كلمة التقوى
الجزء السادس : كتاب السبق والرماية
وهو يحتوى على فصلين:
المسألة الأولى: السبق -بفتح السين وسكون الباء- مصدر من قولنا: سبق الرجل إلى المكان ، أو إلى الغاية ، بمعنى تقدم على غيره في الوصول إليهما، ومنه حق السبق إلى الموضع من المسجد، وإلى الموضع في السوق ، والسبق أيضا -كما يقول بعض اللغويين- مصدر ثان من قولهم سابقه مسابقة ، أي غالبه في أمر يريد كل واحد من الرجلين أن يتقدم فيه على صاحبه ، والمعنيان للسبق متغايران ، فالسبق الأول يدل على تقدم فعلي من الرجل السابق ، وان لم تكن بينه وبين غيره منافسة أر مغالبة، والسبق الثاني يدل على المسابقة في الأمر بين الرجلين أو الرجال ، ولا يدل على تقدم واحد منهم بالفعل ، والسبق -بالمعنى الثاني- أقرب إلى المعنى الاصطلاحي الذي يبحث عنه الفقهاء في هذا الكتاب.
والسبق -بفتح السين والباء- هو العوض الذي يجعل أو يبذل لمن يسبق في الحلبة ، مكافأةً له على سبقه وفوزه ، ويقال له أيضاً: الخطر بفتح الخاء والطاء، ويسمى كذلك الرهن ، ومنه تسمية المسابقة بالمراهنة.
المسألة الثانية: السبق أو المسابقة المبحوث عنها في الكتاب: هي إجراء الخيل وما يشبهها من الدوابّ ذوات الحافر -وهي البغال والحمير-، ومن ذوات الخف -وهي الإبل والفيلة- في حلبة لتعرف السوابق الجياد من المركوبات ، والأشد حذاقة ومعرفة ، والأقدر على الفروسية والمران من راكبيها ، ولتمرّن الدواب على الجري والعدو والوقوف والاندفاع ، حسب الإشارة والأمر والزجر، ويمرّن الراكب على أنواع الحذق والفروسية والتبصر في فنونها ، والتصرف كما تقتضي الحال والقدرة عليها ، ويدخل ذلك في إعداد القوة الذي أمر الله به في صريح الكتاب ومتواتر السنة.
ولا ريب في مشروعية السبق ومحبوبيته في الإسلام دين الجدّ والجهاد والاجتهاد، والمسابقة بعد ذلك كله معاملة شرعية ثابتة تقع بين المتسابقين ، يدفع فيها للسابق عوض مخصوص مكافاة له على سبقه وحذاقته ، وليشجع على المضي في سيرته ، وليندفع غيره إلى الاقتداء به ، والتحليق معه ، أو الارتفاع عنه في الأشواط المقبلة والمسابقات الآتية .
المسألة الثالثة: المسابقة عقد شرعي مخصوص يقع على إجراء الخيل ، وعلى إجراء البغال أو الحمير ، ليعرف السابق من غيره بعوض يعين للسابق ، واحدا كان أم اكثر ، بحسب ما يتفق عليه المتعاقدان أو المتعاقدون في الحلبة، ويصح أن يجرى العقد لإجراء ذوات الخف من الإبل أو الفيلة، ويجري نظيره أيضا في الرماية ، وسيأتي بيانه -إن شاء الله تعالى- .
والظاهر أن العقد الشرعي -الذي ذكرناه- إنما يجرى في المسابقة بين الدّواب، إذا كانت من نوع واحد، فلا يصح في المسابقة بين الخيل والبغال -مثلا-، أو بين البغال والحمير، وتصح المعاملة فيها إذا أجريت على وجه آخر من المعاملات ، كالجعالة والصلح وشبههما.
ولا يجري العقد الشرعي ، المخصوص في المسابقات -في الأعمال الأخرى- وان كانت مباحة صحيحة الغرض ، بعيدة عن اللعب واللهو، بل وان كانت من الأمور الراجحة في الدين أو الدنيا، ويمكن أن تجرى المعاملة فيها على وجه شرعي آخر ، وسنتعرض لذكر ذلك في موضع يأتي من الكتاب -إن شاء الله تعالى- .
ولا تجوز المعاملة في الأمور التي تكون من اللهو واللعب والمقامرة، ولا يجوز فعل هذه الأمور، وإن خلت من الأعواض عليها وبذل المال فيها، وإذا بذلت فيها الأعواض والأموال كان تحريمها أشد ، والعقاب عليها أشق ، وخصوصا إذا كان دفع العوض والمال بقصد التمرين والتشجيع على مزاولة الفعل المحرّم في الإسلام ، فتكون من المرديات المهلكات ، ومن كبائر الكبائر.
المسألة الرابعة: يجوز لأحد الرجلين أو الرجال المشتركين في المسابقة أن يبذل مبلغا من ماله ، أو عينا معلومة من مملوكاته ، ويجعل ذلك عوضا في المسابقة بينه وبين أصحابه، ليدفع لمن يسبق منهم جزاءً ا له على سبقه ، ويصح أن يكون العوض الذي يبذله الباذل دينا له في ذمة أحد من الناس ، فيقول: جعلت المبلغ الذي املكه في ذمة زيد عوضا لمن يسبق في هذه الحلبة، ويصح أن يجعله دينا يبقى في ذمته للسابق ، ويجوز أن يشترك المتسابقان كلاهما في بذل العوض ، فيبذل كل واحد منهما مبلغاً من ماله ، أو عيناً معلومة من مملوكاته ، أو ديناً له على أحد، أو ديناً يبقى في ذمته ،كما ذكرنا في الفرض المتقدم، ويجوز لكل فرد من المتسابقين -إذا كانوا أكثر من اثنين- أن يفعل كذلك ، ويجوز أن يبذل بعضهم دون الآخرين، ويصح أن يكون العوض المجعول في المسابقة من شخص آخر لم يشترك في المسابقة، فيبذله من ماله عينا أودينا -كما في الفروض المتقدمة-، ويجوز للولي العام على أمور المسلمين أن يدفع عوض المسابقة من بيت مال المسلمين ، فإنها من مصالحهم العامة التي يصح الإنفاق فيها من بيت المال ، ولا فرق بين أن تكون المسابقة عامة أو خاصة، إذا كانت مما تدخل عرفاً في الجهة التي يدعوا إليها الإسلام .
ويجوز أن تقع المسابقة والرماية بين المتسابقين والمناضلين مـن غير عوض ، فلا تكونان -حين ذلك- عقدا من العقود، ويصح أن يدفع للسابق فيهما بعض المال بعد سبقه ، من غير عقد أو معاملة سابقة، ويكون ذلك نوعاً من التجلّة والتكريم له على سبقه وفوزه .
المسألة الخامسة: العقد المخصوص في المسابقة: أن يلتزم كل واحد من المتسابقين للثاني ، سواء كانا شخصين ، أم كانا فريقين ، بالمسابقة بينهما وبقيودها وشروطها ، حسب ما يتفقان عليه، وباستحقاق من يسبق منهما بالفعل للعوض المبذول ودفعه إليه ، وأن يعينا كل أمر يفتقر إلى التعيين في المعاملة، ويكون إهماله وعدم تعيينه موجباً للنـزاع ، فإذا تم الاتفاق بينهما على جميع ذلك ، أجريا صيغة العقد بينهما بأي لفظ يكون دالاً على اتفاقهما المذكور ، والتزامها بالمقصود، سواء كانت دلالته بظهور اللفظ بنفسه ، أم بسبب قرينة موجودة توجب الظهور في المعنى المراد، فإذا حصل الإيجاب من أحد الجانبين والقبول من الجانب الثاني ، تم العقد ، ووجب الوفاء به بينهما.
ولا يتعين في عقد المسابقة أن يكون الموجب فيه هو باذل العوض ، بل يتخير الجانبان في أن يكون الإيجاب من أيهما أرادا، وإذا تعدّد المتسابقون ، وكّل آحاد الفريق واحدا منهم ، أو من غيرهم ، لينشئ الإيجاب بالوكالة عنهم ، ووكل أفراد الفريق الثاني أحداً منهم ، أو من غيرهم ، لينشئ القبول كذلك ، ويجوز إنشاء العقد بالمعاطاة .
المسألة السادسة: يشرط في صحة عقد المسابقة: أن تجتمع في الموجب والقابل جميع الشروط العامة ، التي تشترط في صحة العقود والمعاملات الشرعية، فيجب في كل منهما أن يكون بالغاً عاقلاً مختاراً ، قاصدا للمعنى المراد ، غير محجور عليه حجراً يمنعه عن التصرف، فلا يصح عقده إذا كان صبياً أو كان مجنونا، أو كان مكرهاً على فعله، أو كان هازئاً أو هازلاً في قوله ، أو سكران أو غضبان ليس له قصد، أو كان سفيهاً سفهاً يحجره عن مطلق التصرف ، ولا يجوز له أن يبذل العوض من ماله إذا كان سفهه يحجره عن التصرف في ماله ، إلا إذا أذن له وليه بالبذل ، ولا يجوز له البذل من أمواله الموجودة -إذا كان مفلساً-، إلا إذا أذن له الغرماء أصحاب الديون عليه ، ويصح إذا كان العوض المبذول منه ديناً يبقى للسابق في ذمته ، فانه لا يزاحم حقوق الغرماء.
المسألة السابعة: يجب تحديد المسافة التي تقع فيها المسابقة ، مـن أول بداءتها إلى نهايتها -على الأحوط لزوماً-، بل لا يخلو ذلك عن قوة ، ويجب أيضاً تعيين العوض الذي يجري عليه العقد في جنسه ومقداره ، وتبيين انه عين مشخصة في الخارج ، أو دين يثبت للسابق في الذمة، وإذا كان دينا فهل هو حالّ أو مؤجلْ ، ولابد من تعيين الدابة التي يسابق عليها بمشاهدة يرتفع بها الغرر والجهل ، أو بوصف يكون بمنـزلة المشاهدة ، ومنها ما إذا كانت الفرس التي يسابق عليها مشهورة الوصف ، معلومة الحال عند الطرفين ، فيكفى ذلك في صحة العقد، وان لم يشاهدها غير صاحبها من المتسابقين .
وإذا كانت المسابقة بين الطرفين لا تشتمل على عقد، لم يجب فيها تعيين المسافة، ولا تعيين العوض وإن كان بعض الأطراف عازماً -من أول الأمر- على أن يدفع من ماله عوضا في المسابقة، فإذا أجريت المسابقة ، وعلم السابق فيها ، جاز لذلك الشخص أن يدفع له أي مقدار يريد.
المسألة الثامنة: يشترط في صحة العقد في المسابقة: أن يجعل العوض الذي يراد دفعه فيها لمن يسبق من المشتركين في الحلبة، ويجوز أن يجعل منه نصيب لمن كان مصلياً ، أو ثالثاً، ولا يصح العقد إذا اشترط فيه أن يكون العوض -كله أو بعضه- لشخص لم يشترك في المسابقة ، وان اشترك في تنظيمها، أو في بعض مقدماتها، ولا يصح العقد إذا اشترط فيه أن يكون العوض -كله أو بعضه- للمسبوق المغلوب في المسابقة، ويجوز للسّابق -بعد أن يتملك العوض في المسابقة ويقبضه من باذله-، أن يتبرع به أو ببعضه للمسبوق ، أو لشخص لم يشترك في المسابقة.
المسألة التاسعة: يشترط في صحة العقد أن يكون كل واحد من المتسابقين قادراً على المسابقة غير عاجز عنها، فلا يصح العقد إذا علم أن الفارسين الراكبين عاجزان عن المسابقة ، أو كان أحدهما عاجزاً كذلك ، ولا يصح العقد إذا علم أن الدابتين اللتين يقع السباق عليهما ضعيفتان لا تقويان على المسابقة، أو علم أن إحداهما لا تطيق ذلك ، والمراد بهذا الشرط أن يكونا قادرين على المسابقة في وقت المسابقة لا في وقت العقد، فإذا أجري العقد وكانا قادرين عليها في ذلك الحال ، ثم عجزا أو عجز أحدهما في حين المسابقة بطل العقد.
المسألة العاشرة: لا يمنع من اشتراك غير البالغ في المسابقة نفسها ، إذا كان قادراً على الركوب والدخول في المسابقة ، فيصح منه ذلك ، ولا يمنع المجنون من الاشتراك فيها أيضاً إذا كان قادراً عليها، وكان جنونه لا يمنعه من ذلك ، ولا يخشى أن يؤدّي به أو بدابته إلى ما لا يحمد، فيصح اشتراكه في المسابقة نفسها، ويجب أن يكون الاشتراك بإذن ولي الصبي وولي المجنون ، ولابد وأن يكون إجراء عقد المسابقة من الوليين نفسيهما، وقد سبق في المسألة السادسة أن العقد لا يصح إلا من البالغ العاقل .
المسألة 11: ليس من المسابقة المبحوث عنها أن يرسل كل واحد من الرجلين فرسه أو دابته من غير أن يركبها ، فتستبق الدابتان بينهما من غير فارس أو راكب ، فلا يكون ذلك مسابقة، ولا يصح عليه عقد ، ولا يحل به أخذ عوض ، إلا إذا دفعه الباذل إلى مالك الفرس السابق من باب التبرّع لـه ، وكذلك الحكم إذا ركب أحد المتسابقين دابته وأرسل الآخر دابته فاستبقت مع الأول ، فلا يكون ذلك من المسابقة، ولا تجرى عليها الأحكام .
المسألة 12: يصح أن تجري المسابقة بين شخصين ، وأن يقع بينهما عقد المسابقة وتترتب بينهما ما للعقد من أحكام وآثار، ويستحق السابق منهما العوض كلّه إذا كان مبذولاً للسابق ، وإن أتى الثاني بعده مصلياً، فلا يستحق من العوض شيئاً، سواء بذله أحدهما، أم بذله كلاهما، أم بذله شخص ثالث لم يشترك في المسابقة معهما ، ولا يشترط في صحة المسابقة بينهما أن يدخل معهما شخص ثالث محلل يتسابق معهما -كما يراه جماعة-، وإذا اشترط المتسابقان في العقد أن يدخل المحلل معهما ، لزم الشرط ووجب الوفاء به ، فان عيّنا له في ضمن العقد حصة معلومة من العوض تكون له إذا سبق ، تعينت له تلك الحصة، ومثال ذلك: أن يشترطا في ضمن العقد أن يكون له ربع العوض أو ثلثه إذا هو سبق في الحلبة، فان هو سبق اخذ تلك الحصة خاصة، وان لم يشترطا ذلك أخذ العوض كله ، وإذا سبق مع غيره اقتسم معه العوض بالسوية .
المسألة 13: المحلل -كما بيّنا- شخص ثالث ، يدخل مع الشخصين المتسابقين إذا هما اشترطا في ضمن العقد وجوده في المسابقة، فيتناوله العقد للشرط المذكورة ويجرى فرسه معهما في الحلبة، ولا يبذل مع المتسابقين شيئاً من العوض ، وقد بيّنا في المسألة الماضية مقدار ما يأخذه من العوض إذا سبق .
المسألة 14: إذا تساوى المتسابقان والمحلل في وصولهم جميعا إلى الغاية ، ولم يسبق منهم أحد لم يستحقوا جميعا من العوض المبذول شيئاً ، ورجع كل مالٍ إلى باذله ، سواء كان البذل من بعضهم ، أم من الجميع ، أم من شخص لم يشترك معهم في المسابقة .
وإذا بذل العوض أحد المتسابقين في الحلبة ، ثم سبق الباذل فيها ، ولم يشاركه في السبق غيره ، رجع إليه العوض الذي بذله ، فانه لا يستحق على نفسه شيئاً ، وهذا هو المراد باستحقاق العوض في هذه الصورة من الإطلاق الذي ذكرناه في المسألة الثانية عشرة .
وكذلك إذا بذل معه صاحبه المسبوق عوضا آخر ، أو اشترك معهما شخص ثالث ، فبذل كل واحد منهم عوضاً ، فإذا سبق أحد الباذلين ولم يسبق معه غيره ، استحق هذا السابق العوض الذي بذلـه الآخران ، ورجع إليه العوض الذي بذله هو ، لأنه لا يستحق على نفسه شيئا ، وهذا الأمر واضح ، وإنما يذكر للتنبيه لئلا يلتبس الأمر.
وتراجع المسألة السابعة عشرة في حكم ما إذا كان المتسابقون كثيرين.
المسألة 15: إذا بذل كل واحد من الشخصين المتسابقين من ماله عوضاً لمن يسبق في الحلبة، ثم سبق أحد الباذلين للعوض وسبق معه المحلل ، وتساويا هو والمحلل في الوصول إلى الغاية وتأخر الآخر المسبوق عنهما، استحق السابقان العوض الذي بذله المسبوق ، وكان بينهما بالمناصفة، وأشكل الحكم في العوض الذي بذله السابق، وقد ذهب جمع من العلماء إلى أن هذا العوض يرجع إلى باذله السابق ، ولا يستحق المحلل منه شيئاً، وهو مشكل -كما ذكرنا- ولا يترك الاحتياط فيه بالرجوع إلى المصالحة بين الباذل والمحلل .
وكذلك إذا بذل كل من المتسابقين عوضاً، أو بذله أحدهما خاصة، وبذل معهما أجنبي لم يشترك في المسابقة ، ثم سبق في الحلبة أحد الباذلين وسبق معه المحلل ، فيقتسم السابق الباذل والمحلل كلاً من العوض الذي بذله الأجنبي والعوض الذي بذله المسبوق بينهما بالمناصفة، ويشكل الأمر في العوض الذي بذله السابق -كما تقدم-، ويجرى فيه الاحتياط المذكور.
ونظيرهما في الإشكال ما إذا بذل الأول العوض ، ولم يبذل معه غيره ، ثم سبق في الحلبة وسبق معه المحلّل ، فذهب أصحاب ذلك القول إلى أن العوض المبذول يرجع إلى باذله ، ولا يستحق المحلل منه شيئاً، ولا يترك الاحتياط الذي ذكرناه ، والفروض المذكورة في المسألة كلها من مأخذ واحد.
المسألة 16: إذا بذل شخص أجنبي عوضاً من ماله في المسابقة ، وشرط في بذله ، أن يكون عوضه لزيد خاصة إذا سبق على غيره ، وأن لا يدفع إلى السابق إذا كان غير زيد، أو شرط أن يكون العوض كله لزيد وحده إذا سبق ، وان سبق معه غيره وساواه ، فلا يدفع من العوض شيء للسابق الآخر، أو شرط أن يكون العوض الذي بذله كله لزيد ، سواء كان غالباً أم مغلوبا ،لم يصح ذلك ، إذا كان دفعه بنحو العوض المعلوم في العقد الشرعي المخصوص ، فيرجع إلى باذله ، ويصح ذلك منه إذا كان دفعه للمال على وجه التبرع لزيد ، على النحو الذي تبرع به .
المسألة 17: السابق من فرسان الحلبة هو الذي يتقدم حصانه على خيل المسابقة بالعنق والكتد ، أو بأكثر من ذلك ، ويراد بالكتد عظم مرتفع يقع بين عنق الحصان وظهره ، ويسمى السابق أيضاً بالمجلّي ، والثاني من فرسان الحلبة هو المصلي وهو الذي يأتي حصانه بعد السابق ، ويحاذي رأسه صلوي السابق ، أو يتقدم عليها ولا يصل إلى الكتد، والمراد بالصلوين من الحصان عظمان يقعان عن يمين ذنبه ويساره ، ثم يأتي الثالث من فرسان الحلبة، ثم الرابع وهكذا، ولها أسماء خاصة في اللغة تعرف بها.
فـإذا كان العوض الـذي بذله مالكـه في المسابقة قد اشترط فيه باذله أن يكون للسابق اختص به الأول المجلي -إذا كان واحدا-، وأخـذه وحده ، وإذا كانت الحلبة كثيرة العـدد ، وسبق منهم اثنان أو ثلاثة ، فوصلوا إلى الغاية متساوين في السبق اقتسموا العوض المبذول للسابـق بينهم بالمساواة ، فـان كانا اثنين اقتسماه بالمناصفة ، وان كانوا ثلاثة فبالمثالثة، ولم يستحق الثاني المصلي من هذا العـوض شيئاً ، وإذا كان باذل العوض قد جعله حصصاً متعددة ، فللسابق حصة معينة ، وللمصلي حصة أخرى وللثالث حصة ثالثة، وزع العوض بينهم حسب ما عينه الباذل .
المسألة 18: إذا بذل الباذل من المتسابقين ، أو من غيرهم ، عوضا في المسابقة ، وأطلق بذل ماله ، ولم يجعله حصصاً على مراتب المتسابقين -كما بيناه في المسألة المتقدمة-، كان جميع العوض للسابق الأول ، سواء كان واحداً أم متعدداً، ولاحقّ فيه للثاني المصلي ولا لغيره ، وقد فصلنا ذكر هذا، وكذلك إذا بذل الجميع من أموالهم أعواضاً في المسابقة ، وأطلقوا بذلهم ولم يذكروا حصصاً، فيكون الجميع نصيباً للسابق المجلي ، وان كان واحداً وكان المبلغ كثيراً، وإنما يستحق المصلي أو الثالث أو غيرهما شيئا إذا صرح الباذل ، فجعل في عوضه الذي بذله حصة للمصلي أو لغيره .
ونتيجة لهذا التفصيل ؛ فإذا بذل كل واحد من الشخصين المتسابقين من ماله عوضاً واطلقاً بذلهما ثم تسابقا مع المحلل ، فسبق أحدهما ، وصلى المحلل ، وتأخر الثالث ، اخذ السابق جميع العوض ولم يستحق المحلل منه شيئاً ، وان كان مصلياً.
المسألة 19: إذا تم عقد المسابقة بين الشخصين أو الأشخاص ، وأجريت الخيل أو الدواب ، وتحقق السبق من بعضهم ملك السابق العوض المبذول ، وان تأخر قبضه لبعض الموانع التي أوجبت التأخير، فإذا كان العوض عيناً ، وحصل منها نماء ، أو نتاج بعد تحقق السبق ، كان النماء والنتاج الحاصل منها مملوكا للسابق ، بتبع ملكه للعين .
المسألة 20: لا يصح أن يجعل العوض في المسابقة لشخص لم يشترك في السباق ، ومن أمثلة ذلك: أن يقول بعض المتفرجين في حفلة السباق للبعض الآخر منهم: أراهنك على سبق هذه الفرس -وهي فرس زيد-، فان سبقت هي على غيرها من الخيل فعليك أن تدفع لي عشرة دنانير -مثلا- وإن سبقها غيرها فعليّ أن أدفع لك مثل هذا المبلغ ، فلا يصح مثل هذا الرهن ، ولا يحل أخذ المال بسببه ، ويكون من المقامرة المحرمة ، وأشدّ من ذلك حرمة وأنكى: أن يجرى مثل هذا الرهان بين المتفرجين على الألعاب الرياضية وشبهها -مع فرض كونها ألعابا-.
المسألة 21: لا يحل أن يقول أحد المتسابقين في الحلبة لشخص ثالث لم يشترك: أراهنك على فوزي في المسابقة، فإن غلبني صاحبي وفاز بالسبق علّى دفعت إليك عشرين دينارا، فلا يحلّ لذلك الشخض أن يأخذ المبلغ من القائل إذا غلبه صاحبه ، ودفع مبلغ الرهان إليه ، ويكون ذلك من المقامرة المحرمة .
المسألة 22: قد تقع المسابقة بين الشخصين أو الأشخاص ، وتجرى فيها الخيل أو الدواب لغير الوجه الشرعي -الذي أراده الإسلام من المسابقة ودعا إليه وحث المسلمين عليه ، وشرع له أحكامه-، وهو إعداد القوة لقتال الأعداء ، والتمرين على الفررسية للجهاد في سبيل الله ، وبسط العدل في الأرض ، وإعلاء كلمة الله ، فتقام المسابقة لغير ذلك من المقاصد والغايات .
فان كان الوجه الذي تقام له هذه المسابقات مقصدا صحيحا راجحا ، أو مباحا يرغب فيه العقلاء المتزنون ، ولا يعدّونه من اللهو واللعب ، كانت كسائر المسابقات التي تجريها العقلاء لمثل هذه الغايات الراجحة في الدين ، أو المطلوبة في أمور الدنيا، وسيأتي -إن شاء الله تعالى- بيان الحكم فيها.
و أن أقيمت بداعي اللهو واللعب وقتل الوقت -كما يقول البعض- أو بداعي تحصيل المال -وان كان تحصيله بوسيلة غير شرعية-، شملتها أدلة تحريم اللهو واللعب ، فيحرم إجراؤها -وان كانت بغير عوض-، وإذا كانت مع الأعواض فهي أشد حرمة ، وأمض عقوبة من الله.
المسألة 23: تحرم الأعمال التي تعدّ من اللعب واللهو عرفاً، وتكون هذه الأعمال مع الاجتماع لها لهذه الغاية أشد حرمة وجرماً، ثم هي مع استصغار أمرها والاستهانة بنهي الله عنها تكون أشد من ذلك تحريماً ومقتا وعقوبة عند الله ، فإذا تعاظم الاستصغار لها ، وبلغ إلى درجة الإصرار على معصية الله ، والتمرن والاعتياد عليها ، اشتد الأمر فيها وتعقد وتلبّد ، وكلما ازداد الإصرار والاعتياد كبرت الجريمة والعقوبة والمقت من الله -سبحانه-، ثم يكون تأثيرها اشد واعمق ، وجرحها أنكى وأمض ، إذا هي وقعت في أدوار الشباب ، وهي زهرة الحياة وأيام التفتح والبناء النافع المجدي للشخصية المؤمنة المتكاملة ، فلابدّ من اليقظة ، ولابد من الوعي ، ولابد من الحذر، وخصوصا في العصور التي كثرت فيها الدعايات لهذه الأمور ، وتنوّعت أسباب الإغراء والفتنة بها وأساليب الدعوة إليها: (إن الشيطان لكم عدّو، فاتخذوه عدوا ، إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير).
(يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا، واتقوا الله لعلكم تفلحون ).
المسألة 24: يجوز التنافس في الأعمال الراجحة في الحياة الدنيا، وفي الأعمال المباحة فيها من الله (عز وجل)، ولم يرد فيها منه نهي ولا تحريم ، ويجوز التسابق فيها مع العقلاء، فالتنافس والتسابق إذا كان صحيحاً مستقيما في أساليبه وغاياته ، فهو وسيلة كبرى من وسائل الإبداع في الفكر، والارتقاء في الحياة والابتكار في الأمور ، والاعتماد على النفس ، والذكاء والمواهب ، والتحرر الذاتي عن التبعيات ، والنفع الكبير الكثير للنفس وللاخوان من بني الإنسان ، شريطة أن لا يشغل المؤمنون والمسلمون بهذا التنافس والتسابق عما هو أكبر وأعظم ، وأجدى لهم وأنفع، وهو ابتغاء مرضاة الله ، والسعي في طلب نائلة، والتوكل الكافي عليه، وشريطة أن لا يشغل المؤمنون والمسلمون بسبب ذلك في ما بينهم ، فتتولد الفروق والإحن والحزازات ، ويبعدون عن الغاية وهم يرومون القرب إليها، فان مكائد الشيطان وأساليبه في صرف المؤمن عن رضى ربه ، وعن سبيل الحق ، لن تعدّ ولن تحصى، والتنافس والتسابق إذا لم يكن صحيحا، ولم يكن مستقيماً مع المبادئ الصحيحة السوية ، كان وسيلة من وسائل الشيطان للتفرق والشقاق والشقاء.
يجوز التسابق والتنافس في الأعمال التي ذكرناها إذا خلت عن المحاذير التي يمقتها الله ، ويبغض وقوعها من الإنسان الذي كرّمه وفضله ، ومن المسلم والمؤمن على الخصوص، ويجوز دفع العوض من الأموال للسابق فيها إذا كان دفع المال إليه من باب الجعاله له على فعله الذي سبق فيه ، ويجوز التبرع له بذلك بقصد التشجيع والتكريم له لسبقه ، أو لابتكاره ، أو للمزية التي امتازها على أقرانه .
ولا يجري فيها العقد الشرعي المتقدم ذكره، فانه يختص بمسابقة ذوات الحافر أو الخف، وبالرماية ، للنصوص الخاصة، ومنها قول الرسول(ص):(لا سبق إلا في حافر أو نصل أو خف).
المسألة 25: تصح المسابقة -على الظاهر- بين الشخصين في العدو على الأقدام ، وفي السباحة، وفي السفن الشراعية ، ونحو ذلك إذا تعلق بمثل هذه المسابقات غرض يعدّه الناس العقلاء صحيحا متعارفاً لهم ، ولم تكن من اللعب واللهو في نظر أهل العرف ، ويجري فيها البيان الذي تقدم في المسألة الماضية .
المسألة 26: من السبق المطلوب الراجح: أن يتقدم الطبيب في صناعته حتى تكون له الأولية والتفوق الكبير على أقرانه في كشف الأمراض الخبيثة والمستعصية ، وعلاج المصابين بها من بني الإنسان ، وإزالة الاوباء والأخطار بذلك عن حياة كثير من الموبوئين والمعذبين في هذه الحياة.
ومن السبق المرغوب فيه أن يتقدم السابق في علوم الصيدلة ، فيكتشف العقاقير والأدوية الحاسمة للأدواء المتوطنة المزمنة، والتي تزيل البؤس والتعاسة عن نفوس بائسة يائسة، وتعيد لها نضرة الحياة وبهجة الأمل .
ومن السبق المهم أن يتقدّم الصانع في صنعته ويفوق أقرانه وزملاءه فيها ، ويصبح قدوة ومثلاً عالياً لهم في اتقان العمل ، ودقة الصنعة وكثرة الإنتاج ، ومن السبق أن يبرع الخطاط ويبدع في جمال خطّه، ورقي فنّه ويجوز الأولية، والفوز بين زملائه. وهكذا في كل مجال من الصناعات والعلوم والفنون المباحة والنافعة في هذه الحياة ، فيمكن فيها السبق ويجوز فيها التسابق وإحراز الفوز والأولية ، وتجرى فيها الأحكام التي تقدمت في المسألة الماضية .
المسألة 27: الإسلام دين الجد والتكامل ، والارتقاء الاختياري في كل المجالات التي يمرّ بها المسلم منذ نعومة أظفاره ، فهو يحب للتلميذ الصغير من أبنائه منذ مراحله الأولى أن يتقدم في تعلّمه وتلقّيه ، ويسبق على اترابه ، ويحوز الأولية في جميع أشواطه ، ويحب للشاب -في مراحله المتوسطة- أن يتقدم كذلك ، حتى يبذ اقرانه ، ويكون السبق له عادة مستمرة، ويحب له في مراحله المنتهية أن يصبح السعي والجد المتفوق على الآخرين عادة مستقرة في أعماقه ، فلا يقر ولا يهدا حتى ينال الأولية في كل شوط ممكن .
والإسلام بالإضافة إلى الطلاب من أبنائه في مدارسهم الدينية، وتعلّمهم فيها، وتكاملهم وارتقائهم في مناهجها ، أشد رغبة لهم في أن يتقدموا ، ويحرزوا الفوز والسبق في أشواطهم في العلم ، واشواطهم في العمل ، واشواطهم في الخلق ، واشواطهم في التربية وأدب النفس ، ومتممات السعادة لهم وللأخرين من تلاميذهم ، والمتبعين لإرشادهم والسائرين على هديهم .
والإسلام بالاضافة إلى جميع أبنائه المتبعين لحكمه وحكمته ، يريد منهم التقدم والسبق في التعلم والتعليم ، وفي الادب وفي زكاة النفس وبناء الشخصية ، فهو يحب حبا عميقا ، ويرغب رغبة ملحة للمتعلم والمعلم ، وللأديب وللخطيب وللمرشد وللمسترشد ، في أن يسبقوا ويتقدموا ويحلّقوا في مجالاتهم، حتى يصل دين الله بهم إلى الغاية التي أرادها لهم ، وهي السعادة العامة المتكاملة الحلقات ، والمجتمع الفاضل المتراصّ البناء ، المنير الأجواء.
والإسلام يهيئ نفوس اتباعه وقلوبهم وطباعهم لكل ذلك بمناهجه وتعاليمه ، ويفتح أبواب المشاريع له في أنفسهم وأموالهم ، فيأمرهم بالاستباق إلى الخير ، والتعارن على البر والتقوى، ويعدّ لهم الضمانات الاجتماعية الكفيلة بذلك ، وغيرها مما يطول شرحه، ويضيق هذا المجال عن بيانه ، والنصوص التي تدعم كل هذه الجهات كثيرة وفيرة .
المسألة 28: يجري في هذه المسابقات كلها ما ذكرناه في المسألة الرابعة والعشرين ، فيجوز دفع العوض للسابق فيها بعنوان الجعالة له على ما قام به من عمل ، ويجوز دفع العوض له من باب التبرع له، مكافأة على سبقه وتميّزه ، ومساهمة من المتبرع في بناء المجتمع المسلم ، وخدمة للإسلام في تحقيق بعض أهدافه وغاياته ، ويصح أن يدفع العوض له من باب الاستباق إلى الخير ، والتعاون على البر، بل ويستحب الإعداد لاجراء هذه المسابقات ، ودفع الأعواض للسابقين فيها، لما ذكرناه من الوجوه ، وللمشاركة في الضمان الاجتماعي الذي يعدّه دين الله العظيم لأتباعه ، ولا يجري فيها العقد الشرعي المخصوص في المسابقة، وقد بيّنا وجه ذلك في المسألة المشار إليها.
المسألة 29: يحسن إنشاء هذه الرغبة في نفوس التلاميذ الصغار من المؤمنين ، وبعث الشوق في قلوبهم ، باجراء المسابقة بينهم في حفظ بعض السور من الكتاب الكريم ، فيمرنون فيها على التلاوة الصحيحة، ويرغّبون في حفظ السور منه ، ويحرّضون على التسابق في ذلك ، ويوعد السابق منهم بالمكافاة له على سبقه ، فمن كانت تلاوته أصح وحفظه أتم ، فهو السابق الأول ، وله التكريم في الدرجة الأولى والعوض التام المعيّن في المسابقة، ومن كان أدنى من ذلك فهو في الدرجات اللاحقة من السبق ، وله الحصة الثانية أو الثالثة من العوض، ويبتدأ معهم بالسور الصغيرة ، ويكبر التمرين معهم كلما كبر سنهم، وازدادت قوة حفظهم ، ونشطت ملكات إدراكهم ، ثم يزادون مادة من التفسير الواضح ، ومعاني الكلمات المفردة في اللغة .
و يمكن أن تكون الدربة لهم مع تقدم السن بحفظ بعض النصوص المنتخبة من الحديث النبوي الشريف ، ومن خطب نهج البلاغة ، وكلمات بعض المعصومين (ع) مع إضافة بعض الشرح وبعض الإيضاح ، ويعدّ للسابق جزاؤه ، وللاحق مكافأته على النهج المتقدم في سبقهم في حفظ القران .
المسألة 30: يراد بالرماية هنا: المسابقة بين شخصين ، أو بين فريقين في الرمي ، ليعرف من هو أدقّ في إصابة الغرض ، واكثر في عدد الإصابة من غيره ، وتسمى أيضاً بالمناضلة، وتطلق الرماية أيضاً على المناضلة بالسيوف والرماح والحراب من ذوات النصل ، وان كان الضرب بالسيف أو بالرمح لا يسمّى رمياً، والرماية كالمسابقة بين ذوات الحافر والخف ونظيرتها في الشرعية والأحكام ، فالحث والتأكيد الشرعي في النصوص وارد فيهما على السواء، وهما معاً من إعداد القوة المستطاعة لقتال من يجب قتاله وإرهابه من أعداء الإسلام ، ولتأديب من يجب تأديبه من غيرهم ، ويصح في الرماية أيضاً ان تكون بعوض وان تقع بغير عوض ، وتطلق كلمة الرماية أيضاً على العقد الشرعي المخصوص للمسابقة بين الطرفين ، والعقد الشرعي المذكور يجري في كل من المسابقتين.
المسألة 31: يشترط في صحة المناضلة في الرمي شرعا جميع ما يشترط في مسابقة ذوات الخف والحافر ، فلابد فيها من تعيين المسافة بين موقف الرامي والغرض الذي ترام إصابته، ولابد من تعيين العوض الذي يجعل للسابق ، ويجري عليه العقد بين الطرفين على النحو الذي بيّناه في المسألة السابعة، ولابدّ من تعيين عدد الرمي ، وتعيين عدد الإصابة وصفتها -كما سيأتي-، ولابد من تماثل الصنف في آلة الرمي ، فتكون آلة كل من المتناضلين من السهام ، أو من الحراب أو من السيوف -مثلا-، فلا تصح المناضلة إذا اختلفت آلالة ، ويعتبر في صحتها أن يكون المتناضلان قادرين عليها، فلا يصح العقد بين عاجزين ، ولا بين قادر وعاجز، وتلاحظ المسائل المتعلقة بهذه الشروط من الفصل الأول .
المسألة 32: يجرى العقد الشرعي المخصوص في الرماية كما يجري في السبق ، ويتحدان في نحو إنشاء العقد، وفي ما يعتبر في صحة العقد من الشروط ، وفي ما يصح من العوض فيه ، ومن يبذله ، ولا اختلاف بينهما في شيء من ذلك ، بل الظاهر أن العقد في كلا الموردين عقد واحد، وتفصيل ما يتعلق به في المورد الأول يغني عن إعادته هنا ، فليرجع إلى الفصل الأول من يريد التطبيق هنا.
المسألة 33: الرشق -بكسر الراء وسكون الشين-: هو عدد الرميات الذي يعينه المتناضلان للنضال بينهما ، فيرمي كل واحد منهما ذلك العدد، والناضل أو السابق في المناضلة هو من يكون أكثر وادق إصابة للغرض في ذلك العدد المعيّن .
والغرض: هو رقعة معيّنة يقصد الطرفان إصابتها بالرمي ، وقد يجعلان الغرض دائرة أو نصف دائرة ، ويجعلان في وسطها نقطة معيّنة تسمى في عرف الرماة بالخاتم ، ويشترطان في السابق أن يصيب أي جزء اتفق من الدائرة ، أو يشترطان أن يصيب النقطة المعينة في وسطها، والهدف: موقع مرتفع عن وجه الأرض من تراب أو حائط أو غيرهما ، يجعل عليه الغرض لتتبين رؤيته وتمكن إصابته .
وللسهم -في عرفهم أيضاً- أوصاف كثيرة ، يعدّدها علماء اللغة ، ويذكرون للسهم أسماء باعتبار تلك الأوصاف ، فمن السهام -مثلا- ما يصطدم بالأرض ، ثم يتنقل -وهو بسرعته- على وجهها حتى يصل إلى الغرض ، ومنها ما يصيب الهدف ولا يصل إلى الغرض نفسه ، ومنهما ما يضرب وجه الغرض فيخدشه خدشاً ولا يثبت فيه ، ومنها ما يخرقه وينفذ منه ، وهكذا، وليس في ذكر هذه الأوصاف وتعداد أسمائها كبير فائدة في البحث المطلوب ، والمدار في صدق السبق على ما يعدّ إصابة للغرض في نظر أهل العرف ، فيكون هذا هو المتبع ، وإذا لم يوجد بين أهل العرف شيء يمكن التعويل عليه ليتبع في ذلك ، فلابد من التعيين والاشتراط في العقد بين المتناضلين ، وإذا أهملا ذلك ، ولم يعينا شيئاً ، يكون العقد باطلا.
المسألة 34: تصح المسابقة في الرمي على الأقوى بآلات الرمي الحديثة، وبأسلحة الحرب الموجودة في الأزمنة الحاضرة، ويجوز بذل العوض للسابق فيها ، إذا كان دفعه إليه بعنوان الجعالة على ما قام به من عمل للإسلام ، أو من التبرع له مكافأة له على فوزه ونجاحه في بلوغ الغاية المطلوبة، أو من السبق إلى الخير والتعاون على البرّ ، إذا كانت المسابقة لإعداد القوة للجهاد في سبيل الله ، وقتال أعداء الإسلام وإرهابهم ، ولا يجري فيها العقد الشرعي الخاص للمسابقة على الأحوط .
المسألة 35: إذا جرى عقد المسابقة في الرمي بين الطرفين ، وحصلت المناضلة بينهما ، وعلم سبق السابق فيها ، ملك السابق العوض المجعول له في العقد -كما تقدم في نظيرتها-، ولا يملك العوض بنفس العقد ، وتلاحظ المسألة التاسعة عشرة .
المسألة 36: إذا تم عقد السبق أو الرماية، وجرت المسابقة أو المناضلة ، وتبيّن سبق السابق ، ولما أراد الباذل دفع العوض المعين إليه ظهر أن العوض المعين له مغصوب من مالكه الشرعي ، كان الأمر في العوض راجعا للمالك ، فإن شاء أجاز بذل العوض ، فيصح للسابق أخذه، ويكون البذل من المالك ، وان شاء لم يجز البذل ، فيصح له أن يأخذ عين ماله من الباذل، ويلزم الباذل أن يدفع مثل العوض أو قيمته للسابق ، وفاءً ا بالعقد.
وإذا قبض السابق العوض بعد أن تبين سبقه ، ثم علم بالغصب بعد ذلك ، جاز للمالك أن يأخذ عين ماله من يد السابق ، وإذا أخذه منه -وكان الباذل قد غره فدفع العوض المغصوب إليه- جاز له أن يرجع على الباذل بمثل العوض إذا كان مثلياً ، وبقيمته إذا كان قيمياً، وإذا كان السابق عالما بغصب العوض ، ولم يكن مغروراً بقبضه ،لم يرجع على الباذل بشيء .
المسألة 37: إذا بطل عقد السبق أو الرماية بسبب عروض بعض الطوارئ، فأوجبت فساد العقد بعد ان كان صحيحا ،لم يستحق السابق العوض المعين ، وكذلك إذا تبين بعد العقد والمسابقة فساد العقد من أصله ، فلا يستحق السابق العوض ، ولا يترك الاحتياط بان تدفع له أجرة المثل ، بمصالحة أو غيرها في الصورتين .
المسألة 38: إذا اختلف السابق والباذل فـي مقدار العوض المعين للسابق في عقد المسابقة ، فقال السابق: إن العوض ستون دينارا، وقال الباذل : بل هو خمسون لا أكثر ، قدم قول من ينكر الزيادة مع يمينه ، إلا أن يثبت الآخر صحة دعواه ببينة شرعية .