كلمة التقوى

الجزء السادس : كتاب المزارعة والمساقاة

وتفصيل البحث في هذا الكتاب يكون في ستة فصول :

الفصل الأول

في المزارعة و شروطها

المسألة الأولى: الزراعة أحد الأعمال التي تأكّد استحبابها في شريعة الإسلام ، و قد تعددت النصوص الواردة عن الرسول (ص) ، وعن الأئمة من أهل بيته الطاهرين (ع) ، الدالة على ذلك ، وتنوعت في الحثّ والتأكيد عليه.

ففي الحديث عن يزيد بن هارون الواسطي ، قال: سألت جعفر بن محمد(ع) عن الفلاحين ، فقال: (هم الزارعون ، كنوز الله في أرضه ، وما في الأعمال شيء أحب إلى الله من الزراعة، و ما بعث الله نبياً إلا زارعا، إلا إدريس (ع) ، فانه كان خياطا). و في رواية أخرى عنه ، قال سمعت أبا عبد الله (ع) يقول : (الزارعون كنوز الانام يزرعون طيباً أخرجه الله (عز وجل) وهم يوم القيامة أحسن الناس مقاما، وأقربهم منـزلة يدعون المباركين)، وعن سيّابة ، عنه (ع) قال: سأله رجل ، فقال لـه: جعلت فداك ، أسمع قوماً يقولون: إن الزراعة مكروهة، فقال له : (ازرعوا واغرسوا ، فلا والله ما عمل الناس احل و لا أطيب منه)، وعنه (ع) (إن الله (عز وجل) اختار لأنبيائه الحرث والزرع ، كيلا يكرهوا شيئاً من قطر السماء)، و بمضمونها روايات عديدة أخرى .

المسألة الثانية: المزارعة: معاملة تكون ما بين مالك الأرض وشخص آخر ، يتفقان بينهما على أن يقوم الشخص بزرع الأرض لمالكها بحصة من نتاج الزراعة، ولا ريب في شرعية هذه المعاملة إذا توفرت فيها شروط الصحة ، وسيأتي بيانها مفصلاً.

ويسميها بعض اللغويين وعلماء الحديث مخابرة، بملاحظة أن كل واحدٍ من المتعاقدين في المعاملة يستحق خبرة من نتاج الزرع ، والخبرة هي النصيب المعّين ، أو بملاحظة أن الخبير اسم يطلق في اللغة على الأكّار نفسه .

وقد روى الصدوق (ره) في كتابه (معاني الأخبار): (أن النبي (ص) نهى عن المخابرة )، و هذا الخبر محمول على صورة وجود تنازع وتشاجر في المعاملة بين المتعاقدين ، فلا نهي ولا كراهة في المزارعة إذا لم تؤد إلى ذلك .

المسألة الثالثة: المزارعة معاملة معلومة تجري بين عامة الناس ، وهي عقد من العقود يجري بين الطرفين المتعاملين ، ولذلك فهي لا تتم ولا تنفذ إلا بإيجاب وقبول بينهما ، ويجوز فيها أن يكون الإيجاب من مالك الأرض ، ويكون القبول من الزارع ، و يمكن أن يقع الإيجاب من الزارع ، و يقع القبول من صاحب الأرض ، ويصح أن يقع الإيجاب من أحدهما ، بأي لفظ يكون دالاً على إنشاء عقد المزارعة بينهما ، بحصة معينة من حاصل الزراعة، فيجوز للموجب منهما أن ينشئ ، العقد بصيغة الفعل الماضي، و بصيغة الفعل المضارع ، وبصيغة فعل الامر، وبالجملة الاسمية فيقـول مالك الأرض للزارع: سلّمت إليك ارضي المعلومة لتزرعـها حنطة -مثلاً- ويكون لي النصف أو الثلث من الحاصل الذي ينتج من الزرع ولك الباقي منه ، أو يقول له: ازارعك في ارضي على كذا، و يذكر له القيود والشروط ، أو يقول له : ازرع لي هذه الأرض بالحصة المعينة ، وهكذا في أي لفظ يكون دالاً على إيجاد المعاملة المقصودة بينهما دلالة ظاهرة يعتمد عليها أهل اللسان، وإن كان ظهوره بسبب قرينة موجودة تدل على المراد، سواء وقع من مالك الأرض أم من الزارع .

ولا يتعين أن يكون إنشاء العقد بلفظ عربى، فيصح أن يقع إنشاؤه بأي لغة أخرى تكون دالة عليه في عرف أهل ذلك اللسان ، ويجوز أن يكون القبول كذلك بأي لفظ يكون دالاً على رضى القابل بالمعاملة ، وبشروطها التي اتفق عليها الطرفان ، سواء وقع من الزارع أم من صاحب الأرض .

المسألة الرابعة: يجوز أن ينشأ عقد المزارعة بالمعاطاة الدالة على المعاملة المقصودة، فإذا دفع المالك أرضه إلى الزارع ليزرعها له بحصة معلومة من حاصل الزراعة ، وقصد -بدفعه الأرض- إنشاء المعاملة، ثم قبض الزارع الأرض منه بقصد إنشاء القبول على الشروط المتفق عليها بينهما، صحت المعاملة ونفذت ، وكانت لازمة -على الأقوى-، وسيأتي ذكر ذلك في موضعه، وإنما تجري المعاطاة بعد أن يعين بين الطرفين ما يحتاج إلى تعيينه ، ويشترط ما اتفقا على اشتراطه، ثم ينشأ العقد بالمعاطاة مبنياً على ذلك ، فتكون القيود والشروط بذلك بحكم المذكورة في العقد.

ويجوز أن يكون العقد مؤلفاً ، فيكون الإيجاب باللفظ و القبول بالفعل ، وبالعكس ، ويصح أن يقدم القبول على الإيجاب على الوجه الذي يأتي إيضاحه ، وقد سبق نظير ذلك في بعض العقود.

المسألة الخامسة: لاريب في أن الأرض مملوكة لمالكها الشرعي ، و يتبعها في ذلك نماؤها وجميع ما يحصل منها من فائدة و منفعة، فلا يحق للزارع أن يتصرف في الأرض إلا بإذن مالكها، ولا يستحق من نمائها وفوائدها شيئاً إلا بتمليكه، ولا ريب كذلك في أن عمل العامل الحر ملك خالص له ، و لا سلطان لأحد غيره على عمله ، ولا على شيء من نتاجه وفوائده إلا بتمليكه .

ومن اجل ذلك كانت المزارعة عقداً لايتم إلا بإيجاب وقبول من المتعاملين ، ومن أجل ذلك صح أن يقع الإيجاب فيها من مالك الأرض ومن الزارع، ويكون القبول من الطرف الثاني منهما، فإذا قال مالك الأرض للزارع : سلمت إليك ارضي المعلومة لتزرعها حنطة ، ويكون لك النصف أو الثلث مما تنتجه الأرض من حاصل هذه الزراعة، ويكون لي الباقي من حاصلها،  أو قال لـه: زارعتك على أن تزرع ارضي حنطة ، ويكون حاصل زراعة الأرض بيننا على النهج المذكور، كان مالك الأرض هو الموجب في المعاملة، ولا يتم العقد ولا ينفذ إلا بقبول الزارع -بعد أن يتم الإيجاب-، ويجوز أن يقدم القبول قبل الإيجاب ، فيقول الزارع لمالك الأرض -وقبل إيجابه-: رضيت بالمزارعة التي تنشئها على الشروط التي اتفقنا عليها ما بيننا ، ويصح العقد منهما على كلا الوجهين .

وإذا ابتدأ الزارع بالإيجاب ، فقال لمالك الأرض : استلمت منك أرضك المعلومة لأزرعها وتكون الحصص بيني وبينك بالمناصفة -مثلاً- في نتاج الزراعة، أو على النهج المعين الذي اتفقنا عليه ، فيكون الزارع هو الموجب ، ولا يتم العقد ولا ينفذ إلا بقبول المالك بعد هذا الإيجاب، ويصح للمالك أن يوقع القبول سابقاً على الإيجاب، فيقول للزارع -قبل إيجابه-: رضيت بمزارعتك التي تنشئها، على الوجه والقيود التي اتفقنا عليها ، والشروط التي أردناها.

المسألة السادسة: يشترط في صحة عقد المزارعة أن يكون صاحب الأرض بالغاً ، وعاقلاً مختاراً في فعله ، فلا يصح عقده إذا كان صبياً غير بالغ ، أو كان مجنوناً، أو كان مكرهاً أو مقسوراً على الفعل، وأن يكون قاصدا لما ينشئه ، فلا يصح عقده إذا كان سكران أو غاضباً غضباً يسلبه القصد لما يقول ، أو كان هازئاً أو هازلاً غير جاد في قوله وفعله ، وأن يكون رشيدا غير محجور عليه لسفه، سواء كان سفهه موجبا للحجر عليه في ماله خاصة أم في جميع تصرفاته، وقد ذكرنا تفصيل هذا في كتاب الحجر ، و أن يكون غير محجور عليه في ماله لفلس، وأن يكون مالكاً للتصرف في ماله من الجهات الأخرى، فلا يصح عقده إذا كان غير نافذ التصرف فيه ، لبعض الموانع منه .

ومثال ذلك : ما إذا كانت منفعة الأرض مملوكة لغيره بإجارة وشبهها، أو كانت الأرض مرهونة عند غيره على دين لذلك الغير، أو كانت قد تعلق بها حق آخر يمنع المالك من التصرف فيها أو في منفعتها.

ويشترط في صحة العقد -كذلك- أن يكون الزارع جامعا للشرائط المذكورة كلها على النحو الذي ذكرناه في صاحب الأرض ، نعم ، لا يضر في صحة المزارعة أن يكون الزارع مفلساً، إذا كانت مزارعته لا تستلزم تصرفاً في أمواله الموجودة لديه قد تعلق الحجر بها لحقوق الغرماء.

المسألة السابعة: يشترط في صحة عقد المزارعة: أن يجعل في العقد جميع ما يحصل من زراعة الأرض مشاعاً بين المتعاقدين ، فلا يصح العقد إذا جعل نماء الزراعة كله لأحد الطرفين دون الآخر، ولا يصح إذا اشترط أن يكون لأحد المتعاقدين مقدار معين من الحاصل يختصّ به ، فيشترط صاحب الأرض على الزارع ، أو يشترط الزارع على صاحب الأرض ، أن تكون له عشرة امنان من الحنطة الحاصلة من الزراعة ، يختص بها دون صاحبه، ولا يعلم بأن ما يحصل من نتاج الزرع يفضل عن ذلك المقدار أم لا، فيبطل العقد في هذه الصورة، و يبطل أيضا إذا جعل الباقي من الحاصل -إذا اتفق وجوده- خاصا بالثاني منهما، أو جعل مشتركا بين الطرفين ، فيكون العقد في جميع هذه الصور، وتلاحظ المسألة الخامسة والعشرون الآتية .

ولا يصح العقد إذا اقتسما الحاصل من الزراعة بينهما بحسب الزمان ، فاشترطا مثلاً أن يكون ما تنتجه الزراعة في أول الوقت يختص بأحدهما ، وما تنتجه في آخر الزمان يكون للثاني، أو اقتسما النتاج بحسب الأمكنة من الأرض ، فما تنتجه القطعة الأولى المعينة من الأرض يكون لأحدهما ، وما تنتجه القطعة الثانية يختص بالآخر.

ولا يصح العقد إذا اقتسما الحاصل بحسب النوع الذي تنتجه الزراعة، فما تنتجه الزراعة من الحنطة -مثلاً- يكون مملوكاً لأحدهما، وما تنتجه من بقية أنواع الحبوب أو المخضرات يكون مملوكاً للثاني، فيبطل عقد المزارعة في جميع هذه الفروض، وتصح المعاملة فيها إذا أنشئت على نحو المصالحة عليها بين الطرفين .

المسألة الثامنة:  يشترط في صحة عقد المزارعة -زائداً على الشروط المتقدم ذكرها-: أن تجعل في العقد لكل واحدٍ من المالك والزارع حصة معلومة المقدار من مجموع حاصل الزراعة: النصف منه ، أو الثلث أو الربع أو الخمس أو غير ذلك من الكسور، حسب ما يتفق عليه المتعاملان ، سواء تساوت الحصتان المجعولتان لهما في المقدار أم تفاوتتا، فيكون المجموع بينهما حصتين على المناصفة ، أو على المثالثة ، فلأحدهما ثلث الحاصل وللآخر ثلثاه ، أو على غير ذلك ، فلأحدهما ربع النتاج ، وللثاني ثلاثة أرباعه ، وهكذا.

ففي صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله (ع) قال : (لا تقبّل الأرض بحنطة مسماة، ولكن بالنصف والثلث والربع والخمس لا باس به )، و قال (ع): (لا بأس بالمزارعة بالثلث والربع و الخمس )، وفي صحيحة أبى الربيع الشامي عنه (ع)، انه سئل عن الرجل يزرع أرض رجل آخر، فيشترط عليه ثلثا للبذر ، وثلثاً للبقرة ، فقال (ع): (لا ينبغي أن يسمي بذراً ولا بقراً، ولكن يقول لصاحب الأرض : ازرع في أرضك ولك منها كذا وكذا، نصف أو ثلث ، أو ما كان من شرط ، ولا يسم بذراً ولا بقراً، فإنما يحرّم الكلام)، وبمضمونها أدلة معتبرة أخرى .

فلا يصح العقد إذا لم يعين مقدار الحصة كذلك ، فقال له مثلا: زارعتك على أن تكون لك حصة من الحاصل نتفق على تقديرها في ما بعد، أو على أي مقدار تريده ، أو على ما يعينه لك فلان .

المسألة التاسعة: إذا ذكر المتعاقدان للمزارعة بينهما مدة ، وجب عليهما أن يعيّنا للمدة أمداً محدوداً بالأشهر أو السنين ، فيقول الموجب من الطرفين لصاحبه : أسلمت إليك هذه الأرض لتزرعها لي مدة ثلاث سنين -مثلا- أو أربع ، على أن يكون لي الثلث من الحاصل الذي ، تخرجه الزراعة كل سنة من هذه المدة ، ولك الثلثان منه، ويقول الآخر: قبلت المزارعة في هذه المدة المعينة على الشرط الذي ذكرت .

وإذا ذكرا للمزارعة مدة ، ولم يجعلا لها أجلا مسمّى بطل العقد بينهما ، ومثال ذلك: أن يقول الموجب لصاحبه : سلمت إليك الأرض لتزرعها مدة من الزمان ، فيكون لي الثلث من ناتج الزراعة ولك الباقي منه ، فيبطل العقد لعدم التعيين، وإذا ذكرا للمزارعة مدة وعيناها لزم أن يكون الأجل المعين بمقدار يحصل فيه الزرع ، ويتم إدراكه بحسب العادة المتعارفة لذلك الزرع ، فلا يصح العقد إذا كان الأجل اقل من ذلك .

ويكفي في صحة العقد أن تعين المدة فيه على وجه الإجمال ، فإذا قال المالك لصاحبه: أسلمت إليك الأرض لتزرعها حنطة في هذا العام، ويكون لي الثلث من حاصل الزرع ولك الثلثان صح العقد، وتكون المدة من أول الوقت المتعارف لابتداء زراعة الحنطة في أثناء العام إلى حين إدراكها، وكذلك إذا عين مبدأ الشروع في الزرع ، فقال له: أسلمت الأرض إليك لتزرعها حنطة من أول شهر كذا، فيصح العقد ، ويحمل الآخِر على الوقت الذي يتم فيه إدراك الزرع بحسب العادة، وترتفع بذلك الجهالة .

المسألة العاشرة: يشترط في صحة المزارعة أن تكون الأرض التي تقع عليها المعاملة قابلة للزراعة المقصودة، فلا يصح العقد إذا كانت الأرض غير صالحة لذلك مطلقا ، ومثال ذلك : أن تكون الأرض سبخة مالحة لا يمكن علاجها والإنبات فيها، أو يكون وجهها مكسواً بالصخور الصلدة ، والحجارة الملساء، فلا تثبت فيها الجذور ، ولا تنمو فيها البذور، أو تكون مغمورة بالمياه ، فلا يستطاع تجفيفها ليقوم فيها زرع ، أو يثمر فيها نبت، أو تكون قد استولت عليها الرمال الكثيفة الناعمة ، وتراكمت على وجهها ، فلا يقدر على أزالتها، أو تكون بعيدة عن منابع الماء و موارده، وعن مساقط الغيث والقطر ، فلا تمكن سقايتها، ولذلك فلا ينبت فيها زرع ولا ينمو فيها عود.

وتصح المزارعة على الأرض إذا أمكن الزرع فيها بالعلاج والإصلاح ، فكان مالك الأرض قادراً على إصلاحها ، وتسليمها بعد الإصلاح للزارع قابلة للزرع والإنبات، أو كان الزارع نفسه قادرا على أن يصلح الأرض حتى تصبح قابلة لذلك ، ولو باستخدام الآلات والوسائل الحديثة المعدّة لمثل ذلك، ولا ريب في أن ذلك يتبع الشرط بينهما، فإذا شرط مالك الأرض على العامل أن يقوم بإصلاح الأرض ، وكان العامل قادراً على القيام به، أو شرطه العامل على مالك الأرض، وجب على المشروط عليه أن يفي بالشرط، وصحت به المعاملة، وان احتاج الإصلاح إلى مدة طويلة، سنة أو سنتين أو أكثر ، مع ذكر ذلك في العقد، وتلاحظ المسألة التاسعة والستون .

المسألة 11: إذا اتفق  المتزارعان بينهما على إرادة نوع خاص من الزرع في الأرض : حنطة ، أو شعير ، أو غيرهما من أنواع المزروعات ، وقصداه معاً في نفسيهما حين إجراء المعاملة، تعين ذلك النوع في المعاملة الجارية بينهما، ووجب على الزارع ومالك الأرض اتّباعه والوفاء به، وكفى ذلك عن الاشتراط الصريح في العقد، و يكفى أيضاً عن الاشتراط الصريح في العقد أن يكون ذلك النوع الواحد من الزرع هو المتعارف بين عامة الناس في ذلك البلد لمثل هذه الأرض و من ذلك العامل ، و هو الذي ينصرف إليه الإطلاق بينهم ، فيتعين الإتيان بذلك النوع ، و يكون الانصراف إليه كالشرط الصريح في العقد.

وإذا كانت الأرض صالحة لعدة أنواع من الزرع فيها، و علم من القرائن الموجودة : أن مالك الأرض وزارعها كليهما قد قصدا في نفسيهما التعميم لجميع الأنواع التي تمكن زراعتها في الأرض ، صح العقد، وكان العامل مخيراً في الزراعة بين جميع الأنواع المقصودة لهما، فأي الأنواع منها أتى به كان وفاءً ا بالعقد، وإذا كانت الأرض قابلة لعدة أنواع من الزرع فيها، ولم يقصد المالك والزارع العموم لتلك الأنواع ، ولم يتفقا على إرادة نوع معين منها، ولم ينصرف الاطلاق عند العقلاء من الناس في البلد إلى نوع مخصوص من الزرع فيها، وجب على المتعاقدين أن يعيّنا النوع الذي يريدان في المعاملة بينهما من أنواع الزرع ، و إذا هما لم يعيّنا نوعا خاصا منها بطل العقد.

المسألة 12 : المزارعة -كما قلنا اكثر من مرة- معاملة تتضمن أن يسلّط المالك العامل على أرضه ، ليتصرف فيها و يزرعها له ، و أن يملّكه حصة معينة من الحاصل الذي تخرجه الأرض بسبب الزراعة، و لذلك فلابد من فرض وجود ارض تتعلق بها المعاملة المذكورة، ويتعلق بها العمل من الزارع ، و يحصل منها النتاج ، و بدون هذا الفرض لا يمكن أن تتحقق المعاملة الخاصة والعقد بين الطرفين ، و هو أمر في غاية الوضوح و الجلاء.

والأرض التي تتعلق بها المزارعة قد تكون مفروضة الوجود في الخارج ، وقد تكون كلية موصوفة، يلتزم بها المالك في ذمته أن يسلمها للعامل -كما وصف ويتعاقد معه على زراعتها-، وإذا كانت مفروضة الوجود في الخارج ، فقد تكون متشخصة فيه ، متميزة بوجودها الخاص عن غيرها، و قد تكون على وجه الكلي في المعين ، فهي على ثلاث صور مختلفة .

الصورة الأولى: أن تكون الأرض التي تتعلق بها المعاملة مفروضة الوجود في الخارج ، و أن تكون متشخصة متميزة بوجودها الخاص عن سواها، والأحوط -في هذه الصورة- أن يعين في عقد المزارعة مقدار الأرض ، وحدودها بين المتعاقدين ، فتكون معينة غير مبهمة لديهما، وبذلك يصح العقد عليها من غير ريب ، وإذا أهمل ذلك ، ودار أمر الأرض بين الأقل والأكثر، بطل العقد على الأحوط .

وكذلك الحكم إذا كان للمالك أكثر من أرض واحدة ، وكانت أراضيه مختلفة في المقادير والحدود ، وأراد أن يزارع العامل على واحدة منها، فالأحوط له أن يعـّين الأرض التي يجري عليها المعاملة ، ويعين مقدارها وحدودها، وبدون ذلك يبطل العقد على الأحوط، وخصوصا إذا كانت أراضيه مما تختلف حصة العامل في زراعتها عند أهل العرف من البلاد.

المسألة 13: (الصورة الثانية): أن تكون الأرض مفروضة الوجود في الخارج ، وأن تتساوى أجزاء الأرض في صلاحها للزرع و الإنتاج ، ثم  ينشأ عقد المزارعة بين مالك الأرض وزارعها على مقدار جريب منها بحصة معلومة من حاصل زراعتها، و لا ينبغي الريب في صحة المزارعة على هذا الوجه ، ويكون من العقد على الكلي في المعين من الأرض ، فإذا عيّن المتعاقدان بعد ذلك جريباً خاصا من الأرض ، و زرعه العامل على الوجه الذي أراده مالك الأرض ، وأنتجت الزراعة ، استحق كل واحد من المتعاقدين حصته التي عيّنت لـه من حاصل ذلك الجريب.

ومن أمثلة ذلك : أن يكون للمالك اكثر من قطعة واحدة من الأرضين ، وكل قطعة منها تساوي الأخرى من القطعات في المقدار، وفي صلاح أجزائها للزرع والإثمار ، فإذا زارع المالك العامل على قطعة غير معينة منها ، كان ذلك من المزارعة على الكلي في المعين ، نظير ما تقدم ، و صح العقد على الوجه الذي بيّناه في نظيره .

المسألة 14: (الصورة الثالثة): أن ينشأ عقد المزارعة بين المتعاقدين على كلي من الأرض ، موصوف بصفات معينة ، يكون في ذمة المالك، والظاهر صحة المعاملة في هذه الصورة أيضا ، فإذا اتفق المالك مع العامل على أن يزرع له أرضاً يدفعها إليه ، ووصف له الأرض وصفا ترتفع به الجهالة من الطرفين ، و أجريا صيغة العقد بينهما ، وعيّنا مقدار حصة الزارع ومقدار حصة المالك من نتاج الزرع ، ثم دفع المالك للعامل أرضا تتحقق فيها الأوصاف التي ذكرها له في العقد ، صح ذلك ، ولزم المتعاقدين الوفاء به .

المسألة 15 : لا يجب على عامل المزارعة أن يبذل البذر أو الجذور التي يقوم بزراعتها في الأرض، ولا أن يبذل غير ذلك من المصارف و النفقات التي يتوقف عليها الزرع ، و الواجب عليه إنما هو العمل في زرع الأرض وتعهّده بالرعاية والسقاية حتى يثمر الزرع وينتج، ولا يجب شيء من ذلك على مالك الأرض أيضاً.

ولذلك فيجب على المتزارعين أن يعيّنا -في عقد المزارعة بينهما- من يقوم ببذل ذلك من أحد الطرفين أوكليهما ، وإذا هما أهملا ذلك ، ولم يعيّنا من يقوم بالبذل كان العقد باطلاً ، وإذا تعارف بين الناس وأصحاب المزارعات أن يكون دفع ذلك على العامل خاصة، أو على مالك الأرض خاصة،أو على كليهما، وانصرف إطلاق المعاملة إلى المتعارف من ذلك ، صح ، وعمل على الانصراف المذكور ، وكفى ذلك عن التعيين الصريح في العقد.

المسألة 16 : لا ريب في صحة عقد المزارعة إذا وقع ما بين المالك الشرعي للأرض ، والعامل الذي يتولى الزراعة ، على الوجوه التي تقدم تفصيلها، ولتوضيح الأحكام قد جرينا على هذا في التعبير في المسائل السابقة من هذا الكتاب ، ولا يشترط في صحة المزارعة أن يكون المزارع مالكا لعين الأرض ، و يكفي في صحة مزارعته للعامل أن يكون مالكا لمنفعة الأرض وحدها ، ملكا تاما يبيح له أن يزارع غيره على الأرض وإن لم يك مالكاً لها، ومثال ذلك : أن يستأجر الأرض من مالكها ، فيملك منفعتها بالإجارة مدة معلومة، أو يملك منفعة الأرض بالوصية له بالمنفعة من مالكها قبل موته ، أو بوقف المنفعة عليه من واقفها، ويكون ملكه لمنفعة الأرض على وجه مطلق ، يصح له -معه- أن يسلّط غيره على الأرض ، فيزرعها ، ويجعل له حصة معيّنة من نتاجها، و لا يصح لـه ذلك إذا شرط عليه مالك الأرض -في عقد الإجارة ، أو الوصية له ، أو الوقف عليه- أن يتولى الانتفاع من الأرض بنفسه ، ولا يسلّط عليها غيره .

المسألة 17 : يجوز للقيّم -الذي يجعله الواقف متولياً على الوقف العام أو الوقف الخاص- أن يزارع من يشاء على الأرض الموقوفة ، التي تدخل تحت ولايته المجعولة له مع اجتماع الشرائط المعتبرة، فتنفذ مزارعته ، وتترتب عليها أحكامها، و كذلك المتولي العام أو الخاص المنصوب بأمر الشارع لذلك . ومثله الحكم في الوصي الشرعي المجعول بوصية الميت، فتنفذ مزارعته في الأرض التي تشملها وصايته المجعولة له من الميت الموصي .

وتنفذ مزارعة الولي الشرعي على الطفل أو المجنون أو السفيه إذا زارع أحدا على الأرض التي تكون ملكاً أو حقاً للمولّى عليه، وكانت ولايته جامعة للشرائط المعتبرة.

المسألة 18 : يكفي في صحة المزارعة: أن يكون الرجل مالكا للانتفاع بالأرض انتفاعاً تاما ، وإن لم يكن مالكا للأرض نفسها ، ولا لمنفعتها على أحد الوجوه التي تقدم ذكرها، ومثال ذلك : أن يحجر الأرض وهي موات، و قد تقدم في المسألة السابعة و الأربعين من كتاب إحياء الموات: أن الإنسان إذا حجر أرضا مواتا لا يد لأحد عليها ، كان أولى بالأرض التي حجرها من غيره ، و مالكا للانتفاع بها ، فلا يحق لأحد سواه أن يتصرف في الأرض ، أو يحييها ، أو يزرعها أو يزارع عليها إلا بإذنه ، و نتيجة لملكه للانتفاع بالأرض المحجرة، فإذا زارع أحداً على الأرض ، صحت مزارعته ، وترتبت عليها أحكامها، فإذا زرعها العامل وأنتجت زراعته ثمرا استحق العامل حصته المعينة له من الحاصل ، وكان الباقي منه لمحجر الأرض.

وكذلك إذا سبق الإنسان إلى أرض ميتة ، فوضع يده واستولى عليها لينتفع بما فيها من كلاء ونبات ، وأشياء أخرى من المباحات العامة، فيكون أولى بتلك الأرض من غيره، ما دامت يده موضوعة عليها ، وأن لم يحيها و لم يحجّرها ، ويكون مالكا للانتفاع بها ، ولا يجوز لغيره أن يضع يده عليها ولا على شيء من منافعها، وإذا وضع غيره يده عليها بدون إذنه كان غاصبا، و قد ذكرنا هذا في المسالة التاسعة عشرة ، وفي المسألة المائة والأربعين من كتاب إحياء الموات، ويجري فيها الحكم المتقدم ، فيصح لصاحب اليد السابقة التي ذكرناها أن يزارع غيره على تلك الأرض التي سبق إليها ، واستحق الانتفاع بها، فتنفذ مزارعته وتتم أحكامها ، كما ذكرنا في الأرض المحجرة .

المسألة 19: اذا زارع الرجل المحجر غيره على الأرض التي حجرها ، وثبت لـه فيها حق الأولوية، فزرعها له العامل و أحياها بالزراعة ملكها المحجر بإحياء العامل لها ، واستحق العامل حصته من حاصل الزراعة بسبب عقد المزارعة بينهما، ولم يملك الأرض ولا نصيبا منها، وكذلك الحكم في الأرض التي سبق الإنسان لها ، فوضع يده عليها لينتفع بمائها وكلائها ، وكان أولى بها من غيره ، فإذا زارع أحدا عليها -كما فرضنا في المسألة المتقدمة -وزرعها له العامل ملك المزارع الأرض بإحياء العامل لها، ولم يملك العامل من الأرض شيئاً، وإنما يستحق الحصة المعينة له من حاصل الزراعة بسبب عقد المزارعة بينهما.

المسألة 20: إذا زارع الرجل شخصا -على بعض الوجوه التي تقدم ذكرها، والتي تصح المزارعة فيها-، فقد يعلم من صريح العقد أو من القرائن الخاصة أو العامة الحافة بالمعاملة ، والمفهمة للمعنى المراد منها: أن المقصود في المعاملة أن يقوم العامل بزرع الأرض وتعهد الزرع حتى ينمو ويثمر، ولو بمزارعة شخص آخر، بحيث لا يباشر العامل العمل بنفسه ، ولا ينبغي الإشكال -في هذا الفرض- في انه يجوز لعامل المزارعة أن يزارع شخصا ثالثاً في حصته التي يستحقها من الحاصل ، فإذا كان صاحب الأرض قد زارعه ، وجعل له النصف من حاصل الزراعة -مثلا-، جاز للعامل -في تلك الصورة- أن يزارع عاملاً غيره على الربع -مثلا-، فيكون لصاحب الأرض نصف الحاصل دون نقيصة، وللعامل الثاني الربع ، ويبقى الباقي من الحاصل -وهو الربع منه- للعامل الأول، وإذا دلت القرائن على أن صاحب الأرض يشترط على عامله في المزارعة أن يتولى العمل فيها بنفسه، لم يجز له أن يزارع غيره ، وسنتعرض لبيان الحكم في المسألة على وجه أكثر إيضاحا وتفصيلاً -إن شاء الله تعالى- وإذا صح للعامل أن يزارع غيره في حصته من الحاصل ، لم يجز له أن يسلم إليه الأرض إلا بإذن صاحبها.

المسألة 21: يجوز للإنسان أن يستعير أرضاً من مالكها ليزرعها وينتفع بزراعتها، وإذا أذن لـه مالك الأرض في أن يزارع غيره على الأرض المستعارة بحصة معينة ، جاز للمستعير ذلك ، فإذا زارع عليها أحدا نفذت مزارعته ، وترتبت عليها أحكامها ، ولابد وأن يكون إذن مالك الأرض له بذلك صريحا، كما اشترطنا ذلك في إعارة العين ليرهنها المستعير على دين في ذمته ، وإعارة الأرض ليدفن المستعير ميته فيها، ولا يكفي أن يأذن له بأن يزرع الأرض ، أو بأن ينتفع بها حتى يحصل العلم بالإذن له بالمزارعة عليها.

المسألة 22: أرض الخراج هي الأرض العامرة التي يأخذها المسلمون من أيدي الكفار بالقوة والغلبة عليهم ، وهي ملك عام لجميع المسلمين ، تنفق فوائدها ومنافعها في مصالحهم وشؤونهم العامة، ولا يختص ملكها بأفراد المسلمين وآحادهم.

نعم ، إذا تقبّل إنسان قطعة من الأرض الخراجية من سلطان المسلمين ، أو من الولي الشرعي على أمورهم ، ثبت لذلك الشخص حق الاختصاص بتلك القطعة التي تقبّلها ، ووجب عليه أن يؤدي خراجها، والخراج: هو الضريبة الخاصة التي يجعلها السلطان أو ولي الأمر على تلك القطعة ، لتنفق في الشؤون العامة للمسلمين ، وجاز لذلك الشخص الذي تقبّل الأرض أن ينتفع بها، و ملك ما يفضل عن الخراج من حاصلها وفوائدها، و يصح له أيضا أن يزارع أحداً على تلك الأرض ، فيزرعها له بحصة يعينها له من حاصل الزراعة، و يصح بذلك عقد المزارعة بينهما بعد أن ثبت له حق الاختصاص بالأرض، ويجوز له أيضاً أن يشترط على العامل في عقد المزارعة أن يكون الخراج وما يؤديه للسلطان كله على كليهما، فتكون حصة العامل وحصة المزارع مما يفضل من حاصل الزراعة بعد دفع الخراج منه .

المسألة 23: إذا أذن مالك الأرض لرجل معين في أن يزرع له أرضه، ولم يجر معه عقد المزارعة، واشترط عليه -في إذنه له بزراعة الأرض- أن يكون للمالك النصف أو الربع -مثلا- من حاصل الزرع ، جاز للرجل أن يزرع الأرض كما أذن له مالكها، و إذا فعل استحق المالك الحصة المعينة التي اشترطها عليه في إذنه ، وكان الباقي للرجل، ولا يكون ذلك من المزارعة المصطلحة المبحوث عنها في هذا الكتاب، ولذلك فيجوز لمالك الأرض أن يرجع عن إذنه متى شاء، ويجوز للعامل أن يترك الزرع إذا أراد.

وكذلك الحكم إذا أذن مالك الأرض إذناً عاما لكل من يريد زراعة الأرض ، واشترط عليه في إذنه أن تكون الحصة المذكورة من حاصل الزرع لمالك الأرض والباقي منه للعامل ، فيجوز -لأي شخص أراد- أن يستجيب لإذن المالك بالزرع على الشرط المعين، ولا يكون ذلك من عقد المزارعة، وإنما هو إيقاع للإذن من المالك ، واستجابة له من العامل .

ونظير ذلك: أن ينشئ المالك المعاملة بصورة الجعالة، فيقول : من زرع هذه الأرض ، أو هذه القطعة المعينة منها، فله النصف من حاصل الزرع ولي الباقي، فإذا استجاب له عامل ، وزرع الأرض استحق الحصة، وكان الباقي من الحاصل للمالك ، وكان ذلك إيقاعاً، ولم يكن من المزارعة المصطلحة بين الفقهاء، وتلاحظ المسالة الثلاثون الآتية .

المسألة 24: لا تصح المزارعة بين الرجلين على أرض ميتة ،لم يسبق أحدهما بتحجيرها فيكون أولى بها من غيره بسبب تحجيرها، ولم يسبق أحدهما بوضع يده عليها لينتفع بما فيها من مباحات أصلية فيكون له حق السبق اليها، و لذلك فلا يكون أحد الرجلين أولى بالأرض الميتة من صاحبه ، فيكون هو صاحب الحق فيها.

ويجوز للرجلين أن يشتركا في العمل في زرع تلك الأرض ، فإذا هما اشتركا في العمل وأثمرت زراعتهما استحق كل واحد من حاصل الزرع بمقدار عمله فيها ، وملك من الأرض نفسها بذلك المقدار أيضاً، لأنهما قد اشتركا في إحيائها بالزراعة، ولا يكون ذلك من المزارعة التي يبحث الفقهاء عنها في هذا الكتاب .

ويجوز للرجلين أن يشتركا في البذر والحبوب التي تزرع في الأرض المقصودة لهما، وفي المصارف والنفقات التي تنفق على الزرع ، والعمل فيه فيستحق كل رجل منهما من النتاج بمقدار ما بذل من النفقة، ويمكن لهما أن يتفقا بينهما ، فيكون البذل والإنفاق من أحد الرجلين، والعمل من الآخر، فيؤجر العامل منهما نفسه لصاحبه بالنصف من الحاصل -مثلاً-، أو بالثلث منه، أو بغير ذلك حسب ما يتراضيان، وعلى أي حال ، فلا تكون المعاملة الجارية بينهما من المزارعة المصطلحة ، التي يبحث عنها الفقهاء في كتاب المزارعة.

المسألة 25: يصح لأحد المتعاملين في المزارعة أن يشترط في العقد على صاحبه -لنفسه- مقداراً معيناً من المال يخرج من حاصل الزرع ، فيختص هو بهذا المقدار دون صاحبه ، ثم يقسم الباقي من الحاصل بينهما، فيأخذ كل واحد منهما حصته المعينة من الباقي، ومثال ذلك : أن يشترط صاحب الأرض لنفسه عشرة امنان من الحنطة تخرج مما يحصل لهما من زراعة الحنطة في الأرض فيختصّ مالك الأرض بها ، ويقسم الباقي من حصيلة الزراعة بينه وببن العامل على المناصفة -مثلا-، فإذا قبل العامل بالمعاملة وبالشرط صح ، ولزم العمل به، وكذلك إذا اشترط العامل ذلك لنفسه على صاحب الأرض ، فيصح وينفذ مع القبول، وإنما يتم ذلك وينفذ ، إذا علم أن ما يحصل من زراعة الأرض يزيد على المقدار المعين الذي يشترطه المشترط لنفسه، وتلاحظ المسألة السابعة .

ويصح لصاحب الأرض أن يستثني مقدار ما يأخذه السلطان على الأرض من الخراج ، أو الضريبة ، فيشترط على العامل خروج ذلك من حاصل الزراعة، ثم يقسم الباقي ينهما، ويصح لباذل البذر أن يستثنى قيمة البذور ، والنفقات والمصارف التي ينفقها على الزرع ، أو على تعمير الأرض أو السقاية ، فيشترط إخراج ذلك من مجموع ما يحصل من الزرع ، و تكون القسمة على الحصتين بعد ذلك ، فيصح ذلك كله -على الأقوى-، إذا علم بان ما يحصل من نتـاج الزراعة يزيد على المقدار الذي استثناه ، وتبطل المعاملة إذا علم بأن الحاصل لا يفي بذلك ، أو لا يزيد عليه ، و تبطل كذلك اذا شك في أن الحاصل يزيد على المقدار المستثنى أم لا يزيد عليه .

الفصل الثاني

في أحكام عقد المزارعة

المسالة 26: المزارعة أحد العقود اللازمة، فإذا تم الإيجاب والقبول بين المتزارعين -على أحد الوجوه التي فصلناها وقلنا بصحتها- لم يجز لواحد منهما فسخ العقد ، وعدم الوفاء به ، إلا إذا اتفق الطرفان ، فأقال كل منهما صاحبه كما في غيره من العقود، وقد ذكرنا الإقالة وبيّنا أحكامها في آخر كتاب التجارة من هذه الرسالة .

ويصح فسخ المزارعة إذا كان أحد المتعاقدين فيها قد اشترط لنفسه الحق في أن يفسخ العقد في وقت معين ، أو شرط ذلك كلاهما، فيجوز لصاحب الشرط أن يفسخ العقد في الوقت الذي عيّنه للأخذ بالخيار، ويصح فسخ المزارعة كذلك إذا كان أحد المتعاملين قد اشترط لنفسه على صاحبه شرطا، وجرى عليه الإيجاب والقبول بينهما، ثم تخلّف الشرط ولم يفِ به صاحبه ، فيثبت له خيار تخلّف الشرط ، ويجوز فسخها أيضاً في الموارد التي يثبت للفاسخ فيها خيار الفسخ بأحد الأسباب التي توجب له ذلك الحق ، كالغبن وشبهه من الخيارات التي تجري في جميع المعاملات ولا تختص بالبيع .

ولا فرق في الحكم بلزوم المزارعة بين ما ينشأ منها بالإيجاب والقبول اللفظيين ، وما ينشأ بالمعاطاة ، فيكون لازما على الأقوى، و تجرى فيه الاستثناءات المتقدمة .

المسألة 27: تبطل المزارعة إذا طرأ الخراب على الأرض التي جرت عليها المعاملة ، بعد ما كانت قابلة للزرع فأصبحت غير صالحة، ومثال ذلك : أن يستولي عليها السبخ الشديد، أو تتراكم عليها الرمال ، أو تطغى عليها المياه حتى تعود أجمة لا يمكن زرعها ولا علاجها ولا إصلاحها، أو تغور المياه الموجودة فيها ، ولم تمكن سقايتها ، ولم يكفها ماء الغيث ، فيبطل عقد المزارعة بطروء ذلك على الأرض، وتلاحظ المسألة العاشرة .

المسألة 28: لا يبطل عقد المزارعة بموت أحد المتعاملين فيها ، فإذا كان العقد جامعاً للشرائط المعتبرة في صحته ومات أحدهما قام ورثة الميت مقامه، فيجب عليهم الوفاء بالعقد الذي أوقعه مورّثهم ، ولم يجز للآخر الموجود من المتعاملين أن يفسخ العقد.

فإذا مات -من المتعاقدين- صاحب الأرض ، وجب على وارثه تسليم الأرض للزارع ، وتمكينه من التصرف فيها حتى يتم عمله ، ولزمه الوفاء بكل شرط قد اشترط في ضمن العقد للزارع ، و أن يلتزم بالأحكام التي يستتبعها عقد المزارعة ، وإذا كان الميت هو العامل ، وجب على وارثه من بعده أن يقوم بالعمل لصاحب الأرض ، حسب ما يقتضيه العقد ، وأن يرتب آثاره وأحكامه كلها، وتلاحظ المسألة الآتية .

المسألة 29: إذا كان صاحب الأرض قد اشترط على العامل -في ضمن عقد المزارعة بينهما- أن يتولّى العامل الزرع في الأرض والعمل في ذلك بنفسه، فقد يكون هذا الاشتراط منه على وجه التقييد لموضوع المزارعة ووحدة المطلوب فيه، والمعنى الصريح لذلك : أن المزارعة التي جرى عليها العقد بينهما إنما تعلقت بعمل العامل بنفسه، وبمنفعته الخاصة التي يقوم بها على سبيل المباشرة، فإذا مات العامل في هذه الصورة بطلت المزارعة بموته دون ريب ، وذلك لأن وارث العامل لا يستطيع أن يقوم مقام مورثه العامل في ذلك ، فيأتي بموضوع المزارعة حسب ما قيّده به المالك.

وقد يكون ذلك الاشتراط من صاحب الأرض على سبيل تعدد المطلوب في المعاملة، والمعنى المراد من ذلك: أن المزارعة التي جرى عليها العقد قد تعلقت بأن يأتي العامل بالعمل على أي وجه اتفق ، سواء أتى بالعمل بنفسه أم أتى به غيره بالنيابة عنه، وهذا هو المطلوب الأول، وأن صاحب الأرض يشترط على العامل في ضمن العقد أمراً زائداً على ذلك، وهو أن يتولى القيام بالعمل بنفسه، وهذا هو المطلوب الثاني في العقد، فإذا مات العامل في هذه الصورة لم تبطل المعاملة بموته ، فأن الوارث من بعده يستطيع أن يأتي بالعمل بالنيابة عن مورّثه ، وهو الذي تعلقت به المزارعة ، ويثبت لصاحب الأرض خيار فسخ المعاملة إذا قام الوارث بالعمل بعد موت العامل لتخلّف الشرط ، فان ما يأتي الوارث به غير ما شرطه صاحب الأرض على مورثه.

المسألة 30: إذا أذن صاحب الأرض لشخص في أن يزرع أرضه ، واشترط عليه أن يكون حاصل الزرع بينهما بالمناصفة أو المثالثة ، أو غيرهما من الحصص المشاعة، جاز للشخص المأذون أن يزرع الأرض على الشرط المعين ، و قد ذكرنا هذا الحكم في المسألة الثالثة والعشرين، و أوضحنا فيها أن ذلك لا يكون من المزارعة المبحوث عنها، ويتفرع على ذلك : انه يجوز لصاحب الأرض أن يرجع عن إذنه للعامل بالزرع متى شاء، ويجوز للعامل المأذون أن يترك العمل متى أراد ، فإذا رجع مالك الأرض عن إذنه قبل أن يزرع العامل الأرض ، أو قبل أن ينمو الزرع فيها، بطلت المعاملة ، وإذا رجع عن إذنه بعد أن زرع العامل الأرض، وبعد أن ظهر بعض الحاصل من الزرع لزم العمل على وفق الشرط في ما ظهر من النتاج ، و بطل الإذن في ما لم يظهر منه ، وكذلك الحكم إذا أنشئت المعاملة بصورة الجعالة ، كما سبق منا ذكره في تلك المسألة، فيجري فيها هذا التفصيل أيضاً.

المسألة 31: إذا  أذن مالك الأرض للرجل في أن يزرع أرضه ، واشترط عليه أن تكون لمالك الأرض حصة معلومة من حاصل زرع الرجل فيها -كما فرضنا في المسالة المتقدمة- فزرع الزارع الأرض بعد إذن مالكها، وكان الزارع هو الذي يملك البذر أشكل الحكم -في هذه الصورة- في أن يرجع مالك الأرض عن إذنه ، فيقتلع الزرع قبل أن يظهر النتاج فيه، ولا ينبغي أن تترك مراعاة الاحتياط بين الجانبين في هذه ا لصورة.

المسألة 32: إذا اشترط صاحب الأرض على العامل أن تكون المزارعة بينهما في مدة معينة، لزم العمل بموجب الشرط ، فلا يحقّ للعامل أن يزرع الأرض قبل حلول الوقت المعين، ولا يجوز له أن يترك الزرع بعد حلول الوقت، ويجب أن يكون الأجل بمقدار يحصل فيه الزرع بحسب العادة ، ويبلغ أوان إنتاجه، وتتم فيه حصيلته، ولا يصح العقد إذا كان الأجل قصيراً لا يتسع لذلك، وقد ذكرنا هذا في المسألة التاسعة .

وإذا عيّن المتعاقدان للزرع مدة معلومة تتسع للزرع بحسب العادة المتعارفة، ثم اتفق أن انقضت المدة، ولم يدرك الزرع فيها لبعض الطوارئ المانعة ولم تتم حصيلته ، جاز لصاحب الأرض -بعد انقضاء المدة- أن يأمر العامل باقتلاع الزرع من أرضه مجاناً، و إذا قلعه العامل بأمره لم يستحق العامل على صاحب الأرض ارشاً للزرع الذي يقلعه،وجاز لصاحب الأرض أن يرضى ببقائه ثابتا في الأرض ، ولا يستحق على إبقائه في الأرض أجرة لأرضه ، وإذا رضي العامل بإبقاء الزرع فيها مع الأجرة ، جاز لصاحب الأرض مطالبته بها وأخذها منه، وهذا كله مع وجود الضرر بالفعل على صاحب الأرض إذا بقي الزرع في أرضه، ووجود الضرر كذلك على العامل إذا قلع زرعه، فيتخير صاحب الأرض -كما ذكرناه- لسلطنته على أرضه، وإذا وجد الضرر على أحد الطرفين خاصة دون الآخر كان الحكم لمن يصيبه الضرر.

المسألة 33: إذا لزم الضرر على العامل في الحكم عليه بإزالة زرعه من أرض المالك في الصورة المتقدمة، ولم يوجد أي ضرر على صاحب الأرض بإبقاء زرع العامل فيها حتى يدرك ، لم تصح لصاحب الأرض إزالة الزرع عنها، فإذا بقي الزرع فيها استحق صاحب الأرض أجرة المثل لأرضه -على العامل- للمدة التي يبقى الزرع فيها.

المسألة 34: إذا تم العقد بين المتزارعين على الوجه الصحيح ، ودفع المالك أرضه إلى العامل ليزرعها، ثم ترك العامل زراعة الأرض مختارا ، عامداً في تركه ، حتى انقضت مدة المزارعة بينهما، وجب على العامل أن يدفع للمالك أجرة المثل لأرضه بسبب تفريطه في الأمانة، بل يجب عليه أن يدفع له ارش الأرض إذا نقصت منفعة الأرض بسبب إهمالها ، وترك زرعها وسقيها طول تلك المدة، وكان هذا النقص بعد تفريطه في الأمانة.

وإذا ترك العامل زراعة الأرض في المدة بغير تفريط منه، فلا يترك الاحتياط بالرجوع إلى المصالحة والتراضي بينه وبين مالك الأرض .

المسألة 35: إذا ترك العامل زراعة الأرض حتى انقضت مدة المزارعة ، وكان تركه للزراعة بسبب وجود عذر عام له ولغيره ، أوجب عدم قدرته على الزراعة طول تلك المدة ، فالظاهر بطلان عقد المزارعة، لعدم إمكان انتفاعه بالأرض ، وقد ذكرنا في المسألة العاشرة أن إمكان انتفاع العامل بالأرض شرط في صحة المزارعة.

ومن الأعذار التي لا يمكن معها الانتفاع بالأرض: أن تنـزل على المنطقة كلها ، أو على الأرض نفسها ، ثلوج شديدة تمنع من زراعتها، أو تصبح المنطقة أو الأرض مأوى لسباع ضارية من الوحوش أو لحشرات فاتكة فلا يمكن دخولها، أو يمنع ظالم مستبد من الوصول إلى المنطقة أو إلى الأرض، فلا يتمكن العامل من زراعتها بسبب ذلك ، فتبطل المزارعة عليها.

المسألة 36: المزارعة -كما أوضحنا في المسائل المتقدمة- معاملة تقع بين المتعاقدين فيها، على أن يزرع الزارع منهما لصاحب الأرض  أرضه المعينة، وتكون لكل واحد من الشخصين حصة معلومة مشاعة يستحقها من الحاصل الذي تنتجه الزراعة في الأرض، وهذا هو القدر الثابت من أدلة هذه المعاملة، ولا يملك العامل -بسبب عقد المزارعة- شيئاً من منفعة الأرض .

نعم ، يجب على صاحب الأرض أن يدفع أرضه للعامل ليزرعها ، ويقوم بالعمل الخاص الذي وجب عليه بالعقد بينهما ، ومن الواضح أن ذلك لا يتم إلا بتسليم الأرض للعامل ، وتمكينه من التصرف فيها، فتسليم الأرض له شرط تقتضيه المعاملة، وإذا لم تسلم له الأرض كان لـه فسخ العقد لفوات الشرط ، وسيأتي لهذا مزيد من الإيضاح والتبيين في بعض المسائل الآتية -إن شاء الله تعالى- .

فإذا تم عقد المزارعة بين الرجلين على الوجه المطلوب شرعا، ثم غصبت الأرض من صاحبها قبل أن يسلمها لعامل المزارعة ، ولم يمكن استردادها من الغاصب ، جاز للعامل أن يفسخ عقد المزارعة لفوات الشرط ، فإذا هو فسخ العقد بطلت المعاملة، ولم تترتب له ولا عليه أحكامها، و إذا هو أبقى العقد ولم يفسخه -لفوات الشرط- انفسخت المعاملة بنفسها، لأن العامل لا يستطيع الانتفاع بالأرض بسبب غصبها -كما هو المفروض-، فلا فرق في النتيجة بين فسخه وعدم فسخه .

وكذلك الحكم إذا غصب الغاصب الأرض بعد أن سلّمها مالكها للعامل ، فتنفسخ المعاملة بنفسها لعدم إمكان الانتفاع بها، و لا يثبت للعامل خيار الفسخ في هذه الصورة.

المسألة 37: يلزم غاصب الأرض ضمان جميع منفعة الأرض في جميع مدة الغصب لمالكها الشرعي ، سواء غصبها من يد المالك نفسه ، أم من يد عامل المزارعة، و سواء استوفى الغاصب من هذه المنفعة شيئا أم لم يستوف منها شيئاً، ولا يضمن لعامل المزارعة حصته من المنفعة -وإن كان غصبه للأرض من يده-، فقد ذكرنا في المسألة المتقدمة : أن العامل لا يملك شيئا من منفعة الأرض بعقد المزارعة، ولا يضمن الغاصب لمالك الأرض حصته من عمل العامل، ولا يضمن للعامل حصته من عمل نفسه في الأرض ، من حيث انه قد فوّته عليه بسبب غصبه للأرض .

المسألة 38: إذا عيّن مالك الأرض لعامل المزارعة -في ضمن العقد الواقع بينهما- أن يزرع في الأرض نوعا خاصا من المزروعات ،كالحنطة أو الشعير أو الأرز ، أو غيرها من الحبوب أو المخضرات ، وجب على العامل أن يقتـصر على زراعة ذلك النوع الخاص في الأرض ، ولم يجز له أن يتعدى عنه إلى ما سواه من الأنواع الأخرى، وإن كان أيسر له في الزرع ، أو اكثر فائدة له من غيره .

المسألة 39: إذا عيّن مالك الأرض لعامل المزارعة أن يزرع في أرضه نوعا خاصاً من المزروعات، فقد يكون هذا التعيين منه بنحو التقييد للمزارعة ووحدة المطلوب فيها، ويكون المستفاد من صريح قول المالك، أو من القرائن الموجودة الدالة على مراده: أن المزارعة التي أجراها مع العامل قد تعلقت بأن يزرع العامل في الأرض ذلك النوع الخاص من المزروعات دون غيره ، وأن هذا هو مقصده ولا غرض له في سواء، ونتيجة لهذا التقييد فإذا ترك العامل زراعة ذلك النوع المعين ، فقد ترك موضوع المعاملة، ولم يأت بشيء من المقصود فيها، وإن زرع في الأرض غيره من الأنواع .

وقد يكون تعيين المالك للنوع الخاص من الزرع بنحو الاشتراط في المعاملة، وعلى سبيل تعدد المطلوب فيها، ويكون المستفاد من صريح قول المالك ، أو من القرائن الدالة على مراده : أن المقصود الأول من المزارعة هو أن يزرع العامل الأرض ، وينتفع الطرفان بزراعتها بأي نوع حصل من أنواع المزروعات ، وان له مطلوباً آخر -لبعض الأغراض المهمة- وهو أن يكون الزرع فيها من الحنطة أو من الشعير -مثلاً-، فيشترط ذلك على العامل في ضمن العقد، ونتيجة هذا الاشتراط ، فإذا ترك العامل زراعة ذلك النوع المعين لم تبطل المعامه بتركه ، ويثبت لمالك الأرض خيار الفسخ ، لتخلف الشرط الذي شرطه على العامل .

المسالة 40: إذا ترك العامل زراعة النوع الخاص الذي عيّنه مالك الأرض في العقد، وكان تعيينه لذلك النوع بنحو التقييد للمعاملة ، و وحدة المطلوب فيها -حسب ما أوضحناه في المسألة المتقدمة-، بطلت المزارعة بينهما ، لفوات الموضوع الخاص الذي تعلقت به ، ولزم العامل أن يؤدّي للمالك أجرة المثل لأرضه عن المنفعة التي فوّتها عليه لما ترك الزراعة المعينة للأرض ، سواء زرع في الأرض نوعاً آخر غير النوع المخصوص الذي أراده المالك ، أم لم يزرع فيها شيئاً، وإذا أوجب تصرف العامل في الأرض -على الوجه المذكور- نقصاً فيها وجب عليه أن يدفع للمالك أرش ذلك النقص، مع أجرة المثل التي تقدم بيانها، فيلزمه الأمران معاً في هذه الصورة .

المسألة 41: إذا ترك العامل زراعة الأرض بالنوع الخاص الذي عيّنه له المالك ، وزرع غيره من أنواع المزروعات ، وكان تعيين المالك لـذلك النوع بنحو الاشتراط وتعدّد المطلوب -حسب ما أوضحناه في المسألة التاسعة والثلاثين-، تخير مالك الأرض بين أن يفسخ المزارعة الواقعة بينهما وأن يمضيها، فإذا هو اختار الأول ففسخ المعاملة بطلت ، واستحق المالك على العامل أن يدفع له أجرة المثل لأرضه عن المنفعة التي فوّتها العامل عليه ، وإذا اختار الثاني فأمضى المعاملة -حسب ما فعل الزارع- صحت المعاملة كذلك ، واستحق كل من المالك والعامل حصته التي جعلت له في العقد من حاصل تلك الزراعة .

ولا فرق في جريان الحكم المذكور بين أن ينكشف الأمر لمالك الأرض بعد تمام الزراعة وبلوغ الحاصل ، و أن ينكشف له قبل ذلك ، فيثبت له الخيار على الوجه الذي بيناه .

المسألة 42: إذا زرع العامل في الأرض نوعا من المزروعات ، غير النوع الخاص الذي عيّنه مالك الأرض ، على نحو التقييد للمعاملة ، أو على نحو الاشتراط فيها، فنما ما زرعه العامل وأنتج ، فان كان البذر الذي زرعه العامل في الأرض مملوكاً للعامل نفسه ، فلا ينبغي الاشكال في أن جميع ما يحصل من ذلك الزرع وما ينتج ، يكون ملكاً للعامل تبعا لملكه للبذر، ولا يستحق مالك الأرض منه شيئاً، وإنما يستحق على العامل اجرة المثل لأرضه ، و قد ذكرنا هذا في ما تقدم .

واذا كان البذر مملوكا لصاحب الأرض ، وقد تصرف فيه العامل فزرعه في الأرض بغير إذنه ، فان المفروض أن المالك قد عيّن غير ذلك النوع في زراعة الأرض ، فيتخير المالك بين أن يطالب العامل بعوض بذره ، فيأخذ منه مثله إذا كان البذر مثليا ، وقيمته اذا كان قيمياً، فإذا دفع العامل إليه عوض البذر كان البذر والزرع وما يحصل منه ، كله مملوكاً للعامل ، ولم يستحق المالك منه شيئا بعد دفع البدل إليه ، ولا يستحق العامل أن يطالب المالك بأجرة على عمله ، ويستحق المالك على العامل اجرة المثل لأرضه .

ويجوز لمالك الأرض والبذر أن يغضي عن تصرف العامل في بذره ، فلا يطالبه بالعوض فيكون الزرع ، وجميع ما يحصل منه مملوكا له ، تبعاً لملكه للبذر ، ولا يستحق العامل أن يطالبه باجرة على عمله -كما تقدم- .

المسألة 43 : إذا شرط مالك الأرض على العامل أن يزرع فيها نوعا خاصا من المزروعات على نحو تعدد المطلوب ، وقد أوضحنا المراد منه ، ثم تعدى العامل فزرع في الأرض نوعاً آخر غير ما شرطه المالك ، و كان البذر مملوكا للعامل ، فان لم يعلم مالك الأرض بأن العامل قد تعدى وخالف الشرط حتى بلغ الزرع الذي زرعه العامل أوانه وأدرك ، جرى فيه نظير الحكم المتقدم ، فيتخير مالك الأرض بين أن يفسخ المعاملة وأن يرضى بها و يمضيها، فاذا اختار الشق الأول ففسخ المعاملة استحق على العامل أجرة المثل تامة لأرضه عن المنفعة التي فوّتها العامل عليه بمخالفته للشرط ، وأخذ العامل جميع حاصل ما زرعه ، و اذا اختار الشق الثاني فأمضى المعاملة ولم يفسخها ، صحت المعاملة ، واستحق كل من المالك والعامل حصته المعينة له من حاصل الزرع الموجود.

واذا علم مالك الأرض بأن العامل قد خالف الشرط قبل أن يبلغ ما زرعه العامل أوانه ، جاز للمالك أن يفسخ المعاملة، فإذا فسخها بطلت واستحق المالك على العامل اجرة المثل لأرضه عن المنفعة الفائتة، وجاز له أن يلزم العامل باقتلاع ما زرعه في الأرض ، وأمكن له ان يرضى ببقاء ما زرعه العامل في الأرض حتى يدرك ، ويأخذ منه أجرة المثل لتلك المدة، ويجوز له -مع رضاه- أن يبقي الزرع في الأرض مجاناً بغير أجرة .

المسألة 44: إذا زارع المالك العامل على أرض ليس لها ماء يكفي لسقاية الزرع فيها، وكـان العامل قادراً على أن يستخرج لها ما يكفيها من الماء ، بحفر نهر أو ساقية ، أو إخراج بئر ، أو تفجير عين ، فان كان العامل يعلم بوصف الأرض حين إجراء المعاملة بينه وبين المالك عليها ، صحت المزارعة ولزمت ، فلا يجوز للعامل فسخها، وان كان يجهل وصف الأرض في حال إجراء المزارعة ثبت له حق الخيار فيها ، فان شاء أمضى المعاملة. ووجب عليه أن يستخرج الماء و يزرع الأرض ، لأنه قادر على ذلك -كما فرضنا-، وان شاء فسخ المعاملة ، فبطلت و لم يلزمه شيء ، واذا كان غير قادر على إخراج الماء في الأرض كانت المعاملة باطلة ، لعدم إمكان الانتفاع بالأرض . وكذلك الحكم اذا زارع المالك العامل على أرض قد استولت عليها المياه أو الأملاح والاسباخ بالفعل ، وكان العامل قادراً على أن يعالج الأرض ، فيجفّف المياه وينقيها من السبخ والأملاح، فتصح المعاملة وتلزم ، إذا كان العامل عالماً بوصف الأرض حين إجراء المعاملة ، ويثبت له خيار الفسخ إذا كان جاهلاً، وتبطل المعاملة من أصلها إذا كان غير قادر على إصلاحها، سواء كان عالماً بوصف الأرض أم كان جاهلاً به.

وتبطل المزارعة كذلك إذا طرأ بعض العوارض على الأرض في الأثناء ، فانقطع عنها الماء ولم تمكن سقايتها، أو استولت عليها المياه أو الأسباخ أو الرمال الكثيفة الناعمة ، ولم تمكن إزالتها ، وأصبحت غير قابلة للانتفاع بزراعتها ، وتلاحظ المسألة العاشرة.

المسألة 45: إذا  زارع المالك عاملاً على أرض، وكانت الأرض -في حين عقد المزارعة بينهما- صالحة للانتفاع بها، وزرعها العامل بعد العقد وهي صالحة كذلك، ثم طرأ عليها بعض العوارض المفسدة قبل أن يظهر الزرع فيها ، أو قبل أن يدرك،فانقطع عنها الماء مثلاً، ولم يمكن تحصيله لسقايتها بعد ذلك، أو استولت عليها المياه الكثيرة ولم يمكن تجفيفها، وأصبحت غير قابلة للانتفاع بها في بقية مدة المزارعة، بطلت المعاملة لفقد الشرط المعتبر في صحتها ، وقد سبق ذكره في المسألة العاشرة ، وكان الزرع الموجود مملوكاً لمالك البذر.

فإذا كان البذر مملوكاً للعامل ، فالزرع الموجود ، وجميع ما يحصل منه من الثمر والنتاج يكون مملوكاً للعامل تبعاً لأصله ، وهو البذر ، واستحق مالك الأرض عليه أجرة المثل لأرضه مدة بقاء الزرع فيها ، من أول زرعه فيها الى حين إدراكه واستيفاء العامل له، وإذا كان البذر مملوكاً لصاحب الأرض كان الزرع وجميع نتاجه مملوكاً له ، تبعاً لأصله وهو البذر، واستحق العامل عليه أجرة المثل لعمله في الزرع.

المسألة 46: تصح المزارعة الواقعة بين الطرفين المتعاقدين ، إذا كانت الأرض خاصة من أحدهما، وكان البذر والعوامل والعمل كلها من الثاني، وتصح المزارعة أيضا إذا كانت الأرض والبذر من أحد الطرفين، وكانت العوامل والعمل من الطرف الآخر وتصّح المعاملة كذلك إذا كانت الأرض والبذر والعوامل من أحد الطرفين وكان العمل وحده من الطرف الثاني ، وتصح أيضا إذا كانت الأرض والعمل من أحدهما وكان البذر والعوامل من صاحبه .

وتصح المزارعة إذا كانت الأرض مشتركة بين المتزارعين كليهما، وكانت الأمور الثلاثة الباقية كلها على أحدهما خاصة دون صاحبه ، وتصح المزارعة إذا اشترك الطرفان في جميع الأمور الأربعة ، أو في بعضها دون بعض حسب ما يتفقان عليه، ويجب عليهما تعيين الأمر الذي يشترك الطرفان فيه من هذه الأمور، والأمر الذي يختصّ به أحدهما، ومن يختص به من الطرفين، ومقدار الحصة من الأمر المشترك، فيجب عليهما تعيين ذلك في جميع الفروض المتصورة، ولا تصح المعاملة إذا ترك التعيين فيها.

ويستثنى من ذلك: ما إذا كان الاشتراك في الأمر أو الاختصاص بأحد الطرفين من العادات المتعارفة بين أهل البلد، والسيرة التي جرت عليها المعاملات الدارجة بينهم، بحيث ينصرف إليه العقد لديهم عند الإطلاق ، ويصبح الانصراف قرينة عامة على إرادة ذلك الفرض في المعاملة، فلا يجب التعيين في هذا الفرض .

المسألة 47: لا يعتبر في الشخص الذي يلزمه دفع البذر من المتعاقدين أن يكون مالكاً لعين البذر، فيكفي فيه أن يكون مالكاً لقيمته، ولو بالاقتراض والاستدانة له عند الحاجة، فإذا اشترط في عقد المزارعة على مالك الأرض أن يدفع البذر كله ، أو يدفع نصفه مثلاً، أو اشترط ذلك على العامل ، كفاه -في الوفاء بالشرط- أن يدفع القيمة ، ويشتري بها ما لزمه من البذر ، ليزرع في الأرض عند الحاجة، سواء كان هو الذي يتولى زرعه فيها، أم كان الذي يتولى الزرع غيره .

والمراد بالعوامل: الحيوانات والدواب ، أو الآلات والمكائن والأجهزة الحديثة أو القديمة ، التي تستخدم في حراثة الأرض ، أو في تنقيتها وتسميدها، أو في سقاية الزرع ومكافحة الحشرات والطفيليات الضارة ، قبل الزرع وبعده ، وفي حصاد المزروعات وجمعها وتصفيتها، سواء كانت العوامل المذكورة مملوكة بأعيانها ، أم بمنافعها باستئجار ونحوه .

والمراد بالعمل زرع البذور في الأرض ، والقيام بما يتطلبه ذلك عادة من حراثة الأرض ، وتمهيدها وإصلاحها قبل نثر البذور ، ووضع الجذور وبعده. والسعي الذي يتوقف عليه نمو الزرع وتعهده وسقيه -كلما احتاج إلى السقاية- ومكافحة ما يضره ، وشبه ذلك من الأعمال المتعارفة للمزارعين ، حتى يدرك الزرع ، ويبلغ أوانه ، ويتم نتاجه .

ولا يعتبر في هذه الأعمال أن يتولاها العامل بنفسه بنحو المباشرة، فيكفي فيها أن ينوب عن العامل فيها غيره ، من أجير أو نائب أو متبرع ، وقد جرى على هذا بناء العقلاء من الناس وسيرة أهل العرف في عامة البلاد، فهم يكتفون في هذه الأعمال التي تقبل النيابة بعمل النائب والأجير والمتبرع، إذا أتوا بالعمل على الوجه الصحيح الذي يحصل به المقصود ، وجرى عليه بناء المتشرعة والفقهاء (قدس الله أرواحهم)، إلا إذا دلت قرينة خاصة أو عامة بين المتعاقدين على اشتراط أن يتولّى العامل العمل بنحو المباشرة بنفسه ، فيلزمه الوفاء بالشرط عند ذلك ، ولكن الاحتياط عند الشك مما لا ينبغي تركه .

المسألة 48: يصح -في المزارعة- أن تقع على أرض واحدة مشتركة بين مالكين أو أكثر ، على وجه الإشاعة بينهم، فيوكل الشركاء في الأرض واحداً منهم على إنشاء عقد المزارعة بينهم وبين عامل واحد، ويتولى ذلك الشريك الذي وكلوه إيجاب المعاملة بالأصالة عن نفسه ، وبالوكالة عن شركائه في الأرض، أو يوكّلوا أجنبياً عنهم في إجراء المعاملة، ويتولى العامل أو وكيله قبول هذه المزارعة منهم، أو ينشئ العامل إيجاب المعاملة ، ويتولى الشريك الذي وكلوه قبولها، ويذكر الموجب والقابل في ضمن العقد ما يتفقون عليه من قيود وشروط ، على نهج ما سلف بيانه في مالك الأرض إذا كان واحداً.

ويصح في المزارعة أن يكون العامل فيها أكثر من شخص واحد، فيوكلوا بعضهم أو غيرهم ، وتجري المعاملة بينهم وبين مالك الأرض ، على نهج ما سبق في مالك الأرض إذا كان متعددا، وتصح المعاملة أيضاً إذا كان مالك الأرض متعدداً ، وكان العامل فيها متعددا، ويجرى العقد بين الطرفين كما سبق .

ويمكن لهم -في جميع هذه الصور والفروض- أن يشترط بعضهم على بعض في ضمن العقد أن تكون العوامل والبذور والعمل على نحو الإشتراك بين جميعهم ، أو على نحو الاشتراك بين بعضهم ، أو تكون على بعضهم خاصة دون الآخرين ، فيصح العقد في كل في هذه الفروض مع الاشتراط والتعيين في ضمن العقد، وحصول الرضا والقبول به من الجميع، ومن الواضح جدا أن العقد في جميع هذه الصور المفروضة يتألف من إيجاب واحد وقبول واحدٍ ، وإن كان الشركاء في الأرض وفي العمل ، الذين يتعلق بهم العقد متعددين .

المسألة 49: يشكل الحكم بصحة عقد المزارعة إذا أجري العقد بين أكثر من طرفين ، ومثال ذلك: أن يتعاقد ثلاثة أشخاص على إجراء المزارعة في ما بينهم ، فتكون الأرض من أحدهم ، ويكون العمل في الأرض من الثاني ، وتكون العوامل والبذور من الثالث ، وتكون لكل واحدٍ من الأشخاص الثلاثة حصة معلومة من نتاج الزرع ، أو يتعاقد أربعة رجال ، فتكون الأرض من الأول ، والعمل من الثاني ، والعوامل من الثالث ، والبذور من الرابع، أو يتعاقد أكثر من ذلك على أن يكون العمل أو العوامل أو البذر بين شخصين أو اكثر، فتكثر أطراف المعاملة، ويجعل لكل طرف منهم حصة معينة من نتاج الزرع ، بالمساواة بينهم، أو بالتفاضل ، حسب ما يتفقون عليه ويعيّنونه في العقد، فيشكل وقوع المزارعة المصطلحة بين الفقهاء في مثل هذه الفروض .

وتصح المعاملة إذا أجريت بينهم على وجه المصالحة، وتصح أيضا وتلزم -على الأقوى- إذا أنشئت بينهم على أنها إحدى المعاملات المستقلة في أنظار العقلاء وأهل العرف ، وتدل على صحة هذه المعاملة العمومات الدالة على وجوب الوفاء بالعقود، ووجوب الوفاء بالشروط ، وإن بعدت في صورتها عن المزارعة الخاصة المعروفة بين الفقهاء.

المسألة 50: إذا تم عقد المزارعة بين مالك الأرض وعامل المزارعة ، على الوجه الصحيح الجامع للشرائط ، أصبح العامل صاحب حق في الأرض المذكورة، وان لم يملك شيئا من الأرض ولا من منفعتها، ومن أجل ثبوت هذا الحق ، وجب على المالك دفع الأرض إليه ، ليعمل فيها عمل المزارعة، وجاز له التصرف فيها بما تقتضيه المعاملة بينهما، وإذا مات مالك الأرض لم يسقط حق العامل، فلا يجوز لورثة المالك منعه من التصرف فيها، وإذا مات العامل انتقل الحق إلى ورثته ، فيجب عليهم القيام بوظيفة مورّثهم في الأرض، وقد سبق منا ذكر جميع هذا مفصلا.

ومن نتائج ثبوت هذا الحق للعامل في الأرض انه يصح للعامل أن يزارع على الأرض شخصاً آخر ، فيكون هذا الشخص الثاني عاملاً للزارع الأول ، ويجب عليه أن يقوم بكل عمل يلزم الأول القيام به إذا كان هو المتصدي للعمل ولم يزارع غيره ، ويجب على الثاني أن يفي بكل ما يشترطه عليه الأول ، مما لا ينافي مزارعته مع مالك الأرض .

ولابد في هذه المزارعة الثانية أن تكون حصة مالك الأرض من الحاصل محفوظة، فلا ينقص منها شيء ، فإذا كان المالك قد زارع العامل الأول على أن يكون لكل واحد منهما نصف الحاصل من الزرع ، أمكن للعامل الأول أن يزارع الشخص الثاني، على النصف كذلك فتكون حصة مالك الأرض هي النصف ، ويكون النصف الثاني للعامل الثاني ، ولا يستحق الأول منه شيئا، ويمكن له أن يزارعه على النصف من حصته خاصة، فيكون نصف الحاصل لمالك الأرض ولا ينقص منه شيء ، ويقسّم النصف الثاني بين العامل الأول والثاني على التنصيف ، فيكون لكل واحد منهما ربع الحاصل ، ويصح له أن يزارعه على الثلث أو الربع من حصته حسب ما يعينه له منها.

ولا يعتبر -في صحة مزارعة العامل الأول للثاني- أن يستأذن مالك الأرض فيها، بل ويجوز له أن يسلم إليه الأرض إذا كان أميناً وان لم يأذن له المالك ، وان كان الأحوط له الاستئذان في ذلك .

ولا فرق في صحة هذه المزارعة -على الأقرب- بين أن يكون البذر من مالك الأرض ، وأن يكون من العامل .

المسألة 51: إذا كان مالك الأرض قد اشترط على العامل في ضمن العقد ، أن يتولى العمل في الأرض بنفسه ، وجب عليه ذلك ، وإن صح له أن يزارع عليها شخصا آخر -كما تقدم-، فتصح المزارعة الثانية ، ويجب على العامل الأول أن يتولى العمل في الأرض بنفسه بالنيابة عن العامل الثاني ، ويستحق العامل الثاني بذلك حصته المعينة له من الحاصل .

المسألة 52: ذكر بعض أكابر الفقهاء (قدس الله أنفسهم): أنه يجوز لعامل المزارعة أن يشارك غيره في حصته من حاصل الزراعة، ولعل مراد هذا القائل أن يزارع العامل شخصاً غيره في حصته ، فإذا وفّى هذا المزارع الثاني بمزارعته معه استحق نصيبه من الحصة ، فكان مشاركاً له فيها، ويعود إلى ما ذكرناه في المسألة الخمسين .

ويشكل ذلك ، أو يمتنع إذا كان المراد أن يبيع العامل بعض حصته على الغير ، على وجه الإشاعة بعوض معلوم ، فان العامل لا يملك حصته قبل الزرع وظهور الحاصل منه ، فكيف يجوز له بيعها أو بيع شيء منها؟، وإنما يجوز بيع الثمرة قبل ظهورها إذا باعها المالك مع الضميمة ، أو باعها لاكثر من سنة واحدة، وقد ذكر الفقهاء هذا الحكم في فصل بيع الثمار من كتاب البيع .

المسألة 53: إذا جرى عقد المزارعة بين المتزارعين بحسب ظاهر الأمر، واستلم العامل الأرض من صاحبها ليزرعها له ، ثم تبيّن للجانبين فساد المزارعة الجارية بينهما من أصلها ، لفقد بعض شروط الصحة فيها، فان كان تبين بطلان المعاملة قبل أن يبدأ العامل بزراعة الأرض ، أو يشرع بشيء من مقدماتها القريبة أو البعيدة: استردّ المالك أرضه ، ورفع العامل يده عنها، ولا شيء لأحدهما على الآخر.

وكذلك الحكم إذا كان العامل قد استلم الأرض من صاحبها، وبدأ في المقدمات البعيدة التي لا تعدّ شروعاً في العمل لمالك الأرض في نظر أهل العرف ، ومن أمثلة ذلك: أن يشتري العامل بعض الأدوات التي يحتاج إليها عند حراثة الأرض وتمهيدها للزرع ، أو يشتري الحيوانات والحبال والدلاء التي يستخدمها عند سقي الزرع ، ولم يستخدم شيئاً منها بالفعل ، فإذا تبين فساد المزارعة أخذ المالك أرضه ، وكانت للعامل أدواته ودوابّه وآلاته التي اشتراها، ولا شيء للمالك والعامل غيرها.

وإذا كان العامل قد بدأ في المقدمات القريبة التي تعدّ عند أهل العرف شروعاً في العمل لمالك الأرض ، وامتثالاً لأمره بالمزارعة، كما إذا أخذ في حراثة الأرض وتمهيدها للزراعة، أو شق النهر الذي تحتاج إليه، أو حفر البئر ، أو نصب الناعور أو الدولاب في الأرض ، أو اعدّ المكينة لجذب الماء من العين أو البئر، أو هيأ جهاز الكهرباء لتحريك الماكنة، فإذا ظهر بعد ذلك بطلان المزراعة استردّ المالك أرضه من العامل ، ووجب عليه أن يدفع للعامل أجرة المثل لما قام بـه من العمل ، وكانت الأعيان من الأدوات والأجهزة والماكنة لصاحبها التي اشتراها ودفع قيمتها.

وأولى من ذلك بالحكم المذكور ما إذا عمل العامل في الأرض عملا ترتفع به قيمتها في أنظار العقلاء وأهل العرف، كما إذا حرث الأرض وبسطها ومهّدها لتزرع فزادت قيمتها بذلك ، وكما إذا شق فيها نهراً، أو فجّر فيها عيناً، أو حفر فيها بئراً فارتفعت قيمتها، فيجب على المالك أن يدفع إليه أجرة المثل لذلك العمل ، بطريق أولى من الصورة المتقدمة.

المسألة 54: إذا تبيّن بطلان عقد المزارعة بعد أن أخذ العامل الأرض من صاحبها ، وبدأ بالعمل فزرع الأرض ونثر الحب والبذر فيها، كان جميع الزرع وما ينتج منه مملوكاً لصاحب البذر، فان النماء يتبع أصله في الملك ، وهذا الفرض يقع على صور متعددة ، ولكل صورة أحكامها.

(الصورة الأولى): أن يكون البذر مملوكاً لعامل المزارعة، والحكم فيها أن يكون الزرع والنتاج مملوكاً للعامل ، ولا يملك صاحب الأرض منه شيئا، ولا يجب على مالك الأرض أن يبقي ما زرعه العامل في أرضه إلى أن يبلغ ويدرك أوانه ، وان بذل العامل له أجرة المثل لأرضه في تلك المدة، فلا يجبر على ذلك ، ويستحق مالك الأرض على العامل أجرة أرضة للمدة السالفة، ويجوز له أن يأمر العامل بإزالة ما زرعه في الأرض ، وإذا قلعه العامل بعد أن أمره المالك بالقلع ، فلا يستحق على المالك ارشاً لزرعه ، ويجوز لمالك الأرض أن يبقى زرع العامل فيها بأجرة المثل أو مجاناً ، إذا رضي العامل (مالك الزرع) بذلك ، ولا يحق لمالك الأرض أن يلزم العامل بابقاء زرعه في الأرض ودفع الأجرة عنه ، إذا هو لم يختر ذلك.

وإذا اختار العامل فأبقى زرعه في الأرض ، فعليه أن يدفع لمالكها أجرة أرضه -كما قلنا-، ويدفع له أجرة العوامل المستخدمة في الزرع والسقي -إذا كانت مملوكة لصاحب الأرض-.

المسألة 55: (الصورة الثانية): أن يكون البذر مملوكا لصاحب الأرض ، والحكم فيها أن يكـون الزرع ، ونمـاؤه ، وما يحصل منه ، مملوكاً لصاحب الأرض والبذر تبعاً لأصله ، ويجب عليه أن يدفع للعامل أجـرة المثل عـن جميع عمله الذي قام بـه في زرع الأرض ، وتنمية الزرع ، وأن يدفع له أجرة العوامل التي استخدمها في الزرع والسقي -إذا كان مالكاً لها أو لمنفعتها-.

المسألة 56: (الصورة الثالثة): أن يكون البذر مملوكاً لكل من صاحب الأرض وعامل المزارعة على سبيل الاشتراك بينهما، والحكم فيها ، أن كل واحد من المتعاملين المذكورين يملك من حاصل الزرع بنسبة ما يملكه من البذر، فإذا كان مملوكاً لهما بالمناصفة ، فلكل واحد منهما نصف الزرع والنماء وإذا كان لأحدهما ثلث البذر فقط ، فله الثلث من الزرع والنماء ، وللآخر الثلثان ، وهكذا.

ويجب على العامل أن يدفع لمالك الأرض من أجرة المثل لأرضه ، ومن أجرة المثل لعوامله التي يملكها ، أو يملك منفعتها ، وكان قد استخدمها في الزرع ، ومن النفقات والمصارف الأخرى التي أنفقها المالك فيه بنسبة ما يملكه العامل من الحصة في الزرع ، فإذا كان يملك منه النصف لأنه يملك نصف البذر -كما ذكرنا-، وجب عليه أن يدفع لمالك الأرض نصف أجرة المثل لأرضه وعوامله ، ومن مجموع نفقاته على الزرع ، وإذا كان العامل يملك من الحاصل الثلث ، وجب عليه أن يدفع لمالك الأرض ثلث جميع ما عدّدناه ، وإذا كان يملك الثلثين وجب عليه أن يدفع له الثلثين من ذلك .

ويجب على صاحب الأرض أن يدفع للعامل من أجرة المثل لعمله في الزرع ومتعلقاته ، ومن أجرة المثل للعوامل التي يملكها العامل، أو يملك منفعتها -وكان قد استخدمها في الزرع-، ومن النفقات الأخرى التي أنفقها فيه ، بنسبة حصة مالك الأرض من الزرع والنماء ، فإذا كان يملك منه النصف -على الوجه الذي بيناه- وجب عليه أن يدفع للعامل نصف ذلك ، وهكذا إذا كانت حصته من الزرع اقل من النصف أو اكثر، فيجب عليه أن يدفع للعامل بنسبة حصته.

المسألة 57: إذا وقعت المزارعة بين أكثر من متعاقدين ، وكان إنشاؤها بين الأطراف باعتبار أنها معاملة خاصة مستقلة بنفسها عن المعاملات الأخرى، وعن المزارعة المصطلحة بين الفقهاء، وقد ذكرنا هذا في المسألة التاسعة والأربعين ، فاشترط في المعاملة أن تكون الأرض من الطرف الأول ، وأن يكون العمل على الطرف الثاني ، وأن يكون البذر من الثالث، واستلم العامل الأرض من مالكها، وزرعها ثم تبيّن لهم بطلان المعاملة، فيكون جميع الزرع والنماء لمالك البذر -وهو الطرف الثالث في المثال الذي ذكرناه-، ويجري فيها الحكم المتقدم، فلا يجب على مالك الأرض إبقاء الزرع إلى أن يبلغ أوان حاصله، ويجوز له أن يأمر مالك الزرع بإزالته من الأرض ، ولا أرش له إذا قلعه، ويجوز لمالك الأرض أن يبقي الزرع في الأرض مجاناً أو بأجرة المثل -إذا رضي مالك الزرع بذلك-، وإذا اختار مالك الزرع فأبقى الزرع في الأرض ، لزمه أن يدفع لمالك الأرض أجرة أرضه مدة بقاء الزرع فيها ، ويجب على مالك الزرع أن يدفع للعامل أجرة عمله في الزرع، وأن يدفع لصاحب العوامل أجرة عوامله .

المسألة 58: قد اتضح -مما ذكرناه في مسائل الفصل الأول وما بعدها من هذا الكتاب- أن القدر المعلوم ثبوته في عقد المزارعة: هو أن يلتزم صاحب الأرض للعامل بان يبذل له أرضه المعلومة ليزرعها له ، وأن يلتزم العامل لصاحب الأرض بأن يقوم له بالعمل المطلوب ، فيزرع الأرض ، ويتعهد الزرع بما يربيه وينميه حتى يظهر ، ويستكمل نموه ويثمر ، ويبلغ أوان حاصله ، ويلتزم الجانبان بأن تكون لكل واحد منهما في قبال ذلك حصة معلومة المقدار مشاعة من الحاصل الذي ينتجه الزرع .

ثم إن الثابت المعروف -في مرتكزات أهل العرف والعقلاء، الخبراء بالمعاملة من الناس- أن يكون الزرع في جميع مراحل نموه من حين ظهوره في الأرض ، إلى آخـر إدراكه وبلوغ غايته ، مشتركا بين الطرفين ، على نسبة الحصتين اللتين عيّنهما الطرفان لهما من الحاصل، ومن متفرعات ذلك ونتائجه ، أن يكون القصيل والورق والتبن وغير ذلك من نواتج الزرع ، مشتركة بين الطرفين ، على نسبة حصتيهما المعينتين ، وعلى هذا الأمر الثابت في أذهان أهل العرف وفي مرتكزاتهم تتنـزل الأدلة الشرعية والاطلاقات الواردة في أحاديث المعصومين (ع) في عقد المزارعة ، ويثبت بها الحكم المذكور.

ويصح للمتعاقدين أن يشترطا ذلك في ضمن العقد بينهما اشتراطاً صريحاً ، فيقول مالك الأرض للعامل -في إيجابه للعقد-: أسلمت إليك هذه الأرض لتزرعها حنطة أو شعيراً، على أن يكون جميع ما يحصل من ثمر الزراعة بيني وبينك بالمناصفة مثلاً، وعلى شرط أن يكون الاشتراك ما بيننا في الزرع في جميع مراحله ، من أول ظهور الزرع في الأرض إلى نهاية إدراكه وبلوغ حاصله ، ويقبل العامل المزارعة منه على الشرط المذكور، وتكون نتيجة هذا الاشتراط -كما تقدم- اشتراك الطرفين حتى في ورق الزرع الذي يؤخذ منه ، وفي قصيله وتبنه ، وفي أغصانه اليابسة أو الطرية التي تؤخذ منه لتزرع في موضع آخر من الأرض ، أو في أرض أخرى.

وإذا اشترطا أن يقع الاشتراك بينهما من أول الزرع ، لا من حين ظهوره في الأرض، اشتركا حتى في البذر بعد نثره في الأرض ، وفي جذوره التي تتكوّن قبل ظهور الزرع .

المسألة 59: إذا اشترط المتعاقدان أن يكون الاشتراك ما بينهما في الزرع عند بلوغه إلى مرحلة معينة من النمو، ثبت لهما ما شرطاه ، فلا يكون بينهما اشتراك في الزرع قبل أن يصل إلى تلك المرحلة، ومثال ذلك: أن يقول الموجب منهما لصاحبه: زارعتك على هذه الأرض ليكون حاصل الزراعة فيها ما بيننا بالمناصفة، وعلى شرط أن يكون الاشتراك ما بيننا بعد ظهور الثمر في الزرع ، أو بعد انعقاد الحب فيه ، أو بعد صدق اسم الغلّة عليه ، فيسمى حنطة أو شعيراً أو عنباً، فلا يقع الاشتراك إلا بعد حصول الشرط ، وبلوغ الزرع إلى المرحلة التي عينها المشترط ، ويكون الزرع في مراحله السابقة عليها مملوكاً لمالك البذر ، ولا حقّ لصاحبه فيه ، ولما بيّناه في هذه المسالة وسابقتها فروع ، سنتعرض لذكرها -إن شاء الله تعالى- في المسائل الآتية.

المسألة 60: إذا وقعت المزارعة بين الشخصين ، جامعة لما يعتبر فيها من شرائط الصحة، وزرع العامل الأرض ، ثم بدا للطرفين أن يتقايلا ويفسخا عقد المزارعة الواقع بينهما ، بعد أن ظهر الزرع في الأرض، أو بعد ما ظهر الثمر، أو انعقد الحب في الزرع ، فالظاهر أن يكون فسخ المعاملة -إذا حصل بينهما- فسخاً لها في حين وقوعه ، وليس فسخاً لها من أصل وقوع العقد ، وإن كان ذلك هو مقتضى القاعدة في التقايل إذا حصل بين الطرفين ، وذلك لأن المرتكز في أذهان عامة العقلاء وأهل العرف في فسخ المزارعة: أن يكون ذلك على نحو تعدّد المطلوب ، وهو نظير الفسخ عند تبعّض الصفقة.

ويتفرع على حصول الفسخ بينهما -في حين وقوع الفسخ كما ذكرنا ، لا من أصل العقد-: أن يكون الزرع الموجود مملوكاً لصاحبه حين ما وقع الفسخ بينهما ، وليس مملوكاً لصاحب البذر، ويتفرع على ذلك أيضاً: أن لا يثبت لصاحب الأرض حق في أن يأخذ من العامل أجرة لأرضه للمدة الماضية قبل الفسخ ، ولا يثبت للعامل حق في أن يأخذ من صاحب الأرض أجرة لعمله في تلك المدة .

وإذا فسخا عقد المزارعة -كما ذكرنا-، فيجوز لهما أن يتراضيا بينهما على أن تبقى حصة العامل من الزرع في الأرض إلى أن يبلغ أوانه ويتم نتاجه ، مع تسليم العامل أجرة المثل لمالك الأرض مدة بقاء الزرع فيها ، أو بغير أجرة، ويجوز لهما أن يتراضيا على أن تقطع حصة العامل من الزرع قصيلاً.

ويجوز لصاحب الأرض أن يطالب العامل بقسمة الزرع الموجود عند الفسخ، فيبقي مالك الأرض حصته من الزرع بعد القسمة في الأرض ، ويأمر العامل بقطع حصته من الزرع وإزالتها من الأرض ، ولا يستحق العامل عليه بذلك أرشاً ، وليس للعامل أن يبقي حصته من الزرع في الأرض إذا كان صاحب الأرض لا يرضى ببقائها فيها ، وان دفع له أجرة المثل .

وكذلك الحكم إذا شرط أحد المتعاقدين أن يكون له خيار فسخ المزارعة في وقت معين ، ففسخها في ذلك الوقت المعين ، أو ثبت له خيار الفسخ لتخلّف بعض الشروط التي شرطها على صاحبه ، فإذا فسخ المعاملة ، وكان فسخه في أثناء المدة المعينة لعقد المزارعة بينهما ، جرت الأحكام واللوازم التي بيّناها في هذه المسألة .

المسألة 61: إذا غصب أحد أرضا من مالكها الشرعي ، وسلّم الغاصب الأرض إلى عامل ليزرعها له مدة معلومة ، بحصة معينة من حاصل الزراعة فيها، جاز لمالك الأرض أن يسترجع أرضه المغصوبة من الغاصب أو من العامل ، ويصحّ له الرجوع بها على أيهما شاء.

ويتخيّر مالك الأرض بين أن يجيز عقد المزارعة الذي أنشأه الغاصب مع العامل ، وأن يردّ ذلك العقد، فان هو أجاز العقد صح ، وأصبحت المزارعة بين مالك الأرض والعامل ، على حسب ما عين في عقدها من قيود وشروط ، ولا تفتقر صحة المزارعة -بعد إجازة المالك الشرعي- إلى قبول جديد من العامل .

وتثبت للعامل حصته الخاصة التي ذكرت له في العقد ما بينه وبين الغاصب من حاصل الزراعة، وتكون لمالك الأرض الحصة الأخرى منه ، سواء وقعت إجازة المالك للعقد قبل شروع العامل بالعمل ، أم وقعت بعده ، وإذا أبى المالك الشرعي فردّ عقد المزارعة ، ولم يجزه على أرضه بطلت المعاملة من أصلها، وإذا كان عامل المزارعة قد زرع الأرض بعد عقد المزارعة عليها وقبل أن يردّه المالك ، وقد ظهر الزرع في الأرض وكان البذر من العامل ، فالزرع الموجود يكون مملوكاً للعامل تبعاً للبذر، ويلزم العامل أن يدفع لمالك الأرض أجرة المثل لمنفعة أرضه في المدة الماضية .

ويجوز لمالك الأرض -بعد رده للمزارعة- أن يأمر العامل بإزالة زرعه وجذوره من الأرض ، ولا ارش للعامل إذا أزالها، ويجوز للمالك أن يرضى ببقاء الزرع في أرضه حتى يدرك ، ويبلغ أوانه ، ويأخذ منه أجرة المثل في المدة الآتية. وإذا اخذ مالك الأرض من العامل أجرة المثل لما مضى من المدة ، أو لما يأتي من مدة بقاه الزرع في الأرض ، جاز للعامل أن يرجع بما خسره على الغاصب ، إذا كان قد غرّه .

المسألة 62: إذا أنشئت المزارعة بين مالك الأرض وعامل المزارعة ، ثم تبين -بعد إجراء العقد ، أو بعد زرع العامل الأرض- أن العامل الذي جرت معه المعاملة عبد مملوك ، وأن مولاه لم يأذن له في المزارعة ، كان الأمر في تصحيح هذه المعاملة بيد المولى المالك للعبد ، فان هو أجاز مزارعته صحت ، والزم العبد بالعمل في زراعة الأرض ، والقيام بما تحتاج إليه من سقي وغيره ، وكانت الحصة المعينة له من حاصل الزرع لمولاه ، والحصة الثانية من الحاصل لمالك الأرض، وان فسخ المولى المالك للعبد المعاملة بطلت من أصلها، وكان الزرع الموجود الذي زرعه العبد تابعاً للبذر، فان كان مالك البذر هو مالك الأرض، كان الزرع مملوكاً له لأنه نماء بذره ، ولـزم صاحب الأرض أن يدفع لمولى العبد أجرة المثل لعمل مملوكه ، وان كان البذر للعبد ، فهو ملك لمولى العبد ويكون هو المالك للزرع أيضا، ويجوز لمالك الأرض أن يأمر بقلع الزرع وإزالته من الأرض ، ولا أرش لصاحب الزرع بذلك ، ويجوز لمالك الأرض أن يبقي الزرع في أرضه حتى يبلغ أوانه مجانا ، أو مع أجرة المثل لأرضه في تلك المدة، إذا رضي مولى العبد بدفعها ، ولا يجبر على ذلك .

وكذلك الحكم إذا غصب العبد غاصب من مولاه الشرعي ، وزارعه صاحب الأرض بأمر الغاصب ، ولم يستأذن مولاه ، فيكون الأمر في صحة المزارعة لمولاه ، ويجرى فيه وفي زرعه البيان الذي قدمناه .

المسألة 63: إذا حكم الشارع ببطلان المزارعة بين المتعاقدين من اصلها، أو حكم ببطلانها في أثناء المدة ، بعد أن كانت صحيحة في أول الأمر ، لطروء بعض العوارض التي أوجبت الحكم بفسادها كذلك ، وقد تكرّر منا أكثر من مرة: أن الزرع الموجود في الأرض بعد بطلان المعاملة يكون تابعا للبذر في الملك ، فمالك الزرع الموجود في الأرض هو مالك البذر.

فإذا علم أن البذر الذي زرع في الأرض كان مغصوبا من مالكه ، كان الزرع الموجود في الأرض مملوكاً للمالك الأصلي الذي غصب البذر منه ، فالزرع والنتاج كله له ، ولا يستحق عليه مالك الأرض أجرة لأرضه ، ولا يستحق عليه عامل المزارعة أجرة لعمله ، بل تكون الأجرة على من جاء بالبذر ليزرع في الأرض ، فان كان الذي جاء بالبذر للزراعة هو العامل ، لزمه أن يدفع أجرة الأرض لصاحبها، وأن كان الذي جاء به للزراعة هو صاحب الأرض ، لزمه أن يدفع للعامل أجرة عمله ، ويجوز لمالك الأرض أن يأمر المالك المذكور للزرع بإزالة زرعه عن أرضه ، وان لم يبلغ الزرع أوان قطعه ، ولا أرش لمالك الزرع بسبب ذلك .

المسألة 64: إذا تمت المزارعة بين الطرفين المتعاقدين ، ثم علم -بعد ذلك- أن العوامل التي استخدمت في زراعة الأرض ، وفي حرثها وسقايتها ، كانت مغصوبة من مالكها الأصلي لم تبطل المزارعة بذلك ، سواء كان الذي غصبها أو استخدمها هو مالك الأرض ، أم كان هو العامل ، ويجب عليه أن يدفع لمالكها الشرعي أجرة المثل ، لمنفعتها في مدة استخدامها، وكذلك الحكم في سائر المصارف التي أنفقها المالك على أرضه ، أو أنفقها العامل على زرعه ، ثم علم بعد ذلك أنها كانت مغصوبة من مالكها، فلا يضر ذلك بصحة المعاملة الجارية بين المتعاقدين ، ويلزم على منفقها أن يدفع لمالكها الأصلي مثلها إذا كانت مثلية، وقيمتها إذا كانت قيمية .

المسألة 65: قد سبق منا ، أن الأقوى حصول الاشتراك ما بين مالك الأرض والعامل في الزرع عند ظهوره في الأرض ، وتبيّنه على وجهها، وان لم يسمّ قصيلاً ، أو يخرج له شطئاً، وقبل أن يظهر له ثمر ، أو ينعقد له حب ، وقد ذكرنا هذا في المسألة الثامنة والخمسين ، وكذلك إذا اشترط المتزارعان في ضمن العقد أن تحصل الشركة فيه بينهما عند ظهور الزرع في الأرض .

ومن نتائج ذلك: أن يملك كل واحد من الطرفين حصته المقدرة له من حاصل الزراعة منذ ذلك الوقت ، وفي جميع مراحل نمو الزرع المتعاقبة، فإذا ظهر نمو الزرع ، وصدق عليه اسم الغلة ، حنطة أو شعيراً أو غيرهما من الغلات التي تجب فيها الزكاة، وبلغت حصة مالك الأرض أو الزارع مقدار النصاب ، وجبت عليه الزكاة في حصته ، وإذا لم تبلغ مقدار النصاب فلا زكاة عليه.

وإذا اشترط المتعاقدان أن يكون الاشتراك بينهما في ما بعد ذلك من المراحل ، كانت الزكاة على من يملك الزرع قبل ذلك ، وفي المرحلة التي يتعلق فيها وجوب الزكاة في الغلة ، وهو مالك البذر، فإذا بلغ مجموع الحاصل مقدار النصاب وجبت عليه زكاة الحاصل كله ، ولا زكاة على الآخر ، لأنه لم يملك الحصة في وقت تعلق وجوب الزكاة بها.

المسألة 66: إذا تم عقد المزارعة بين مالك الأرض والعامل ، واستلم العامل الأرض من مالكها فأهملها ، ولم يزرعها حتى انقضت المدة المعينة للمزارعة ، وكانت الأرض بيد العامل ، ولم يكن له عذر في ترك الزرع وإهمال الأرض ، لزمه أن يدفع لصاحب الأرض أجرة المثل لمنفعتها الفائتة في تلك المدّة، وقد سبق ذكر هذا في المسألة الرابعة والثلاثين وما بعدها، ولا ضمان عليه إذا لم يكن مفرّطا في ترك الزرع ، وقد ذكرنا في المسألتين بعض الأعذار الموجبة لعدم التفريط ، ولا ضمان على العامل بذلك إذا كانت الأرض في يد مالكها، وكان مالكها يعلم بان العامل قد ترك زراعتها ، ولا يترك الاحتياط بالرجوع إلى المصالحة بين الطرفين ، إذا كانت الأرض في يد مالكها، وكان المالك لا يعلم بأن العامل قد ترك زراعتها.

المسألة 67: إذا أجريت المزارعة بين المتعاقدين على أرض معلومة ، معينة الحدود ، وكانت الأرض بمجموعها صالحة للزرع والانتفاع بها في جميع المدة ، ثم اتفق أن طرأ الخراب والبوار على بعضٍ من الأرض ، فاستولت عليه المياه، أو الاسباخ ، ولم يمكن علاجه ، ولم يعد صالحاً للانتفاع به بوجه من الوجوه ، وبقي بعضها الآخر صالحاً للزرع والانتفاع به بالفعل ، بطلت المزارعة في القسم البائر من الأرض ، وتخير كل من مالك الأرض وعامل المزارعة في القسم الثاني الذي يمكن الانتفاع به من الأرض ، بين أن يفسخ المعاملة فيه للتبعّض الطارئ عليها ، وأن يمضيها، فإذا اتفق الطرفان فأمضيا العقد في ذلك القسم من الأرض صحت المزارعة فيه ، وترتبت آثارها، فيجب على العامل زرعه ويستحق كل من الطرفين حصته من حاصل الزراعة فيه ، وإذا فسخا المعاملة فيه معا ، أو فسخ أحدهما ، بطلت المعاملة .

المسألة 68: إذا ذكر المتعاقدان للمزارعة الواقعة بينهما مدة ، وجب عليهما أن يعينا للمدة أمدا وأجلاً مسمّى ، ويجب أن يكون الأجل بمقدار يتسع لزراعة الأرض فيه ، وبلوغ الزرع غايته ونتاجه بحسب العادة المتعارفة لذلك الزرع من الزمان ، وقد ذكرنا هذا في المسألة التاسعة وفي مسائل غيرها.

وإذا عيّن المتزارعان للمعاملة أجلاً يتسع لمعاملتهما بحسب العادة ، ثم اتفق أن انقضت المدة المضروبة ، ولم يدرك الزرع فيها أوانه ، ولم يبلغ غايته لبعض الطورائ المانعة، فلا حقّ للعامل في أن يبقي زرعه في الأرض ، إذا لم يرض مالك الأرض بإبقاء الزرع فيها ، وان بذل له أجرة الأرض لذلك ، ويجوز للطرفين أن يتراضيا على إبقاء الزرع فيها مجانا أو مع الأجرة، ويجوز لمالك الأرض أن يأمر العامل بإزالة ما زرعه من الأرض ، ولا أرش للعامل في ذلك .

المسألة 69: إذا زارع المالك عاملاً على أرض معيّنة، ثم علم العامل بعد إنشاء المعاملة أن الأرض التي زارعه المالك عليها ليس لها ماء يسقيها بالفعل ، وكان العامل قادراً على تحصيل الماء للأرض بحفر بئر ، أو استخراج عين ، أو غير ذلك ، ولم يكن العامل يعلم بذلك حين إجراء العقد، صحت المعاملة ولم تبطل بذلك ، ويثبت للعامل فيها خيار الفسخ، فإن شاء فسخ المعاملة وأبطلها، وان شاء أمضاها ، ولزمه أن يقوم بتحصيل الماء ، وزراعة الأرض ، وسقاية الزرع .

وكذلك الحكم إذا أجريت المزارعة بين المتعاقدين ، ثم علم الزارع بعد العقد أن الأرض المعينة غير قابلة للانتفاع بها إلا بعلاج ، وكان قادراً على القيام بعلاجها وإصلاحها، فتصح المعاملة ، ويثبت للعامل خيار الفسخ فيها -كما تقدم-، وتلاحظ المسألة العاشرة .

الفصل الثالث

في آثار تتبع عقد المزارعة

المسألة 70: إذا ظهر ثمر الزرع الذي زرعه العامل ، وبلغ أوان حاصله ، جاز لكل من مالك الأرض وعامل المزارعة أن يخرص الثمر الموجود في الزرع على صاحبه ، خرصاً يتفق الطرفان على قبوله ، وأن يحدّد لصاحبه مقدار حصته المجعولة له ، من المقدار الذي عينه بالخرص لجميع الحاصل ، فإذا خرص مالك الأرض مجموع حاصل الزرع الموجود فيها بمائة منّ من  الحنطة -مثلا- وكانت حصة العامل المجعولة له في عقد المزارعة هي نصف الحاصل ، كان مقدار حصته من الثمر المخروص خمسين منّا من الحنطة ، وللمالك الباقي منها، بشرط أن يحصل الرضا والقبول بذلك من العامل ، فيصح ذلك ، ويلزم الطرفين الوفاء به ، سواء زاد الحاصل على مقدار الخرص ، أم ساواه ، أم نقص عنه ، ولا يصح لأحدهما رد ذلك أو فسخه ، بعد جريان معاملة الخرص المذكورة والقبول بها من كليهما.

والخرص المذكور معاملة خاصة مستقلة بنفسها ، وبأدلتها الشرعية الواردة فيها ، عن سائر المعاملات ، وأثر هذه المعاملة إخراج المال المشترك بين المالك والعامل من الإشاعة المطلقة، وتحديد حصة كل واحد منهما عن حصة الآخر على وجه الإجمال ، وهي ليست من البيع ، ولا من الصلح بعوض أو بغير عوض .

المسألة 71: يشترط في صحة معاملة الخرص التي ذكرناها: أن يكون خرص الثمرة بعد أن تبلغ ويتم إداركها -كما ذكرنا في المسألة المتقدمة- فلا تصح إذا وقع الخرص قبل أن يبلغ الثمر هذا المبلغ ، وإن ظهر في الزرع ، أو بدأ أول إدراكه ولم يتم ، ويعتبر في صحتها: أن تكون الحصة المعينة لكل من الطرفين من حاصل الزرع نفسه ، فلا تصح المعاملة إذا جعلت الحصة بذلك المقدار في الذمة من جنس الحاصل ، وأولى من ذلك بعدم الصحة ما إذا جعلت بذلك المقدار من غير جنسه .

ويكفي في إنشاء المعاملة أن يقول الموجب من الطرفين: رضيت بالخرص المعيّن لثمر هذه الزراعة لي وعلي ، وتقبلت نصف المقدار الذي حدده الخرص في حصتي المعينة لي من حاصل الزرع ، وجعلت الباقي من الحاصل لك ، فإذا قبل الجانب الآخر ذلك ورضي به ، صحت المعاملة، ووجب على الطرفين الوفاء بها ، فإذا زاد الحاصل على مقدار الخرص لم يستحق الطرف الذي تقبّل حصته من الخرص من هذه الزيادة شيئاً ، كان الزائد من الحاصل كله لصاحبه ، وإذا نقص الحاصل عن مقدار الخرص ، أخذ الأول حصته من مقدار الخرص كاملة دون نقص ، وكان الباقي الناقص للثاني .

ويكفي في صحة المعاملة أن تنشأ، بأي لفظ غير ذلك ، إذا كان دالاً على هذا المضمون في عرف أهل اللسان ، وان كانت دلالته بالقرينة المفهمة ، أو بلغة غير عربية، ويصح أن تنشأ بالفعل إذا كان دالا على المعنى المراد.

ولا فرق في صحة معاملة الخرص المذكورة بين أن يكون الخارص لحاصل الزرع أحد الطرفين المتعاقدين ، وأن يكون شخصا ثالثاً غيرهما، إذا كان من أهل الخبرة والوثوق ، وتم بخرصه غرض المتعاملين ، وحصل به الرضا والقبول منهما.

المسألة 72: إذا تلف جميع حاصل الزرع ، أو تلف بعضه بحيث كان الباقي من الحاصل اقل من المقدار المخروص ، وكان تلف التالف منه بعد الخرص وتقبيل الحصة منه ، دخل النقص على الجانبين ، ولم يختص بواحد منهما على الأقوى، سواء كان التلف بآفة سماوية أم أرضية، وسواء كان التلف بفعل الإنسان ، أم بسبب آخر من حيوان أو غيره .

ويشكل الحكم إذا تلف بعض الحاصل ، وكان المقدار الباقي منه يساوي مقدار الخرص، أو يزيد عليه ، ولا يترك الاحتياط في هذه الصورة بالرجوع إلى المصالحة والتراضي بين الطرفين.

المسألة 73: لا تختص معاملة الخرص التي ذكرناها بالمزارعة وتقبيل الحصة منها، بل تجري أيضاً في المساقاة، وسيأتي بيانه (إن شاء الله تعالى)، وتجري في ثمر النخيل والشجر إذا كان مشتركا على وجه الإشاعة التامة بين مالكين بسبب ارث أو شراء، أو غيرهما من أسباب الملك والاشتراك فيه ، وتجري في كل ثمر أو زرع مشترك بين مالكين ، لأحد الأسباب الموجبة للتملك والاشتراك فيه ، فيجوز لهما أو لأحدهما أن يخرص الثمر عند بلوغه وتحقق إدراكه ، فإذا رضي الجانبان بالخرص ، ورضيا بأن تكون حصة أحدهما من المقدار المخروص ، وللاخر الباقي سواء زاد الحاصل عنه أم نقص ، صحت المعاملة ولزمت ، وترتبت آثارها.

المسألة 74: يجوز لمالك الأرض أن يصالح عامل المزارعة عن حصته المقدرة له من حاصل الزرع بمقدار معين في ذمته ، من جنس الحاصل ، أو من غير من جنسه ، فإذا كانت الزراعة المشترطة بين المتعاقدين من الحنطة -مثلاً-، وكانت حصة العامل هي النصف من حاصلها، جاز لمالك الأرض أن يصالح العامل عن حصته المذكورة بعشرين منّاً من الحنطة، تبقى في ذمة المالك، أو بعشرين مناً من الأرز أو الماش أو العدس تبقى في ذمته كذلك ، ويجوز له أن يصالحه عنها بعين في الخارج مملوكة له ، من جنس الحاصل أو من غير جنسه ، فتكون عوضا للعامل عن حصته .

ويجوز للعامل أن يصالح مالك الأرض عن حصته المعينة له من الحاصل كذلك ، في كلا الفرضين ، وإنما يصح الصلح في جميع ما ذكر من الفروض إذا ظهر حاصل الزرع ، سواء تمّ إداركه أم لم يتم .

ولا تضر بصحة هذا الصلح بينهما جهالة الطرفين بمقدار الحصة المصالح عليها، فان مثل هذه الجهالة مغتفرة في عقد الصلح ، والأحوط -استحبابا لهما- تقدير ذلك بخرص متعارف عند أهل الخبرة، ولا يضر بصحة الصلح وجود التفاوت بين العوضين ، وذلك لان حصة المزارع والعامل من الزرع -قبل الحصاد والتصفية- ليست من المكيل ولا الموزون ، فلا تكون المعاوضة عليها مع التفاوت بين العوضين من الربا المحرّم في الاسلام .

وإذا أراد أحد المتزارعين أن يصالح صاحبه عن حصته قبل ظهور الحاصل ، فلابد له من ضم ضميمة إلى الحصة، ولا يصح الصلح عليها بغير ذلك .

المسألة 75: إذا انقضت المدة المضروبة للمزارعة بين العامل ومالك الأرض ، ووقعت القسمة لحاصل الزرع المشترك بينهما، وأخذ كل شخص منهما حصته المعينة له من الحاصل ، وبقيت في الأرض بعد ذلك أصول الزرع وجذوره ، فأنبتت في السنة الثانية نباتاً وأخرجت زرعاً، فالنبات والزرع الذي يحصل منها يكون مشتركاً بينهما، وقد ذكرنا في المسألة الثامنة والخمسين ، أن مقتضى عقد المزارعة -عند إطلاقه- أن يحصل الإشتراك بين مالك الأرض وعامل المزارعة ، من حين ظهور الزرع في الأرض ، وفي جميع مراحل نموه وأدواره ، ولا يختص بالحاصل عند ظهوره في الزرع أو عند انعقاد الحب أو صدق الاسم ، وكذلك إذا اشترط المتعاملان في ضمن العقد أن يقع الاشتراك بينهما في الزرع في تلك المرحلة أو قبلها.

ومن نتائج ذلك: أن تكون أصول الزرع وجذوره الباقية في الأرض -بعد الجذاذ- مشتركة بينهما كما ذكرنا، ويتبعها نماؤها الذي يحصل منها فيكون مشتركا بينهما، إلا إذا أعرض المتعاقدان عن هذه الأصول الباقية، فيكون النبات الحادث منها لمن سبق إليه فتملّكه بالحيازة .

المسألة 76: إذا بقي في الأرض بعض الحبوب من حاصل الزراعة الماضية، فانبت في السنة اللاحقة زرعا واخرج نماءًا، فإذا كان الحب الذي بقي في الأرض من الحاصل المشترك بين المتزارعين قبل قسمته بينهما، فالزرع والنماء الذي يخرج منه يكون مشتركاً بينهما أيضا تبعا لأصله ، ويكون لكل واحد من الشريكين من هذا النماء الجديد بمقدار حصة ذلك الشريك من الأصل ، فإذا كان الأصل مشتركا بينهما بالمناصفة، فالنماء الحادث منه مشترك بينهما بالمناصفة كذلك ، وإذا كان لأحدهما الثلث منه أو الربع أو غيرهما، فله من النماء الجديد بتلك النسبة.

وإذا كان الحب الباقي في الأرض مختصّا بأحد الشريكين ،كما إذا سقط من حصة العامل بعد القسمة ، أو من حصة مالك الأرض كذلك ، اختص مالكه بالنماء الحادث منه ، ولم يستحق الآخر منه شيئاً، ولا يستحق مالك الأرض على العامل أجرة لأرضه ، إذا كان النماء الحادث ملكا للعامل خاصة، أو كان مملوكا له ولصاحب الأرض على نحو الاشتراك ، ثم بقي النماء في الأرض حتى أدرك وبلغ أوانه .

المسألة 77: إذا قصّر عامل المزارعة في القيام المطلوب منه على الزراعة ، في تمهيد الأرض -مثلا- أو تسميدها، أو في السقي الكافي لحاجتها وحاجة الزرع ، أو في مكافحة الحشرات والطفيليات والطوارئ المؤثرة عادة، فقلّ -بسبب- تقصيره حاصل الزرع ، فان كان التقصير منه قبل أن يظهر الزرع في الأرض لم يضمن العامل لمالك الأرض بسبب هذا التقصير شيئاً، وثبت لمالك الأرض بذلك خيار فسخ المعاملة الجارية بينه وبين العامل ، فان شاء فسخ المزارعة، وان شاء أمضاها ولم يفسخها ، فإذا اختار مالك الأرض ففسخ المزارعة ، وكان البذر مملوكا للفاسخ صاحب الأرض ، كان الحاصل الذي يخرج من الزرع مملوكا له تبعا للبذر، ولزمه أن يدفع للعامل أجرة المثل لعمله ، وإذا تلف شيء من البذر بسبب تقصير العامل كان العامل ضامنا لما تلف منه ، فيجب عليه أن يدفع لمالكه مثله إذا كان مثلياً ، وقيمته إذا كان قيمياً.

وإذا كان البذر مملوكاً للعامل كان الحاصل مملوكاً له بتبع البذر، ولزمه أن يدفع لمالك الأرض أجرة المثل لأرضه .

وإذا اختار مالك الأرض فأبقى المعاملة بينه وبين العامل ، ولم يفسخها بسبب تقصير العامل صحت المزارعة ، وكانت لكل واحد من الطرفين حصته المعينة لـه في العقد ، قلّت أو كثرت.

وان كان التقصير -الذي ذكرناه- من العامل بعد ظهور الزرع في الأرض ، تخيّر مالك الأرض ، فيجوز له أن يفسخ المعاملة ، وتترتب على فسخه جميع النتائج والآثار التي قدّمنا ذكرها في الفرض السابق ، ويجوز له أن يمضي المعاملة ، فتكون لكل واحد من الطرفين حصته المعينة له في عقد المزارعة قلّت أو كثرت ، ويضمن العامل لصاحب الأرض مقدار التفاوت في حاصل الزرع بسبب تقصيره ، ويعرف ذلك بالرجوع إلى أهل الخبرة، وإذا لم يعلم فالاحتياط بالرجوع إلى المصالحة .

المسألة 78: إذا ادّعى مالك الأرض على عامل المزارعة فيها انه لم يف له ببعض الشروط التي شرطها عليه في عقد المزارعة، وجحد العامل ما يدّعيه المالك عليه من عدم الوفاء، فالقول قول العامل ، ولا يمين عليه لأنه مؤتمن ، الا أن يقيم المالك على صحة دعواه على العامل بينة مقبولة يُثبت بها عدم وفائه ، وكذلك الحكم إذا ادعى مالك الأرض أن العامل قد قصّر في عمله في المزارعة ، فاضر بالزرع بسبب تقصيره في العمل ، وأنكر العامل وقوع تقصير منه ، أو ادّعى المالك عليه أنه فرّط في حفظ الثمر بعد ظهوره في الزرع ، فتلف جميع الحاصل ، أو تلف بعضه ، وأنكر العامل وقوع أي تفريط أو تقصير منه ، فالقول في جميع هذه الفروض قول العامل ، ولا يطالب بيمين على إنكاره لأنه مؤتمن.

المسألة 79: إذا ادعى مالك الأرض انه قد اشترط على العامل شرطاً في ضمن العقد ، وأنكر العامل وقوع ذلك الشرط بينهما، أو ادّعى العامل انه قد اشترط على المالك شيئاً ، وأنكر المالك ذلك ، فالقول قول المنكر منهما مع يمينه في كلتا الصورتين ، إلا إذا اثبت المدعي منهما صحة قوله ببيّنة مقبولة، فيؤخذ بها ، وإذا انعكس الفرض ، فادعى أحد المتزارعين أن صاحبه قد اشترط عليه شرطاً معيناً في ضمن عقد المزارعة، وأنكر صاحبه وجود ذلك الشرط منه ألزم الأول منهما بأن يفي بالشرط الذي ذكره ، أخذاً له باقراره ، فلا يأخذ حصته المعينة له من الحاصل حتى يفي بالشرط ، ويعامل الثاني أيضاً بمقتضى قوله ، ولذلك فليس له أن يطالب صاحبه المقرّ بالشرط الذي ذكره بعد إنكاره إياه ، ويلزمه أن يوصل إلى صاحبه حصته من الحاصل وإن لم يف بالشرط آخذاً له بقوله ، ويمكن لهما أن يتخلّصا من هذا الإشكال بالرجوع إلى التسالم والمصالحة بينهما.

المسألة 80: إذا ادعى أحد المتزارعين أن صاحبه قد غبنه بالمزارعة الجارية بينهما، لزمه أن يثبت وجود الغبن عليه في المعاملة بأحد المثبتات الشرعية، فإذا أثبت ذلك جاز له فسخ المزارعة للغبن ، ولا يكون له حق الخيار إلا بعد إثبات وجود سببه ، وهو واضح ، وإنما يذكر للتنبيه.

المسألة 81: إذا تنازع المتزارعان في مقدار المدة التي عيّناها لمزارعتهما، فقال أحدهما: هي سنه واحدة ، وقال الآخر: بل هي سنتان ، أو قال الأول : قد جعلنا المزارعة بيننا إلى ثلاث سنين ، وقال الثاني: بل جعلناها إلى أربع سنين ، قدّم قول من ينكر الزيادة في المدة منهما مع يمينه، وتستثنى من ذلك صوره واحدة، وهي مـا إذا ادّعى أحد المتعاقدين مدة قصيرة لا تكفي -بحسب العادة- لزرع الأرض وبلوغ الحاصل فيها لقصرها ، وادعى الثاني مـدة تتسع لذلك -بحسب العادة- فيقدم قول الثاني لان قوله يستلزم صحة المعاملة الواقعة بينهما، وقول الأول يستلزم فسادها بسب قصر المدة، وقد بيّنا في المسألة التاسعة: أن المدة التي تشترط للمزارعة إذا كانت قصيرة لا تكفي بحسب العادة المتعارفة لزارعة الأرض ، وأدراك حاصل الزرع فيها ، كان العقد الواقع عليها باطلاً.

المسألة 82: إذا تنازع المتزارعان في مقدار الحصة المعينة لأحدهما من حاصل الزرع، فقال أحد الطرفين لصاحبه: قد جعلنا لك الثلث خاصة من حاصل الزارعة، وقال الثاني: بل حصتي النصف من الحاصل ، فالقول قول من يدّعى قلة الحصة، وينكر الزيادة فيها من الطرفين مع يمينه ، وهو في غالب الفروض المتعارفة من يملك البذر كله، فهو يدّعي القلة في حصة صاحبه فيكون الزائد من نصيبه، وقد يختلف ذلك ، وقد يكون البذر ملكاً للجانبين معاً بالتساوي أو مع التفاوت، وعلى أي حال فالقول قول من ينكر الزيادة مع يمينه في جميع الصور التي يقع التنازع بين الطرفين في مقدار الحصة.

المسألة 83: يجوز لمن تقبّل قطعة من الأرض الخراجية من السلطان ، أومن وليّ امر المسلمين -وكانت القطعة بيده يؤدّي خراجها وينتفع بها- أن يدفع تلك الأرض إلى شخص آخر ليزرعها ذلك الشخص وينتفع بها لنفسه ، فيؤدّي من حاصل زراعة الأرض ما عليها من الخراج ، زاد أم نقص ، ويأخذ ما بقي من الحاصل لنفسه، ولا ينتفع الأول الذي تقبّلها من السلطان منها بشيء، سوى انه قد تخلص بذلك من الخراج ، وقد دل بعض النصوص على جواز ذلك إذا كان دفع الأرض من الأول إلى الثاني برضاه ، ويجوز لمن تقبل الأرض الخراجية كذلك أن يزارع عليها عاملاً ليزرعها ويعمل فيها ، ويدفع خراج الأرض من حاصل الزارعة فيها، ثم يكون الباقى من الحاصل لكل من المتقبل والعامل ، فيقتسمانه بينهما بالمناصفة ، أو بما سوى ذلك من الحصص ، بحسب ما يشترطان ويتراضيان ، فيكون الخراج على كليهما.

ويجوز لمتقبل الأرض من السلطان أو ولي الأمر ، أن يشترط على العامل الذي يزارعه أن يكون جميع الخراج على العامل خاصة، فيدفعه من حصته من الحاصل بعد القسمة ، ولا يكون على المتقبل شيء من الخراج ، فيصح جميع ما ذكرناه من الفروض مع الاشتراط والرضى به من الطرفين ، وتلاحظ المسألة الثانية والعشرون . ويجوز لمتقبل الأرض أن يدفعها إلى شخص غيره ليزرعها وينتفع بها ، ويشترط على ذلك الغير أن يدفع جميع الخراج من حاصل زراعته في الأرض ، وأن يدفع للمتقبل مع ذلك مبلغاً معيناً ، مائة دينار -مثلاً- أو اقل أوأكثر، ثم يأخذ الزارع لنفسه ما بقى من الحاصل ، وقد دلت النصوص على صحة جميع ذلك ، مع الاشتراط في العقد ، والرضى به من الجانبين .

المسألة 84: يصح أن يقع عقد المزارعة بين المسلم والكافر ، سواء كان الكافر هو صاحب الأرض ، أم كان هو العامل في المزارعة، وتجرى في المعاملة بينهم جميع الأحكام ، وتترتب جميع الآثار التي بيّناها للمزارعة ، ويلزم الوفاء بعقدها والقيام بواجباتها وشروطها على كل من المسلم والكافر ، من غير فرق بينهما.

المسألة 85: يجوز للقيّم الذي جعله الواقف متولياً على الأرض الموقوفة، أو الذي نصبه الحاكم الشرعي متولّيا عليها ، أن يزارع عاملاً على الأرض الموقوفة الداخلة تحت ولايته ، إذا اقتضت مصلحة الوقف ، أو مصلحة الموقوف عليهم : أن يزارع أحدا على الأرض ، وقد توفرت في المتولّى شروط الولاية، وصحة التصرف ، سواء كان وقف الأرض عاما أم خاصا،و سواء كان وقفها على جهة، أم على اشخاص ، أم على غير ذلك ، وتنفذ المزارعة الواقعة من المتولى عليها، ويلزم الطرفين الوفاء بها وبأحكامها.

وإذا عيّن المتولّي للمزارعة مدة تقتضي المصلحة تعيينها ، لـزم العمل بالمعاملة في تلك المدة ، ولا تبطل بموت المتولّي الذي أوقع المزارعة إذا مات في اثناء المدة .

وإذا كانت الأرض موقوفة على بطون متلاحقة من الموقوف عليهم ، وزارع المتولّي أحداً على الأرض المذكورة لمصلحة البطون وعيّن للمزارعة مدة، لزم الوفاء بالعقد في جميع المدة، ولا يبطل العقد بموت المتولّي ، ولا بموت أهل البطن الأول أو الثاني أو الثالث من الموقوف عليهم ، مادامت المدة المشترطة باقية.

المسألة 86: اذا زارع أهل البطن المتقدم عاملا على الأرض الموقوفة عليهم ، وعلى من بعدهم من البطون ،لم تنفذ المزارعة التي أنشأها هؤلاء على من يأتي بعدهم من البطون المتأخرة، فإذا مات أهل البطن الذين أوقعوا المزارعة، بطلت مزارعتهم بعد موتهم ، إلا إذا اجازها أهل البطن اللاحق لهم ، فتصح المزارعة باجازتهم ،كما يصح العقد الفضولي إذا اجازه الأصيل في سائر المعاملات .

المسألة 87: يصح أن تقع المصالحة بين عاملين مستقلين في مزارعتين مختلفتين يختص كل عامل منهما بارض خاصة به ، وبحصة معلومة معينة له من حاصل زراعته في أرضه ، فيوقعا عقد الصلح ما بينهما على الحصتين ، فيجعل الأول منهما حصته المعينة له من حاصل زراعته ، عوضاً للعامل الثاني عن حصته المعينة له من زراعته ، فإذا تمّ عقد الصلح بينهما، وحصل الايجاب والقبول منهما انتقلت حصة كل واحد منهما من زراعته إلى ملك الاخر، وحصلت المعاوضة بين الحصتين .

ومن أمثلة ذلك: أن يزارع مالك الأرض سعيدا -وهو العامل الأول- على قطعة معلومة من أرضه ، ويعين له حصة معلومة من حاصل زرعه لتلك القطعة، ثم يزارع عبد الله -وهو العامل الثاني- على قطعة أخرى من الأرض ، بحصة معينة كذلك من حاصل زرعه لهذه القطعة، فيختصّ كل وأحد من العاملين بقطعته التي حدّدها له مالك الأرض ، وبحصته التي عيّنها له من الحاصل ، ثم يصالح سعيد عبد الله عن حصته من زراعة القطعة الثانية بالحصة التي يملكها سعيد من زراعته للقطعة الأولى ، فتصبح -بسبب الصلح الواقع بينهما- حصة عبد الله من زراعته ملكاً لسعيد فيقتسم حاصلها مع مالك الأرض بنسبة هذه الحصة التي ملكها بالصلح ، وتصبح حصة سعيد من زراعته ملكاً لعبد الله ، فيقتسم حاصلها مع المالك بهذه النسبة .

المسألة 88: إذا زارع مالك الأرض عاملين -ولنفرضهما زيداً وعمرواً- على أن يزرعا له أرضه المعلومة ، وعين للعاملين حصة معلومة من حاصل زراعتهما للأرض تكون لهما معا: النصف من الحاصل أو الثلث أو الربع -مثلا-، وللمالك الحصة الأخرى منه ، وتم العقد بينهم على ذلك، جاز لزيد وعمرو -عاملي المزارعة- أن يقتسما الأرض التي دفعها المالك إليهما قطعتين ، ويختص زيد بزراعة احدى القطعتين ، وتكون له الحصة المعينة له في عقد المزارعة من حاصلها ، وللمالك الحصة الأخرى ، ويختص عمرو بزراعة القطعة الثانية ، ويقتسم حاصلها مع المالك -كما تقدم - .

المسألة 89: يجوز لصاحب الأرض -إذا كانت أرضه بواراً لا ينتفع بها بالفعل-، إلا بعد علاج وتعمير وإصلاح ، يستمر سنة كاملة أو سنتين -مثلاً-: أن يزارع على أرضه عاملا ويجعل للمزارعة مدة طويلة: خمس سنين -مثلاً- أو أكثر ، ويشترط على العامل في ضمن العقد أن يقوم بعلاج الأرض وإصلاح خرابها سنة أو سنتين في حتى تعمر وتكون صالحة للانتاج ، ويشترط على نفسه في العقد أن يكون جميع حاصل الأرض في فترة العلاج والتعمير مملوكاً للعامل خاصة ، ولا يشاركه المالك فيه ، ثم يزرعها العامل بعد تلك الفترة، فيكون الحاصل الناتج منها مشتركاً بين المالك والعامل بمقدار ما يعيّنان لهما من الحصة، فإذا وقعت المعاملة بينهما كذلك ، وتم الايجاب والقبول عليه، صحت المزارعة، ولزم الوفاء بها على الطرفين، سواء كانت الأرض مملوكة لصاحبها ، أم كانت من ارض الوقف العام أو الخاص البائرة، فيجري متولي الوقف عقد المزارعة عليها كذلك.

المسألة 90: ورد في الخبر عن مسمع عن الإمام أبي عبد الله (ع) قال : (لما اهبط ادم إلى الأرض احتاج إلى الطعام والشراب ، فشكا ذلك إلى جبرئيل (ع) ، فقال له جبرئيل : يا ادم كن حرّاثا ، قال: فعلمني دعاءاً ، قال: قل: (اللهم اكفني مؤنة الدنيا ، وكل هول دون الجنة ، والبسني العافية حتى تهنئني المعيشة)، وعن شعيب العقرقوفي عنه (ع) ، قال : إذا بذرت فقل: (اللهم قد بذرت وانت الزارع ، فاجعله حباً متراكما)، وعن ابن بكير قال : قال أبو عبد الله (ع ) : (إذا اردت أن تزرع زرعا فخذ قبضة من البذر واستقبل القبلة ، وقل: (افرأيتم ما تحرثون؟ أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون؟) ثلاث مرات ، ثم تقول : بل الله الزارع ، ثلاث مرات ، ثم قل : (اللهم اجعله حباً مباركاً ، وارزقنا فيه السلامة) ثم انثر القبضة التي في يدك في القراح)، وورد عنه (ع): (إذا غرست غرساً أو نبتاً ، فاقرأ على كل عود أو حبّة: (سبحان الباعث الوارث) فانه لا يكاد يخطئ ، ان شاء الله تعالى)، وعن أحدهما (ع ) قال: (تقول إذا غرست أو زرعت: (و مثل كلمة طيبة كشجرة طيبة اصلها ثابت وفرعها في السماء ، تؤتي أكُلها كل حين باذن ربَها) ).

الفصل الرابع

في المساقاة وشروطها

المسألة 91: المساقاة معاملة خاصة ، تقع بين الرجل وشخص آخر ، على أن يسقي الشخص الثاني للرجل الأول اصولاً ثابتة ، من نخيل أو شجر مدة معينة، ويتعهّد تلك الأصول في تلك المدة ، بما تحتاج إليه عادة من الرعاية والعمل في نموها وإثمارها حتى تنتج ، وعلى أن تكون للشخص الساقي حصة مشاعة معينة بين المتعاملين ، من حاصل الثمر الذي تنتجه تلك الأصول ، ولاريب في مشروعية هذه المعاملة، وصحتها إذا توفرت فيها الشروط الآتي ذكرها.

المسألة 92: المساقاة عقد من العقود المعروفة ، والمتعارفة بين الناس عامة في غالب البلاد، وان كانت في بعض البلاد أكثر شيوعاً وتعارفا بين عامة الناس في بعض الفترات من الزمان ، لاحتياج السقي فيها إلى مزاولة أعمال واتعاب لا يحتاج إلى مثلها في بلاد أخرى ، وفي أزمنة أخرى، ولا بد في صحة هذه المعاملة من الإيجاب والقبول ، لأنها كما ذكرنا عقد من العقود.

ويكفي -في صحة الايجاب والقبول فيها- أن يقعا بأي لفظ يكون ظاهر الدلالة عند أهل اللسان على المضمون الذي يريده المتعاقدان ، سواء كانت دلالته بنفسه أم بقرينة موجودة تحفّ بالمعاملة ، وسواء انشأ المتعاملان الإيجاب القبول بينهما بصيغة الفعل الماضي ، أم بالفعل المضارع أم بفعل  الأمر، أم بالجملة الاسمية، أم بغير اللغة العربية من اللغات الحية التي يحسنها الطرفان ، إذا هما قصدا إنشاء المعنى المقصود بها، فإذا قال مالك  الأصول لعامل المساقاة : سلمت إليك هذه الأصول المغروسة ، أو ادفع لك هذه المغروسات ، لتسقيها وتتعهد امرها بالرعاية والإصلاح والعمل فيها حتى تثمر، ولك النصف من حاصل ثمرها، أو الثلث ، أو غيرهما من الحصص المشاعة إذا اتفقا عليها، أو قال له : اسق هذه الأصول المغروسة ، وتعهّدها بالعمل فيها وفي إصلاحها . حتى تنتج وتثمر ولك نصف حاصلها ، وقال العامل : قبلت المساقاة منك بالحصة التي عينتها لي من الحاصل ، صحت المعاملة .

وكذلك إذا كان الإيجاب من عامل المساقاة ، فقال لمالك الأصول : تسلمت منك هذه المغروسات لاسقيها واعمل لك فيها حتى تثمر، ولي النصف من حاصل ثمرها ، وقال المالك رضيت بذلك، ومثله ما إذا انشأ أحدهما الإيجاب بلغة غير عربية وقبِل صاحبه منه الإيجاب فتصح المعاملة وتنفذ، ويمكن أن ينشأ الإيجاب باللفظ ، والقبول بالفعل الدال على الالتزام والرضا بما انشأه الموجب ، ويصح بعكس ذلك ، فينشئ الموجب العقد بالفعل الدال على إنشاء المعنى المقصود ، ويكون القبول باللفظ ، ويكفى أن يكون انشاء المعاملة بالمعاطاة من الجانبين ، بعد أن يعينا قبلها ما يحتاجان إلى تعيينه ، ويذكرا ما يحتاجان إلى ذكره من الشروط ، ثم تجرى المعاملة بالمعاطاة مبنية على ذلك ، وقد ذكرنا نظير هذا في عقد المزارعة .

المسألة 93: يشترط في صحة المساقاة: أن يكون كل من صاحب الأصول المغروسة وعامل المساقاة بالغاً ، وأن يكون عاقلاً، فلا تصح المعاملة إذا كان الطرفان فيها صبيين غير بالغين، أو مجنونين غير عاقلين ، أو كان أحدهما كذلك .

ويشترط في صحتها: أن يكون كل من الطرفين قاصداً في انشائه للمعنى المراد في العقد ، فلا تصح إذا كانا هازلين أو هازئين في قولهما أو فاقدين للقصد ، لسكرٍ أو غضب شديد ، أو كان أحدهما كذلك ، ويشترط في صحتها أن يكون كل من المتعاقدين فيها مختاراً غير مكره إكراها يسلب منه الاختيار، وان لا يكونا محجورين لسفه يوجب عليهما الحجر في المال ، أو الحجر في مطلق التصرف ، أو يكون أحدهما كذلك ، وأن لايكون مالك الأصول محجورا عليه لفلس من المال ، ولا يشترط ذلك في العامل ، فتصح مساقاته إذا كان مفلّسا، وتلاحظ الإيضاحات التي بيناها لهذه الشروط العامة في عقد المزارعة ، وفي المعاملات الأخرى التي سبق منا ذكرها في هذه الرسالة ، وفي كتاب الحجر منها.

المسألة 94: يشترط في صحة المساقاة بين الشخصين: أن تكون الأصول التي يتفقان على سقايتها مملوكة لصاحبها بأعيانها ومنفعتها ، أو مملوكة له منفعتها خاصة، أو يكون نافذ التصرف في الأصول أو في منفعتها بوكالة أو ولاية، أو بتولية مجعولة له من شخص نافذ التصرف فيها.

فلا تصح مساقاه الرجل إذا كان مالكا لأعيان الأصول المغروسة خاصة ، وكانت منفعة الأصول مملوكة لغيره ، باجارة أو صلح أو هبة أو معاملة شرعية أخرى ، تنقل المنفعة عن ملكه إلى غيره ، فانه لا يقدر في هذه الصورة أن يجعل حصة من منفعة الأصول لعامل المساقاة.

وتصح مساقاة الرجل على الأصول إذا كان مالكاً لمنفعتها خاصة باجارة وشبهها ، فإذا ساقى عاملا عليها ، ووفى له العامل بالعقد ، استحق الحصة المجعولة له من حاصلها، وتصح المساقاة من الرجل إذا كان نافذ التصرف في الأصول أو في المنفعة -كما ذكرنا- وان لم يكن مالكاً لاعيانها، ومثال ذلك : أن يكون وكيلاً عن المالك ، أو وليا عليه كالأب أو الجد أبي الأب على مال الطفل ، وكالولي الشرعي على مال اليتيم أو المجنون أو السفيه ، وكالمتولّي المجعول على ارض الوقف ، والوصي على الثلث والأرض الموصى بها، ولا تصح المساقاة إذا انتفى جميع ذلك .

المسألة 95: يشترط في صحة المساقاة أن تكون الأصول التي تجري المعاملة على سقايتها معينة في الخارج ، فلا تصح المساقاة إذا كانت الأصول مردّدة بين افراد متعددة منها ، من غير تعيين للاصول المرادة، وأن تكون معلومة عند المالك والعامل ، فلا تصح المعاملة على سقي الأصول إذا كانت مجهولة عندهما ، أو عند احدهما.

المسألة 96: يشترط في صحة المساقاة ، أن تكون الأصول التي تجرى المعاملة على سقيها مغروسة في الأرض ، فلا تصح المعاملة على فسيل نخيل ، أو ودي شجر ، أو قضبان واعواد لم تغرس -بعد- في الأرض ، قالوا: ولا تصح المساقاة على أصول غير ثابتة ، وان كانت مزروعة ذات جذور ثابتة في الأرض ،كالبطيخ والخيار والباذنجان والقطن والفلفل ، وما يشبه ذلك من المزروعات ، وكأنهم (قدس الله ارواحهم ) يريدون من الأصول الثابتة التي تقع المساقاه عليها ما يسمى نخلاً أو شجراً في نظر أهل العرف ، وسنتعرض في ما يأتي لحكم هذه المزروعات الأخرى -ان شاء الله تعالى-، وتلاحظ المسألة المائة والسادسة، والمسألة المائة والتاسعة ، وما بعدها .

المسألة 97: لا ينبغي الريب في أن سقي أصول النخيل والشجر لا يمكن ضبطه عادة في زمان معين ، وأجل محدد منه ، حتى يلزم ذكره في عقد المساقاة ويجب تحديدًا امده بين المتعاملين ، وانما يدور ذلك مدار الحاجة إليه في وقته وفي مقداره ، فان من السقي ما يحتاج إليه في تثبيت الأصل بعد ما يغرس في الأرض ، وفي نموّه بعد ذلك ، وفي تتابع نموه حتى يشتد الأصل ويقوى، ومن السقي ما يحتاج إليه لإثمار الأصول في مواقيت إثمارها ، وفي تربية الثمر وتقويته في مواعيد ايناعه ، وفي انضاجه في وقت نضوجه ، وكل ذلك يدور مدار الحاجة إليه ، في الوقت ، وفي المقدار -كما قلنا-، وهي أمور تتبع العادة العامة المتبعة بين الناس ، والتعارف الجاري عند أهل المعرفة والخبرة منهم ، ولهذا الذي بيناه ، فيكفي في صحة المساقاة أن يعتمد المتعاقدان على هذه العادة الجارية بين عامة الناس ، وعلى تعارف أهل الخبرة منهم في تعيين أوقات السقي ، ومواعيد الحاجة إليه ومقاديره ،ولا يفتقران إلى تعيين مدة له أو مقدار.

وكذلك الأعمال الأخرى التي يلزم على عامل المساقاة ، أو على مالك الأصول ، أن يقوم بها في معاملة المساقاة ، مثل تنقية مجاري الماء وكري النهر ، وشقه إذا لم يكن مشقوقاً في الأرض، وحفر البئر إذا لم تكن محفورة، وتلقيح ما يحتاج إلى التلقيح من الثمر، وتجريد النخيل والشجر من السعف والأغصان اليابسة ، ومثل حراثة الأرض ، وتسميدها إذا احتاج نمو الأصول أو نماؤها إلى ذلك ، وازالة ما في الأرض من نبات أو حشائش تضر بالأصول أو بالثمار، وإصلاح مواضع جمع التمر وتصفيته  وتشميسه ، وإعداده للقسمة أو للنقل والبيع ، وما يشبه ذلك ، فان مواقيت هذه الأعمال ومقاديرها تدور مدار تحقق الحاجة إليها ، والرجوع فيها إلى العادة العامة، وإلى نظر أهل الخبرة من الناس ، يغني عن تعيين مدة أو مقدار لها ، وسنتعرض -ان شاء الله تعالى- لذكر هذه الأعمال ، وما يجب على العامل منها ، وما يجب على المالك ، في بعض المسائل الآتية .

ونتيجة لما تقدم ذكره ، فيكفي في صحة المساقاة أن يعين المتعاملان في العقد بينهما مبدأ الشروع في سقي الأصول ، وأن تجعل النهاية إلى أوان بلوغ الثمر ، فان بلوغ الثمر أمر تحدده العادة، ويكفي في تعيينه الرجوع إلى أهل الخبرة ، فيتعين الأمد بذلك ، وتصح المعاملة، وهذا إذا كانت المساقاة الجارية بين الطرفين لعام واحد .

المسألة 98: قد يتعلق غرض خاص لمالك الأصول ، أو لعامل المساقاة ، في أن يكون مبدأ الشروع في المساقاة بينهما في وقت مخصوص ، وأن تكون نهاية العمل فيها في وقت مخصوص كذلك ، ويجب في مثل هذه الفروض على المتساقيين أن يعيّنا المدة المقصودة للطرفين،  في بدايتها ونهايتها، فإذا لم تعين المدة بطلت المساقاة ، فان المفروض انهما لم يقصدا ما هو المتعارف بين الناس.

ويجب أن تكون المدة التي تعين للمساقاة كافية لأن يظهر فيها ثمر الأصول ، ويبلغ أوانه بحسب العادة ، ولا تصح المساقاة إذا كانت المدة قصيرة لا تكفي لذلك ، وقد سبق نظير هذا في عقد المزارعة .

المسألة 99: يصح أن تعقد المساقاة بين الشخصين على سقي الأصول المعلومة ، وأخذ الحصة المعيّنة من ثمرها سنين متعددة، خمس سنين ، أو عشر سنين ، أو أقل من ذلك أو أكثر، ويجب تحديد عدد السنين التي تراد المعاملة عليها بينهما، بحيث تكون المدة مضبوطة لا تقبل الزيادة والنقصان ، فيقول مالك الأصول للعامل -مثلا-: سلّمت إليك هذه الأصول لتسقيها وتعمل فيها عمل المساقاة ، وتأخذ الربع من حاصل ثمرها مدة عشر سنين من هذا الوقت،  أو يقول له : عاملتك على هذه الأصول لتسقيها وتتعهد أمرها ، من هذا الوقت إلى نهاية بلوغ الثمر فيها من السنة العاشرة، ولك الربع من حاصل ثمرها في كل عام من جميع هذه المدة، فإذا قبِل العامل المساقاة على القيود المعينة في المدة المذكورة صحت المعاملة، ولزم على الطرفين الوفاء بها مادامت المدة باقية .

المسألة 100: يظهر جلياً من اطلاق بعض النصوص المعتبرة: أنه يجوز لصاحب الأصول أن يدفع أصوله وشجره إلى العامل ، ليسقيها ويعمل فيها ما تحتاج إليه من أعمال المساقاة ، ويأخذ الحصة المعينة له من حاصل ثمرها في كل سنة ، مادامت الأصول باقية في يد العامل ، من غير أن يعين لبقاء الأصول في يده مدة محدودة من الأشهر أو السنين ، وهذا أيضا هو الغالب ، والمتعارف بين العقلاء عامة في مختلف الأقطار والبلاد، فان المألوف والمعروف في ما بينهم جميعاً أن أرباب البساتين والنخيل يعاملون الفلاحين عليها من غير تحديد لمدة المعاملة ، فهم ، يدفعون نخيلهم وأشجارهم وبساتينهم وضيعاتهم إلى الأكارين والفلاحين ، ليسقوها ويعملوا فيها ، ويأخذوا الحصص المعينة لهم من حاصل ثمرها في كل عام ، وإذا اخذها العامل منهم بقيت الأصول في يده يسقيها ويعمل فيها عمل المساقاة ، ويأخذ حصته المحددة له مادامت في يده ، من غير أن يعين المالك أو العامل لذلك مدة وأجلاً.

والذي يظهر من مجموع ذلك ، ومن الاطلاقات الواردة في هذا المجال : أن المساقاة التي تكون بين المتعاملين في هذه الموارد تجري بينهما على نحو الانحلال في عقد المساقاة ، ففي كل عام معاملة مستقلة، يلتزم المالك وعامل المساقاة باحكامها ولوازمها إذا هما بقيا على جريان المعاملة بينهما، فإذا بدا لهما -أو لأحدهما- في ذلك فترك المساقاة بينه وبين صاحبه باختياره لم يلزمه القيام بلوازمها وآثارها ، فليست المساقاة الجارية بين الطرفين مساقاة واحدة مستمرة على الدوام ليجب الوفاء بها على الدوام ، كذلك .

المسألة 101: يشترط في صحة المساقاة التي تجري بين المتعاملين ، أن يكون السقي والعمل الذي يقوم به عامل المساقاة مما يجدي نفعاً في تقويم الأصول المساقى عليها، أو في قوة نموها ، أو في كثرة الثمر أو في تحسينه ، وقد سبقت الإشارة منا إلى ذلك في المسألة السابعة والتسعين .

ونتيجة لهذا الشرط ، فتصح المساقاة إذا شرع العامل بالعمل في الأرض ، وبسقي الأصول بعد غرس الأصول ، وقبل ظهور الثمر فيها ، واستمر بالعمل والسقي إلى أن ادرك الثمر أوان بلوغه، وتصح المساقاة إذا ابتدأ به بعد أن ظهر الثمر في الأصول وقبل أن يبلغ ، واستمر به إلى النهاية، ويشكل الحكم بصحة المساقاة إذا شرع العامل في السقي بعد أن بلغ الثمر مبلغه ، ولم يبق من الأعمال التي يحتاج إليها غير جذاد التمر ، وقطف الثمر ، وتصفيته وتشميسه وحفظه ، ونحو ذلك ، ولا يترك الاحتياط في هذه الصورة بالرجوع إلى المصالحة والتراضي بين الطرفين .

المسألة  102: يشترط في صحة عقد المساقاة: أن تجعل في العقد لعامل المساقاة حصة معينة من حاصل ثمر الأصول ، والمراد بذلك أن تجعل له من مجموع الحاصل حصة مقدرة بكسر معلوم : النصف منه أو الثلث ، أو غير هما من الكسور المعلومة، فلا تصح المساقاة إذا جعل له مقدار خاص مائة مَنّ من الثمر -مثلاً-، ليكون ذلك المقدار نصيبه في المساقاة ، ويكون للمالك باقي الثمر.

ويشترط في صحتها: أن تكون الحصة المعيّنة للعامل مشاعة في جميع الثمر ، ويكون جميع الحاصل مشتركاً على نحو الاشاعة بين الطرفين ، فلا تصح المساقاة إذا عيّنت للعامل فيها ثمرة أشجار أو نخيل معلومة ، فكانت ثمار تلك الأشجار أو النخيل حصته في المساقاة ، وللمالك بقية الحاصل ، ولا تصح المساقاة إذا جعل فيها جميع ما يحصل من ثمر الأصول ملكاً للمالك أو للعامل خاصة، وان شرط عليه في العقد أن يدفع لصاحبه مبلغاً معينا من المال ، من جنس الحاصل أو من غيره .

المسألة 103: يجوز أن تجري معاملة المساقاة بين الرجلين على الوجه الصحيح الذي ذكرناه ، فيكون حاصل الثمر مشتركا بين الطرفين ، وتكون للعامل منهما حصته المعينة له المشاعة من الحاصل ، ويشترط مالك الأصول أو عامل المساقاة في ضمن العقد أن يختص باشجار أو نخيل معلومة من الأصول المساقى عليها ، فيكون ثمرها له خاصة، ويكون الاشتراك بين الجانبين والحصة لصاحبه في بقية الثمر ، فتصح المعاملة وينفذ الشرط إذا قبِل به الطرفان .

ويجوز لأحدهما أن يشترط لنفسه في ضمن العقد أن يكون له مقدار معلوم من المال من جنس الحاصل ، أو من غير جنسه ، يختص بهذا المقدار دون صاحبه ، ويكون الاشتراك بينه وبين صاحبه في الباقي بعد إخراج ذلك المقدار، ويقسّم عليهما بحسب الحصة المعيّنة، فتصح المعاملة كذلك ، وينفذ الشرط إذا قبل به الطرفان ، وهذا إذا علم أن الثمر أكثر من المقدار الذي عينه المشترط منهما لنفسه ، بحيث تبقى بعد إخراجه بقية يشترك فيها الطرفان ، ويقتسم بينهما بحسب الحصة المعينة في العقد.

المسالة 104: سبقت الإشارة منا -في المسألة السابعة والتسعين- إلى أعمال كثيرة يحتاج إليها في إصلاح النخيل والأشجار والبساتين لتنمية الأصول المغروسة في الأرض وتقوية نموّها، وزيادة ثمرها ، وتحسينه وصيانته من الآفات المضرّات ، وحفظه من السراق ، ومؤثرات البيئة من حرّ وبرد ، ومطر ورطوبة ، وغير ذلك ، حتى يستكمل الغاية المطلوبة من المساقاة ، غير سقي الأصول بالماء ، وتعهّدها بالري الكامل حتى تثمر وتنتج .

فمن الأعمال ما يعد من شؤون السقي ومقدماته ، مثل حفر البئر في الأرض ، أو استنباط العين فيها ، أو إخراج البئر الأرتوازى، وشق النهر أو القناة ، وإعداد السواقي والمجارى للماء، ومثل جعل الناعور والدولاب ، وإعداد الحبال والدلاء والدوابّ ، أو نصب المكائن التي تجذب الماء، ومثل بناء الحياض والمخازن التي يجتمع فيها الماء ، ثم يقسم على أبعاض الأرض وأطرافها ، ليعم الأصول التي يجب سقيها.

ومن الأعمال ما يعدّ من توابع السقي ومتمّماته ، مثل تنقية السواقي التي توصل الماء إلى الأصول ، أو تخرج الفضلات والأملاح عنها بعد السقي ، ومثل كري النهر ، وتعمير البئر والعين -إذا احتاجا إلى الإصلاح والتعمير- .

ومنها ما يكون لغير ذلك ، مثل تسوير الضيعة والبستان ، وحراثة الأرض وتمهيدها ، لتثبت فيها الجذور والغراس ، وتسميدها وإزالة الحشائش والنبات الغريب الذي يضر بالأرض أو بالأصول ، ومكافحة الآفات والطوارئ التي تقلل الثمر ، أو تتلفه أو تضعفه ، ومثل إعداد مواضع التشميس ، للثمر الذي يحتاج إلى التشميس، والتصفية والتنقية من الحشف أو الثمار المتغيرة أو المتعفنة أو المعيبة ، وتهيئة أماكن الحفظ للثمار من السرقة ، ومن طوارئ الحر والبرد والمطر وغيرها حتى تتم قسمتها أو نقلها وبيعها.

ولابد من النظر والملاحظة في هذه الأعمال التي ذكرناها، فان ثبت في بعضها اعتياد عام بين العقلاء وأهل العرف من البلد، أو تعارف يوجب الانصراف في العقد، ويعين بموجبه أن ذلك العمل مما يلزم على المالك خاصة أن يقوم به ، أو مما يلزم على العامل خاصة ، وجب اتباع هذا الانصراف في عقد المساقاة ، وكان قرينة عامة على إرادته ولزومه ، وان لم يثبت الانصراف المذكور ، وجب على المتعاملين أن يعيّنا في ضمن العقد بينهما ما على المالك من هذه الأعمال ، وما على العامل ، وإذا لم يعينا شيئا بطلت المساقاة .

المسألة 105: تصح المساقاة بين المالك والعامل على أشجار لا تنتج ثمراً ، إذا كانت الأشجار مما ينتفع بورقه انتفاعاً يعتد به بين الناس ، وينتج حاصلا يرغب فيه العقلاء كشجر الحناء ، وكالتوت الذكر ، يطلب ورقه ليأكله دود القز، وكشجر الورد ينتفع بورده ، فيصعد منه ماء الورد ، ويستخرج منه عطر الورد، ويطلب لغير ذلك من الغايات ، وكبعض الأشجار التي يستحضر من ورقها ، أو من زهرها ، أو من حبّها بعض الأدوية النافعة في علم الصيدلة لعلاج بعض الأمراض ، فإذا شاعت وتعارف استعمالها لذلك ، حتى اصبح نتاجا لها ، وحاصلا متعارفاً بين أهل البلاد ، صحت المساقاة على تلك الأشجار لتلك الغايات .

ولا تصح المساقاة على أشجار لا ثمر لـها ، ولا ينتفع منها بورق ولا ورد ولا غيره ، كشجر الخلاف والصفصاف والأثل ، وما يشبهها.

المسألة 106: يشكل الحكم بجريان عقد المساقاة المصطلحة بين الفقهاء (قدس الله أنفسهم) على سقي أصول غير ثابتة في نظر أهل العرف ، وان كان مزروعة نابتة الجذور في الأرض ، كالبطيخ والخيار واليقطين والباذنجان والفلفل والقطن ، وما يشبه ذلك ، وان كان القول بجريان المساقاة فيها لا يخلو من قرب ، والأحوط للمتعاقدين إذا أرادا إجراء المعاملة في مثل هذه المزروعات أن ينشئاها على أنها معاملة مستقلة غير المساقاة والمعاملات الأخرى، فتشملها العمومات -على الأصح-، ويجب الوفاء بها.

المسألة 107: يجوز إنشاء عقد المساقاة على أشجار أو نخيل غير محتاجة إلى سقي من العامل أصلاً ، لأنها تكتفي من الري بماء السماء، أو بمصّ جذورها مما ينـزّ من مياه الأرض ، أو من الأنهار القريبة ، أو بارتفاع مدّ الماء -إذا كانت في بلاد يتعاقب فيها المّد والجزر-، ولكنها تحتاج إلى تعهّد بأعمال أخرى من أعمال المساقاة تزيد في نمو الأصول ، أو في ثمرها ، أو غير ذلك مما تحتاج إليه الأصول عادة، فإذا أوقع المالك مع العامل عليها عقد المساقاة لذلك صح العقد، ووجب على العامل أن يقوم بالأعمال التي تحتاج إليها حسب ما يشترطه المالك عليه ، أو حسب ما تلزم به العادة المتبعة في البلد، فإذا قام بذلك استحق الحصة المعيّنة له من الحاصل ، وإن لم يسق الأصول بالماء حتى مرة واحدة ، وتراجع المسألة المائة والثانية والعشرون .

المسألة 108: لا يعتبر في صحة المساقاة أن تكون الأصول المساقى عليها مما تثمر بالفعل ، فإذا غرس المالك في أرضه فسيل نخيل أو ودي شجر ، وثبتت جذورها في الأرض صح له أن يعامل أحداً على سقيها والعمل فيها حتى تنمو وتثمر، ويجب في هذا الفرض أن يجعل للمساقاة عليها مدة معلومة ، تكون فيها الأصول مثمرة بالفعل ، فيعين للمساقاة على فسيل النخيل مدة ست سنين أو أكثر ، ويعين للمساقاة على ودي الشجر مدة تكفي لذلك ، ولا تصح المساقاة إذا لم تعيّن لها مدة، أو كانت المدة التي عينها قليلة لا تكفي لذلك ، وإذا عيّن لها مدة كافية صحت المساقاة، وان اتفق أن الأصول لم تثمر في تلك المدة إلاّ مرة واحدة، والظاهر عدم الصحة إذا اتفق أنها لم تثمر في المدة حتى مرة وأحدة.

المسالة 109: لا تصح المساقاة على فسيل نخيل ، أو ودي شجر لم يغرس -بعد- في الأرض ، وان عيّنت للمعاملة عليه مدة طويلة تكفي -عادة- لغرس الفسيل والودي ولنموه وإثّماره ، إذا أوقع المعاملة عليها كانت باطلة.

وإذا دفع مالك النخيل أو البستان نخيله أو شجره الثابتة الموجودة بالفعل إلى عامل ليسقيها له ، ويعمل فيها بحصة معلومة من حاصل ثمرها صحت المساقاة على الأصول المعلومة الثابتة بالفعل ، فإذا كان للنخيل والشجر المدفوع إليه فسيل أوودي لم يغرس بعده لم تشمله مساقاة أصوله ، وإذا غرسه العامل أو المالك حتى ثبت في الأرض أمكن للمتعاقدين أن يجريا على هذا الغراس مساقاة أخرى تختص به ، وأمكن لهما أن يتقايلا فيفسخا معاملتهما الأولى، وينشئا مساقاة جديدة تشمل الجميع .

وإذا كانت المساقاة الأولى التي أنشئت بينهما كانت على سقي الأصول الثابتة في البستان ، ولم يقيدها بالموجودة منها بالفعل شملت المساقاة الأولى هذه الأصول الجديدة بالتبع بعد غرسها وثباتها ، فيجب على العامل سقيها ، ويستحق الحصة من حاصلها مع بقية حاصل البستان .

المسالة 110: يصح للمالك والعامل أن ينشئا ما بينهما -في الفسيل والودي الموجود غير المغروس- معاملة مستقلة عن سائر العقود والمعاملات ، يلتزم العامل فيها للمالك بان يغرس له الفسيل والودي في أرضه ، ويسقيه حتى يثبت ويؤتي ثمره ، وتكون للعامل حصة معلومة من حاصل ثمره ، ويتم على الايجاب والقبول من المتعاقدين ، فتصح هذه المعاملة ويلزمهما الوفاء بها، ولا تكون من المساقاة المصطلحة بين الفقهاء.

المسألة 111: إذا كانت الأرض أو البستان الذي يملكه الرجل يحتوي على أنواع عديدة من الأصول المغروسة، ففيه النخيل ، وفيه الكرم ، وشجر الرمان والتفاح وبعض الفواكه الأخرى، جاز لمالك البستان أو الأرض أن يساقي العامل على سقي جميع ما فيه من النخيل والأشجار المختلفة ، ويجعل له في عقد المساقاة حصة معينة واحدة من حاصل جميع ما ينتجه البستان من مختلف أنواع الأصول والشجر فيه ، فيقول للعامل: سلمت إليك هذا البستان لتسقي ما فيه من النخيل والأشجار المختلفة ، وتقوم فيه بعمل المساقاة الذي يحتاج إليه عادة، ولك الربع -مثلاً- من جميع ما تنتجه النخيل والشجر من التمر والثمار المختلفة، فإذا قبل العامل إيجابه صحت المساقاة ، ولزم الطرفين الوفاء بها.

ولا يشترط في هذه الصورة أن يعلم العامل ولا المالك بمقدار كل نوع من الأنواع الموجودة في البستان على الانفراد، ولا يشترط فيها أن يعلم بعدد ما في البستان من النخيل والشجر الذي تجري المعاملة ، واستحقاق الحصة من نتاجه ، بل يكفي -في الصحة- أن يكون الجميع مشاهداً معلوما على وجه الإجمال لكل من الجانبين .

المسألة 112: ويصح لمالك البستان -الذي ذكرناه في المسألة الماضية- أن ينشئ العقد مع عامل المساقاة على سقي جميع أصوله ، وتعهدها بالأعمال التي تحتاج إليها في مثل هذه المساقاة ، ويعين له حصصاً مختلفة ، باختلاف الأنواع الموجودة في البستان ، فيقول له: اسقِ نخيل هذا البستان ، وأشجاره الموجودة فيه ، وتعهد أمرها بما تحتاج إليه من الأعمال والرعاية، ولك الربع من ثمر النخيل ، والثلث من حاصل العنب، والنصف من الرمان وبقية الفواكه الموجودة في البستان ، فتصح المعاملة على ذلك إذا قبِلها العامل ، والظاهر أنه يشترط في صحة المساقاة في هذه الصورة أن يعلم الطرفان بمقدار كل نوع من الأنواع الموجودة في البستان على انفراده ، ولا يكفي أن يعلم بمقدار الجميع .

المسألة 113: يجوز لمالك الأصول أن يساقي العامل على أحد وجهين معلومين ، ليختار العامل أي الوجهين أراده ، ويجعل له حصة معينة من الحاصل إذا اختار أحد الوجهين ، ويجعل له حصة معينة غيرها أقل من الأولى أو أكثر ، إذا هو اختار الوجه الثاني، فيقول للعامل: عاملتك على أن تسقي هذه الأصول ، وتعمل في سقايتها ورعايتها بما تحتاج إليه من الأعمال المطلوبة عادة في المساقاة ، فإن سقيتها بالناضح أو بالمكينة فلك النصف تاماً مما تنتجه الأصول من الحاصل والثمر، وان سقيتها سيحاً فلك الثلث فقط من الحاصل ، فإذا قبل العامل منه ذلك صح العقد وتخير بين الوجهين المذكورين ، فإذا سقى الأصول على الوجه الأول استحق النصف من الحاصل، وإذا سقاها على الوجه الثاني استحق الثلث منه ، ويكون ذلك من الأمر على وجه التخيير، فيلتزم عامل المساقاة للمالك بان يأتي له بأحد الفردين ، ويلتزم مالك الأصول للعامل بالحصة التي عيّنها له على الفرد الذي يختاره منهما، ولا يكون ذلك من العقد على أمر مردد فيكون باطلاً -كما يراه بعض الأكابر-، و قد سبق نظير هذا في كتاب الاجارة.

المسألة 114: يصح أن يكون مالك الأصول في عقد المساقاة واحداً ، ويكون العامل متعدداً، فيقول المالك للعاملين: اسقيا لي هذه الأصول واعملا فيها بما يصلحها ويثمرها ، ويصلح ثمرها على ما جرت به العادة بين عمال المساقاة، ولكما الربع -مثلاً- من جميع ما يحصل من ثمرها، ولي ثلاثة أرباعه ، فإذا قبل العاملان منه إيجابه صح العقد ، ولزم الجميع الوفاء بـه ، سواء اتفق العاملان بينهما على أن يقتسما الحصة التي عيّنها المالك لهما -وهي الربع- بالتساوي فيكون لكل واحد منهما نصف الحصة -وهو ثمن الحاصل-، أم اتفقا على أن يقتسما الحصة بينهما بالتفاوت ، وسواء علم المالك بمقدار ما يأخذه كل واحد منهما من حصة العامل أم لم يعلم ، فتصح المساقاة ويلزم الوفاء بها بعد أن علم الجميع بمقدار حصة العاملين معاً ، وبمقدار حصة المالك من مجموع الحاصل ، وكذلك إذا جعل للعاملين الثلث أو النصف ، أو غير ذلك من الحصص ، وله الباقي فيتّبع ما عيّن في العقد.

المسألة 115: إذا ساقى مالك الأصول على نخيله وشجره عاملين -كما فرضنا في المسألة السابقة -واتفق المالك مع العاملين على أن يختص أحدهما ببعض أعمال المساقاة ، فيأتي به مستقلاً عن صاحبه ، وينفرد العامل الثاني بالأعمال الأخرى منها ، أو يشترك فيه مع الأول ، وجب أن يذكر ذلك في ضمن العقد، وإذا عيّنه كذلك وجب اتّباعه حسب ما عين واشترط ، وإذا ذكر الأعمال ولم يشترط عليهما الانفراد أو الاشتراك فيها جاز للعاملين أن يقتسما العمل بينهما حسب ما يريدان ، سواء علم المالك بذلك أم لم يعلم .

المسألة 116: يمكن أن يتعدد المالك للأصول ويتّحد العامل في المساقاة، ومثال ذلك: أن تكون النخيل والشجر في الضيعة أو البستان مملوكة لشريكين أو أكثر، فيساقون على أصولهم المشتركة بينهم عاملاً واحداً، فيقول له أحد الشركاء فيها -بالأصالة عن نفسه وبالوكالة عن شركائه-، أو يقول له الوكيل عنهم: اسق هذه الأصول الثابتة وقم بأعمال المساقاة فيها وفي الأرض، ولك الربع مثلا من جميع ما تنتجه الأصول من الثمر، فإذا قبل العامل إيجابه صحت المعاملة ، وثبتت له الحصة المعينة سواء تساوى الشركاء في مقدار ما يملكونه من الأصول أم تفاوتوا فيه ، ولا يشترط في صحة المساقاة -في هذه الصورة- أن يعلم العامل بمقدار ما لكلّ واحد من الشركاء في الأصول .

ويجوز أن تختلف الحصة التي تجعل للعامل باختلاف الشركاء ، فيقول الشريك للعامل: اسق هذه الأصول المشتركة بيني وبين زيد ، وقم بأعمال المساقاة فيها، ولك الثلث من حاصل الثمر مما أملكه أنا من هذه الأصول ، ولك الربع فقط من حاصل الثمر في حصة زيد منها، فإذا قبل العامل منه الإيجاب صحت المعاملة ونفذت ، ويشترط في صحة المعاملة في هذه الصورة أن يكون العامل عالماً بمقدار ما يملكه كل واحد من الشريكين في الأصول ، فان المفروض أن حصة العامل من الثمر تختلف باختلاف مقدار حصتي المالكين من الأصول ، وهذا واضح .

المسألة 117: يصح أن يتعدد مالك الأصول المساقى عليها ، بأن تكون مشتركة بين مالكين أو أكثر، وأن يتعدد عامل المساقاة كذلك ، فيساقي الشريكان في الأصول عاملين أو أكثر ، فيقول أحد المالكين -على النهج الذي قدمنا ذكره- للعاملين : اسقيا هذه الأصول المشتركة ما بيننا وتعهّدا أمرها بالأعمال التي تحتاج إليها المساقاة عادة، ولكما الربع أو الثلث من حاصل الأصول وثمرها، فتصح المساقاة وتلزم ، إذا قبل العاملان إيجاب الموجب ، وتجري فيها الفروض والأحكام التي فصلناها في المسائل المتقدمة قريبا.

المسألة 118: يشترط في صحة المساقاة أن تكون الأصول المساقى عليها قابلة للإثمار والإنتاج ، فلا تصح المساقاة عليها إذا كانت غير قابلة لذلك ، لطول بقاء ، أو جفاف عروق ، أو يبس أغصان ، أو لغير ذلك من موانع الإنتاج، سواء كانت غير قابلة له من أول الأمر ومن حين إجراء العقد، أم عرض ذلك لها في أثناء مدة المساقاة فأصبحت غير صالحة، وهذا إذا لم يمكن علاجها وإصلاحها حتى ينتفع بها، فإذا أمكن ذلك صحت المساقاة عليها، واتبع الشرط بين المتعاقدين في لزوم العلاج والإصلاح ، على المالك أو العامل .

الفصل الخامس

في أحكام عقد المساقاة

المسألة 119: المساقاة عقد من العقود اللازمة ، فلا يبطل ولا ينفسخ إذا تم انشاؤه ، واجتمعت شروط الصحة فيه ، إلا إذا اتفق المتعاقدان ، فأقال أحدهما صاحبه ، أو ثبت لواحدٍ منهما أو لكليهما خيار الشرط ، فيجوز لمن ثبت له الخيار أن يأخذ بحقه، فيفسخ العقد في الوقت الذي شرط لنفسه فيه الخيار، أو عند حصول الشيء الذي اشترط لنفسه الخيار عند حصوله ، أو كان لـه خيار الفسخ شرعاً ، لتخلف شرط قد اشترطه في ضمن العقد على صاحبه ، أو لوجود غبن عليه في المعاملة الجارية بينهما، أو لسبب آخر من موجبات الخيار شرعاً ، حسب ما فصّلناه في مبحث الخيارات من كتاب التجارة ، وتبطل أيضا عند طروء مانع عام يوجب عدم القدرة، وقد تقدم ذكر هذه الموجبات للبطلان أو الفسخ في أكثر العقود اللازمة التي ذكرناها في هذه الرسالة، فليرجع إليها من يريد المزيد من التوضيح .

المسالة 120: إذا جرى عقد المساقاة بين مالك الأصول وعامل المساقاة على الوجه التام وجب عليهما الوفاء بالعقد ، حسب ما حصل عليه الاتفاق بينهما، ولزم على العامل أن يقوم بالعمل من سقي للأصول وغيره ، ولا يتحتم عليه أن يتولّى القيام بالأعمال اللازمة في المعاملة بنفسه ، فيصح له أن يستأجر أجيراً لسقي الأصول ، ولبعض الأعمال اللازمة الأخرى من تلقيح ثمرة ، وجذاذ تمر ، وقطف فاكهة ، ونحو ذلك ، بل ويجوز له أن يستأجر من يقوم بجميع أعمال المساقاة ، وإذا استأجر من يقوم له ببعض الأعمال أو بجميعها، فالأجرة عليه لا على مالك الأصول ، وهو واضح .

وإذا اشترط المالك على العامل أن يتولّى بعض الأعمال المعينة بنفسه بنحو المباشرة ، أو اشترط عليه أن يتولى جميع أعمال المساقاة كذلك ، وجب على العامل أن يفي بما شرط عليه ، ولم يجز له أن يستأجر غيره أو يستنيبه للعمل الذي شرط عليه المباشرة فيه .

المسألة 121: إذا تبرع رجل عن عامل المساقاة ، فقام بسقي النخيل والشجر ، وأتى بأعمال المساقاة اللازمة على العامل ، وقصد بفعله التبرع للعامل بفعل ما وجب عليه، كفى ذلك في وفاء العامل بالعقد ، واستحق بفعل المتبرع الحصة التي عيّنها له المالك من الثمر، إلا إذا كان المالك قد اشترط على العامل أن يتولى السقاية والعمل بنفسه ، فلا يكفيه تبرع ذلك الشخص مع هذا الشرط .

وكذلك إذا أتى ذلك الشخص الثالث بعمل المساقاة لنفسه ، ولم يقصد بفعله التبرع عن العامل ، فلا يستحق العامل الحصة بذلك ، ولا يستحقها الشخص الثالث ، وكذا إذا قام الشخص الثالث بالعمل ، وقصد به التبرع لمالك الأصول بسقي نخيله وشجره والعمل فيها ، لبعض الغايات والأغراض الخاصة، فلا يستحق العامل الحصة المعيّنة له في عقد المساقاة ، ولا يستحقها ذلك الشخص الثالث المتبرع .

المسألة 122: إذا دفع المالك نخيله وشجره إلى العامل ليسقيها بالماء حتى تثمر، وعيّن له بذلك حصة خاصة من حاصل ثمرها، ولم يذكر في العقد أي عمل آخر غير السقي من أعمال المساقاة ، ولم توجد قرينة خاصة ولا عامة على إرادة شيء من هذه الأعمال، ثم اتفق أن استغنت الأصول عن سقاية العامل مطلقا، فقد اكتفت عنها بماء المطر الغزير، أو بجريان بعض العيون الدافقة ، أو بماء المدّ ، فلم يسقها العامل أبدا حتى أثمرت ، لم يستحق العامل الحصة التي عينت له من حاصلها، فإنه لم يسق الأصول ، ولم يأت بشيء من عمل المساقاة -كما فرضناه-، وان هو أتى بشيء من الأعمال فهو متبرع به ، لا يستحق عليه حصة بمقتضى عقد المساقاة، وتلاحظ المسألة المائة والسابعة .

المسألة 123: إذا وقع الاتفاق بين الشخصين على المساقاة ، وجرى العقد بينهما على الوجه الجامع لشرائط الصحة ، ثبت العقد ولزم الوفاء به ، ولم يبطل بموت أحد المتعاقدين، بل يقوم وارث الميت منهما مقام مورّثه في تطبيق الأحكام ، على النهج الذي يأتي تفصيله .

فإذا مات مالك الأصول وبقى العامل ، وجب على ورثة المالك الميت أن يمكّنوا العامل من الأصول المساقى عليها ، ليقوم بعمل المساقاة فيها ، من سقاية ورعاية ، ولا يجوز لهم منعه من ذلك ، فإذا قام بالعمل وأثمرت الأصول استحق العامل حصته المعينة له من حاصل الثمر، فإذا طلب منهم قسمة الحاصل قاسموه ودفعوا له حصته ، وإذا مات عامل المساقاة وبقي مالك الأصول ، قام وارث العامل الميت مقام مورّثه ، فإذا اختار أن يقوم بعمل المساقاة بنفسه بعد موت مورثه جاز له ذلك ، وأتم مالك الأصول معه معاملة المساقاة، وإذا اختار وارث العامل أن يستأجر شخصاً غيره ليقوم بالعمل جاز له ذلك ، ولم يجبره مالك الأصول على أن يعمل فيها بنفسه ، فإذا استأجر أجيراً ، وقـام الأجير بالعمل حتى أتمه ، صح ذلك ، ولزمته الأجرة في ماله ، واستحق الحصة المعينة في عقد المساقاة لمورثه .

وإذا امتنع وارث العامل بعد موت مورثه ، فلم يعمل بنفسه ، ولم يستأجر أجيراً ليعمل عنه، قام الحاكم الشرعي بما يلزم ، فاستأجر من تركة العامل الميت أجيراً يقوم بالعمل في الأصول المساقى عليها حتى يبلغ الثمر، فإذا أتم الأجير عمله ، تولى الحاكم قسمة الحاصل بين مالك الأصول ووارث العامل ، ودفع لكل واحد منهما حصته .

المسألة 124: إذا مات عامل المساقاة وكان مالك الأصول قد اشترط على العامل -في ضمن العقد الجاري بينهما- أن يتولى عمل المساقاة بنفسه ، فان كان اشتراطه لذلك بنحو التقييد للمساقاة ووحدة المطلوب فيها ، بطلت المساقاة بموت العامل ، فان وارث العامل لا يقدر على تأدية عمل المساقاة بنفسه ، ولا باستئجار غيره بسبب القيد المذكور.

وان كان اشتراطه لذلك بنحو تعدد المطلوب ، تخير مالك الأصول -بعد موت العامل- بين أن يفسخ المعاملة ، لتخلّف شرطه ، فإذا فسخها بطلت وارتفعت لوازمها وأحكامها، وأن يسقط حقه من الشرط المذكور ، ويرضى من وارث العامل بان يتولى عمل المساقاة بنفسه ، أو يستأجر أجيراً يقوم به ، وليس للمالك أن يجبر الوارث على أحدهما، بل يكون مخيراً بينهما.

المسألة 125: إذا شرط المتعاملان في عقد المساقاة أن تكون جميع الأعمال فيها على مالك الأصول ، من سقى وغيره ، ولا شيء منها على العامل ، فلا ريب في بطلان هذه المعاملة من أصلها، فان العامل -في هذا الفرض- لا يقوم بأي عمل حتى يستحق عليه حصة من الثمر ، وإذا قام بشيء منها فهو متبرع بفعله ، لا يستحق عليه عوضا.

المسألة 126: إذا شرط المتعاقدان في المساقاة بينهما أن يقوم العامل ببعض الأعمال المعيّنة ، وكانت الأعمال التي اشترطت عليه مما توجب الزيادة في مقدار الثمر ، أو مما توجب صلاح الثمرة وتحسينها، وأن يكون باقي الأعمال كلّها على مالك الأصول ، فالظاهر صحة المعاملة ونفوذها ، فيجب على كل واحدٍ من المتعاقدين أن يفي بما شرط عليه ، وإذا قام العامل بما شرط عليه من الأعمال ، استحق حصته المعيّنة له من الحاصل .

المسألة 127: إذا شرط المتعاقدان -في المعاملة الجارية بينهما- على العامل أعمالاً خاصة ، وكانت الأعمال المشترطة عليه لا توجب زيادة في مقدار الثمر ، ولا صلاحاً أو حسنا فيه، مثل جذاذ التّمر ، وقطف الثمر ، وجمعه وحفظه من السّراق حتى تتم قسمته ونقله ، وأن تكون بقية الأعمال كلها على مالك الأصول ، حتى الأعمال التي تزيد في الثمر ، وفي صلاحه ، وفي نمو الأصول وثباتها، أشكل الحكم بصحة المساقاة في هذه الصورة، ولا يترك الاحتياط بالرجوع فيها إلى المصالحة ، والتراضي بين الطرفين ، وكذلك إذا وقعت المساقاة بين الطرفين بعد أن أدرك الثمر في الأصول ، وتم بلوغه ، ولم يبق من الأعمال للعامل إلا مثل جذاذ التمر ، وقطف الثمار ، وجمع الحاصل وحفظه ، فلا يترك الاحتياط الذي ذكرناه في الفرض السابق .

المسألة  128: إذا شرط مالك الأصول على عامل المساقاة في ضمن العقد أن يأتي ببعض الأعمال المعيّنة، وكان شرطه عليه بنحو تعدد المطلوب في المعاملة ، وليس على نحو التقييد فيها، ثم ترك العامل ذلك العمل الذي شرطه المالك عليه، جاز للمالك إجبار العامل على الاتيان به إذا كان وقت العمل لا يزال باقياً ولم يفت، فان لم يستطع إجباره على فعله ، أو كان العمل قد فات وقته، جاز للمالك أن يفسخ عقد المساقاة لتخلّف الشرط الذي اخذه على العامل، ولا يحق للمالك أن يترك فسخ المعاملة ويطالب العامل باجرة ذلك العمل الذي تركه، سواء كان العمل الذي اشترطه المالك مما يتعلق بالمساقاة، كما  إذا اشترط عليه أن ينظف السواقي التي يجرى فيها الماء إلى الأصول ، أو يكافح بعض الآفات التي تضرّ بالثمر، أم كان العمل زائدا لا يتعلق بالمساقاة نفسها،كما إذا شرط عليه أن يخيط له ثوباً ، أو يصوم عن أبيه اياما، وسنتعرض لحكم المساقاة إذا خالف العامل فترك بعض قيودها والأعمال المعتبرة فيها.

المسألة 129: إذا اشترط العامل في ضمن عقد المساقاة أن يكون جميع ما يحصل من ثمر الأصول للعامل نفسه ، ولا يكون منه لمالك الأصول شيء ، كانت المعاملة باطلة وكان جميع الثمر والنتاج لمالك الأصول ، لأنه نماء ما يملكه ، فيكون تابعاً له ، وإذا قام العامل بعمل المساقاة أو ببعضه ، استحق أجرة المثل بمقدار ما عمل .

وكذلك إذا اشترط في العقد أن يكون جميع الحاصل من الثمر لمالك الأصول ، ولا يكون لعامل المساقاة منه شيء ، فتبطل المساقاة بهذا الشرط ، ويكون الحاصل كله لمالك الأصول ، لأنه نماء ما يملكه فيكون تابعاً له -كما قلنا-، وليس ذلك للعمل بالشرط ، والظاهر أن العامل في هذه الصورة لايستحق شيئاً على عمله، فانه قد دخل في المساقاة ، وقام بالعمل على شرط أن لاتكون له حصة ، فهو كالمتبرع بعمله ، ولا ينبغي ترك الاحتياط بالرجوع إلى المصالحة والتراضي بين الطرفين .

المسألة 130: يجوز أن يشترط في عقد المساقاة أن يكون لمالك الأصول مقدار معلوم من الذهب أو الفضة ، أو غيرهما ، زائدا على حصته المعينة له في المعاملة من حاصل الثمر، ويجوز أن يشترط ذلك لعامل المساقاة، فإذا اشترط مالك الأصول ذلك لنفسه ، وقبِل العامل بشرطه،  أو شرطه العامل لنفسه وقبِل به المالك ، صح الشرط ، ووجب الوفاء به .

قالوا: ويكره أن يشترط المالك لنفسه على العامل شيئاً من الذهب أو الفضة ، ولم يدل على كراهة ذلك دليل ، سوى ما نقله بعضهم من الإجماع عليها، وعلى أي حال فلاكراهة في أن يشترط المالك لنفسه شيئاً غير الذهب والفضة، ولا كراهة في أن يشترط العامل لنفسه ذهباً أو فضة أو غيرهما على مالك الأصول .

المسألة  131: إذا اشترط مالك الأصول لنفسه على العامل أن يكون له من الحاصل مقدار من الذهب أو من الفضة ، أو من غيرهما ، زائدا على ما يستحقه من الحصة المعينة له في عقد المساقاة، أو اشترط العامل لنفسه مثل هذا الشرط على مالك الأصول ، ثم اتفق أن حالت الأصول كلّها في ذلك العام ، فلم تخرج ثمراً أصلا، بطل عقد المساقاة الواقع بينهما من أصله ، وسقط الشرط الذي شرطه المالك أو العامل ، فقد ظهر أنه شرط وقع في ضمن عقد فاسد، فلا يجب الوفاء به ، وإذا اشترط أحد المتعاقدين ذلك الشرط في ضمن العقد، ثم اتفق أن حال بعض الأصول المساقى عليها: نصفها أو ثلثها أو ربعها -مثلاً-، فلم يثمر شيئا في ذلك العام ، بطلت المساقاة بين المتعاقدين في ذلك البعض الذي لم يثمر، وصحت ولم تبطل في البعض الآخر الذي أثمر ، فيستحق كل واحد من المالك والعامل حصته المعيّنة له من ثمرة ذلك البعض .

والظاهر أن شرط المقدار من الذهب أو الفضة للمالك أو العامل يسقط في هذه الصورة أيضاً -كما سقط في الصورة السابقة-، فلا يستحق المشترط شيئاً من المقدار ، لا من البعض الحائل من الشجر ، ولا من البعض الذي أثمر، فان المنصرف إليه من مثل هذا الشرط أن الشارط  إنما يشترطه في المعاملة الجارية في جميع الأصول ، ولا يجرى في المعاملة المبعضة التي يبطل بعضها ويبقى بعضها.

وإذا كان الحائل من الأصول قليلاً ، لا يعتني به عند العقلاء لقلته ، كالشجرة الواحدة والشجرتين ، بل والثلاث والأربع من الشجر الكثير المثمر في البستان الكبير ،لم تبطل به المساقاة، ولم يسقط الشرط ، فان من المعتاد والمتعارف أن تحيل الشجرة والشجرتان والثلاث من مجموع الشجر الكثير فلا تثمر، ولا يضر عدم إثمارها في صحة عقد المساقاة.

المسألة 132: إذا شرط مالك الشجر لنفسه على عامل المساقاة أن يكون له مقدار من المال ، زائداً على حصته في المعاملة، أو شرط العامل ذلك لنفسه على المالك -كما فرضنا في المسألة السابقة- وظهر الثمر في الشجر تاماً، ثم اتفق بعد ذلك أن تلفت الثمرة كلها ، ولم يبق منها شيء ، لم يبطل عقد المساقاة بتلفها بعد ظهورها، فان العامل قد ملك حصته من الحاصل بظهور الثمرة ، وسيأتي توضيح ذلك قريبا -إن شاء الله تعالى-، وكذلك حصة مالك الأصول من الثمرة، فقد تعينت له بالظهور، وبذلك تصح المعاملة وتتم المعاوضة، والتلف الذي يحدث بعد ذلك يطرأ على كل من حصة العامل وحصة المالك بعد أن ملكها صاحبها الذي عينّت له في العقد، ويكون تلف كل حصة منهما من مال صاحبها، ولا سبب يوجب فساد العقد، وإذا صح العقد -كما بيّنا- صح الشرط الواقع في ضمنه ووجب الوفاء به ، ويستثنى من ذلك ما إذا كان الشارط منهما أو صاحبه قد قيد الشرط بما إذا سلمت الثمرة كلها ولم يتلف منها شيء ، فيجب في هذه الصورة أن يتبع الشرط حسب ما جعل ، وقيد في ضمن العقد بين المتعاملين ، ويسقط الشرط إذا تلفت الثمرة .

وكذلك الحكم إذا تلف البعض المعتد به من الثمرة بعد ظهورها، فلا تبطل المعاملة ، ولا يسقط الشرط بتلفه ، إلا إذا كان الشرط مقيدا بعدم تلف الثمرة ، وعدم تلف البعض المعتد به منها، ويتبع -في ثبوت التقييد المذكور- تصريح المتعاقدين به ، أو وجود القرينة الخاصة أو العامة التي تدل عليه .

المسألة  133: إذا انشأ المالك عقد المساقاة بينه وبين العامل ، على أن يسقي له شجره ونخيله التي دفعها إليه ، ويعمل فيها عمل المساقاة، وجعل له حصة معلومة من حاصل الثمر، وجعل له -مضافاً إلى ذلك- حصة معينة مشاعة أو مفروزة من الأصول المساقى عليها، فإن قصد بذلك أن الحصة التي دفعها للعامل من الأصول جزء من العوض له في المعاملة، وأن مجموع الحصة من الحاصل والحصة التي عينها له من الأصول ، يكون نصيباً له في عقد المساقاة، كانت المعاملة باطلة ، فلا يستحق العامل شيئا من الأمرين ، وان جعل الحصة من الأصول للعامل بنحو الاشتراط له في ضمن العقد، صح العقد والشرط ، فتكون للعامل حصته المعينة له من الثمر بمقتضى المساقاة ، وتكون له تلك الحصة المذكورة من الأصول بمقتضى الشرط ، والأحوط للعامل أن لا يختص بنماء تلك الحصة في ذلك العام ، بل يكون ثمرها فيه للطرفين ، بحسب الحصة المعينة لهما، ثم يختص بها وبنمائها بعد ذلك العام .

المسألة 134: إذا وقع عقد المساقاة بين المتعاملين ، وشرع العامل في سقي الأصول ، أو في غيره من أعمال المساقاة، ثم استبان للطرفين أن الشجر لا يثمر شيئاً في ذلك العام ، بطل عقد المساقاة بينهما على الظاهر، وقد سبق منا ذكر هذا، ولم يجب على العامل أن يتم سقي الأصول وأعمال المساقاة الأخرى في ذلك العام .

المسألة 135: إذا بطلت المساقاة بين المتعاقدين في أثناء المدة ، لبعض الطوارئ أو الأسباب التي توجب البطلان شرعا، كان الثمر الموجود في الشجر كله مملوكاً لمالك الأصول ، لأنه نماء شجره ، فيكون تابعاً له في الملك ، وتـثبت للعامل على المالك أجرة المثل لعمله الذي قام به ، ومنفعته التي استوفاها المالك ، ويستثنى من ذلك ما إذا علم العامل بان المساقاة بطلت -فلا يجب عليه الوفاء بها-، فأتى بالعمل بقصد التبرع به ، ويستثنى من ذلك أيضاً ما إذا كان السبب في بطلان المساقاة هو اتفاق الطرفين على أن يكون جميع ما ينتج من الشجر للمالك خاصة ولا شيء منه للعامل ، فإن العامل في هذا الفرض قد أتى بالعمل على أن لا تكون له حصة من الحاصل ، فهو بمنـزلة المتبرع بعمله ، فلا يستحق عليه اجرة، وقد مر ذكر هذا الفرض الأخير في المسألة المائة والتاسعة والعشرين.

المسألة 136: يجوز لأحد المتعاملين أن يشترط على الثاني -في عقد المساقاة بينهما- أن يجري معه مساقاة أخرى على أصول أخرى، فإذا قبل صاحبه بالشرط صح العقد الأول ، وصح الشرط ، ولزم الوفاء بهما، ومثال ذلك: أن يقول مالك الأصول للعامل : سلمت إليك بستاني هذا لتسقي أصوله وتعمل فيه عمل المساقاة ، ولك النصف من الثمر الذي يحصل من شجره ونخيله، واشترطت عليك أن تساقيني في بستاني الثاني ، فتسقى أصوله وتعمل فيه ، ولك الربع مثلا من ثماره ، فإذا قبل العامل ذلك صحت المساقاة ، ولزم الوفاء بالشرط المذكور فيها ، وكذلك إذا أنشأ العامل العقد ، فكان هو الموجب وهو المشترط ، فقال لصاحب البستان : تسلمت منك هذا البستان لأسقي لك أصوله واعمل فيه عمل المساقاة ولي الربع من حاصل شجره ونخيله ، واشترط عليك أن تساقيني في بستانك الآخر على النصف من ثمره ، فتصح المساقاة والشرط ، إذا قبِل المالك بهما.

من أمثلة ذلك أيضاً: أن يقول الرجل للعامل : عاملتك على أن تسقي شجر بستاني هذا ونخيله ، وتعمل فيه حتى يثمر الشجر والنخيل ، ويكون لك الثلث مثلاً من جميع حاصله ، وأشترط عليك أن تساقيني في بستانك المعلوم لأسقي لك أصوله واعمل فيه بالربع من حاصله ، فتصح المعاملة والشرط ، إذا وقع القبول من الآخر، ويكون المالك في المساقاة الأولى عاملاً في الثانية وبالعكس ، وكذلك إذا انشأ العامل الإيجاب ، واشترط على صاحبه مثل ذلك الشرط، فيصحان ويلزمان إذا حصل القبول .

ومن أمثلة ذلك: أن يقول المالك للعامل : أعاملك على أن تسقى شجر بستاني هذا ونخيله ، وتعمل فيه ، ولك النصف من ثـمره وتـمره ، على أن تساقي أخي زيداً ، فتسقي له شجر بستانه ونخيله ، وتعمل فيه ولك الثلث من حاصله ، فتصح المساقاة والشرط حسب ما ذكر ، إذا قبل العامل بهما.

ومثله ما إذا قال العامل لصاحب البستان : تسلمت منك شجر بستانك هذا ونخيله لاسقيها ، واعمل لك فيها حتى تـثمر ، ولي الربع من حاصل الثمر، واشترطت عليك أن تساقي ابن عمي بكراً في بستانك الثاني ، ليسقي أصوله ويعمل فيها حتى تـثمر بالربع من حاصل الثمر ، فتصح المساقاة والشرط ، إذا قبل المالك .

المسألة 137: إذا جرى عقد المساقاة بين مالك الأصول وعامل المساقاة، وترك العامل الوفاء بالعقد من أول الأمر ، فلم يسق ولم يعمل في البستان شيئاً، أو ترك السقي والعمل في أثناء المدة ، بعد أن قام بهما في أول الأمر، جاز لمالك الأصول أن يجبر العامل على العمل بالمساقاة والوفاء بها ، فان هو لم يقدر على إجباره ولو بمراجعة الحاكم الشرعي، جاز له أن يفسخ المعاملة ، سواء كان قد اشترط على العامل أن يباشر العمل بنفسه أم لم يشترط ، ولا يحق له أن يقاصّه من ماله عن العمل الذي تركه ، أو يستأجر عنه أجيرا يقوم بالعمل ثم يرجع عليه باجرة الأجير.

المسألة 138: إذا تم عقد المساقاة بين المالك وعامل المساقاة على وجه جامع لشروط الصحة، ملك العامل حصته المعينة له في العقد ، من حين خروج الثمر ، وظهوره في النخيل والشجر، وإن لم يبد صلاحه بعد، وإذا كان إنشاء المعاملة بين الطرفين بعد أن ظهرت الثمرة في الأصول ملك العامل حصته من الثمر من حين وقوع العقد بينهما.

فإذا مات العامل بعد أن ملك حصته من الثمر -في إحدى الصورتين المذكورتين-، انتقلت الحصة منه بعد موته إلى ملك وارثه ، كسائر أمواله ، ووجب على الوارث أن يقوم بما بقي من أعمال المساقاة التي وجبت على مورّثه بالعقد ، وتخير بين أن يأتي بهذه الأعمال بنفسه ، وأن يستأجر من ماله أجيرا يأتي بالعمل عن مورثه ، وقد ذكرنا هذا في المسألة المائة والثالثة والعشرين .

وإذا كان صاحب الأصول قد اشترط في العقد على العامل أن يتولى عمل المساقاة بنفسه بنحو المباشرة، وكان اشتراطه لذلك على العامل بنحو التقييد في المعاملة الجارية بينهما ، بطلت المساقاة بموت العامل ، فان الوارث لا يقدر على أن يفي للمالك بهذا الشرط ، وقد بينا هذا في المسألة المائة والرابعة والعشرين .

والظاهران الحكم ببطلان المساقاة في هـذه الصورة إنما يقع في حينه ، وبعد تحقق سببه -وهو موت العامل- وتعذر حصول القيد المأخوذ في المعاملة، وليس من أول الأمر، ولذلك فهو لا ينافي ملك العامل لحصته من الثمر ، وانتقال الحصة منه إلى الوارث بعد موته، وتلاحظ المسألة المشار إليها في حكم ما إذا كان اشتراط المباشرة في العمل على عامل المساقاة بنحو تعدد المطلوب .

المسألة 139: إذا ملك عامل المساقاة حصته المعينة له من الحاصل بظهور الثمر في الأصول المساقى عليها -كما قلنا في المسألة المتقدمة-، فلا يزول ملكه لحصته إذا فسخت المساقاة بعد ذلك لوجود بعض الأسباب الموجبة لخيار الفسخ ، ولا إذا بطلت المعاملة لطروء بعض العوارض الموجبة للبطلان ، ومثال ذلك: أن يفسخ أحد المتعاملين عقد المساقاة بسبب خيار شرط كان ثابتاً له في المعاملة ، أو بسبب تخلّف شرط قد اشترطه في العقد على صاحبه ، أو يتقايل الطرفان فيفسخا المعاملة باتفاقهما على ذلك ، فلا ينفسخ بذلك ملك العامل لحصته.

وكذلك إذا طرأ للعامل عذر عام أو خاص ، أوجب عجزه وعدم قدرته على إتمام عمل المساقاة بعد أن ظهرت الثمرة في الشجر ، وملك حصته بظهورها ، فتبطل المساقاة بذلك العذر، ولا يزول ملك العامل للحصة المعينة له ، ومثله ما إذا عرض للأصول المساقى عليها عارض بعد أن ظهر بعض الثمر فيها وملك العامل حصته منه ، فأوجب ذلك العارض جفاف الأصول ، وعدم قابليتها لإنتاج الثمر المتأخر، ولا لإنضاج الثمر الموجود وإيصاله إلى حد الإدراك والبلوغ ، فلا تبطل حصة العامل ، بل يبقى الثمر الموجود مشتركاً بين المالك والعامل ، وان لم يكن بالغاً.

المسألة 140: اذا امتنع العامل أن يأتي بعمل المساقاة من غير عذر جاز لمالك الأصول أن يجبره على العمل ، وقد ذكرنا هذا في المسألة المائة والسابعة والثلاثين ، فان هو لم يقدر على إجباره جاز له أن يفسخ المساقاة، فإذا  فسخها المالك ، وكان فسخه قبل أن يظهر الثمر في الأصول ، كان الثمر الذي يظهر فيها كله مملوكا للمالك تبعا للأصول ، وإذا كان العامل قد اتى ببعض العمل في أول الأمر ، ثم امتنع عن إتمامه ، استحق العامل على المالك -بعد فسخه في الصورة المذكورة- أن يدفع له أجرة المثل بمقدار عمله ، إذا لم يكن متبرعا به .

وإذا كان فسخ المالك للمساقاة في الصورة المذكورة بعد أن ظهرت الثمرة في الأصول استحق العامل حصته المعينة له من الثمر، ويجوز للمالك أن يبقى حصة العامل في الشجر إلى وقت بلوغه وإدراكه ، إما مجاناً  أو مع الأجرة إذا رضي العامل بدفعها، ويجوز له أن يأمر العامل بقطع مقدار حصته قبل أن يبلغ الثمر ويدرك ، ولا يضمن المالك له ارش حصته ، إذا هي نقصت أو عابت أو تلفت بسبب قطعها.

المسألة 141: إذا شرط مالك الأصول على العامل -في ضمن العقد بينهما- أن يتولى العمل في المساقاة بنفسه ،لم يصح للعامل أن يساقي على تلك الأصول شخصا آخر فيقوم هذا العامل الثاني بالعمل فيها-، وإن ساقاه في حصته الخاصة بان جعل له حصة مشاعة منها بعد أن ملكها ولم ينقص من حصة المالك شيئًا-.

وكذلك الحكم إذا نهاه المالك في ضمن العقد عن أن يساقي على نخيله وشجره شخصاً غيره ، فان هذا النهي يدل -بالدلالة الإتزامية- على أن المراد أن يعمل العامل في المساقاة بنفسه ، فلا يجوز له أن يساقي عليها عاملاً غيره .

المسألة 142: إذا لم يشترط المالك على العامل أن يباشر العمل في المساقاة بنفسه -كما في الفرض الأول-، ولم ينهه عن مساقاة غيره -كما في الفرض الثاني-، جاز للمالك أن يأذن للعامل الأول ، فيساقي على الأصول التي دفعها إليه عاملاً غيره ، ومرجع إذن المالك له بالمساقاة مع عامل آخر إلى أن المالك قد وكله في أن يفسخ المساقاة السابقة التي جرت بينهما ، وينشئ بعدها مساقاة ثانية بين المالك والعامل الثاني، ولا تكون في المساقاة الثانية حصة ولا نصيب للعامل الأول ، ومعنى ذلك: أن المالك الموكل والعامل الأول الوكيل قد تقايلا عن المساقاة الأولى ، وفسخاها برضاهما معاً فسخاً اختيارياً، فإذا فعل الطرفان كذلك صحت الوكالة والمقايلة ، ونفذت المساقاة الثانية بين المالك والعامل الثاني .

وإذا أذن المالك له ، ففسخ المساقاة الأولى ، وساقى عاملاً ثانياً بوكالته عن المالك ، جاز له أن يسلّم إليه الأرض والشجر الذي بيده ، ولم يحتج في التسليم إلى إذن آخر من المالك .

المسألة 143: إذا تقبّل إنسان من السلطان ، أو من الولي العام للمسلمين قطعة من ارض الخراج ، لينتفع بالأرض وما فيها من المغروسات ، وجعل السلطان أو الولي العام على الأرض ضريبة خراج معلومة ، وجب وفاؤها على ذلك الشخص المتقبّل ، سواء جعل الخراج ضريبة على الأرض نفسها ، أم جعله على النخل والشجر المغروس فيها، فإذا دفع الرجل الأرض التي تقبلها إلى عامل ليسقى له الأصول الثابتة فيها ، ويعمل في الأرض والشجر عمل المساقاة ، بحصة معينة من الثمر الذي تنتجه الأصول ، فالخراج كله على المتقبل صاحب الأصول ، وليس على عامل المساقاة منه شيء.

ويجوز للمتقبل أن يشترط على العامل في عقد المساقاة بينهما أن يكون جميع الخراج على العامل ، فإذا قبل العامل الشرط لزمه الوفاء به ، فيؤديه من حصته بعد القسمة ، أو من مال آخر، ويجوز له أن يشترط في العقد أن يكون الخراج عليهما معا، ولابد أن يعين مقدار ما على كل واحد منها من الخراج ، فإذا قبِلا بذلك لزم كل واحد منهما أن يدفع قسطه المشترط عليه.

المسألة 144: إذا انشأ وكيل المالك عقد المساقاة على الأصول المعلومة بين موكله صاحب الأصول وعامل المساقاة ، وقبل العامل العقد صحت المعاملة، وثبتت آثارها ، ولزم الطرفين الوفـاء بها، وان كان العامل يعتقد في بادئ الأمر أن الشخص الذي أجرى العقد معه هـو مالك الأصول ، فإذا تبيّن له بعد ذلك انه وكيل عن المالك وليس المالك نفسه ، كانت مساقاته على لزومها وثباتها، ولم يقدح جهله السابق بصحتها ، ولم يفتقر إلى تجديد العقد بعد استبانة الحال لـه.

وكذلك الحكم إذا انشأ الولي العقد على الأصول التي يملكها اليتيم أو المجنون أو السفيه ، وقبل العامل العقد وجرت المساقاة ، ثم علم العامل أن منشئ العقد ولي المالك ، وليس هو مالك الأصول نفسه.

المسألة 145: إذا جرى عقد المساقاة بين شخصين على أصول معلومة، وتم الإيجاب والقبول بينهما، ثم علم أن الأصول التي جرت عليها المساقاة مغصوبة من مالكها الشرعي ، وليست مملوكة للشخص الذي أجرى المعاملة عليها، أو ثبت ذلك بحجة شرعية ، من بينة مقبولة أو غيرها، كان الأمر في المساقاة لمالكها الشرعي، فإن هو أجاز المعاملة صحت ، وكانت مساقاة نافذة بين المالك نفسه والعامل، على النهج الذي ذكره المتعاقدان في العقد، والمقدار الذي عيناه من الحصة، كما هو الحال والحكم في المعاملات الفضولية إذا أجازها المالك الحقيقي، ولا يكون للغاصب فيها نصيب ، وان لم يجزها المالك كانت باطلة، وكان جميع الثمر الذي تنتجه الأصول مملوكا للمالك الشرعي الذي غصبت منه ، ولا حصة فيه للعامل ، وكانت للعامل أجرة المثل لعمله الذي قام به في المعاملة، ويأخذ أجرته هذه من الغاصب ، فانه هو الذي أمره بالعمل في المعاملة، وقد استوفيت منه منفعته باستدعائه ، فيكون هو الضامن لأجرة عمله.

ويستثنى من ذلك: ما إذا ادّعى العامل أن المساقاة التي جرت بينه وبين صاحبه الذي ساقاه صحيحة ليست باطلة ، وأن الأصول المساقى عليها مملوكة لصاحبه ، وليست مغصوبة من احد، فهو يعترف بأن حقه إنما هو الحصة التي عينها له صاحبه من الثمر ، وأن المدعى أخذها منه ظالماً، ولذلك فلا يجوز له أن يأخذ من صاحبه أجرة المثل على عمله بمقتضىاعترافه .

المسألة 146: إذا جرت المساقاة بين الشخصين ثم علم ، أو ثبت بحجة شرعية، أن الشجر والنخيل المساقى عليها مغصوبة من مالكها الشرعي، وكان ثبوت الغصب بعد أن اخذ المتساقيان جميع الحاصل الذي أنتجته الأصول واقتسماه بينهما ، وأخذ كل واحد منهما حصته وتلفت الحصة بيده، فإذا  ثبت الغصب بعد ذلك جاز للمالك لشرعي أن يرجع على كل واحد من الغاصب والعامل بعوض ما تلف في يده ، من الحصة التي أخذها من الحاصل، وإذا اخذ العوض منهما -على ما بيّناه- لم يرجع الغاصب على العامل بشيء مما غرم ، ولم يرجع العامل على الغاصب بشيء ، وذلك لان ضمان كل واحد منهما للعوض قد استقر عليه بتلف حصته في يده، وقد ذكرنا هذا في كتاب الغصب .

وجاز للمالك -أيضاً- أن يرجع على الغاصب وحده فيأخذ منه عوض جميع الثمر الذي حصل من الشجر ، ما تلف منه في يد الغاصب وما تلف في يد العامل ، وإذا اخذه من الغاصب -بمقتضى هذا الحكم- جاز للغاصب أن يرجع على العامل بمقدار عوض حصته ، لان ضمانها قد استقر على العامل بتلفها في يده .

ويستثنى من ذلك ما إذا كان الغاصب يعترف بصحة المساقاة ، وأن العامل يستحق الحصة من الثمر ، ومن اجل اعترافه بذلك ، فلا يجوز له أن يأخذ من العامل شيئاً في الصورة المذكورة ، لأنه يعترف بان المدعي قد ظلمه بأخذ العوض منه ، فلا يحق له أن يرجع بشيء منه على العامل .

وإذا كان عامل المساقاة ممن يصدق عليه صدقا تاماً -في نظر أهل العرف- انه ممن استولى على الأصول المذكورة ، ووضع يده عليها وعلى جميع ثمرها ، جاز للمالك المغصوب منه أن يرجع عليه بعوض جميع الثمرة -كما سبق في الحكم برجوعه على الغاصب-، وإذا اخذ من العامل جميع العوض رجع العامل على الغاصب بعوض الحصة التي أخذها الغاصب لنفسه من الثمر وتلفت في يده -كما سبق في نظيره-، إلا في الصورة المستثناة ، وقد مر ذكر كل ذلك .

والمدار في جواز رجوع المالك على العامل بجميع العوض على الصدق التام الذي بيناه ، ولا ريب في أن الموارد مختلفة في صدق ذلك على العامل وعدم صدقه ، فإذا لم يصدق عليه ذلك في نظر العقلاء وأهل العرف ، أو شك في صدقه عليه وعدم صدقه ،لم يجز للمالك اخذ جميع العوض منه ، وجاز له أن يأخذ منه عوض حصته خاصة -كما تقدم- .

المسألة 147: إذا ملك العامل حصته المقدرة له من الثمرة في وقت وجوب الزكاة في الغلة، أو ملكها قبل ذلك ، وكانت حصته بمقدار النصاب الشرعي الذي تجب فيه الزكاة أو أكثر، وجبت عليه الزكاة في الحصة، ولا تجب عليه إذا نقصت الحصة عن ذلك ، إلا إذا تم له النصاب ، أو زاد عليه من مال آخر يملكه ، وكذلك الحكم في الوارث إذا مات العامل ، وانتقل ملك الحصة منه إلى وارثه عند وقت وجوب الزكاة أو قبله ، فتجب الزكاة عليه إذا بلغت حصته النصاب ، ولا زكاة عليه إذا لم تبلغ ، إلا إذا بلغت مقدار النصاب مع مال له آخر.

وإذا ملك العامل حصته بعد وقت وجوب الزكاة في الغلة ،لم تجب عليه زكاتها وان بلغت مقدار النصاب، ووجب على مالك الأصول أن يؤدي زكاة جميع الثمرة إذا بلغ مقدار النصاب، ويرجع إلى ما أوضحناه في كتاب الزكاة في وقت وجوبها في الغلة، وفي مقدار النصاب الشرعي الذي تجب فيه ، وإذا وجبت الزكاة على العامل في حصته من المساقاة ثم مات قبل أن يؤديها ، وجب على ورثته أن يؤدها بعده ، وإن لم يبلغ نصيب كل وارث منهم مقدار النصاب .

الفصل السادس

في أمور تلحق المساقاة

المسألة 148: إذا قامت بيّنة شرعية عادلة ، أو حجة معتبرة أخرى ، تدل على خيانة عامل المساقاة ، فان كان ثبوت الخيانة عليه قبل أن يظهر الثمر في الأصول ، وقبل أن يملك العامل حصته منه ، جاز لمالك الأصول أن يستأجر من مال المالك نفسه أميناً يراقب العامل ، ويمنعه عن الخيانة للمال الذي دفعه إليه ، من البستان أو الشجر أو المملوكات الأخرى الموجودة في البستان ، أو الخيانة في العمل الذي وجب عليه في المعاملة، وإذا لم يفد ذلك في منعه عن الخيانة، جاز له أن يستأجر من ماله -أيضاً- أميناً يضمه إلى العامل ، فيرفع بذلك يده عن الاستقلال في عمله ، وفي ما بيده من المال ، ويحفظ المال إذا احتاج معه إلى حفظ المال .

وإذا ثبتت خيانة العامل كذلك بعد أن ظهرت الثمرة في الشجر ، وبعد أن ثبتت للعامل حصته المعينة له في الثمر، فالظاهر جواز ما تقدم للمالك أيضاً ، على التفصيل الذي بيناه ، والأحوط أن يكون ذلك بمراجعة الحاكم الشرعي .

المسألة 149: إذا ادّعى مالك البستان والشجر انه قد أجرى مع العامل عقد المساقاة ، ولذلك فهو يلزمه بسقي الشجر ، والعمل في البستان والأصول المغروسة فيه عمل المساقاة ، وأنكر العامل وقوع عقد بينهما على ذلك ، قدّم قول المنكر -وهو العامل- مع يمينه ، إلا أن يثبت المالك صدق دعواه بإقامة بينة شرعية عليها ، فيقدم قوله ، وكذلك الحكم إذا انعكس الأمر، فادعى العامل انه قد أجرى العقد مع المالك على سقي شجره ونخيله والعمل فيها، ولذلك فهو يروم من المالك أن يمكّنه من القيام بالمعاملة، وأنكر المالك حدوث العقد، فالقول قول المنكر -وهو المالك- مع يمينه ، ما لم يثبت العامل صحة قوله بإقامة بيّنة .

المسألة 150: إذا تصادق المالك والعامل على صدور عقد مساقاة بينهما، ثم ادّعى المالك أو العامل أن العقد الذي وقع بينهما كان باطلاً لا يجب الوفاء به ، لأنه يفقد بعض الشروط المعتبرة في صحة العقد، وادعى الثاني منهما أن العقد صحيح يلزم الوفاء به ، قدم قول من يدعي صحة العقد بينهما، سواء كان هو مالك الأصول ، أم كان هو العامل فيها، إلا أن يثبت الثاني -المدعي للبطلان- صدق ما يدعيه بحجة شرعية مقبولة .

المسألة 151: إذا ادعى مالك البستان انه قد اشترط على العامل في ضمن العقد شرطاً: أن يباشر العمل في المساقاة بنفسه -مثلاً-، أو أن يكون بعض الخراج أو النفقات الأخرى عليه ، أو غير ذلك من الشروط السائغة، وأنكر العامل وجود ذلك الشرط بينهما ، قدّم قول العامل المنكر للشرط مع يمينه ، ومثل ذلك ما إذا انعكس الفرض ، فادعى العامل انه قد اشترط على المالك بعض الشروط النافذة شرعاً، وأنكر المالك حدوث الشرط بينهما، فيقدّم قول المنكر وهو المالك مع يمينه ، إلا أن يقيم المدّعي منها بينة شرعية على صدق ما يدعيه  من وجود الشرط ، فيثبت بها قوله.

المسألة 152: إذا ادّعى عامل المساقاة أن حصته التي جعلت له في المعاملة التي جرت بينه وبين المالك هي نصف ما يحصل من التمر والثمار، أو قال: حصتي هي الثلث منه ، وأنكر مالك البستان ما يدعيه ، فقال له: إن حصتك المعينة لك بيننا هي ربع الحاصل لا أكثر، فالقول قول مـن ينكر الزيادة ، وهو المالك مع يمينه ، إلا أن يقيم العامل بينة تثبت ما يقول ، فيؤخذ بها ، ونظير ذلك: ما إذا ادعى المالك أو العامل أن مدة المساقاة المحددة بينهما هي ثلاث سنين أو أربع -مثلاً-، وأنكر صاحبه أن المدة ازيد من سنة واحدة ، أو قال: المدة سنتان لا أكثر، فالقول قول من ينكر الزيادة في المدة منهما مع يمينه ، إلا أن يثبت الآخر صدق قوله ببينة شرعية.

المسألة 153: إذا أنتجت النخيل والشجر المساقى عليها مقداراً من الحاصل ، ثم وقع الخصام بين مالك الأصول وعامل المساقاة في مقدار ما أنتجته من ذلك ، فقال أحدهما: إنها أخرجت مقداراً معينا من الحاصل مائة منّ -مثلاً- من التمر ، وعشرين مناً من العنب، وادعى صاحبه أن الحاصل منها اكثر من ذلك المقدار، أو قال: انه اقلّ فإن كانت الثمرة تحت يد العامل خاصة ، صدّق قوله في ما يدعيه ، سواء كان يدعي الزيادة أم النقيصة ، لأنه صاحب يد فيكون إخباره حجة شرعية في ما بيده ، وكذلك إذا كانت الثمرة في يد المالك خاصة فيصدّق قوله ، لان قوله حجة في ما بيده -كما ذكرنا-، وان كانت الثمرة في يد كل من المالك والعامل ، على نحو الاشتراك وعدم الاستقلال ، وقد اختلطت بغيرها فالتبس الأمر في مقدارها ، أو تلفت بغير تفريط، أو بيعت ولم يمكن العلم بمقدارها، فالقول قول من ينكر الزيادة منهما مع يمينه .

المسألة 154: إذا أجريت معاملة المساقاة بين المتعاقدين وائتمن المالك عامل المساقاة على ضيعته وأصوله المغروسة فيها ، ثم ادّعى المالك على العامل انه سرق بعض الثمر ، أو بعض الأموال أو الأدوات التي بيده ، أو أنه أتلفها ، أو ادعى عليه قد خان في عمله ، أو في بعض الجهات الأخرى، وأنكر العامل ما ادعاه المالك عليه ، قدم قول العامل في جميع ذلك لأنه منكر، ولأن المالك قد ائتمنه ، إلا أن يثبت المالك صحة ما يدعيه عليه ببينة شرعية .

وكذلك إذا تلف بعض المال في يد العامل ، فادعى المالك عليه انه قد فرّط في الحفظ ، وأن التلف كان بسبب تفريطه ، أو بعد تفريطه فيكون له ضامناً، فلا تسمع دعوى المالك بعد أن ائتمنه ، إلا إذا أقام البينة على صدق الدعوى.

المسألة 155: إذا ادّعى مالك الأصول على العامل انه قد أتلف ، أو فرط ، أو سرق مقداراً ، وأقام بينة شرعية على صحة قوله ، سمعت دعواه وقٌبِلت بينته ، وان لم يعين المقدار الذي يدّعيه من المال ، أو من الثمر.

المسألة 156: إذا استعار أحد بستاناً من مالكه لينتفع به ، وبشجره وثمره مدة معلومة: سنة أو اكثر، وكانت إعارة المالك إياه مطلقة ، فلم يشترط عليه فيها أن يتولى الانتفاع بالبستان والتصرف فيه بنفسه أوفي جهة معينة، جاز للمستعير أن يساقي عاملاً على البستان وما فيه من نخيل وشجر، فيسقيه ويعمل فيه بما يحتاج إليه البستان والشجر والثمر بحصة معينة من الحاصل ، وللمستعير الباقي من الحاصل ، ويجوز للمستعير أن يسلم البستان والشجر إلى عامل المساقاة، بمقتضى إطلاق العارية ، ولا يفتقر في ذلك إلى اذن جديد من مالك البستان .

المسألة 157: يصح أن تجري معاملة المساقاة بين مسلم وكافر ، سواء كان المسلم منهما هو مالك البستان والأصول المساقى عليها ، أم كان هو عامل المساقاة، فتصح المعاملة، وتنفذ إذا انشىء العقد ، وتمّت القيود والشروط ، وتجري أحكامها ولوازمها، ويستحق كل من المتعاملين حصته المقدرة في العقد، وتصح أيضاً مع تعدد المالك ، ومع تعدد العامل ، ومع تعددهما معا، فيكون شريكان في البستان ، وهما مسلم وكافر، ويساقيان على البستان عاملاً واحداً مسلما أو كافراً، أو يساقيان عاملين أحدهما مسلم والثاني كافر، وكذلك في باقي الصور المحتملة ، فتصح المعاملة وتنفذ في جميعها ، إذا تحققت الشروط وجرت المعاملة على الوجه الصحيح .

المسألة 158: المغارسة هي أن يدفع الإنسان أرضه إلى العامل ليغرس فيها نخيلاً أو شجراً ، ويسقيها ويعمل في الأرض والغراس حتى يثبت وينمو، وتكون للعامل حصة معينة المقدار من الشجر والأصول التي يغرسها في الأرض: الربع منها أو النصف أو غيرهما من الحصص ، فإذا أثمرت الأصول التي غرسها ملك من ثمرها بتلك النسبة، فيكون له الربع أو النصف من الثمر في المثالين المتقدمين ، وقد يشترط الطرفان أن تكون للعامل حصة معينة المقدار من رقبة الأرض نفسها، ومن الأصول الموجودة في الأرض قبل المغارسة عليها، بالإضافة إلى حصته من الأصول التي غرسها، وهذا على ما هو متعارف بين الناس في المغارسات الدارجة في ما بينهم .

وقد اشتهر بين أصحابنا (قدس الله أرواحهم) القول ببطلان المغارسة وعدم نفوذها، واشتهرت بينهم دعوى قيام الإجماع على عدم الصحة، ولعل المقصود من ذلك أن المعاملة المذكورة لا تكون من المساقاة المصطلحة بين العلماء، ولا تشملها الأدلة الخاصة الواردة في المساقاة، وليس مرادهم أن المغارسة باطلة لا تصح على الإطلاق ، ولا ريب في بطلان المغارسة التي ذكرناها إذا أجراها المتعاقدان وقصدا بها المساقاة المصطلحة .

المسألة 159: إذا أوقع مالك الأرض مع العامل صورة المغارسة التي بيّناها ، وقصدا بها معاملة المساقاة المصطلحة ، كانت المغارسة باطلة بلا ريب -كما قلنا في المسألة المتقدمة-، وبطل كل ما يذكر في ضمنها من الشروط ، فإنها شروط في ضمن عقد فاسد، فلا يجب السقي ولا العمل في الأرض على العامل ، ولا يملك حصة من الثمر ، ولا من النخيل والشجر التي يغرسها، ولا من الأرض والأصول الموجودة فيها من قبل ، إذا اشترط له ذلك فيها.

فإذا غرس العامل في الأرض المدفوعة إليه نخيلاً أو شجراً، فالنخيل والشجر التي غرسها تكون جميعاً مملوكة لمالكها فسيلاً وودياً قبل أن تغرس ، فان كانت قبل غرسها مملوكة لصاحب الأرض ، كما إذا اشتراها أو تملكها بسبب شرعي آخر لتغرس في أرضه ، وكما إذا أخذها فسيلاً أو ودياً من أصول مملوكة له في تلك الأرض ، أو في ارض له أخرى، كانت جميعا بعد غرسها باقية على ملكه ، ولا حصة ولا حق للعامل الغارس فيها.

وإذا كان مالك الأرض والعامل فيها يعلمان ببطلان هذه المعاملة الجارية بينهما، وعلم العامل بان غرسه وتصرفه في الفسيل وفي الأرض محرم عليه ، من حيث انه تصرف في مال الغير بغير اذنه ، تنجز عليه التكليف بحرمته ، وحرم عليه اخذ الأجرة على الغرس والعمل في الأرض ، لأنه من الأجرة على العمل المحرم ، فان مالك الأرض إنما أذن له في التصرف في أرضه وفي ملكه إذا كانت المعاملة صحيحة شرعية ، ولم يأذن له في التصرف إذا كانت باطلة .

وإذا علم من القرائن ، أو من القول الصريح ، بان مالك الأرض قد أذن للعامل إذنا مطلقا بالتصرف في الأرض ، وفي الفسيل والودي المملوك له ، ولم يقيد إذنه له بالمعاملة الصحيحة ، استحق العامل على المالك أجرة المثل على عمله في الغرس والأرض.

المسألة 160: إذا جرت المغارسة بين الرجلين على الوجه المتقدم -الذي قلنا ببطلانه- وكان الفسيل والودي الذي غرسه العامل في الأرض مملوكا له قبل الغرس ، كما إذا اشتراه من قبل ليغرسه أو اخذه من نخيل وشجر يملكه ، ثم غرسه في الأرض ، بقي مملوكا للعامل خاصة ، ولم يملك صاحب الأرض منه شيئاً.

فإذا كان مالك الأرض إنما اذن للعامل في التصرف في أرضه وغرسها إذا كان التصرف بوجه شرعي صحيح ، وكانت المعاملة الواقعة بينهما صحيحة شرعية ولم يأذن له بذلك إذا كانت المعاملة باطلة، فلا يستحق مالك الأرض على العامل في هذه الصورة اجرة لأرضه عن تصرفه فيها في المدة الماضية، ويجوز للمالك أن يأمر العامل بقلع ما غرسه في الأرض من شجر ونخيل ، ويجوز له أيضاً أن يأذن للعامل بإبقاء ما غرسه في الأرض مجاناً أو مع أجرة المثل للأرض مدة بقاء المغروسات فيها، وهذا إذا رضى العامل بالإبقاء ، وليس للمالك أن يجبره عليه بأجره أو بغير أجرة.

وإذا أمره المالك أن يقلع ما غرسه في الأرض وجب على العامل أن يقلعه ، ويطمّ الحفر التي تحدث في الأرض بسبب الغرس أو القلع ، وإذا حدث في المغروسات نقص أو عيب أو كسر بسبب قلع العامل إياها لم يضمن المالك له ارش ذلك .

وإذا أمر المالك العامل أن يقلع ما غرسه في الأرض ، فامتنع العامل ، جاز للمالك أن يقلعه بنفسه ، فإذا انكسرت الشجرة أو النخلة ، أو عابت بسبب قلع مالك الأرض لها ، ضمن للعامل ارش هذا النقص أو العيب الحادث فيها بفعله ، وارش النقص أو العيب هو التفاوت في المقلوع منها ما بين قيمته صحيحاً ، وقيمته مكسورا أو معيباً ، ولا يضمن للعامل تفاوت ما بين قيمتها وهي ثابتة في الأرض ومقلوعة منها.

المسألة 161: إذا كانت المغارسة بين الشخصين على الوجه المتقدم -الذي حكم الشارع فيه بالبطلان وعدم النفوذ-، وكان الودي والفسيل الذي غرسه العامل في الأرض بسبب هذه المعاملة على قسمين ، فمنه ما هو مملوك لصاحب الأرض من قبل غرسه ، ومنه ما هو مملوك للعامل ، جرى في كل واحد من القسمين ما يخصّه من الأحكام التي أوضحناها في المسائل المتقدمة من الملك والضمان والآثار الأخرى، فليلاحظ ما سبق بيانه فيها لتطبيق حكم كل قسم منهما في مورده ، ولا موجب للتكرار.

المسألة 162: يمكن للمتعاملين أن يوقعا المغارسة بينهما على أنها معاملة مستقلة بنفسها عن سائر المعاملات ، وعقد من العقود المتعارفة بين العقلاء وأهل العرف ، والشائعة بينهم، فتكون بذلك معاملة صحيحة ونافذة على الأقوى، تشملها العمومات والاطلاقات الدالة على وجوب الوفاء بالعقود من الكتاب الكريم والسنة المطهرة ، وذلك بان يتفق مالك الأرض مع العامل على أن يغرس العامل له أرضه نخيلاً وشجراً معلومة، ويعمل له في الأرض وفي الغرس حتى تنمو المغروسات وتثبت وتثمر، ويلتزم الجانبان بينهما بان يملّك مالك الفسيل والودي منهما صاحبه نصف الفسيل والودي الذي يراد غرسه في الأرض أو ربعه -مثلاً- على نحو الشركة والإشاعة، فإذا كان مالك الفسيل والودي هو مالك الأرض ، ملك العامل الحصة المعينة منها ، وجعل ذلك عوضاً له عما يقوم به من الغرس والعمل في الأرض ، وإذا كان مالكها هو العامل ، ملك الحصة منها لصاحب الأرض ، وجعل ذلك عوضاً له عن تصرف العامل في أرضه وانتفاعه بها.

فإذا اتفق الطرفان على ما ذكرناه واوقعاً الإيجاب والقبول الدالين على الاتفاق والتمليك المذكورين ، والالتزام بموجبهما ، صحت المعاملة، وشملتها الأدلة العامة والمطلقة ، الدالة على صحة العقود ووجوب الوفاء بها، ويمكن لهما أن يشترطا في ضمن هذا العقد أن يملّك صاحب الأرض العامل حصة معلومة المقدار مشاعة من رقبة الأرض ، ومن الأصول الموجودة فيها قبل المغارسة، فيصحّ الشرط وينفذ ، لأنه شرط سائغ وقع في ضمن عقد لازم.

المسألة 163: يكفي في صحة عقد المغارسة -الذي ذكرناه- أن يعلم الطرفان مقدار الأرض التي تجري المعاملة عليها، ومقدار ما تحتاج إليه من المغروسات من النخيل والشجر، ومقـدار الحصة التي تجعل للعامل والمالك من الأرض ، ومن الأصول ، بالمشاهدة الرافعة للجهالة ، وبتقدير المطلعين من أهل الخبرة والمعرفة ، فترتفع بذلك الجهالة التي تضر بمثل هذا العقد، ويكفى الاعتماد على ما هو المتعارف والمعتاد بين عامة أهل البلد في تعيين أنواع المغروسات من الشجر والنخيل وأصنافها ، وإذا اختلف الأمر في ذلك ، ولم يثبت المتعارف شيئاً ، أو اختلف المقصود بين المالك والعـامل ، فلابد من تعيين النوع والصنف الذي يراد غرسه ، ولابد من تعيين كل قيد أو شرط أو أمر يكون الجهل به موجباً للتنازع بين الطرفين .

المسألة 164: إذا كان الفسيل والودي الذي يرام غرسه في الأرض مشتركاً على سبيل الإشاعة التامة بين مالك الأرض والعامل فيها، ومثال ذلك: أن يشتري أحدهما جميع ذلك بالأصالة عن نفسه وبالوكالة عن الآخر ، على أن يكون جميع ما يشتريه منها مشتركاً مشاعاً بينهما ، مع التساوي في الحصة، أو مع التفاوت فيها حسب ما يتراضيان عليه ، فإذا تم الاشتراك فيه بين الطرفين كذلك ، أمكن لهما أن يوقعا معاملة المغارسة بينهما بصورة الإجارة على الوجه الآتي.

فيستأجر صاحب الأرض العامل ليقوم بغرس حصة صاحب الأرض من الفسيل والودي المشترك في الأرض ، وسقيها والعمل فيها في مدة معلومة، ويجعل للعامل عوضا عن عمله في ذلك ، أن يغرس العامل حصته المشتركة في الأرض ، وينتفع بها في تلك المدة المعلومة، أو يضيف إلى ذلك -إن شاء الطرفان- أن يملك العامل معها حصته من الأرض .

ويمكن أن يتولى العامل إنشاء عقد الإجارة، فيؤجر نفسه لصاحب الأرض ليغرس له حصته من الفسيل والودي في الأرض ويعمل فيها ، ويذكر المدة والعوض والشرط حسب ما بيناه فإذا وقع الإيجاب والقبول في الصورتين ، صحت المعاملة ، وثبتت لوازمها وآثارها ، ولا تصح الإجارة إذا لم تعين المدة ، أولم تحدد المنفعة المستأجر عليها.

المسألة 165: إذا كان جميع الفسيل والودي ، الذي يراد غرسه في الأرض -مملوكاً لصاحب الأرض ، أمكن له أن يجري المغارسة بينه وبين العامل على الصورة الآتية ، وهي أن يملّك العامل من الفسيل والودي المذكور حصة معلومة النسبة له ، على سبيل الإشاعة التامة : النصف منه -مثلاً- أو الثلث أو الربع ، فيملكه ذلك بمصالحة أو ببيع ، أو بغيرهما من العقود اللازمة ، ويجعل عوض تمليك الحصة أن يغرس العامل حصة المالك من الفسيل والودي في الأرض ، ويسقيها ويعمل فيها إلى مدة معينة، ويشترط المالك على نفسه في العقد أن يغرس العامل حصته التي ملّكه المالك إياها من الفسيل في الأرض ، ويبقيها فيها إلى آخر المدة المعينة للمغارسة بغير أجرة على غرسها ولا على بقائها من العامل ، أو  يشترط على نفسه -مع غرس العامل حصته من الفسيل في الأرض- أن يملك العامل حصة معينة من رقبة الأرض: النصف أو الربع مثلاً على وجه الإشاعة فيها.

وإذا كان الفسيل والودي كله مملوكاً للعامل ، أمكن له أن يجري المغارسة أيضاً، فيملّك العامل صاحب الأرض حصة معلومة النسبة كذلك من الفسيل والودي ، بمصالحة أو بيع أو غيرهما -كما سبق في نظيره-، ويجعل عوض تمليكه الحصة أن يغرس العامل حصته من الفسيل والودي في أرض المالك بغير أجرة ، ويستوفي بذلك منفعة الأرض إلى مدة معينة، ويشترط العامل على نفسه في ضمن العقد أن يغرس لصاحب الأرض حصته التي ملّكه إياها من الفسيل والودي ، ويسقيها ويعمل فيها إلى انتهاء المدة، ويمكن له أن يجعل من العوض أن يملكه مالك الأرض نصف رقبتها أو ربعها، فتصح المعاملة ، وتنتج نتيجة المغارسة ، إذا جرى عليها الإيجاب والقبول .

المسألة 166: إذا أنشئت المغارسة بين العامل ومالك الأرض على أنها معاملة مستقلة بذاتها، وليست من المساقاة ولا من سائر المعاملات ، وقد مر تفصيل بيان ذلك في المسألة المائة والثانية والستين ، ثم وقع النـزاع بين المتعاقدين فادّعى أحدهما أن المعاملة تمت بينهما على الوجه المطلوب ، فالمغارسة صحيحة نافذة ، وقال الثاني: إنها كانت فاقدة لبعض المقومات أو لبعض الشروط فهي باطلة ولا أثر لها ، قدّم قول من يدعى الصحة منهماً ، إلا أن يثبت الثاني صحة ما يقول ببينة شرعية .

وكذلك إذا أنشئت المغارسة بينهما بصورة الإجارة، أو على وجه تمليك الحصة من الفسيل والودى -كما فصلناه نن المسألتين السابقتين- ثم ادعى أحد الرجلين أن المعاملة صحيحة ، وقد جرت على وفق ما يرام ، وادعى الثاني بطلانها ، فالقول قول من يدّعي الصحة.

وإذا وقعت المغارسة بينهما، فادعى أحد الشخصين أن المعاملة انشئت بينهما وتمت على أنها من المساقاة المصطلحة ، فتكون باطلة -على ما سبق بيانه-، وقال الآخر منهما: إننا قد أجرينا المغارسة بيننا على أنها معاملة مستقلة فهي صحيحة نافذة، اشكل الحكم بتقديم قول من يدعي الصحة ، لعدم إحراز العنوان الذي وقعت عليه المعاملة، ولذلك فلا يترك الرجوع فيها إلى الاحتياط بالمصالحة ، والتراضي بين المتداعيين .