الثاني ولم يؤثر على إقراره شيئاً ، إلا ان تكون دلالة الثاني على المعنى أقوى وأتم ، بحيث يزول بالثاني ظهور الكلام الأول في متفاهم أهل اللسان ، وفي محاوراتهم العرفية، ويعدّونه قرينة معتبرة على ان المراد خلاف ذلك الظاهر.

ومن الأمثلة المعروفة للمسألة بين الفقهاء ، أن يقول الرجل: ان لزيد عندي وديعة من المال، ثم يقول بعده: وقد تلفت الوديعة في يدي ، فيثبت بهذا القول إقرار الرجل لزيد بالوديعة، ولا يبطل هذا الإقرار باخبار الرجل بان الوديعة قد تلفت ، فان قوله له عندي وديعة تام الدلالة والظهور في أن الوديعة عنده ، ولم تزل ، ولو أنها تلفت لم تكن عنده ، فيؤخذ بإقراره ، ويلزم بدفع الوديعة لزيد ، أو يثبت تلفها بحجة شرعية مقبولة .

ولو انه قال: كانت لزيد عندي وديعة، ثم قال: وقد تلفت الوديعة في يدي ، صح قوله الثاني وقوله الأول، ولم يكن تنافٍ بين القولين ، وكان قوله يشتمل على إقرار منه بالوديعة ودعوى منه بتلفها، فيثبت إقراره ويؤخذ به ، وعلى المقر والمقر له إذا أحبا ان يرجعا إلى الحاكم الشرعي ليفصل بينهما دعوى تلف الوديعة ، أو يرجعا إلى المصالحة بينهما.

ومن الأمثلة المعروفة للمسألة، ان يقول الرجل : يملك فلان عندي عشرة دنانير، ثم يقول: لا بل تسعة، فلا يقبل منه قوله الثاني بالنفي ، ويلزم بإقراره الأول بالعشرة ، ومن أمثلة ذلك أيضاً أن يقول: يملك فلان عندي مائة دينار، ثم يقول: وهي ثمن خمر ، أو ثمن خنـزير ، أو من لعب قمار، فيثبت إقراره بالمال، ويلزم بدفعه لمن أقر له ، ولا يسمع منه قوله الثاني .

المسألة 37: الاستثناء في اللغة العربية أحد مقومات الدلالة على المراد في الجملة التي يقع فيها الاستثناء ، ولذلك فلا يتم ظهور الجملة في المعنى المراد منها إلا به ، وليس هو من تعقيب الكلام بكلام آخر ينافيه ويبطل ظهوره ،كما في الأمثلة التي ذكرناها ، وتعرضنا لبيان حكمها في المسألة الماضية، ومن القواعد المعروفة بين أهل العربية ان الاستثناء إذا وقع من كلام مثبت يكون نفيا للمستثنى، وإذا وقع من كلام منفي يكون إثباتا للمستثنى، وكل هذا واضح لا يشك فيه أحد من أهل اللغة ويجرى عليه حتى العامة من أهل العرف العربي الدارج ، فإذا قال القائل منهم: زارني أهل القرية إلا موسى، عرف الجميع من قوله أن أهل القرية ، كلهم قد جاؤوا إلى زيارته ، وان موسى وحده لم يزره ، وإذا قال : لم يدخل المسجد أحد في هذا اليوم إلا عبد الله ، فهموا من خبره ان الجميع لم يدخلوا المسجد في ذلك اليوم ، وقد دخله عبد الله وحده .

وعلى مجرى هذه الأمور الواضحة ، فإذا قال الرجل : يملك زيد في ذمتي مائة دينار إلا خمسة دنانير ، فقد اقر في قوله هذا بان لزيد في ذمته خمسة وتسعين ديناراً ، فله الحق في ان يطالب المقر بهذا المبلغ ، ولا يحق له في أن يطالبه بالخمسة دنانير التي تكمل بها المائة دينار، إلا إذا اثبت استحقاقه إياها بحجة شرعية.

وإذا قال: ليس لزيد عندي حق إلا عشرة دنانير ، فقد اقر لزيد بأن لـه عنده عشرة دنانير ، فله أن يطالبه بها ويأخذها منه ، ولا يحق له أن يطالب بأكثر من العشرة ، ولا بغيره من الحقوق ، إلا أن يثبته بوجه شرعي ، وإذا قال: ليس لي في ذمة زيد سوى مائة دينار، فقد اقر لزيد بان المقر لا يستحق في ذمته غير المائة، فلا يجوز له أن يطالب زيدا بأكثر منها، وهو يدعي في ضمن إقراره بان له في ذمة زيد مائة دينار ، فعليه أن يثبت صحة دعواه بها إذا أراد ذلك .

وإذا قال: لي عند زيد مائة دينار إلا عشرة دنانير، فقد ادّعى أنه يستحق عند زيد تسعين دينارا ، واقر لزيد في ضمن ادّعائه عليه بان المقر لا يستحق عنده العشرة التي تكمل بها المائة ، فيؤخذ بما اقرّ، ويحتاج في تصحيح دعواه إلى الإثبات .

المسألة 38 : يدخل الاستثناء في الأعيان الخارجية ، وفي الأجزاء من الأشياء المركبة الموجودة في الخارج -كما يدخل في الأعداد من المعدودات-، فإذا قال الرجل : يملك إبراهيم هذه الدار التي بيدي إلاّ الحجرة التي تقع على يمين الدّاخل من باب الدار، أو إلاّ الموضع الذي اعدّ لاستقبال الضيوف من الرجال ، فقد أقر لإبراهيم بأنه يملك جميع الدار التي ذكرها عدا ما استثناه من أجزائها ، وإذا قال: يملك إبراهيم جميع ما في هذه الدار من أثاث وأمتعة وحوائج إلا الفراش الذي أغلقت عليه الحجرة الخارجية المعينة، فقد اقرّ له بجميع ما تحتويه الدار من الأعيان الموجودة فيها غير الفراش الذي ذكره ، وهكذا.

ويجرى في هذه الاستثناءات نظير ما سلف في المسألة المتقدمة من الأمثلة ، والصور المتعلقة بالمقر نفسه ، أو بالمقر له في كل من النفي والإثبات .

الفصل الثالث

في الإقرار بالنسب أو بالميراث

المسألة 39: إذا اقر الرجل بطفل صغير ، أو بصبي لم يبلغ الحلم ، فقال : هذا الصبي ولد شرعي لي ، أو قال : انه صحيح الولادة مني ، أو قال: قد ولدته أمه مني ، أو على فراشي وكان إقراره جامعاً للشرائط التي تعتبر في صحة الإقرار، ثبت النسب بين الرجل المقر والصبي المقر به ، وقد سبق منا ذكر الأمور التي يشترط وجودها في المقر بالنسب وغيره ، ويشترط في صحة الإقرار بالنسب مضافا إلى ذلك: (1): أن تكون ولادة الصبي المقر به من الإنسان المقر ممكنة ، غير ممتنعة بحسب العادة المألوفة في تولد الإنسان من الإنسان، (2): أن يكون لحوق هذا الوليد بنسب المقر صحيحاً غير ممنوع في حكم الإسلام ، (3): ان لا يكون للمقر منازع في دعوى النسب بالصبي .

فإذا توفرت هذه الشروط صح الإقرار ، وثبت النسب بين الرجل والصبي بأصوله وفروعه ، فيكون الرجل المقر اباً شرعياً للصبي ، ويكون أبو المقر جداً للصبي ، وأم المقر جدّة لـه ، وأولاد المقر اخوة له وأخوات ، واخوان المقر اعماماً وعمات ، وتكون أولاد الصبي المقر به -إذا كبر وتزوج وأعقب- أحفاداً للمقر واسباطاً ، وهكذا في جميع الفروع ، وثبتت أحكام النسب بين جميع أولئك في النكاح وجواز النظر للمحارم ، وفى الولايات والنفقات والمواريث وغيرها من اللوازم والآثار التي تكون للنسب، حتى في الوقف على الذرية والأقارب، والوصية لهم ، ولا فرق في الحكم المذكور بين الطفل الصغير -كما قلنا- والصبي المراهق للبلوغ ، ولا بين المميز وغيره، ولا بين الصبي والصبية .

المسألة 40: يشترط في لحوق الصبي غير البالغ بنسب الإنسان الذي اقر به -كما ذكرنا في المسألة المتقدمة أن تتوفر أمور ثلاثة عرضناها بنحو الاختصار، ولابد من ذكرها بوجه أكثر بسطا وتوضيحاً:

الأمر الأول: أن يكون تولد الصبي من ذلك الشخص الذي اقر به ممكنا بحسب العادة المعروفة في ولادة الإنسان، فلا يصح إقرار المقر ، ولا يثبت به نسب الصبي إليه ، إذا كانت ولادة الصبي منه مما يمتنع بحسب هذه العادة الجارية، ومثال ذلك: أن يكون المقر في وقت انعقاد نطفة الصبي في بطن امه غير بالغ الحلم، وان بلغ في وقت ولادة الطفل ، أو في وقت إقراره به، كما إذا تأخر زمان الإقرار عن وقت الولادة مدة، فيكون تولده منه ممتنعا ، وعادة ولا يمكن إلحاقه به في النسب .

ومن أمثلة ذلك أن يكون المقر غائباً عن المرأة في وقت انعقاد الجنين في بطنها، أو يكون مريضا شديد المرض ، أو سجينا فلا يستطيع الوصول إليها ومقاربتها ، لتحمل منه بالصبي أو يكون تاركا لمقاربة المرأة لسبب آخر.

الأمر الثاني: أن يكون إلحاق الصبي بنسب الرجل المقر صحيحا في حكم الشريعة الإسلامية، فلا يصح إقرار الرجل به ، ولا يثبت بالإقرار نسب الطفل إليه ، إذا كان الطفل ملحقا في الشريعة بنسب شخص آخر ، لوطي شبهة مثلاً ، أو كان إلحاقه بنسب المقر ممنوعاً، ومثال ذلك: ان تحرم المرأة على الرجل لرضاع ، أو لعان ، أو لسبب آخر من موجبات التحريم، فلا يصح إلا لحاق ولا يصح الإقرار بالصبي.

الأمر الثالث: ان لا يكون للرجل المقر بالطفل منازع في نسبه، ومثال ذلك: أن يدعي شخص آخر نسب الطفل إليه -أيضاً- فيقر به كما اقر به الأول ، أو يدعي هذا الشخص الآخر عدم صحة نسب الأول وكذبه في إقراره ، فيكون المورد من التنازع بين الرجلين، فلا يسمع إقرار المقر، ويلزم الرجوع إلى الحاكم الشرعي ليحل الخصام ، ويفصل النـزاع.

ولا يشترط في صحة الإقرار بالصبي وثبوت نسبه به ان يصدق الصبي قول المقر ، وان كان مميزاً أو مراهقاً ، ولا يشترط كذلك أن يصدقه ويعترف بأبوته بعد البلوغ ، وإذا أقر الرجل بالصبي ، وتمت الشروط المذكورة ، وثبت النسب بينهما بموجب ذلك ، ثم أنكر الصبي النسب بعد أن بلغ الحلم لم يسمع منه إنكاره .

المسألة 41: إذا اقر الرجل بنسب ولد كبير قد بلغ الحلم ، أو تجاوز البلوغ ، ولم يكن قد اقر به في طفولته على الوجه المتقدم ، فقال عن الولد الكبير: هذا ولد شرعي لي ، أو قال: هو صحيح النسب لي أو قال: ولدت هذا أمه على فراشي ، وقد اجتمعت في إقراره به جميع الشروط التي ذكرناها لم يلحق الولد بنسب المقر حتى يصدّقه الولد ويقر بنسبه اليه ، ويعترف بأبوته ، فإذا اقر الطرفان كذلك -مع اجتماع الشرائط المتقدمة فيهما- يثبت النسب بينهما ، وثبتت أحكامه وآثاره لهما ، ولجميع أصول النسب وفروعه على النهج الذي فصلناه في الولد الصغير.

وكذلك إذا ابتدأ الولد فأقر بنسبه للرجل ، وقال : انه أبي الشرعي ، وقد ولدتني امي على فراشه ، وصدّق الرجل إقراره ، واعترف به على الوجه السابق بيانه ، واجتمعت الشروط في الجانبين ، فيثبت النسب ويعم ، وتترتب اللوازم والأحكام لهما، ولجميع أصول النسب وفروعه.

المسألة 42: إذا اقر الرجل بالولد الكبير ولم يصدقه الولد، أو اقر الولد بالنسب ولم يصدقه الرجل ، نفذ الإقرار على المقر خاصة، ولم ينفذ على الثاني الذي لم يقر ولم يثبت النسب بينهما، ولا بين طبقات النسب الآخرين ، ولم تترتب احكامه عليهم ، ولزمت المقر أحكام إقراره التي تكون عليه من حرمة نكاح ، ووجوب نفقة وميراث وغيرها، ولم تترتب عليه الاحكام الاخرى التي تكون للمقر، ولا الاحكام التي تكون على الطرف الثاني .

المسألة 43: إذا مات الصبي وهو مجهول النسب ، ثم اقرالرجل بعد موت الصبي بانه ولد شرعي له ، وكان إقرار الرجل به جامعاً للشرائط التي بيناها آنفاً نفذ إقراره بالطفل بعد موته ،كما ينفذ في حياته ، وثبت به نسبه إليه ، وترتب الممكن من أحكام النسب بينهما ، فتجب على الرجل نفقة تجهيزه ودفنه ، وإذاكان للطفل مال ورث منه نصيبه لأنه أبوه شرعاً.

المسألة 44: لا يثبت النسب بالإقرار في غير الولد الصغير أو الكبير، إذا جرى على الوجه الذي سبق بيانه ، فإذا اقر الرجل بصبي أو شاب انه ولد ولده ، أو انه أخوه في النسب ،لم يثبت بذلك نسبه له ، وانما تترتب على قوله أحكام الإقرار ، فيؤخذ الرجل بأحكام هذا الإقرار ولوازمه في ما يكون على المقر من هذه الاحكام واللوازم ، لا في ما يكون له ، ولا في ما يكون على غير المقر، فإذا قال الرجل: هذا الصبي ، أو هذا الشاب ولد ولدي ، نفذ هذا الإقرار على الرجل، فتجب عليه نفقة الولد إذا كان فقيرا، وليس له منفق أقرب من الرجل ، ويحرم عليه الزواج بها إذا كانت أنثى، ويرثه الولد إذا مات هو ، ولا وارث له سوى الولد.

وإذا اقر بولد الولد وكان بالغاً ، وصدقه ولد الولد في قوله ، نفذ الإقرار في حقهما معاً، فيرث أحدهما من الآخر إذا مات قبله ، ولم يكن له وارث اقرب منه ، وتجب نفقة الفقير منهما على الآخر -إذا كان قادراً ولا منفق اقرب منه-، وهكذا في بقية لوازم الإقرار، ولا يثبت به النسب ، ولا يقع به التوارث بين غيرهما من الأقارب .

وكذلك الحكم إذا اقر الرجل بشخص انه اخوه ، أو عمه أو قريبه في النسب ، فينفذ إقراره عليه خاصة، وتلزمه أحكام الإقرار التي تكون عليه لا على الاخرين ، وإذا صدقه الثاني في قوله نفذت عليهما أحكام الإقرار، ولا تنفذ على غيرهما ، لا في المواريث ، ولا في غيرهما من الأحكام والآثار.

المسألة 45: إذا اقر الإنسان بشخص انه أخوه في النسب ، أو ابن أخيه أو قريبه ، وصدقه الشخص المقر به ، واعترف بالقرابة التي ذكرها، نفذ الإقرار عليهما -كما تقدم- وورث أحدهما صاحبه إذا مات قبله ، ولم يكن له وارث آخر سواه ، وإذا مات أحدهما وله وارث، آخر غير المقر ، ففي ثبوت التوارث بينهما إشكال ، ولا يترك الاحتياط بالرجوع إلى المصالحة، وكذلك الاشكال إذا اقر الرجل بأخ ، أو ابن أخ ، أو عم أو قريب في النسب ، ثم نفاه بعد الإقرار به ، فلا يترك الاحتياط المذكور.

المسألة 46 : يثبت النسب بين الشخصين المشكوك نسب أحدهما إلى الآخر ، بشهادة رجلين عادلين لهما ، بولادة أحدهما من الآخر، أو بولادتهما من شخص ثالث بغير واسطة ، أو بواسطة واحدة ، أو بأكثر ، مع وجود القرابة بينهما عرفا، سواء كان الشاهدان قريبين من الشخصين المشهود لهما بالنسب ، ام بعيدين عنهما، ويثبت بإقرار الرجل بالولد على الوجه الذي تقدم بيانه في المسائل الماضية من هذا الفصل ، ولا يثبت النسب بغير ذلك ، واثر ثبوت النسب بالوجهين المذكورين ، أن تجرى جميع احكام النسب بين الشخصين أحدهما مع الثاني ، وبين كل واحد منهما مع أقرباء الثاني ، وبين أقربائهما بعضهم مع بعض ، ممن يتصل بهما في نسبه ، فتجري جميع أحكام النسب بين هؤلاء كافة في النكاح ، وجواز اللمس والنظر إلى المحارم ، وفى الولايات والميراث ، والحجب وغيرها ، وقد أشرنا إلى هذا في ما سبق .

المسألة 47: إذا مات رجل وله ولدان معلومان ، ولا وارث له غيرهما ظاهراً، فاقر الولدان كلاهما بولد ثالث للميت غيرهما، وقالا: هذا أخ ثالث لنا ، وهو شريكنا في الميراث من أبينا، نفذ الإقرار عليهما ، وقسمت تركة الميت بينهم أثلاثاً ، واخذ كل واحدٍ منهم ثلثاً، وان لم يعرفه أحد من الأقرباء الآخرين . وإذا اقر به أحد الولدين المعلومين للميت ، وأنكره الثاني نفذ إقرار المقر منهما على نفسه ، فيقسم المال نصفين ويأخذ الولد الذي أنكر أخاه ، ولم يعترف به نصف المال تاماً، ويأخذ الثاني الذي أقر به الثلث، ويدفع الباقي من المال -وهو السدس- إلى الثالث ، وهو الذي اعترف به أحد الأخوين وأنكره الآخر.

المسألة 48: إذا مات رجل وترك بعده وارثا واحدا معلوماً، فهو الذي يستحق الميراث كله في ظاهر الأمر، فاقر هذا الوارث بوارث آخر أولى منه بميراث الميت ، لزمه الإقرار ، ووجب عليه أن يدفع التركة كلها للوارث الذي اقر به ، ومثال ذلك ، أن يترك الميت بعده أخاً لا غيره ، ويقر هذا الاخ الوارث ظاهرا بولد للميت ، أو بولد ولد ، فيقول: هذا ولد أخي أو ولد ولده، وهو أولى بميراث أبيه مني، فيؤخذ بإقراره ، وعليه ان يدفع الميراث كله للوارث الذي اقر به ، لانه أولى به -كما قال- .

وإذا اقر الوارث الواحد بوارث آخر يساويه في الاستحقاق ، وفي مقدار النصيب ، فعليه ان يقتسم تركة الميت معه بالمساواة، ومثال ذلك: ان يقر أخو الميت في المثال السابق بأخ ثان له وللميت ، فإذا كان الميت قد ترك مائة دينار اقتسمها أخوه الأول الوارث مع الثاني الذي اقر بـه، فلكل واحد منهما خمسون ديناراً ، وإذا اقر بأخت له وللميت ، اقتسم التركة معها بالمثالثة ، فدفع لها ثلثاً واخذ ثلثين .

المسألة 49: إذا كان الوارث الوحيد ظاهراً هو عم الميت -مثلاً-، ولما دفعت إليه تركة الميت ، قال: هذا زيد وهو أخو الميت ، فهو أدنى قرابة للميت وأولى مني بميراثه، ثم قال: هذا خالد وهو ولد الميت ، أو هو ولد ولده ،وهو أولى بميراثه منى ومن اخيه ، أخذ العم بالإقرارين كليهما فعليه أن يدفع التركة نفسها لزيد اخي الميت بسبب إقراره الأول ، ويدفع لخالد ابن الميت مثل التركة -إذا كانت مثلية-، وقيمتها -إذا كانت قيمية- بسبب إقراره الثاني.

وإذا كان زيد أخو الميت قد صدق العم في إقراره بالولد ، دفع المال إلى الولد ، ولا شيء لزيد على العم بسبب إقراره الأول له .

وإذا دفعت تركة الميت لعمه -في المثال الذي ذكرناه- لأنه وارثه الوحيد ظاهراً، فاقر العم بزيد أخي الميت ، وقال: هو أولى مني بالإرث ، ولما اخبر زيد بذلك قال الأخ: هذا خالد ولد الميت ، فهو أولى بميراث أبيه مني ومن عمه ، دفع المال إلى الولد ، ولا شيء على العم.

المسألة 50: إذا اقر الإنسان لأحد بان له في ذمته مائة دينار -مثلاً- اخذ بإقراره ، ولزمه أن يدفـع المبلغ للشخص الذي أقر له، فإذا مات المقر قبل ان يؤدي الدين ، وجب على ورثته أن يؤدّوا الدين من اصل تركة الميت ، وإذا مات الرجل فاقر جميع الورثة بأن لزيد في ذمة مورّثهم مبلغاً معيّناً من المال ، لزمهم ذلك ، ووجب عليهم أن يؤدّوا الدين الذي اقرّوا به على مورثهم من اصل تركته ، فإذا بقي من التركة شيء -بعد وفاء الدين- اقتسموه بينهم . 

وإذا اقر بعض الورثة بالدين على الميت ، وأنكره بعضهم ، وجب على من أقر بالدين منهم أن يؤدي المقدار الذي يصيب حصته في الميراث من ذلك الدين ، فإذا كانت تركة الميت خمسمائة دينار مقدار وكان الوارثون خمسة أولاد ذكور ، فنصيب كلّ واحد منهم من تركة أبيه مائة دينار، وإذا فرض أن مقدار الدين المقر به مائتا دينار ، اصاب نصيب كل واحد منهم أربعون ديناراً من الدين ، فعلى كل واحد ممن اقر بالدين أن يودي هذا المقدار، ولا يتعين عليه أن يؤدي هذا من حصته الموروثة له ، ويجوز له أن يدفعه من مالٍ آخر.

المسألة 51: إذا تنازع الرجلان بينهما ، فقال أحدهما للثاني : انك قد اقررت لي بمبلغ مائة دينار في ذمتك، أو بالحاجة المعينة التي في يدك ، وأنكر الثاني أن يكون أقر له بشيء مما ذكر، فالقول قول المنكر، وعليه أن يحلف للمدعي على عدم الإقرار، وكذلك إذا اختلفا في مقدار ما اقرّ به ، فقال الأول للثاني: انك أقررت لي بمائة دينار ، وقال الثاني: إنما أقررت لك بخمسين دينارا وأنكر الزيادة على ذلك ، فالقول قول منكر الزيادة مع يمينه ، ما لم يثبت المدعي صحة قوله باقامة البيّنة على ما يدّعيه .

والحمد لله رب العالمين ، حمدا يرضاه لنفسه ، ويفوق جميع حمد الحامدين من عباده ومخلوقاته ، والصلاة والسلام على سيد خلقه ، محمد والمطهرين من آله ، صلاة لاحدّ لها ولا عدّ ، يبلغهم بها آمالهم ، ويقر بها اعينهم ، ويؤمن بها خوف الخائفين ، ويكشف بها ضر المضطرين ، ويقرن ببركتها ويمنها لنا وللمؤمنين سعادة الدنيا والدين ، ويضاعف بها لنا توفيقه ونعمته ، وهداه ورحمته ، إلى منتهى اجالنا ، انه ارحم الراحمين .