كلمة التقوى

الجزء السادس : كتاب إحياء الموات

وتفصيل القول في هذا الكتاب يقع في تسعة فصول

الفصل الأول

في الأرضين الميتة و أحكامها

المسألة الأولى: الموات من الأرض هي ما قابل الأرض المحياة، ويراد بها الأرض البائرة التي لا تنتج -بالفعل- منفعة يقصدها الناس العقلاء من أمثالها، كالمفاوز المقفرة من السكّان الذين يتولّون عمارتها وإحياءها، وكالبراري التي انقطع عنها الماء ، أو رسب في أغوارها، فلا تنبت شيئا، أو هي تنبت الأشواك والحشائش التي لا تنفع الإنسان لحياته الخاصة، وان كانت قد تنفع دوابّه ومواشيه ، وكالجزر والمستنقعات التي استولى عليها الماء الملح ، أو الماء العذب ، فأصبحت -بسبب غلبته عليها- غير صالحة للتعمير، وكالأراضي التي غلبت عليها الرمال أو الأملاح والأسباخ ، أو الحجارة الخشنة فتركت وأهملت ، وكالأهوار التي أصبحت آجاماً ومنبتا للقصب والبردي والنبات غير المجدي ، وكالغابات التي التفّت بها الأشجار والادواح الضخمة ، وعادت مأوى للحيوانات المتوحشة والسباع والضاريات ، وكالجبال التي لم يملك الإنسان عمارتها لارتفاعها، والأودية التي لم يستطع إحياءها لأنها بطون ومجار للسيول ، وكالأراضي التي ترك الإنسان عمارتها لصعوبة العيش فيها ، أو لبعدها عن مواضع إلفه ، أو موارد رزقه ، وهكذا مما يعسر عده من موانع التعمير والإحياء .

المسألة الثانية: تنقسم الأرض الموات إلى قسمين ، فهي إمّا ميتة بالأصل ، وإمّا ميتة بالعارض ، ويراد بالميتة بالأصل: الأراضي التي لم تجر عليها يد إنسان من قبل ، ولم تنلها بالتملّك والعمارة من قديم العصور والأزمان ، وتلحق بها في الحكم الأراضي التي لم يعلم حالها في ما سبق: هل أحياها الإنسان في تاريخه الماضي أو لم يحيها؟، ويدخل في هذا القسم أكثر الأراضي الخربة الموجودة على سطح هذه الكرة ، من مفاوز وصحاري وبوادي ، ووديان وجبال ، وجزر وشواطئ خالية من التعمير.

ويراد بالأراضي الميتة بالعارض: ما علم بأنها كانت عامرة ، وقد أحياها الإنسان في بعض عصوره ، ثم أهملها فآلت إلى الاندثار والخراب بعد الحياة والعمران ، وتدخل في هذا القسم: الأراضي الدارسة والقرى الطامسة ، التي بقيت منها الآثار والرسوم والأطلال ، أو التي لم يبق منها رسم ولا طلل ، وتنقسم الأرض الميتة بالعارض إلى ثلاثة أقسام :

القسم الأول: أراضي تركها أهلها الذين عمروها ثم بادوا وانقرضوا، وبقى ذكرهم للعبرة والتاريخ ، أولم يبق منهم حتى الذكر .

القسم الثاني: أراضي تركها أهلها وملاَّكها ، ولم يبيدوا ولم ينقرضوا ، ولكن جهل أمرهم ولم تعرف أشخاصهم ولا أسماؤهم ، فهي مجهولة المالكين .

القسم الثالث: أراضي تركها مالكها ، فخربت واندرست آثار الحياة فيها بعد أن تركها المالك أو قبل أن يتركها، ومالكها أو وارثه معلوم غير مجهول .

المسألة الثالثة: لا ريب في أن الأرض الموات بالأصل من الأنفال ، وحكم الأنفال: أنها تختصَّ بالرسول (ص) في حياته ، وتختص بالأئمة المعصومين (ع) أولياء الأمور من بعده، إماماً بعد إمام ، وقد أذن المعصومون (ع) للشيعة بإحيائها وتملكها في زمان غيبة الإمام المهدى خاتمهم (ع) ، وقد ذكرنا هذا في مبحث الأنفال من كتاب الخمس في هذه الرسالة .

بل الظاهر حصول الإذن العام من ولي الأمر (ع) للناس جميعهم بإحياء الأرض الموات وتملكها ، كما ورد في النصوص الدالة على جواز شراء الأرض من اليهود والنصارى، وان الرسول (ص) لمَا فتح خيبر خارَج أهلها ، وأبقى الأرض في أيديهم ، يحيونها ويعمرونها ويؤدون إليه خراجها، وان كل من أحيا أرضا مواتا ملكها، وهي شاملة للمسلم والكافر .

ويلحق بالأرض الموات بالأصل في هذا الحكم: القسم الأول من الأرض الميتة بالعارض، وهي الأراضي والقرى التي اندرست ، وباد أهلها وملاَّكها القدامى، ولم يبق لهم إلا الذكر، أو لم يبق منهم حتى الذكر، فيجوز للناس إحياؤها ، ومن أحيا شيئا منها ملكه بالإحياء ، ولا يتوقف جواز ذلك إلى الإذن من الحاكم الشرعي .

المسألة الرابعة: إذا كانت الأرض من القسم الثاني من الأراضي الميتة بالعارض، فماتت بعد أن كانت عامرة محياة، وبعد أن تركها أصحابها وهي عامرة، أو هم تركوها بعد أن خربت واندرست ، ولم يبد أهلها ولم ينقرضوا، بل جهل أمرهم فلم يعرفوا على التعيين.

فان علم أنهم قد أعرضوا عن أرضهم إعراضاً تاماً جاز للناس الآخرين إحياؤها وتملّكها، وان لم يعلم بإعراضهم عن الأرض أشكل الحكم فيها. والأحوط لمن يريد إحياء شيء من هذه الأرض أن يفحص عن وجود مالكها، فإذا حصل له اليأس من معرفته ، رجع في أمر الأرض إلى الحاكم الشرعي ، ليجرى معه في التصرف فيها معاملة مجهول المالك.

فيجوز للحاكم الشرعي -بولايته عن المالك المجهول- أن يبيع الأرض على الشخص المذكور بثمن معيَّن ، فإذا قبض الحاكم منه الثمن قسّمه -هو أو وكيله- على الفقراء، ويجوز له أن يؤجره الأرض مدة معلومة باجرة معينة؟، أو يقدّر للأرض أجرة مثلها في المدة المعلومة بدلا عن انتفاع الرجل بالأرض ، ويصرف الأجرة على الفقراء .

المسألة الخامسة: إذا كانت الأرض من القسم الثالث من الأراضي الميتة بالعارض ، وهي التي أحييت أولاً ثم ماتت بعد الحياة و العمران ، و أهملها صاحبها قبل موتها أو بعده ، وكان مالك الأرض معلوماً غير مجهول ، فان علم بأن مالك الأرض قد أعرض عنها اعراضا تاما، جاز لغيره من الناس أن يتصرف في الأرض ، فيحييها بعد الموت ويتملكها، وان لم يعرض المالك عن تملك أرضه و ان كانت ميتة، فهو يريدها مرعىً أو مراحاً لماشيته -مثلاً-، أو يبتغي الانتفاع بما فيها من كلاء أو بردي أو قصب أو أسل أو شجر أو نخيل يابس ، أو يطلب اجارتها أرضا فارغة لبعض الراغبين فيها، فلا يجوز لأحدٍ أن يتصرف فيها أو يحييها، وكذلك إذاكان المالك يريد التفرّغ من أعماله و مشاغله ليعمرها ويحييها ، أو هو ينتظر الفرصة المواتية لذلك ، بل وكذلك الحكم مع الشك في ما يقصده المالك من ابقائها ميتة لا منفعة لها، فلا يجوز لأحد احياؤها والتصرف فيها.

المسألة السادسة: إذا ماتت الأرض ، وخربت وهي في يد مالكها ، وكانت حبة عامرة في يده -كما فرضنا في المسألة المتقدمة-، وأهملها صاحبها ، وعلم عدم انتفاعه بها ، وانه لا يريد تعميرها، فان كانت -من قبل وضع يده عليها- أرضا ميتة ، وقد ملكها هو بالإحياء ، عادت بعد موتها من الانفال -كما كانت من قبل-، وجاز لغيره من الناس أن يحييها و يتملكها، وإذا أحياها غيره وملكها فليس للمالك الأول أن يطالب المحيي بشيء ، وان كان المالك الأول قد ملكها بالإرث ، أو الابتياع من أحد ، أو بمعاملة مملكة أخرى ،لم يجز لأحد من الناس أن يحييها ، أو يتصرف فيها إلا باذنه ، وقد ذكر هذا في مبحث الأنفال من كتاب الخمس في هذه الرسالة .

المسألة السابعة: يجوز للرجل أن يحيي موضعا واحداً أو اكثر من القرية أو البلدة الخربة ، التي درست عمارتها ، وانقرض سكانها الذين عمروها، وأصبحت من الأنفال ، فيجوز له أن يعمر منها منزلا دارسا فيجدد بناءه ، ويتخذه داراً يسكنها أو عقاراً ينتفع به ، أو يجري له الماء فيجعله بستانا أو مزرعة، أو ما شاء من أقسام الأرضين المعمورة ويملكه بالاحياء.

و يجوز له أن يحوز ما في المنـزل ، وما في القرية من مواد و أنقاض للأبنية القديمة فيها ، كالحجارة و المدر والآجر ، والأخشاب والحديد وغيرها، وإذا حازها بقصد التملك ملكها ، وصح له التصرف فيها -كما يشاء-.

المسألة الثامنة: إذا ماتت أرض موقوفة ، واندرست آثار العمارة و الحياة فيها، و علم من القرائن أو من الشياع والاستفاضة بين أهل البلد ان الأرض موقوفة على قوم سابقين من الأجيال ، وقد بادوا و درس ذكرهم ، أو أنها وقف على قبيلة من الماضين ، أو على جماعة لا يعرف منها في الوقت الحاضر سوى الاسم على ألسن بعض الناس ، أو في بعض السجلات القديمة ، ولا وجود لهم في الخارج ، أصبحت الأرض المذكورة من الأنفال ، فيجوز للناس إحياؤها وتملكها.

وكذلك حكم الأرض التي -يعلم على وجه الإجمال- أنها موقوفة ، ولم يعرف أنها وقف عام أو خاص ، وانها وقف على جهة ، أو على عنوان ، أو على أشخاص ، وعلى أي الجهات أو العناوين أو الاشخاص، فإذا ماتت الأرض المذكورة وخربت فهي من الانفال ، وجاز للناس إحياؤها وتملكها.

المسألة التاسعة: إذا ماتت الارض الموقوفة -كما قلنا في الفرض المتقدم-، وعلم أن الارض قد وقفت على بعض الجهات ، ولم تعرف الجهة الموقوف عليها على نحو التعيين ، فهل وقفت الأرض على مسجد ، أو على مشهد ، أو على مدرسة ، أو على غير ذلك من جهات الخير، أشكل الحكم في أن يحيي هذه الأرض أحد من الناس ويتملكها وقد نقل جماعة من العلماء أن القول بجواز إحيائها هو المشهور بين الفقهاء.

والأحوط لمن يريد إحياء هذه الأرض أن يستأذن من الحاكم الشرعي في احيائها، و إذا عرف المتولي على الوقف استأذن الحاكم و المتولي معا، فإذا هو أحيا الأرض المذكورة باذنهما صرف جميع ماحصل من منافعها في وجوه البرّ ولم يتملك منه شيئا، واستأذن الحاكم الشرعي والمتولي في الصرف كما استاذنهما في الإحياء .

ويجري نظير القول الذي ذكرناه أيضاً في الأرض الميتة ، إذا علم بان واقف الأرض قد وقفها على أشخاص ، ولم تعرف أعيانهم ومشخصاتهم ، وعلم أنهم موجودون بالفعل غير معدومين ، فمن اراد احياء هذه الأرض فالأحوط له أن يستأذن الحاكم الشرعي باحيائها ومن المتولي على الأرض -إذا كان موجوداً أو معروفاً- فإذا أحياها صرف جميع منافعها التي تحصل منها -بعد الاحياء- في وجوه البر ، ولا يتملك الأرض -بهذا الاحياء- ولا من المنافع شيئاً، وعليه أن يكون الصرف في وجوه البر باذن الحاكم و المتولي أيضا .

المسألة العاشرة: يجوز لمن يريد إحياء الأرض في كلتا الصورتين اللتين ذكرنا هما ان يراجع الحاكم الشرعي ، ويراجع متولي الوقف معه إذا كان موجوداً، فيستأجر منهما الأرض مدة معيّنة باجرة مثل الأرض في تلك المدة ، ثم يحيي الأرض لنفسه إذا شاء، و لا يملك الأرض نفسها بهذا الاحياء، بل يأكل منافعها ونماءها في مدة الاجارة، و تصرف أجرة المثل -التي تلزمه- في وجوه البرّ ، وعليه أن يستأذن من الحاكم الشرعي ومن المتولي -إذاكان موجودا- في صرفها، بل ولا يترك الاحتياط في أن يكون صرف الاجرة في وجوه البر من المتولي نفسه .

المسألة 11 : إذا شمل الأرض المذكورة -في كلتا الصورتين اللتين ذكرناهما بعد موت الأرض وخرابها- أحد الموارد التي يصح فيها بيع الوقف ، أمكن للشخص أن يشتري الأرض من الحاكم الشرعي ثم يحييها بعد الشراء لنفسه ، ويملكها بهذا الاحياء، وإذا قبض الحاكم الشرعي من المشتري ثمن الأرض اشترى به أرضاً وجعلها وقفاً عوضا عن الوقف المبيع ، وصرف منافع الوقف الجديد في وجوه البرّ، وإذا لم يمكن ذلك صرف الثمن نفسه في وجوه البرّ، وقد عدّدنا المواضع التي يجوز فيها بيع الوقف في المسالة المائة والثلاثين وما بعدها من كتاب التجارة، وفي المسألة المائة والثلاثة والثلاثين وما بعدها من كتاب الوقف في هذه الرسالة .

المسألة 12 : إذا اندثرت عمارة الأرض ، وخربت بعد عمارتها ، وكانت وقفا على جهة معلومة ، أو كانت وقفاً على جماعة معيّنين معروفين ، جاز لمن يريد إحياء الأرض أن يستأجرها مدة معلومة باجرة مثل الأرض في تلك المدة، ثم يتولى احياءها و تعميرها في مدة الاجارة، ويأكل منافعها وما يحصل منها في المدة، وتصرف أجرة المثل التي دفعها -بدلاً عن استئجاره- للأرض في الجهة الموقوف عليها ، أو الجماعة الموقوف عليهم ، إذا كان الوقف على جهة معينة ، وجب أن تكون إجارة الأرض ، والتصرف فيها من المتولي على الوقف -إذا كان موجودا-، ولزم أن يتولى بنفسه صرف أجرة المثل على الجهة الموقوف عليها، أو يكون الصرف فيها باذنه ، وإذا لم يكن للوقف متول يقوم بالأمر ، وجب أن يكون كل من اجارة الأرض وصرف أجرة المثل في الجهة الموقوف عليها باذن الحاكم الشرعي .

وإذا كان وقف الأرض على أشخاص معلومين ، وكان الوقف خاصاً، وجب أن تكون اجارة الأرض ، والتصرف فيها ، وصرف أجرة المثل على الاشخاص الموقوف عليهم بمراجعة متولي الوقف -إذا كان موجوداً-، و بمراجعة كل من الحاكم الشرعي والاشخاص الموقوف عليهم على الأحوط -إذا كان متولي الوقف مفقوداً-. وإذا كان وقف الأرض المذكورة على الأشخاص عاماً، وجب أن تكون إجارة الأرض ، والتصرف فيها ، وصرف أجرة المثل ، على الموقوف عليهم بتولي الحاكم الشرعي أو وكيله .

وإذا انطبق على الأرض المذكورة -بعد خرابها- بعض ما يسوغ معه بيع الوقف أمكن للرجل أن يرجع الى الحاكم الشرعي فيشتريها منه ، ثم يحييها لنفسه بعد شرائها، و الأحوط أن يكون البيع من الحاكم الشرعي و المتولي للوقف -إذا كان موجودا-، ويتوليان معاً على الأحوط كذلك شراء أرض أخرى بثمن الوقف المبيع ، ووقفها عوضا عن المبيع ، وإذا لم يمكن ذلك صرفا ثمن الوقف على الجهة أو الأشخاص الموقوف عليهم .

المسألة 13 : لا فرق في الأحكام التي بيّناها ، أو التي يأتي بيانها للأرض الموات وأقسامها ، بين أن تكون الأرض في بلاد الاسلام ، أو في بلاد الكفر، فإذا كانت مواتا بالأصل فهي من الأنفال ، وتختص بإمام المسلمين (ع ) وان كانت في بلاد المشركين ، أو الكفار غير المشركين، وتحت نفوذهم وفي سيطرتهم ، فإذا أحياها مسلم أو كافر ملكها باحيائه إياها، وإذا كانت مواتاً بالعارض جرت أقسامها وأحكامها أيضا حسب ما فضّلناه ، وحتى إذا فتح المسلمون بلاد الكفر بالقتال فالارض الموات منها في حال الفتح من الأنفال ، فتجري فيها أحكام الأنفال ، سواء كانت ميتة بالأصل ، أم ميتة بالعارض .

وأما الأرض العامرة من بلاد الكفر في حال فتح المسلمين لها فهي ملك للمسلمين عامة، ولا تختص بأحد منهم ولا من غيرهم ، وإذا ماتت بالعارض بعد الفتح لم يتغير حكمها، ولم تصبح بموتها من الأنفال ، فلا يملكها من يحييها ، وهي لا تزال ملكا لعموم المسلمين .

المسألة 14: يشترط في صحة إحياء موات الأرض ، وفي تملكها بالإحياء أن لا تكون حريماً لملك أحدٍ مسلم ، أو غير مسلم إذا كان ممن تحترم حقوقه وملكيته في الإسلام ، فلا يصح لأحد إحياء الأرض الميتة إذا كانت مرفقاً أو حريماً لملك مالك محترم، ولا يحلُّ لغير ذلك الشخص الذي استحق الأرض بتبع ملكه العامر، وإذا أحياها غيره لم يملكها، وإذا وضع يده عليها بغير اذن صاحب الحق كان غاصباً لحق غيره ، آثماً بفعله، وسنوضح -ان شاء الله تعالى- معنى الحريم ، وحدود مقاديره في الفصل الثاني.

والظاهر أن المراد بالمرفق هنا ما يتوقف عليه بعض الانتفاعات بالملك من الأرض الموات المتصلة به ، فهو بعض أفراد حريم الملك .

المسألة 15: يشترط في صحة إحياء الأرض الموات ، أن لا تكون محجرة لغير الإنسان الذي يريد إحياءها، إذا كان المحجر مسلما ، أو ممن يحترم الإسلام حقوقه من غير المسلمين ، كالذمي والمعاهد، والتحجير -كما سيأتي إيضاحه في الفصل الثالث- لا يكون سبباً لملك الأرض المحجرة ، ولكنه يوجب ثبوت حقٍّ فيها لمن حجرها ، ويكون اولى بها من الناس الآخرين ، فإذا وضع غير المحجّر يده على الأرض بعد تحجيرها من غير اذن المحجر كان غاصباً، آثماً، وإذا أحياها كذلك لم يصح احياؤه ، ولم تثبت ملكيته لها على الأحوط ، بل لا يخلو ذلك من قوة، وإذا أراد احياءها جاز لمن حجرها أن يمنعه .

المسألة 16: اشتهر بين جماعة من الفقهاء (قدس الله أنفسهم ) انه يشترط في صحة احياء الأرض الميتة ان لا تكون الأرض المقصودة من الأراضي التي جعلت في دين الإسلام مشعراً من مشاعر العبادة للمسلمين ، مثل أرض عرفات والمزدلفة ومنى ، فلا يصح إحياء الأرض من هذه الأودية إذا كانت ميتة .

هكذا أفادوا، وفي صحة هذا الاشتراط اشكال ، بل الظاهر منع ذلك ، فان عظمة شأن هذه المواقع في دين الاسلام ، وجعلها فيه حقاً مقدساً لله -سبحانه- وحقاً ثابتاً معظّماً لعموم المسلمين ، لأداء مناسكهم في ممرَّ الازمان والعصور ، قد ابعد هذه الأمكنة أشدَّ البعد ، وأعلى مقامها أعظم العلو والارتفاع عن اعتبارها أرضاً مواتاً ، أو مباحة كسائر الأرضين ، فتحجر أو تحاز ، ويملكها الأفراد ، أو تجري عليها الاعتبارات المتعارفة في المعاملات بين الناس .

المسألة  17: يشترط في صحة احياء الأرض الميتة أن لا يكون إمام المسلمين (ع ) قد أقطع تلك الأرض -من قبل- لأحد من الناس ، فان الإمام إذا أقطع الأرض لأحدٍ اختصت به ، وان لم يحجّرها ولم يحيها، ولا يحق لأحد من الناس غيره أن يحيي تلك الأرض ، أو يضع يده عليها، ولا ينبغي الريب في صحة هذا الشرط إذا تحقق الاقطاع منه (ع )، وقد ذكرت في التاريخ ، وفي كتب السيرة النبوية ، قطائع من الرسول (ص ) لبعض الصحابة، ولكن هذا الشرط لا أثر له في عصر غيبة المعصوم (ع)، لعدم وجود القطائع فيه .

المسألة 18: إذا أحيا الإنسان أرضاً ميتة -على الوجه التام من الاحياء-، ملك الأرض باحيائه إياها، ولا يشترط في حصول الملك له ان يكون المحيى قاصداً لتملك الأرض -على الأقوى-، ويكفى في حصوله أن يقصد احياء الأرض للانتفاع بها.

فإذا مرَّ الإنسان في الفلاة -مثلاً- بأرض كثيرة الماء نقية الهواء، ورغب في البقاء في تلك الأرض شهراً أو أكثر، فأحيا بقعة من تلك الأرض لينتفع بها في مدة بقائه ، وزرع في البقعة بعض ما يعجل نموه ونتاجه من المخضرات والنبات ، وغرس بعض الشجر والأزهار، ملك البقعة التي أحياها، فإذا انقضت أيام إقامته في المكان ، وأعرض عن المزرعة وتركها وسافر عنها زال ملكه بالاعراض ، وجاز للناس الآخرين حيازتها وتملكها من بعده ، وكذلك إذا بنى له في الأرض منـزلاً ليسكنه مدة بقائه فيها، فانه يملك المنـزل باحيائه ، وإذا أعرض عنه وتركه وسافر زال ملكه ، ومثله ما إذا حفر بئراً ، أو أجرى نهراً لينتفع به ، فيملك ما أحياه ، وإذا تركه وسافر ، وأعرض عنه إعراضاً تاماً أصبح مباحاً.

ولا يبعد القول بعدم حصول الملك لما أحياه ، إذا قصد بإحيائه عدم التملك له ، ومثال ذلك : أن يحيي المنـزل في الموضع المذكور ويحفر البئر ، وهو يقصد عدم تملكها لنفسه ، بل لينتفع بها العابرون والمسافرون من الحجاج والزوار.

المسألة 19: إذا سبق أحد المسلمين إلى أرض موات مباحة ، فوضع يده واستولى عليها لينتفع بما فيها من كلاء ونبات ، أو ماء أو حطب أو قصب ، أو ما يشبه ذلك ، كان ذلك المسلم أولى بتلك الأرض من غيره ، ما دامت يده على الأرض وان لم يحجرها، فلا يجوز لأحد أن يحييها ويتملكها، ما دامت في يد المسلم السابق إليها، وإذا أحياها الثاني بالقهر على صاحب اليد كان غاصباً لحقَّه ، ولم يملك الأرض باحيائه لها ، ولذلك فيشترط في صحة احياء الأرض الميتة ، وفي حصول الملك باحيائها: أن لا يكون احياء المحيي لها مسبوقاً بيد مسلم قد استولى قبله على الأرض ، أو مسبوقا بيد ذمي ، أو معاهد للمسلمين ، ممن تحترم يده وتصرّفه في الإسلام.

الفصل الثاني

في حريم الأملاك المحياة

المسألة 20: إذا أحيا الإنسان أرضاً مواتاً ، فجعل الأرض باحيائه لها داراً يملكها ، أو عقارا أو مزرعة أو بستاناً ، أو شيئاً آخر مما يتملّك وينتفع به ، تبع ذلك الملك مقدار من الأرض الموات ، مما يتوقف عليه حصول الانتفاع التام للمالك بالملك الذي أحياه من الأرض ، ويسمِّى هذا المقدار التابع للملك من الأرض الموات حريماً له .

والحريم -الذي ذكرناه- لا يكون بتبعيته له ملكاً لمالك الأرض المحياة، ولكنه حق شرعي يثبت له في الأرض ، ليحصل به الانتفاع بما يملكه ، وهو يختلف في مقداره باختلاف الملك المتبوع ، حسب ما يحصل بـه الانتفاع بالملك في نظر أهل العرف ، وما أمضاه الشارع من ذلك ، وسنذكره -ان شاء الله تعالى- في ما يأتي من الفروض .

المسألة 21: إذا بنى الرجل له داراً في الأرض الموات فأحيا موضع الدار منها وملكها بالاحياء، تبع الدار من الأرض الموات المتصلة بها مقدار ما يسلك به في الدخول إلى الدار والخروج منها للرجل المالك ، ولعياله وأولاده الساكنين معه فيها ، ولدوابه وانعامه ، وزواره المترددين إليه وأضيافه ، ولأحماله وأثقاله ، ولسيارته وأموره المتعارفة له ، ويكون المسلك المذكور في الجانب الذي يشرع منه باب الدار، ويكون بمقدار يفي بحاجة كل اولئك في المرور ، دون عسر أو ضيق .

و إذا كان للدار بابان أحدهما لعياله ونسائه ، والثاني لضيوفه وزواره من الرجال ، تبع الدار مسلكان يفيان بالحاجة، ولا يلزم أن يكون طريقه إلى الدار مستقيما، الا إذا اقتضت الضرورة ذلك ، أو العادة المتعارفة في البلد فيتبع ما تقتضي . ويتبع الدار -بعد احيائها وتملكها- موضع من الأرض الميتة تلقى فيه قمامتها واوساخها وترابها، وموضع أو أكثر يجري فيه ماؤها من المطر وغيره ، وتلقى فيه ثلوجها إذا اقتضت ذلك عادة البلاد.

وهذه المواضع -التي تتبع الدار بعد احيائها من الأرض الميتة المتصلة بها- هي حريمها الذي يتوقف على وجوده انتفاع المالك بداره ، فتكون من مرافق الدار عرفاً، ومن حقوق مالك الدار شرعاً، فلا يصح لأحدٍ من الناس احياء هذا الحريم بدون اذن مالك الدار، وإذا استولى عليه بغير اذنه كان غاصباً، ولم يملك ما أحياه منه .

المسألة 22: إذا بنى الرجل في الأرض الموات حائطاً ليجعله سوراً لبستانه مثلاً، أو لحظيرة مواشيه ، أو لغرض  آخر، تبع الحائط على الأحوط من الأرض مقدار ما يرمي فيه ترابه ومدره وحجارته وطينه وجصه وأدواته ، إذا استهدم أو نقضه مالكه ، وأراد ترميمه واعادة بنائه،  فلا يحيي غيره هذا المقدار من الأرض الا باذن مالك الحائط -على الأحوط ، كما قلنا-.

المسألة 23: إذا حفر نهرًا في الأرض الموات ليسقي مزرعة ، أو نخيلا أو قرية ، أو غير ذلك ، فحريم النهر من الأرض مقدار ما يلقى فيه طينه وترابه على الحافتين ، إذا احتاج إلى التنقية، وطريقان على حافتي النهر يسلكهما من يريد اصلاحه إذا احتاج إلى الاصلاح ، سواء كان النهر عاماً أم خاصاً بمالك واحد أم بجماعة، ولا ريب في ان مقدار حريم النهر يختلف باختلاف النهر نفسه في كبره وصغره ، وفي سعة الأرض والدور والنخيل والمزارع التي تستقي منه وقلّتها ، وفي قلة العاملين فيه لا صلاحه وكثرتهم.

المسألة 24: إذا شق إنسان له نهراً في الأرض الميتة ، ليسقي منه مزرعته أو أرضه أو داره ، أو حفره جماعة مخصصون لينتفعوا به في سقي مزارعهم ودورهم ، وملكوه بالاحياء، فحريم النهر من الأرض الموات حق للرجل الذي حفر النهر وملكه ، أو الجماعة الذين أخرجوه وملكوه ، فلا يجوز لأحد سواهم احياء حريم النهر الا باذنهم .

وإذا كان النهر عاماً ينتفع به جماعة غير محصورين في العدد، وكان النهر غير مملوك لأحدٍ منهم بعينه ، أو لجماعة معيَّنين ، فالحريم حق عام للجماعة الذين ينتفعون به جميعاً ، نظير ما يأتي بيانه في حريم القرية، الا إذا كان الذي حفر النهر واحدا بعينه ، أو جماعة معينون، وبعد أن شقوا النهر لانفسهم وملكوه أباحوا الانتفاع والتصرّف فيه للجميع ، فيكون حريم النهر -من الأرض الميتة- حقاً لمن استخرج النهر خاصة، دون غيره ، الا إذا أسقط حقه من الحريم ، أو جعل النهر نفسه مباحاً للجميع .

المسألة 25: إذا استخرج الإنسان له بئراً في الأرض الميتة ، يستقي من مائها لمزرعته أو لماشيته أو لغيرهما، وملك البئر بالاحياء، تبع البئر -مما حولها من الأرض الميتة- مقدار ما يقف فيه النازح لاستقاه الماء منها، واحدا أو أكثر، وما يضع فيه عدته وحباله قبل الاستقاء وبعده، والموضع الذي يصب النازح فيه الماء إذا اخرجه من البئر، والموضع الذي يجتمع فيه الماء لتشرب منه الماشية ، أو ليجري منه إلى المزرعة ، والموضع الذي يلقي فيه طين البئر ورملها وحجارتها ، إذا احتاجت الى التنقية أو الاصلاح .

ولا يبعد أن يتبع البئر أيضا الموضع الذي تكون فيه الماشية حول الحوض حين الشرب وقبله لانتظار النوبة -إذا كانت الماشية كثيرة-، وإذا كان الاستقاء من البئر بالدولاب تبع البئر موضع نصب الدولاب في البئر، وموضعه قبل ذلك وبعده ، حين ما يحضر لينصب في موضعه ، أو حين ما يخرج منه للاصلاح أو الابدال ، وموضع دور البهيمة حول الدولاب لتديره بحركتها، وموضع تردد البهيمة في ذهابها ورجوعها ، إذا كان الاستقاء بها لا بالدولاب ، وموضع المكائن والأجهزة التي تخرج الماء من البئر وتجريه في مجاريه ، إذا كان الاستقاء بها، وإذا حجر الإنسان هذه المواضع من الأرض الميتة ، واستعملها بقصد الاحياء ملكها مع البئر.

المسألة 26: للبئر السابقة في وجودها حريم آخر ، بالاضافة إلى البئر التي تحفر بعدها إذا كانتا متقاربتين في المكان ، وحريم البئر الأولى أن تبعد البئر الثانية المتأخرة عنها في الوجود بمقدار لا تؤثر في ماء الأولى ضعفاً في قوة الدفع ، أو قلة في كمية الماء ، وقد حدَّد ذلك -في الحكم الشرعي- بأن تبعد الثانية في مكانها الذي تحفر فيه عن الأولى أربعين ذراعا، إذا كانت الأولى بئر عطن ، وان تبعد عنها ستين ذراعاً إذا كانت بئر ناضح ، وبئر العطن: هي ما يستقي منها للإبل والغنم ، وبئر الناضح: ما يستقى منها لمزرعة أو بستان أو نحوهما.

فيجب على صاحب البئر اللاحقة أن يبعدها عن مكان الأولى بالمقدار المذكور، والظاهر ان التحديد بالمقدار المعيَّن إنما هو بحسب ما يقتضيه الغالب في مياه الآبار المتعارفة، وان المدار فيه على التأثير وعدمه ، فإذا علم أن البئر الثانية لا تؤثر على ماء الأولى قلة ولا ضعفاً ، وان استخرجت الثانية بالقرب من الأولى ، جاز الحفر بقربها ولم يجب ابعادها، وإذا علم بان المقدار المذكور من البعد لا يكفي في إزالة الأثر ، وجب أن تبعد الثانية عن الأولى بأكثر من ذلك ، حتى لا تؤثر في مائها شيئاً.

المسألة 27: لا يختص الحكم بوجوب بُعد البئر اللاحقة عن البئر السابقة عليها في الوجود ، بالآبار التي يحييها الإنسان في الأرض الموات ، بل يجرى حتى في الآبار التي يحدثها أصحابها في أراضيهم المملوكة لهم ، فإذا كانت لأحد الرجلين بئر في أرضه المملوكة أو في داره، وأراد الرجل الآخر أن يحفر له بئراً في أرض يملكها بجوار الأول ، أو في أرض موات تقع بجواره ، لزمه أن يبعدها عن بئر الأول إذا كانت تضرّ بمائها، وكذلك البئر الموقوفة أو المسبلة في وجه من وجوه الخير، فإذا أراد شخص آخر أن يحدث له بئراً في ملكه ، أو في أرض موات وهي في جوار البئر الموقوفة أو المسبلة، فعلى الثاني أن يبعد بئره عنها ، إذا كانت توجب تأثيراً على مائها.

المسألة 28: إذا فجَّر إنسان لنفسه عيناً نابعة بالماء في الأرض الموات ملك العين بتفجيرها واحيائها، وتبع العين من الأرض الموات من حولها مقدار ما يتوقف عليه حصول الانتفاع بالعين المحياة ، ليكون ذلك المقدار حريماً للعين ، وحقاً يختص به مالك العين على نهج ما سبق ذكره في نظائره ، فاذا احتاج في انتفاعه -بحسب العادة المتبعة عند أهل العرف- إلى حوض يجتمع فيه الماء ، وإلى مجرى يجري فيه ، كان موضع الحوض وموضع المجرى حريماً للعين، وتبعها أيضاً موضع تلقى فيه رواسب العين وطينها ورملها ، إذا احتاجت إلى الإصلاح أو التنقية، ولا يجوز لغير مالك العين احياء هذه المواضع من الأرض الميتة بدون اذن مالك العين ، لأنها حق يختص به ، وإذا احياها صاحب العين ملكها.

وللعين المحياة أيضاً حريم آخر كالحريم الثاني للبئر، فإذا أراد رجل  آخر أن يستنبط له عيناً في الأرض الموات بعد ذلك ، وجب عليه أن يبعدها عن العين السابقة خمسمائة ذراع ، إذا كانت الأرض صلبة ، وأن يبعدها عنها ألف ذراع إذا كانت الأرض رخوة.

والظاهر هنا أيضاً أن التحديد بالمقدار غالبي -كما قلنا في حريم البئر- وان المدار على تأثير العين اللاحقة في العين السابقة وعدم تأثيرها، فإذا علم أن العين الثانية لن تؤثر على جريان ماء الأولى ، ولن تقلَّله وان قربت منها ،لم يجب ابعادها ، وإذا علم انها تحتاج إلى بعد اكثر مما ذكر وجب ابعادها اكثر منه .

المسألة 29: إذا شق الإنسان له قناة في أرض موات ، وأجرى فيها الماء من عين ، أو من آبار موجودة في الأرض ، أو كان هو قد استنبطها وأحياها ، وأجرى الماء في القناة إلى مزرعته أو إلى ضيعته ، تبع القناة من الأرض الموات في جانبيها ، نظير ما سبق تحديده في حريم النهر، وكان هذا المقدار حريماً للقناة، فلا يجوز لغير مالك القناة احياؤه الا برضاه .

وللقناة أيضاً حريم آخر من كلا جانبيها ، وهو كحريم العين الذي سبق ذكره في المسألة الماضية، فإذا أراد أحد أن يحفر له  قناة في احدى الناحيتين ، وجب عليه أن يبعد قناته عن قناة الأول خمسمائة ذراع ، إذا كانت الأرض صلبة، وألف ذراع إذا كانت الأرض رخوة، والتحديد بذلك غالبي -كما قلنا في حريم العين وحريم البئر- فالواجب أن تبعد القناة الثانية عن الأولى بمقدار لا تضر معه فيها ، ولا تقلَّل ماءها.

وكذلك الحكم في النهر، فإذا شق الإنسان نهرا ، واجرى فيه الماء وأراد إنسان آخر أن يشق له نهراً في إحدى ناحيتي نهر الأول ، فعليه أن يبتعد عنه بمقدار لايكون معه مضراً بالأول .

المسألة 30: لا يختص الحريم -الذي بيَّناه للعين أو القناة أو النهر- بما يخرجه الإنسان منها في الأرض الموات ، فيجرى أيضاً في ما يخرجه في ملكه ، فإذا استنبط الرجل له بناًء أو شق له قناة، أو نهراً في أرض يملكها، وأراد غيره ان يخرج لنفسه مثل ذلك في ملكه ، أو في ارض موات، وجب على الثاني أن يبتعد عن الأول بمقدار لا يضر به وبمائه ، وكذلك في الموقوف والمسبل ، وقد تقدم ذكر مثل ذلك في البئر ، وتراجع المسألة السابعة والعشرون .

المسألة 31: الحريم الثاني -الذي ذكرناه للبئر أو للعين أو للقناة أو للنهر- انما هو حق شرعي ، أثره أن تبتعد البئر أو العين أو النهر أو القناة اللاحقة عن نظائرها -إذا سبقتها في الوجود-، وكان وجود اللاحقة -في ما دون المقدار المذكور- يضر بالسابقة، فيقلل الماء فيها أو يضعف قوة دفعه ، ولا يمنع هذا الحريم غير المالك من إحياء الأرض الموات في هذه المسافة المقدرة، فيجوز لغيره احياء الموات منها ، فيجعله مزرعة أو بستانا أو دارا أو عقاراً له ، بعد أن يترك للنهر أو للعين أو للبئر أو للقناة حريمها الأول التابع لها ، فقد ذكرنا أنه حق لمالكها.

المسألة 32: إذا أحيا الرجل له مزرعة في أرض موات -على الوجه الذي يأتي بيانه في إحياء المزرعة من الفصل الرابع-، ملك الموضع الذي أحياه ، وتبع المزرعة من الارض الموات التي تتصل بها ، مقدار مـا يتوقف عليه حصول الانتفاع التام للمالك بمزرعته ، فـان المزرعة -حسب ما يعتاد بين الناس والزرّاع منهم- تحتاج إلى موضع من الأرض تجمع فيه الأسمدة ، إذا كـان الزرع مما يحتاج إلى التسميد ، وإلى موضع يجعله الزارع بيدراً يداس فيه الزرع بعد حصاده ، وتصفى فيه الحبوب ، وإلى موضع يجمع فيه الخضر والحاصلات والثمار ، من الزراعة حتى توضع في صناديقها أو في أكياسها ، أو تشدَّ حزماً وباقات ، وتصنف انواعها وأصنافها ، وتعدَّ للحمل والنقل ، وإلى موضع يكون حظيرة للحيوان والدواب التي يحتاج إليها في المزرعة، وإلى طريق للدخول إلى المزرعة والخروج منها ، والتردُّد في أطرافها ، والوصول إلى مرافقها للزارع ولمساعديه ، وعملائه الذين يصلون إلى مزرعته إذا كانت واسعة، وقد يحتاج -بحسب العادة- المتعارفة إلى اكثر من مسلك واحدٍ فيكون جميع ذلك وما أشبهه حريماً للمزرعة يتبعها من الأرض الموات ، ويصبح حقا خاصاً لمالكها، فلا يجوز لغيره وضع اليد عليها ، أو على شيء منها الا باذنه ، وإذا أحياها مالك المزرعة ملكها.

وقد يتخذ الإنسان في المزرعة ، أو في البستان الذي يحييه ، بركة من الماء لتربية الاسماك فيها، أو موضعاً لإنتاج الدواجن وتربيتها ، فيملكه بالاحياء ، وتتبعه من الأرض الموات المتصلة به مواضع يتوقف عليها الانتفاع بالملك ، فتكون حريماً له -على نهج ما سبق في نظائره- .

وقد يتوسع أمرها ، ليحتاج إلى طريق لدخول سيارته ، وأدوات نقله إلى المزرعة وخروجها منها، ودخول سيارات آخرين يتعاملون معه وخروجها وترددها، فيكون ذلك حقاً من حقوقه الخاصة به ، وإذا أحياه ملكه ، ويجرى نظير ما ذكر في البستان والضيعة إذا أحياهما من الأرض الموات ، فيتبعهما من الحريم ما يتوقف عليه حصول الانتفاع التام بهما.

المسألة 33: إذا أحييت قرية في أرض موات ، ملك كل واحد من أهل القرية منـزله الذي احياه منها، وتبع المنـزل حريمه الخاص به ، والذي لا يتم الانتفاع بالمنـزل إلا به ، وقد ذكرنا حريم الدار في المسألة الحادية والعشرين ، ويتبع القرية من الأرض الموات المتصلة بها طرق القرية للدخول إليها والخروج منها، والوصول إلى منازلها وإلى مرافقها العامة، ويتبعها كذلك موارد أهل القرية من الماء ومشارعهم ، إذا كانت منفصلة عن البيوت ، ومسيل مياه القرية من المطر وغيره إذا لم تكفها المجاري الخاصة بالبيوت ، والموضع الذي يجتمع فيه أهل القرية متى احتاجوا إلى الاجتماع ، ولم تكف لذلك مجالسهم الخاصة .

ويتبع القرية موضع لدفن الموتى منهم ، إذا لم توجد مقبرة مسبلة أو موقوفة تكفي لأهل القرية، وموضع تجمع فيه كناسة القرية وقماماتها ، وتلقي فيه فضلاتها وأسمدتها، ومراع للماشية وأمكنة للاحتطاب ، إذا احتاج سكان القرية إلى مواضع خاصة لذلك ، ولم تكفهم الحيازة من المباح ، وما شاكل ذلك مما يحتاج إليه سكان القرى ، وتتوقف عليهم مصالحهم .

والمدار في ذلك: أن يحتاجوا إليه حاجة ماسة ، بحيث يقعون في عسر وضيق إذا منعهم منه أحد ، أو زاحمهم فيه مزاحم ، فيكون ذلك حريماً للقرية ، وحقا عاماً لأهلها ، ولا يختص بواحد منهم ، ولا يجوز لغيرهم إحياؤه أو الاستيلاء عليه ، بل ولا يجوز لبعض أهل القرية احياء شيء منه إلا برضى الجميع .

ولا ريب في أن حريم القرية ومرافقها تختلف باختلاف القرية في كبرها وصغرها ، وفي كثرة سكانها وقلّتهم ، وفي سعة اتصالاتهم بالقرى والبلاد الاخرى وضيقها، وكثرة الواردين والمترددين إليها من أهل المصالح فيها وغيرهم ، وكثرة المواشي والأنعام والدواب وقلّتها.

المسألة 34: قد يتداخل حريم الدار الخاص مع حريم القرية، فيكون مسلك الدخول إلى الدار والخروج منها هو بذاته طريقاً من الطرق العامة في القرية، أو يكون موضع إلقاء القمامة والأوساخ من الدار هو موضع إلقائها في القرية، ويكون الموضع الذي تجري فيه مياه المطر ونحوه من الدار في طريق من طرق القرية ، وهكذا ، فيدخل حريم الدار في حريم القرية ، ويكون حقاً عاماً لسكان القرية جميعا، ولا يختص به صاحب الدار، وانما يختص به إذا كان منفرداً عن حريم القرية ، وان كانت الدار متصلة بالقرية .

المسألة 35: لا ريب في ان حاجة الناس إلى الطريق والشارع قد اختلفت مع اختلاف الزمان ، ومع تنوّع وسائل النقل والحمل فيه ، واضطرار سكَّان القرى والبلاد ، وسكَّان الأرياف إلى اتخاذ هذه الوسائل المتنوعة لحاجاتهم وتنقلهم ، وحمل أثقالهم ، في الذهاب والرجوع ، ولذلك فيكون من الحقوق اللازمة في القرية والبلد ، بل وفي المزرعة والضيعة أن يتسع الطريق والشارع بمقدار ما يفي بالحاجة العامة ، ويرفع العسر والضيق في المرور، وعن المارين والعابرين من الأفراد والجماعات ، الراكبين والراجلين ، ويكون ذلك حريما للقرية ، وحداً للطريق ، وحقاً عاماً للسكان .

المسألة 36: إذا غرس الرجل نخلة أو نخلتين -مثلا- في أرض ميتة ملك ما غرسه ، وملك موضع غرسه من الأرض ، وتبع النخلة من الأرض الميتة مدى جرائد النخلة من جميع جوانبها ويكون هذا المقدار حريما للنخلة المغروسة ، وحقاً خاصاً لمالكها ، فلا يجوز لغيره من الناس أن يحيي هذا الحريم ، أو يتصرف فيه إلاّ برضى صاحبه ، وإذا أحياه صاحب الحق ملكه ، وكذلك الحكم إذا غرس شجرة في الأرض الميتة فيملك الشجرة، ويملك موضع غرسها من الأرض ، ويتبع الشجرة من الأرض مقدار ما تمتد اليه أغصانها، ويكون ذلك حقاً له خاصة ، وإذا أحياه ملكه بالاحياء.

المسألة  37: إذا أحيا الإنسان أرضاً ميتة فجعلها داراً أو بستانا أو مزرعة ، أو غير ذلك ، ملك ما أحياه من الأرض ، وتبعه من الحريم ما فصّلنا ذكره في المسائل المتقدمة ، فيكون ذلك حريما لملكه ، وحقا من حقوقه ، وبقي ما زاد على ذلك من الأرض الميتة مباحا للجميع ، وليس لمالك الأرض المحياة حق اختصاص به ، بسبب جواره واحيائه لبعض الأرض ، ولا يحق له أن يمنع أحداً عن احيائه أو تحجيره ، وكذلك الحكم في الارض الميتة التي تكون في جوار قرية ، أو طائفة من الناس ، فلا يكون لأهل القرية أو تلك الطائفة حق في الأرض المذكورة بسبب مجاورتها لهم ، وليس لهم أن يمنعوا من سواهم عن السبق إلى احيائها إلا إذا سبقوا إلى الأرض فحجروها ، أو كانت حريما خاصاً لاملاكهم ، أو ثبت لهم غير ذلك من موجبات الاختصاص شرعاً .

المسألة 38: الحريم الذي يتبع الملك الذي يحييه الإنسان من الأرض الموات -كما قلنا، اكثر من مرة- انما هو حق شرعي يثبت لذلك الإنسان ، وليس ملكاً له ، فحريم الدار وحريم الحائط وحريم المزرعة والضيعة والقرية والنخلة المغروسة، والحريم الأول للبئر وللعين والقناة والنهر، حقوق شرعية تثبت لصاحب الحق تتعلق بالمقدار المعين من الأرض الميتة ، فلا يجوز للناس الآخرين غصبها منه ، ووضع اليد عليها باحياء أو تصرف آخر، ويجوز لصاحب الحق منعهم منه، من غير فرق بين الأفراد المذكورة من الحريم على الأظهر والأحوط.

ولا يثبت هذا الحكم في الحريم الثاني للبئر والعين والقناة والنهر ، فان هذا الحريم انما هو حدٌّ شرعي لابعاد البئر اللاحقة عن البئر السابقة عليها في الحفر -إذا كانت تضرُّ بمائها-، وكذلك الحريم الثاني للعين والقناة والنهر، وقد سبق منا بيان هذا، فيجوز للآخرين احياء هذا الحريم وتحجيره والتصرف فيه، ولا يجوز لمالك البئر والعين والقناة والنهر منعهم منه.

المسألة 39: لا يثبت الحريم بين الاملاك المتجاورة، فإذا بنى الرجل له دارا في أرضه المملوكة له ، فليس له حق الاستطراق إلى داره في الدخول والخروج منها في أرض جاره ، ولا حق له في إجراء مياه داره ، أو إلقاء كناستها وقمامتها في ملك جاره ، أو أن يجعل في ملك جاره شيئاً من مرافق داره ، إلا إذا اذن له الجار بما يريد، وإذا اذن له بشيء منه فانما هي رخصته ، يجوز له الرجوع بها متى أراد، وكذلك إذا بنى الرجل حائطا ، أو شق له نهرا ، أو حفر بئراً ، في حدود أرضه المملوكة له ، فلا يثبت لها حريم في ملك صاحبه ، كالحريم الذي يكون لها إذا انشئت في الأرض الموات . نعم ، إذا سبق أحد المتجاورين فحفر له بئراً في أرضه ، أو استنبط عيناً نابعة ، أو شق قناة أو نهرا ، ثم أراد جاره أن يخرج مثل ذلك في ملكه وكانت بئره أو عينه أو قناته أو نهره الذي يريد إخراجه يضرُّ بما فعله الأول ، وجب على الثاني ان يبتعد عنه بمقدار يرتفع به الضرر ، وليس ذلك حريما أو حقا للجار في ملك الجار، بل لعدم جواز الاضرار به ، وقد ذكرنا هذا في المسألة السابعة والعشرين والمسألة الثلاثين .

المسألة 40: يجوز لكل واحد من الشخصين المتجاورين في الملك ان يتصرف في ملكه الخاص به كيف ما يريد، ولا يحق لاحد من الناس أن يمنعه من التصرف فى ملكه ، إلا إذا كان الشخص محجوراً عن التصرف في ماله ، فيجوز للولي الشرعي عليه منعه ، بل ويجوز لغير الولي منعه أيضاً ، من باب الحسبة مع وجود الشرائط.

ولا يجوز للمالك أن يتصرف في ملكه تصرفاً يوجب الضرر على جاره ، ومثال ذلك: أن يقطع الرجل نخلة من بستانه ، وهو يعلم أن النخلة إذا قطعها فستقع على حائط جاره لتهدمه ، أو على بعض مملوكاتـه فتحطمها ، وأن يفعل في بيته فعلاً يسبب تصدع منـزل جاره ، وخلل بنائه ، أو يبنى كنيفاً بالقرب من بئر جاره يوجب تعفَّن ماء البئر وفساده ، أو يحتفر بالوعة تسري الرطوبة منها إلى جدران جاره فتتلفها.

ومن ذلك : أن يحفر بئراً بالقرب من بئر جاره فتسحب ماءها أو تنقصه ، أو يستخرج عيناً تضعف جريان عينه ، أو يشق قناة تضرُّ بماء قناته ، وقد ذكرنا هذا في مسائل تقدمت .

والظاهر انه ليس من الضرر المانع من التصرف أن يرفع الرجل بناء بيته على بيت جاره فيمنعه -بسبب ذلك- من تسلُّط الشمس والهواء على منـزله والاستفادة الصحية من ذلك ، ولا يبعد ان يكون من الإضرار المانع إذا كان الجار قد أعدّ الموضع من ملكه لجمع التمر فيه وتشميسه ، فأعلى الجار الآخر بناءه على الموضع ، ومنع تسلط الشمس عليه ، وأوجب ذلك تلف التمر والضرر بالمال ، وخصوصا إذا كان الجار -صاحب البناء- يعلم بوقوع هذا الضرر من قبل ذلك .

المسألة 41: لا يجوز لكل واحد من المتجاورين في الملك أن يتصرف في ملكه تصرفاً يوجب وقوع الضرر على جاره ، ويراد به الضرر الذي يعتد به العقلاء، والذي لا يتعارف حدوث مثله بين الجيران ، فلا يمنع منه إذا كان مما يتعارف حصول مثله بينهم ،ومثال ذلك : أن يتخذ الجار في بيته مخبزاً ، وان استوجب أذية الجار بالدخان ، أو يتخذ في ملكه محلا لدباغة الجلود ، وان استلزم أذاه بالروائح ، ونحو ذلك ، وياثم إذا هو فعل شيئاً من ذلك بقصد ايذاء الجار.

المسألة 42: إذا تصرف المالك في ملكه تصرفاً يستلزم ضرر جاره ضرراً يمنع منه العقلاء ، ويحرمه الشارع ، وجب عليه ان يترك ذلك التصرف ، ويرفع استمرار الضرر عن جاره ، فإذا أوجب تصرفه في بيته تصدع حائط جاره أو خلل بنائه ، ضمن له ذلك فيجب عليه أن يتدارك الخلل والتصدع بالاصلاح ، وإذا حفر بئرا بالقرب من بئر جاره فانقطع بذلك ماؤها أو نقص لزمه ان يطم البئر التي حفرها ، وهكذا.

المسألة 43: إذا تردد أمر المالك بين أن يتصرف في ملكه فيقع الضرر على جاره بسبب هذا التصرف، وأن يترك التصرف فيقع الضرر على المالك نفسه بالترك ، اشكل الحكم ، ولا يترك الاحتياط ، اما بأن يتحمل المالك الضرر ويترك التصرف ، أو يرجع الطرفان إلى المصالحة بينهما.

المسألة 44: إذا سبق أحد المالكين المتجاورين فحفر له بالوعة في ملكه ، أو بنى كنيفاً، ثم حفر الثاني من بعده بئراً في ملكه بالقرب من بالوعة جاره أو كنيفة ، فأوجب ذلك فساد ماء بئر الثاني وتغيره ، فلا إثم ولا ضمان على مالك البالوعة أو الكنيف ، ولا يجب عليه رفعهما ليزيل الضرر عن صاحب البئر.

وكذلك إذا سبق أحدهما ، فاحتفر في أرضه بئراً ، ثم حفر الثاني في أرضه بئراً من بعده ، فلم يخرج الماء في البئر الثانية ، بسبب قرب البئر السابقة منها أو خرج الماء فيها ضعيفاً فلا شيء على السابق ، ولا يجب عليه طم بئره ليزيل الضرر عن صاحبه ، فان الضرر على اللاحق قد حصل بسبب تصرفه بنفسه في ملكه ، لا بسبب تصرف الأول في كلتا الصورتين .

المسألة 45: تكاثرت الأحاديث الواردة عن الرسول (ص) ، وعن خلفائه الأئمة المعصومين (ع) الدالة على حرمة إيذاء الجار، وعلى وجوب كف الأذى عنه ، وتنوعت في الدلالة على ذلك ، ففي بعضها: (ان الرسول الله (ص) أمر علياً وسلمان وأبا ذر، -يقول راوي الحديث: ونسيت آخر وأظنه المقداد- أن ينادوا في المسجد بأعلى أصواتهم: انه لا إيمان لمن لم يأمن جاره بوائقة، فنادوا بذلك ثلاثا)، وعن أبي حمزة قال: (سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: (المؤمن من أمن جاره بوائقة، قلت: ما بوائقة؟ قال (ع): ظلمه وغشمه)، وفي حديث المناهى عن الرسول (ص): (من آذى جاره حرم الله عليه الجنة ومأواه جهنم وبئس المصير، ومن ضيّع حق جاره فليس منا، وما زال جبرئيل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورّثه)، وفي الخبر عن الإمام جعفر بن محمد عن أبيه (عليهما السلام)، قال: (قرأت في كتاب على (ع): ان رسول الله (ص) كتب بين المهاجرين والأنصار ومن لحق بهم من أهل يثرب: ان الجار كالنفس غير مضار ولا آثم ، وحرمة الجار على الجار كحرمة أمه)!.

ولهذه النصوص وغيرها فيحرم على الجار إيذاء جاره ، ويجب عليه كف أذاه عنه ، سواء حصل الأذى بتصرف الإنسان في ملكه تصرفاً يضرّ بجاره ويؤذيه ، أم بسبب آخر ، فيكون بإيذائه إياه عاصياً آثماً.

المسألة 46: وقد استفاضت الأخبار عنهم (صلوات الله عليهم) في الحث على حسن الجوار ، والتأكيد على حفظ حقوق الجيران، فعن الرسول (ص) انه قال: (حسن الجوار يعمر الديار وينسىء في الأعمار)، وعن الإمام أبي عبد الله (ع): (حسن الجوار يزيد في الرزق)، وفي خبر أبي أسامة زيد الشحام قال: قال لي أبو عبد الله (ع): (اقرأ على من ترى انه يطيعني منهم ويأخذ بقولي السلام ، وأوصيكم بتقوى الله (عز وجل)، والورع في دينكم ، والاجتهاد لله ، وصدق الحديث ، وأداء الأمانة ، وطول السجود ، وحسن الجوار، فبهذا جاء محمد (ص) )، وعنه (ع) في حديث آخر: (أما يستحيي الرجل منكم أن يعرف جاره حقه ولا يعرف حق جاره )، وعن العبد الصالح (ع): (ليس حسن الجوار كفَّ الأذى، ولكن حسن الجوار صبرك على الأذى)، وقد تكرر في أحاديثهم (ع): (ان الصبر على أذى الجار ، وعلى أذى المؤذين من الناس ، مما يوجب الأجر الكريم عند الله، وانه -سبحانه- يمتحن العبد المؤمن بالجار المؤذى ، أو بالقرين المؤذى من أهل بيته أو أرحامه ، أو بالرفيق المؤذى في سفره أو حضره ، ليؤجره بذلك إذا صبر)، وورد عنهم (ع): (من كف أذاه عن جاره أقاله الله عثرته يوم القيامة).

ولعل المراد بذلك أن يكظم الرجل غيظه مع إيذاء جاره له ، ويصبر نفسه على تحمل الأذى منـه ، ويكف نفسه عـن مجازاته بالأذى -مـع قدرتـه على ذلك- ابتغاء لمرضاة الله -سبحانه- فيستحق بذلك أن يقيله الله عثرته في يوم الجزاء.

وقد ذكرنا في آخر كتاب الصلح ، في الجزء الرابع من هذه الرسالة مسائل تتعلق بأملاك المتجاورين ، فليرجع  إليها.

الفصل الثالث

في تحجير الأرض الميتة والحمى منها

المسألة 47: إذا سبق إنسان إلى قطعة من أرض ميتة ، ولا يد لأحدٍ من الناس (عليها)، فحجر تلك القطعة -كما يأتي بيانه- كان أولى من غيره في إحيائها والتصرف بها، فلا يحق لغيره أن يضع يده عليها أو يحييها ، إلا بإذن مَن حجرها، وإذا أحياها الغير بدون رضاه لم يملكها، ولذلك فقد اشترطنا في صحة احياء الأرض الموات ، وفي حصول الملك به: ان لا تكون الأرض قد حجرها أحد ممن تحترم حقوقه في الإسلام ، إلا إذا كان المحجر قد أسقط حقه من الأولوية بالأرض ، وأباحها لذلك المحيي ، أو أباحها لكل من يرغب في إحيائها، أو عرض له ما يوجب سقوط حقه.

المسألة 48: تحجير الأرض ، هو أن يحدث الشخص فيها ما يدل على اختصاصه بها ، ومنع الآخرين منها لغرض يقصده العقلاء، وسيأتي توضيح المقصود من هذا القيد في بعض المسائل الآتية.

ومن أمثلة التحجير: أن يبني الرجل حول الأرض المقصودة له سورا كبيراً أو صغيراً يحيط بها، أو يسدَّ حولها سدا من الطين أو غيره ، أو يحيطها بحجارة أو يبني من حولها مروزاً، أو يحفر أساساً ، أو يغرز خشبا أو جريداً أو قصباً، أو يحيطها بشرك أو قضبان من الحديد ، ونحو ذلك. ولا يكفي أن يخط من حول الأرض خطة .

والظاهر انه يكفي في تحقق التحجير أن يبسط المحجر جميع الأرض ، ويقتلع الأشواك والطفيليات منها، وإذا فجَّر في الأرض عيناً نابعة ملك العين ، واختص بحريمها من الأرض من جميع جوانب العين ، وإذا شق للعين قناة ، أو أجرى منها نهراً ملك القناة والنهر، واستحق ما يتبعهما من الحريم ، وكذلك إذا استخرج فيها بئرا ، فيملك البئر ، ويستحق حريمها من الأرض، وقد سبق ذكر جميع هذا مفصلاً.

وهل يعدّ إخراج العين أو البئر ، أو شق القناة أو النهر في الأرض تحجيرا لها وان لم يسقها -بعد- بالماء -كما يراه بعض الأعلام-؟، فيه اشكال ، وإذا هو بسط الأرض من حول ما أخرجه فيها وسقاها من الماء ، كان ذلك تحجيراً للأرض وشروعاً في إحيائها بلا ريب .

المسألة 49: إذا عمد الرجل إلى أرض قد غمرها الماء ، وأصبحت من الأهوار منبتاً للبردي والقصب ، أو أجمة تلتف فيها الأشجار غير المثمرة، فجفف الماء ، وأظهر الأرض ، كان ذلك تحجيرا لها ، وكان ذلك الرجل أولى بها من سواه ، وكذلك إذا قلع ما فيها من نبات وطفيليات ، كان ذلك تحجيرا وان لم يجف الماء بعد، وإذا اقتلع الشجر والنبات من جذوره وجفف الماء ، فقد حجر الأرض ، وبدأ في عمارتها واحيائها.

المسألة 50: لا يتقيد تحجير الأرض -على الأقرب- بأن يكون التحجير لإرادة احياء الأرض وتعميرها -كما يظهر من بعض الأكابر-، فان التحجير قد يحصل لغرض آخر من الأغراض المطلوبة عند العقلاء ، المتعارفة في ما بينهم ،كما أشرنا إلى هذا في المسالة الثامنة والأربعين ، فقد يحجر الإنسان أرضا ميتة ، فيسورها لتكون مقبرة مسبلة لأهل البلد، وقد يحجرها ليبقيها أرضاً خالية ، ويتخذها مراحا لماشيته وأنعامه ، وقد يحجرها ليبقيها كذلك ، ويتخذها موضعاً يجمع فيه حاصلاته من التمور أو الحبوب أو غيرها ، ويعدّها فيه للحمل والنقل ، وقد يحجرها فيجعلها موضعاً بارزاً يجتمع فيه أهل بلده أو طائفته في مناسباتهم الدينية ، فيكون مصلى لهم في العيد -مثلا-، أو عند الاستسقاء، أو في مناسباتهم العرفية أو الوطنية التي لابد لهم منها، أو لغير ذلك من الغايات والأغراض المهمة، ولا مانع من ذلك على الظاهر ، خصوصا مع توفر الأراضي الموات لكل من يريد احياء أرض وتملكها ، بحيث لا يزاحم حقوق الآخرين في ذلك .

وقد يريد الفقهاء -القائلون بتقييد التحجير بارادة احياء الأرض- ما يشمل مثل ذلك ، مما يحتاج إليه الناس عادة، وان كانت الأرض لا تزال فارغة من غير التحجير.

المسألة 51: يعتبر في التحجير أن تكون العلامات التي يجعلها الرجل في الأرض دالة على اختصاصه بالأرض ، ودالة على تحديد القطعة التي يريدها من جميع جهاتها ، فعليه أن يحجرها من جوانبها الأربعة ، إذا كانت القطعة في وسط الأرض الموات ، ويكفيه تحديدها من ثلاث جهات إذا كانت في الجهة الرابعة تنتهي إلى موضع مملوك أو محجر لأحد من الناس ، أو تنتهي إلى شط أو بحر مثلاً، ويكفيه التحديد من جهتين إذا كانت من الجهتين الباقيتين تنتهي إلى بعض المذكورات ، فإذا أراد الرجل تحجير بعض الشاطئ ، وكان البعض الذي يريد تحجيره ينتهي من جهة اليابسة إلى أرض مملوكة أو محجرة لأحدٍ ، كفاه أن يحجره من جهتين ، وأما من ناحية الشط أو البحر فإنما يفتقر إلى تحجيره إذا أبقى من الشاطئ فضلة لا يريد الاختصاص بها، أو افتقر إلى السد ليمنع الماء عن أرضه ، ويبدأ بإحيائها أو الانتفاع بها.

المسألة 52: تحجير الإنسان للأرض الميتة يوجب كونه أحق بالقطعة المحجرة من غيره، ولا يكون مالكاً لها إلا بالاحياء، ولذلك فلا يصح له بيع الأرض التي حجرها ، ولا وقفها إلا بعد إحيائها وتملّكها.

والحق الذي يثبت للرجل بتحجير الأرض قابل للانتقال منه إلى غيره ، فإذا مات قبل أن يحيي الأرض انتقل حقه فيها إلى وارثه من بعده ، وهو أيضاً قابل لأن ينقله المحجر في حياته باختياره إلى الغير فيصح له أن ينقله إليه بالمصالحة بعوض وبغير عوض ، ويصح له أن يجعل حق التحجير -بعد أن يثبت له شرعاً في الأرض- ثمنا لشيء يشتريه ، فيملك الشيء الذي اشتراه وينتقل حق التحجير إلى البائع ، ويصح أن يجعله عوضاً في مصالحة تقع بينه وبين غيره ، وأن يجعله عوضا عن شيء يستأجره من مالكه ، وأن يكون مهرا في عقد النكاح ، وعوضاً في الخلع والمباراة، ويجوز له أن ينقله إلى غيره بالهبة، وقد ذكرنا هذا في كتاب الهبة ، وان كان ذلك خلاف القول المشهور، فإذا نقل الرجل حق التحجير -الذي ثبت له في الأرض- إلى غيره بأحد الأسباب التي ذكرناها، أصبح الحق لذلك الغير، فيكون أولى بالأرض المحجرة من غيره ، ولا يملك الأرض إلا باحيائها ، وتسقط -بالنقل- أولوية المحجّر الأول .

المسألة 53: لا يشترط في صحة تحجير الأرض الميتة ، أن يتولى الشخص المحجر تحجير الأرض بنفسه ، فيصح له أن يوكّل فيه إنسانا غيره ، وأن يستأجره ليحجر له الأرض ، على الوجه الذي يحدده في عقد الوكالة أو الإجارة بينهما، فاذا حجرها الوكيل أو الأجير وفقاً لما يريده الأصيل ، صح عملهما ، وثبت الحق للأصيل المنوب عنه ، فكان أولى بالأرض من غيره ، ولا حق فيها للوكيل والأجير.

المسألة 54: إذا تبرع أحد عن زيد -مثلاً- فحجّر له أرضاً مواتا متبرعاً له بعمله ، من غير استنابة ولا توكيل من زيد نفسه ، وقبِل زيد منه تبرعه ، اشكل الحكم بصحة التحجير لزيد، وكذلك إذا حجر الأرض بالنيابة عنه على نحو الفضولية في النيابة ، وأجاز الأصيل نيابته وتحجيره ، ففي صحة ذلك إشكال ، ولا يترك الاحتياط بالمصالحة والمراضاة بينهما في كلتا الصورتين .

المسألة 55: إذا حجر الإنسان أرضاً مواتاً بقصد أن يحييها ويتملكها بعد التحجير، ثم بدا له -بعد ما حجرها بهذا القصد- أن يستعمل الأرض في وجهة أخرى من الغايات المتعارفة، فيتخذها مراحا لماشيته ، أو يسبلها مقبرة لدفن الموتى من أهل قريته ، أو يجعلها لغير ذلك من وجوه الانتفاع بها ، جاز له ذلك ، ونظيره في الحكم ما إذا حجر الأرض لبعض الغايات والوجوه المذكورة ثم بدا له أن يعمر الأرض ويحييها ، فيجوز له ذلك ، ولا يتعين عليه أن ينتفع بالأرض في الجهة الأولى التي قصدها عند التحجير، ولا يسقط حقه من الأولوية بالأرض بسبب عدوله عن الغاية الأولى إلى الغاية الثانية .

المسألة 56: إنما يثبت للإنسان حق الأولوية بالأرض الموات بتحجيرها، ويكون له منع غيره عن التسلط عليها إذا كان قادرا على إعمار الأرض ، وتوجيهها في الوجهة المقصودة له ، المتعارفة بين العقلاء من تحجير الأرض ، فإذا حجر الأرض وهو عاجز عن إحيائها أصلاً، فلا يستطيع أن يقوم بعمارتها بنفسه ، ولا بالتوكيل أو الاستئجار لغيره، ولا يجد الأسباب التي تمكّنه من الإحياء ، ولا يقدر أن يوجه الأرض وجهة أخرى من الغايات الصحيحة، فلا اثر لتحجيره ، ولا تكون له أولوية على غيره في الأرض المحجرة.

وكذلك إذا حجر أرضاً مواتاً تزيد على مقدار ما يمكنه تعميره وإحياؤه منها ، وما يمكنه استعماله والانتفاع به من الوجوه الصحيحة غير الاحياء، فيثبت له حق التحجير في المقدار الذي يستطيع استعماله منها، وينتفي حقه في الزائد الذي يعجز عنه .

ويتفرع على ذلك: انه لا يصح للرجل أن يحجر أرضاً يعجز عن استعمالها كما ذكرنا، ثم ينقل حقه من الأرض إلى غيره بمصالحة أو هبة ، أو بإحدى المعاملات التي يصح نقل حق التحجير بها، فان حق التحجير لا يثبت له في الفرض المذكور حتى يصح له نقله إلى غيره ، بعوض أو بغير عوض .

المسألة 57: يجوز لمن حجر أرضاً مواتاً ، وثبت له حق التحجير فيها -على الوجه الصحيح- أن يسقط حقه من الأرض باختياره ، ويجوز له أن يعرض عنه -كما يعرض عن سائر مملوكاته وأمواله-، فإذا هو أسقط الحق باختياره ، أو أعرض عنه ، زال حقه بذلك وعادت الأرض مباحة لأي أحدٍ يريد إحياءها من الناس ، وان كانت آثار التحجير لا تزال موجودة في الأرض، وكذلك إذا زالت آثار التحجير منها، ودل ذهابها على أن محجرها قد أعرض عن حقه فيها، ومثال ذلك: أن تنمحي آثار التحجير، وتبقى الأرض مهملة غير محجرة مـدة من الزمان وصاحب الحق يراها ولا يلتفت إليها ، وهو قادر على إحيائها أو إعادة تحجيرها ، على أدنى التقادير.

المسألة 58: إذا تعمد أحد من الناس ، فأزال آثار التحجير من الأرض ،لم يزل حق التحجير ثابتاً لصاحبه -وهو المحجر الأول-، وكذلك إذا زالت الآثار بعاصف من الريح ، أو مطر شديد ، أو شبه ذلك ، فلا يزول بذلك حق صاحب الحق ، وخصوصاً مع قصر المدة، وإذا انمحت آثار التحجير من الأرض لطول المدة أشكل الحكم بزوال حق التحجير بذلك .

المسألة 59: إذا حجر الإنسان لنفسه أرضاً ليحييها ويتملكها، لزمه بعد التحجير أن يشرع بعمارة الأرض ، أو يبدأ بمقدمات ذلك ، اذا كان تعميرها يتوقف على مقدمات ، ولا يجوز له أن يهمل الأرض ويترك إحياءها ، وإذا أهمل المحجر الأرض التي حجرها ، ومضت على ذلك مدة فالأحوط لغيره -إذا أراد وضع اليد عليها وإحياءها- أن يرفع الأمر إلى الحاكم الشرعي إذا كان موجوداً ومبسوط اليد، فيلزم من حجر الأرض إما أن يختار تعمير الأرض وإحياءها فلا تبقى معطلة، وإما أن يرفع يده عن الأرض لمن شاء من الناس.

وإذا أظهر المحجر لنفسه عذراً مقبولاً، فادعى أنه يريد التفرغ لتعمير الأرض من بعض أعماله ومشاغله -مثلاً-، أو أنه ينتظر قدوم عمال يعتمد عليهم، أو يطلب الحصول على آلات صالحة يعمر بها الأرض، أمهله الحاكم مدة يزول فيها عذره ، فإذا انقضت المدة ولم يبدأ بتعمير الأرض ، بطل حقه من تحجير الأرض ، وجاز لغيره أن يقوم بعمارتها.

المسألة 60: إذا طالت مدة إهمال المحجر للأرض بعد تحجيرها ، فلم يعمرها ، ولم يوجد الحاكم الشرعي ليخيّره بين تعمير الأرض ورفع اليد عنها ، أو كان الحاكم غير قادر على ذلك، فالأحوط أن يراعى للمحجر حق تحجيره للأرض إلى مدة ثلاث سنين ، فإذا انقضت المدة سقط حقه ، وجاز لغيره إحياء الأرض ، وكذلك الحكم إذا حجر الأرض لبعض الغايات الأخرى التي يصح التحجير لها، فإذا هو أهمل ولم يستعملها في الوجهة المقصودة ، جرت فيها الفروض التي ذكرناها في هذه المسألة وسابقتها ، وانطبقت عليها الأحكام التي بيّناها.

المسألة 61: الحمى من الأرض: حق مخصوص يتولّى جعله وتعيينه وليّ الأمر في الإسلام، وهو الرسول (ص) والإمام المعصوم من أوصيائه (ع)، لأنهما أولى بالمؤمنين من أنفسهم ، فإذا حمى موضعاً معيناً من الأرض ، أو قطعة أو أكثر منها ، فجعلها لجهة من مصالح المسلمين العامة أو الخاصة ، أو لما شاء من الأمور ، كما تقتضيه ولايته التامة العامة، لم يجز لأحدٍ من الناس أن يتسلط على ذلك الحمى ، ويتصرف فيه بتحجير ، أو إحياء أو انتفاع في غير الجهة التي عينها ولي الأمر (ع).

وقد ذكر في كتب التاريخ ، وفي كتب السيرة النبوية أن الرسول (ص) قد حمى النقيع،  وهو موضع في المدينة، لجعله مرعى لإبل الصدقة والجزية، ولخيل المجاهدين، ولم يذكر انه (ص) حمى لنفسه موضعاً أو قطعة من الأرض، ولم يذكر كذلك أن الوصي المعصوم (ع ) قد حمى من بعده أرضا لمثل ذلك، و قد تقدم ذكر إقطاع الرسول والإمام (عليهما السلام) لبعض المسلمين والإقطاع غير الحمى .

المسألة 62: لا يجوز لغير الرسول والإمام المعصوم (عليهما السلام ) أن يحمي موضعاً أو قطعة من الأرض، و إذا حماه غيرهما لم تترتب عليه أحكامه .

وإذا أحيا الرجل ضيعة فملكها بالأحياء ، أو ملكها بغير الأحياء من الأسباب الشرعية للتملك ، وأراد أن يعين موضعاً من ملكه فيجعله مرعى خاصاً لماشيته وأنعامه ، أو  لمواشي أرحامه أو أهل قريته ، جاز له ذلك ، واختص الموضع بالجهة الخاصة التي عيّنها مالك الأرض ، وهو أمرا آخر غير الحمى من الأرض الموات الذي يختص بجعله ولي المسلمين (ع ).

الفصل الرابع

في ما يحصل به إحياء الأرض الميتة

المسألة 63: تختلف كيفية إحياء الأرض الموات باختلاف الوجهة التي يبتغيها الإنسان من إحيائها ، والغرض الذي يطلبه من عمارتها، فان الإنسان قد يعمر الأرض ليجعلها داراً يسكنها أو يؤجرها، وقد يعمرها لتكون ضيعة له أو بستاناً ، أو مزرعة ينتفع من ثمرها وحاصلها، وقد يحييها فيفجر فيها عيناً جارية، أو يحفر فيها بئرا نابعة، أو يشق في الأرض قناة أو نهراً، ويجرى فيهما الماء من العين أو البئر ، ويسقى مزرعته أو ضيعته أو قريته ، ولا ريب في أن عمارة كل واحدٍ من هذه الأشياء وإحياءه يختلف عن غيره ، والمرجع في جميع ذلك إلى العرف الموجود بين الناس في صدق تعمير الجهة التي يريدها الإنسان وإحيائها.

المسألة 64: يتوقف إحياء الأرض قبل الشروع فيه على رفع الموانع التي تكون في الأرض عن قبول الإحياء والتعمير، فقد تكون الأرض منبتاً للأشواك و الحسك والسلَم ، وما يشبه ذلك من النباتات الخشنة، فلا يمكن إحياء الأرض حتى يزال منها جميع ذلك، وتصبح نقية منها ومن جذورها ، وقد يكون وجه الأرض قد استولى عليه السبخ ، أو الرمل الناعم ، أو الحصى الخشن ، فلا تكون قابلة للتعمير إلا بعد تنقيتها من ذلك ، وقد تكون مما كثرت فيها التلول والهضاب والأودية، فلا تمكن عمارتها إلا بعد تسوية الأرض وبسطها ، وإزاحة ما فيها من العقبات المانعة ، وقد تكون الأرض قد استأجمت لغلبة الماء والأشجار والنباتات الغريبة عليها ، ولا بدَّ قبل الشروع في الأحياء من تجفيف الماء عنها، وقلع ما فيها من النبات والشجر الذي يمنع من ذلك ، وتسوية الأرض ، وطمّ الحفر ، وإزالة الجذور.

المسألة 65: إذا عمّر الإنسان حجرة فى الأرض الميتة فبنى جدرانها الأربعة ، ووضع عليها سقفها -على الأحوط فيه- وأصبحت بذلك صالحة للسكنى، فقد احيا موضع الحجرة من الأرض ، وملكه بالأحياء ، وإن لم ينصب لها باباً، وكذلك إذا بنى في الأرض بيتاً من قصب ، أو من خشب أو حديد ، أو غيره ، وسقف البيت ، وأصبح البيت قابلاً للسكنى فيه ، فقد أحيا الموضع وملكه، وإذا أدار حول الحجرة التي بناها والساحة حائطاً يسوّرهما من جوانبهما فقد عمّر الدار وعمّر ساحتها وأحياها ، وملك الأرض والدار بذلك ، وإن لم ينصب للحجرة أو للدار باباً.

و إذا بنى جدارا حول القطعة التي يختارها من الأرض ، فسوَّر القطعة بالجدار من جميع جهاتها ، ثم بنى فيها قواطع تامة لحجرة واحدة أو اكثر ، وأتم ذلك بحيث عدت حجراً في نظر أهل العرف، فقد عمر بذلك الدار وساحتها ، وملك الجميع وان لم يسقف الحجر ، ولم ينصب أبوا بها.

ومثل ذلك : ما إذا بنى الحائط والبيوت من القصب أو من الخشب أو شبهها ، فيتم بذلك تعمير المنـزل وإحياؤه ، ويتملكه المحيي ، وإن لم تسقف البيوت ولم تنصب الأبواب .

المسألة 66: لا يكفي في تعمير الدار واحيائها ان يبني الجدران المحيطة بها ، ما لم يبن معها القواطع التي تكون فيها ، ولو لحجرة واحدة -كما ذكرنا في المسألة المتقدمة- فلا تحيا الدار الا بذلك كله ولا تملك ، ويكفي بناء الجدران المحيطة بالأرض إذا أراد تعمير حظيرة للحيوان ، فيتم له بذلك احياؤها ، ويتحقق له ملكها، وإذا هو أحياها بذلك حظيرة وملكها،ثم بدا له أن يجعلها دارا أو مزرعة أو شيئاً آخر، جاز له ان يفعل فيها ما يشاء، ولا يزول ملكه للأرض بعد الاحياء والتملك ، وان تغير قصده الأول إلى القصد الثاني .

المسألة 67: الظاهر انه يكفي -في تعمير القطعة من الأرض الميتة ، ليجعلها الرجل موضعاً لجمع التمر وتشميسه وتنقيته وكبسه ، أو موضعاً لجمع الحبوب ، أو الثمار والمخضرات واعدادها فيه للحمل والنقل- أن تزال الموانع التي تكون في الأرض ، من حشائش واشواك وحجارة ، وتطم الحفر ، وتبسط الأرض ويتم اعدادها ، وتهيئتها للمقصد الذي يريده المحيي ، ولا يتوقف على بناء أو سقف ، الا إذا احتاج إلى ذلك ليحفظ الثمار من مطر وشبهه ، أو يحفظها من سرّاق وغيرهم .

وإذا عمر الأرض كذلك بهذا القصد فقد أحياها وملكها، وإذا بدا له -بعد التملّك- أن يجعل الأرض دارا أو عقارا أو مزرعة ، جاز له ان يفعل فيها ما يشاء ، ولم يزل ملكه عنها بتغير قصده السابق -كما قلنا في نظيره المتقدم- .

المسألة 68: يكفي في تعمير القطعة من الأرض الموات ، لتكون اصطبلاً للخيل والدواب أن يبني الرجل فيها جدارا يحيط بثلاث جهات منها، ويبني فيها بعض المعالف ، والأحوط أن يسقف ولو بعضه، فإذا فعل ذلك فقد عمر ما في هذه الحدود من الأرض في نظر أهل العرف ، وإذا بنى الجدار في الجهة الرابعة فقد أحيا جميع ما بين الجدران من الأرض ، وملكه من غير إشكال ، والظاهر عدم الحاجة إلى السقف في تحقق الاحياء في هذه الصورة .

المسألة 69: إذا أراد الإنسان أن يحيي الأرض الموات ويتخذها دكاكين ينتفع بالتكسب والاتجار فيها، أو باجارتها على الناس ،كفاه أن يبني في الأرض جدارا مستطيلاً ، بقدر حاجته منها ، ويبني على الجدار قواطع تامة للدكاكين ، تحدد مقاديرها ومواضع الابواب منها، فإذا فعل ذلك فقد عمر الأرض والدكاكين وأحياها وملكها بذلك، وان لم يضع على الدكاكين سقفاً ، ولم ينصب لها أبواباً.

وتتبع الدكاكين من الأرض الموات مما يلي مواضع الأبواب مقدار الطريق إلى الدكاكين في السلوك والدخول والخروج، ومرور الأثقال والبضائع ، وأدوات النقل والحمل ، ومرور العابرين والمترددين إليها بما يفي بالحاجة المتعارفة في البلد، فيكون ذلك حريما للدكاكين والأرض المملوكة وحقا لمالكها، ولا يجوز لغيره من الناس أن يتسلط أو يتصرف في هذا الحق، وإذا عمره مالك الدكاكين طريقاً إليها كان ملكاً له .

المسألة 70: إذا احيا الرجل له دارا أو دكاكين من الأرض الميتة -على الوجه الذي اوضحناه- استحق من الأرض الميتة طريقاً يسلكه إلى داره أو دكاكينه مما يلي الابواب، وإذا عمر غيره من هذه الأرض الميتة داراً أو دكاكين تقابل عمارة الأول في البناء والأبواب اشتركا في الطريق بينهما، ولا يجوز للثاني أن يزاحم الأول في مقدار حريم ملكه ، فيبني فيه ، وقد تقدم ذكر هذا.

وإذا أسس الرجل عمارة داره أو دكاكينه متصلة في أرض مملوكة لغيره ،لم يجز له ان يتّخذ له طريقا في ملك جاره الا باذنه ، وقد تقدم تفصيل هذا في الفصل الثاني .

المسألة 71: قد يحتاج الإنسان -بحسب العادة الجارية والمتعارفة في العصور الحديثة- إلى حديقة خاصة تلحق بداره ، ولا يتم الانتفاع بالدار في هذه الازمان الا بها، فيكون مقدار الحديقة من الأرض الميتة المتصلة بالدار حريماً يتبع الدار بعد تعميرها وتملّكها ، ويكون حقاً من حقوق مالك الدار، والمرجع في تحديد مقدار ذلك إلى العرف الموجود بين أهل البلد، ولا يجوز لأحد مزاحمته فيه ،كما هو الحكم الثابت في نظائره، وإذا سوّره مالك الدار كما تسوّر الحدائق الخاصة ، ووصله بعمارة داره ، فقد أحياه وملكه ، وان لم يغرس أو يزرع فيه شيئاً.

المسألة 72: تتوقف عمارة الأرض الموات ليجعلها الإنسان مزرعة، على أن ينقى الأرض من الموانع والطفيليات التي تميت الزرع ، أو تضعف نموَّه ، أو تقلل نتاجه ، وتتوقف أيضا على تسوية الأرض وبسطها ليستقيم زرعها و يعمّ ، ويسهل سقيها عند الحاجة، وهذا مما تشترك فيه أنواع المزارع وأصنافها.

وتستثنى من ذلك السهول والتلال القابلة بنفسها للزرع ، والتي تكتفي في سقيها بماء المطر والطلّ ، فلا تحتاج إلى تسوية وبسط .

والظاهر أن تعمير الأرض الميتة -لتكون مزرعة من أي انواع المزارع وأصنافها- يحصل باعداد الأرض اعداداً كاملاً ، وتمهيدها للزراعة التي يقصدها ذلك الشخص، وتهيئة وسائل سقيها من تفجير عين ، أو حفر بئر أو شق نهر ومجاري وسواقي، واعداد دلاء أو ناعور أو مكينة، بحيث يصدق على الأرض -في نظر أهل العرف- انها مزرعة.

ولا يعتبر في تعمير الأرض لذلك أن تحرث بالفعل ، أو تزرع أو تسقى بالماء، لان جميع ذلك مما يتوقف عليه حصول الانتفاع بالمزرعة بعد احيائها ، وبعد صدق اسم المزرعة، فإذا أعد الإنسان الأرض -كما ذكرنا- وحفر لها سواقيها ، وهيأ الوسائل لسقيها فقد عمر المزرعة وأحياها وملكها ، وان لم ينتفع بها الا بعد الحرث والزرع والسقي والنمو ، بل والاثمار والانتاج.

المسألة 73: إذا كانت الأرض الميتة بذاتها صالحة للزراعة بالفعل ، بحيث لا تحتاج إلى عمل واعداد وتهيئة لذلك ،وكانت تكتفي في سقيها بماء السماء ، بحيث لا تحتاج إلى شق سواقي وإحضار وسائل ، احتاجت إلى تحجير يفصل القطعة التي يريدها الرجل ، ويرغب في احيائها ، عن بقية الأرض من جميع جوانبها بسور صغير أو كبير يفصل ما بينهما، أو بنصب مروز، أو جمع تراب في حدود القطعة المطلوبة، فتعيَّن مزرعته عن سائر الأرض، لئلا تشتبه الحدود وتلتبس الحقوق، ويحصل التعمير بحرث الأرض وزرعها بالفعل، ويكثر وجود هذا الفرض في الأراضي المهيأة بنفسها لزراعة الحنطة والشعير، والتي تكتفي في السقي والارتواء  بماء المطر ونحوه ، أو بامتصاص المزروعات فيها من مياه الأرض ، لقرب منابع العيون وتوفر الماء.

المسألة 74: تختص مزارع الأرز في بلاد العراق -وما أشبهها- بأن المزرعة تكون قريبة من الانهار الكبيرة التي تزيد في مواسم الزيادة ، ويختلط ماؤها برواسب الطين ، مثل دجلة والفرات وروافدهما وفروعهما، وتكون أرض المزرعة منخفضة في العادة عن مستوى الماء في النهر ، أو أن الزارع نفسه يعدّ الأرض كذلك، ويفتح لها ساقية من النهر حتى يمتلئ قاع المزرعة بالماء المختلط بالطين، فإذا رسب الطين في أرض المزرعة وصفا فوقه الماء ، فتح له منافذ على مجاري قد أعدّها لينحدر إليها الماء الصافي الفاضل عن الحاجة ، وتكون الزراعة في الطين الراسب في قاع المزرعة والماء المختلط بالطين فوقه، وهذه أمور يعرفها الزارع من أهل هذا الصنف ، ويدأبون في العمل عليها.

وتعمير مثل هذه المزرعة: ان يعدّها الزارع بعمله فيها ، لتكون صالحة لما يريد ، ومهيأة للانتفاع بها حين الزراعة ، وبذلك يكون قد أحياها وملكها.

المسألة 75: إذا أراد الإنسان ان يعمر الأرض الميتة ليجعلها ضيعة له أو بستاناً ، لزمه أن يعدّ الأرض لذلك ويمهدها ويهيئ، وسائل السقي على النحو الذي ذكرناه في المسألة الثانية والسبعين ، وأن يغرسها -بعد الاعداد والتمهيد- نخيلاً أو شجراً أو كليهما، ولا يتوقف صدق تعمير الضيعة أو البستان -في نظر أهل العرف- على أن يسور الأرض بجدار وشبهه، ولا على سقي الغرس إذا كان له من رطوبة الأرض ، أو من ماء السماء ، ما يكفيه لاستعداده للنمو.

المسألة 76: يتحقق اعمار العين في الأرض ، بان يحفر الأرض حتى ينبع ماء العين ، سواء نبع قليلاً أم كثيراً ، وكذلك تعمير البئر ، وإذا حفر الأرض ولم ينبع الماء في العين أو البئر، لم يتحقق احياؤهما ولم يملكهما، ويكون الحفر تحجيراً للأرض التي حفرها ليثبت للحافر حق الأولوية بها من غيره .

ويتحقق تعمير القناة بشقها في الأرض ، واخراج العين أو البئر التي يجري ماء القناة منها، وكذلك الحكم إذا كانت القناة قديمة دارسة، فلا تعمر الا باصلاح شق القناة ، واخراج العين أو البئر ، حتى يجري الماء في القناة منهما، ويتحقق اعمار النهر بحفره في الأرض إلى أن يصل إلى الشط أو النهر الكبير الذي يجري فيه الماء المباح ، وتستقي منه الأنهر المتفرعة، ولا يعتبر -في حصول تعميره- أن يجري الماء فيه بالفعل ، فإذا حفر الإنسان النهر إلى ما يقرب من الشط ، وابقى بينهما فاصلاً صغيراً يزيله متى احتاج إلى إجراء الماء في النهر ، فقد احيا النهر وملكه .

الفصل الخامس

في المشتركات بين الناس

ويراد بالمشتركات الطرق العامة ، والمساجد والمدارس والرباطات ، والمياه والمعادن ، ولا تنحصر المشتركات بين الناس في حكم الشريعة بالأشياء المذكورة، ولكن هذه المعدودات أمور اعتاد الفقهاء (قدس الله أسرارهم) أن يبحثوا عنها في هذا الكتاب ، تبعاً لاحياء الموات .

المسألة 77: الطريق النافذ من طرق البلد أو القرية حق عام ، يشترك فيه الناس كافة، ولا يختص به اصحاب الدور والمنازل التي تشرع أبوابها في ذلك الطريق دون غيرهم .

والطريق النافذ: هو الذي يتصل من آخره بطريق عام من طرق البلد أو بأكثر ، أو يتصل بساحة من ساحاته العامة، ولذلك فيكون من الممكن لعامة الناس أن يستطرقوا  فيه، ويعبروا لحاجاتهم ومقاصدهم في الذهاب والاياب، وفي المرور من موضع إلى موضع، ويسمى كذلك بالشارع العام والطريق العام ، ويقابله الطريق غير النافذ، وهو الذي تقطعه من آخره دار مملوكة أو ما يشبهها، ولذلك فلا يمكن العبور منه ، والنفوذ إلى غيره من الطرق أو الساحات في البلد، ويسمى ايضاً الطريق الخاص ، والدريبة، والسكة المقطوعة، وسنتعرض لبيان بعض أحكامها في ما يأتي من المسائل -ان شاء الله تعالى-.

المسألة 78: الشارع العام في البلد أو في القرية حق شرعي عام ، يشترك في اباحة الانتفاع به الناس كافة، ولا يختص جواز الانتفاع بالمرور والاستطراق فيه ، وان كان هذا هو الفائدة المهمة الملحوظة عند جعل الطريق للناس ، بل يجوز الانتفاع به في الجهات الكثيرة الأخرى التي تتعلق بالمرور، فيجوز للمارِّ فيه ان يقف في الطريق ، وأن يجلس مع أصحابه وغيرهم للاستراحة ، أو للمكالمة في بعض الامور، ويصح له الوقوف أو الجلوس فيه لانتظار أحدٍ، أو لانتظار وسيلة نقل ، ويجوز له وضع بعض الأمتعة ، أو بعض الاثقال والاحمال في الطريق لينقلها إلى داره ، أو إلى موضع آخر، وأمثال ذلك من الانتفاعات المتعارفة بالطريق، وان زاحم بعض المارة فيها.

بل ، ويجوز للرجل أن ينتفع بالطريق العام في جهات لا تتعلق بالاستطراق والمرور ، إذا هو لم يزاحم المارين ولم يضرّ بالمرور، فيجوز له أن يتخذ من بعض جوانبه مجلساً يجتمع فيه مع أصدقائه ، ويجوز له النوم فيه ، واحضار الطعام لبعض أصحابه، واداء الصلاة، وما يشبه ذلك من الانتفاعات، ويجوز له أن يجلس في الشارع ، أو يقف للبيع و الشراء والمعاملة، وان يضع فيه بعض الأمتعة والأثاث أو الفاكهة أو المأكولات الأخرى والمشروبات لبيعها، و يتخذه موضعاً لكسبه وحرفته في التعيّش ، إذا هو لم يضايق المارة ولم يضر بالمرور، ولا يحق لغيره أن يمنعه أو يزعجه عن الموضع إذا سبق اليه .

المسألة 79: إذا جلس الرجل في الطريق العام للاستراحة فيه ، أو للتنـزه أو للتحدث مع بعض اصحابه أو للانتظار، ثم قام من موضعه بعد انتهاء غرضه من الجلوس ، فلا حق له في الموضع ، فإذا جلس غيره في المكان لم يجز للأول منعه ، أو ازعاجه من الموضع .

وإذا جلس أو وقف في موضع من الشارع العام ، ووضع فيه متاعه ورحله للبيع والشراء والتكسب ، ثم قام من موضعه ورفع منه رحله ومتاعه ، زال بذلك حقه من المكان ، فإذا جلس في المكان غيره لم يجز للأول أن يمنعه أو يزعجه عن الانتفاع بالمكان .

وإذا ترك الأول مكانه من الشارع ، وابقى فيه بساطا أو فراشاً أو نحو ذلك ، ليعود إلى المكان بعد قيامه منه ، أشكل الحكم بزوال حقه من الموضع وعدم زواله ، والأحوط الرجوع إلى المصالحة، واشدّ من ذلك اشكالاً ما إذا قام الرجل الأول من المكان ، وأبقى المتاع في موضعه ليعود إلى بيعه ، بل الحكم ببقاء حقه في المكان في هذه الصورة لا يخلو من وجه ، والاحتياط سبيل السلامة .

وإذا ذهب من موضعه في الشارع ، وأبقى متاعه في مكانه -كما قلنا- واستناب احداً ليتولى البيع والشراء في المتاع والمكان بالنيابة عنه مادام غائبا عن متاعه لم يزل حقه ، فلا تجوز لغيره من الناس مزاحمته أو مزاحمة نائبه أو ازعاجهما عن المكان ، وليس من الاستنابة -التي ذكرنا حكمها- أن يخلف الرجل الأول بعد قيامه من الموضع رجلاً غيره ليبيع ويشتري لنفسه ، أو في غير متاع الأول ، فلا يحق له ذلك .

المسألة 80: إذا جلس الرجل في الطريق العام للبيع والشراء والمعاملة ، كان موضع جلوسه أو وقوفه حقاً له، ويتبعه من المكان الموضع الذي يجعل فيه رحله ويضع فيه متاعه، والموضع الذي يقف أو يجلس فيه الأشخاص المتعاملون معه ، بل ، والمقدار الذي يتمكن الآخرون من رؤية متاعه والوصول إليه ، فلا تجوز للغير مزاحمته في هذه المواضع أو منعه منها، ولا تثبت له هذه الحقوق ، ولا تصح هذه الأحكام إذا زاحمت المارة ، أو أضرت بالمرور.

المسالة 81: يجوز لمن يجلس في الشارع -ليبيع ويشتري أو ليعامل- أن ينصب على موضعه ظلاً يقيه ويقي متاعه من الشمس والبرد والمطر ونحوها ، إذا كان ذلك لا يضرُّ بالمارة ، ولا يزاحم المرور.

المسالة 82: إذا جلس الشخص في الشارع ، فباع واشترى وعامل في موضع معين منـه ، لم يثبت له الحق في ذلك الموضع في الأيام الأخرى، إذا هو لم يسبق إليه ، فإذا سبقه غيره إلى ذلك الموضع في اليوم الثاني -مثلاً-لم يجز للأول منعه وازعاجه منه ، وكذلك إذا تكرر منه الجلوس في الموضع والبيع والشراء فيه ، فلا يثبت له الحق بسبب تكرره أو ملازمته له ، وإنما يثبت الحق لمن سبق إلى المكان .

المسألة 83: الشارع حق تشترك في الانتفاع به عامة الناس ، ولذلك فلا يجوز لأحدٍ أن يختص به بتحجير ونحوه ، أو يتملكه بالاحياء، أو يبني فيه دكاناً أو مخزناً لحوائجه ، أو حائطاً لبعض أغراضه ، أو يستخرج فيه عيناً أو بئراً، ولا يجوز له أن يبني فيه دكة يعرض عليها متاعه للبيع .

ولا يمنع من أن يزرع في الشارع شجراً ونحوه ، لينتفع الناس بالاستظلال بفيئه ، إذا كان الشارع متسعاً ، وكان الغرس لا يمنع الاستطراق ولا يضر بالمارة ، كما في الشوارع الحديثة، ويجوز كذلك ان يحفر الرجل في أرض الشارع بالوعة تجتمع فيها مياه الأمطار وشبهها ، إذا هو أحكم أسس البالوعة وبناءها وسقفها، ولم تضر بالاستطراق، بل ينبغي فعل ذلك وما اشبهه ، فانه من المصالح التي تقتضيها نزاهة الطريق ، وصيانته عن الأقذار والأوساخ، ويجوز حفر مجرى في أرض الشارع ، لتجرى فيه فضلات المياه ، وتخرج إلى موضع آخر لصيانة الطريق كذلك .

المسألة 84: الظاهر أنه يجوز للرجل أن يحفر في أرض الشارع بالوعة خاصة لمنـزله أو سرداباً ينتفع به في ايام الحر في داره إلى جنب الشارع، وهذا إذا هو احكم أسس البالوعة والسرداب وبناءهما وسقفهما ، ولم يضر وجودهما بالشارع و بمنافعه العامة. ويجوز له أن يخرج لمنـزله روشناً أو جناحاً على الشارع العام ، وأن يفتح لداره باباً فيه، وينصب له ميزاباً، أو يفتح له مجرى تجري منه مياه المطر والغسالات فيه ، إذا لم يضر ذلك بالمارّة و لا بالمرور.

المسألة 85: من الأسباب المعروفة التي بها يكون الموضع من الأرض شارعاً عاماً للناس، وتجرى عليه الاحكام المتقدم ذكرها : أن يكثر استطراق الناس في موضع من الأرض الميتة حتى يصبح الموضع جادة معروفة المعالم ، مسلوكة للافراد والجماعات والقوافل، يترددون فيها من موضع إلى موضع ، ومن بلد إلى بلد، ومن هذا القسم: الطرق والجوادّ التي يسلكها الناس وقطارات الإبل والدواب في البراري والمفازات إلى الاماكن القريبة و البعيدة، ثم يتطور أمرها مع مرور الزمان وتتسع الجوادّ وتسهل وتعبّد.

ومن الأسباب التي يكون بها الموضع شارعاً ، ان يملك الإنسان أرضاً مستطيلة -بالاحياء أو بغيره-، فيجعلها وقفاً على أن تكون شارعاً مسبلاً تسلكه عامة الناس، فإذا وقفه على ذلك وسلكه بعض الناس أصبح شارعا عاما موقوفاً، ولم يجز لواقفه الرجوع فيه كسائر الاوقاف الثابتة شرعا ، الا إذا طرأ ما يزيل الوقف ، أو يسوغ البيع ، وليس لورثته تغيير ذلك بعد موته .

ومن الأسباب لجعل الشارع العام: أن يتفق جماعة من الناس فيعمّروا أرضاً مواتاً، ويجعلوها قرية أو بلدا ليسكنوها أو يؤجروها مثلا، ويحيوا فيها طريقا عاماً تشرع اليه أبواب المنازل من الجانبين ، أو يحيوا فيها أكثر من شارع واحد ، إذا كانت القرية واسعة كبيرة، فإذا سكن الناس القرية أو البلد ، أصبحت الطرق والشوارع المذكورة حقا عاماً لهم ، وجرت عليها الاحكام المتقدمة، وكذلك إذا قام رجل واحد مقتدر بمثل ذلك ، فأحيا القرية ، وعمر الطرق فيها، واباح للناس القرية أو آجر عليهم منازلها ، فسكنها الناس وسلكوا الشوارع .

المسألة 86: إذا قسمت الدولة أرضاً ميتـة قطعاً لتكون دوراً ومنازل يسكنها المواطنون ، وعينت موضعاً أو أكثر من الأرض لتكون شوارع في المحلة، فإذا سلك الناس في الموضع المعين وكثر التردد والاستطراق فيه ، أصبح الموضع شارعا عاما، وترتبت عليه أحكامه .

المسألة 87: الحد الشرعي للطريق العام -إذا اتفق وجوده في الأرض الموات- أن لا ينقص عرضه عن خمسة أذرع بذراع اليد المتعارفة، وهي المتوسطة في طولها من أذرع الناس ، فإذا كانت الجادة العامة في الأرض الميتة ، فلا يجوز للناس احياء الأرض من جانبي الجادة ، حتى يصبح عرضها أقلَّ من خمسة أذرع متعارفة، وإذا سبق أحد فاحيا الأرض إلى حدَّ الجادة، هي أقل من المقدار المذكور، وجب على من يريد احياء الأرض من الجانب الثاني ان يترك للطريق منها ما يبلغ به الحد الشرعي ، ولا يتعدى ذلك فيضيق الطريق عن الحدِّ.

وإذا كان مقدار خمسة أذرع لا يكفي لحاجة الناس العابرين والمترددين في الطريق لاستطراقهم ومرورهم ، وجب أن يكون عرض الطريق سبعة أذرع متعارفة ، وإذا لم يكف ذلك لسدّ الحاجة وجب أن تكون سعة الطريق بمقدار يفي بها، ولا ينقص عن ذلك ، ولا ريب في أن الحاجة في الطريق تختلف باختلاف الأزمنة ، وبكثرة الوسائل وتنوّعها ، و بكثرة الناس وتزاحمهم على استعمالها، و قد ذكرنا هذا في بعض المسائل السابقة.

المسألة 88: حريم الطريق العام هو ما ذكرناه في المسالة الماضية، وهو أن يكون عرضه خمسة أذرع من اليد المتعارفة المتوسطة في طولها، أو ما يفي بحاجة الناس في استطراقهم ومرورهم ، إذا كان المقدار المذكور لا يفي بذلك ، وما يرتفع به التزاحم بين الناس والتصادم في وسائل المرور والحمل والنقل عند الحاجة إلى ذلك .

وانما يثبت للطريق العام هذا الحريم إذا كان ما يجاوره من الجانبين أو من أحدهما أرضاً ميتة ، ولا حريم له إذا وقع ما بين اراض مملوكة، الا إذا رضي المالك المجاور ، أو أعرض عن ملكه باحد اسباب الإعراض .

فإذا وجدت قطعة أرض ميتة مستطيلة ما بين الأراضي المملوكة ، وكان عرض القطعة الميتة لا يزيد على ثلاثة اذرع أو أربعة ، ثم استطرق الناس تلك الأرض ، وكثر ترددهم فيها، وأصبحت جادة مسلوكة، فلا  يجب على اصحاب الاملاك المجاورة لها أن يتمموا عرض الجادة من أملاكهم ، وان كانت ضيقة لا تكفي للمرور، وكذلك إذا سبَل الرجل جادة في ملكه فسلكها الناس واستطرقوها وكانت ضيقة في عرضها ، لا تكفي للمرور، فلا يجب على المالك توسعة الجادة من بقية ملكه ، وإذا كانت الجادة المسبَلة في جوار مالك آخر ،لم يجب عليه توسعتها من ملكه . الا إذا رضي أحدهما فوسّع الجادة باختياره ، أو اعرض عن ملكه لبعض الموجبات .

المسألة 89: إذا غلب الماء على الشارع العام الذي يستطرقه الناس ، فاصبحت أرضه -بسبب غلبة المياه عليها- أجمة ينبت فيها القصب والاشجار الشائكة، ولم يمكن للناس بعد ذلك سلوك الشارع والمرور فيه ، زال موضوعه بذلك ، وارتفعت أحكامه ، وأصبح ارضاً ميتة، فيجوز للناس احياؤه وتملّكه -كسائر الأرض الموات-. وكذلك إذا انقطعت المارة والمترددون عن الطريق لانتقال الناس إلى قرى تبعد عنه ، أو لوجود طريق آخر أقرب منه وأيسر لهم ، او لوجود ما يمنع الناس من سلوكه والمرور فيه ، فأصبح بسبب ذلك مهجوراً لا يسلكه أحد، فانه يكون بذلك ارضاً مواتاً، فيجوز لكل أحد من الناس احياؤه و تملكه .

المسألة 90: إذا كان عرض الطريق العام اكثر من المقدار الذي تلزم به الضرورة والحاجة المتعارفة في البلد للمرور وكثرة المارة في ذلك الطريق ، وكان الطريق موقوفاً مسبلاً لمرور الناس فيه ، فلا يجوز لأحد أن يتصرف في المقدار الزائد منه عن الحاجة، وكذلك إذا لم يكن موقوفاً مسبلاً ، وكان عرضه بمقدار تستلزمه الضرورة التي لابد منها في البلد ، فلا يجوز لأحد احياء شيء منه ولا التصرف فيه ، وان كان عرضه الموجود يزيد عن خمسة اذرع أو سبعة اذرع ، وهما الحد الشرعي للطريق كما تقدم .

المسألة 91: إذا كان الطريق العام في أصله أرضاً ميتة ، وقد سلكه الناس واستطرقوه حتى أصبح شارعا عاما لهم ، وكان واسعاً يزيد عرضه عن الحد الشرعي الذي ذكرناه ، ويزيد أيضاً عن مقدار الحاجة التي لابد منها في القرية أو في البلد عرفا، فالظاهر أنه يجوز للناس التصرف في المقدار الزائد عن الحاجة المذكورة ، فيصح احياؤه وتملكه لمن سبق إليه.

المسألة 92: إذا كان الشارع في أصله مملوكاً لمالك معين ، وقد أباحه المالك للناس اباحة عامة ، على أن يكون شارعا عاماً يسلكونه لحاجاتهم وضروراتهم ، ولم يوقفه ولم يسبله ، فإذا زاد عرض ذلك الشارع عن المقدار اللازم عرفا ، اشكل الحكم بجواز التصرف في الزائد ، والأحوط المنع في هذه الصورة .

المسألة 93: القسم الثاني من الطريق الذي يوجد في القرية أو في البلد: الطريق غير النافذ ، وهو الذي ينقطع من آخره بدار مملوكة لاحد من الناس ، أو موقوفة أو ما يشبه ذلك ، فالدور أو العقارات أو الاملاك الخاصة وما يشبهها ، تكون محيطة بالطريق من كلا جانبيه ، ومن آخره، ومن أجل هذه الاحاطة به ، فلا يمكن للناس الاستطراق والمرور به إلى طرق البلد او ساحاتها، ويسمى ايضا الطريق الخاص ، والدريبة والسكة المرفوعة، والسكة المقطوعة، وقد ذكرنا هذا في المسالة السابعة والسبعين .

وقد ذهب جماعة من أجلّه الفقهاء (قدس الله انفسهم ) إلى أن الطريق غير النافذ يكون مملوكاً لأصحاب الدور الذين تكون لدورهم أبواب مفتوحة في ذلك الطريق ، وأنهم يشتركون جميعاً في تملّكه من اوله إلى آخره ، وتجرى عليه احكام الأموال المشتركة بينهم، ولذلك فلا يجوز لأحد أصحاب الدور المذكورة أن يتصرف في هذا الطريق المشترك ، فيحفر في أرضه بالوعة أو سرداباً، أو يخرج لداره في الطريق جناحاً أو ورشناً ، أو يبني فيه ساباطاً ، الا باذن الآخرين من أصحاب الدور كلّهم ، قالوا: ولا يشترك في ملكية هذا الطريق من يكون حائط داره إلى الطريق وليس له باب مفتوح فيه ، ولم أقف لهذا القول على دليل يمكن الاعتماد عليه ، الا إذا كان أصحاب الدور قد ملكوا الدريبة باحياء أو شراء ، أو بسب آخر من الأسباب الشرعية المملّكة .

والظاهران الدريبة انما هي حق يختص به أصحاب الدور المذكورة ، وليست مملوكة لهم -كما يرى اولئك الفقهاء-، ولا حقّ في الدريبة للرجل الذي يملك داراً يكون حائطها إلى الدريبة وليس له فيها باب مفتوح .

المسألة 94: الدريبة حق يختصّ به أرباب الدور المملوكة لهم ، والتي تكون لهم ابواب مفتوحة في الدريبة، واشتراكهم فيها على النحو الآتي .

فيشترك جميع أصحاب الدور المذكورة في الحق ، من أول الدريبة إلى أول باب مفتوح فيها ، وآخر حائط الدار ذات ذلك الباب ، وبذلك ينتهي حق صاحب تلك الدار، فلاحـق له في باقي الدريبة، ثم يشترك أصحاب الدور الباقية إلى باب الدار الثانية وآخر حائطها، وينتـهي بذلك حق صاحب هذه الدار ، ويكون الباقي من الدريبة للباقي من أصحاب الدور، وهكذا فـي الثالث وما بعده على النهج المذكور ، ويختص صاحب الباب الأخير ببقية الدريبة إلى آخرها.

والتفصيل الذي ذكرناه إنما هو من حيث التصرف في الدريبة وفي أرضها ، فإذا أراد صاحب الدار الأولى أن يحفر بالوعة أو سرداباً في أرض الدريبة، أو يضع ميزاباً ، أو يفتح باباً جديـدا لداره ، أو يخرج لـها جناحاً في الدريبة فلابد له من أن يستأذن جميع أصحاب الـدور ، وإذا أراد ذلك صاحب الـدار الثانية لم يستأذن الأول ، وعليه أن يستأذن الباقي ، وهكذا.

المسألة 95: يجوز لكل واحد من أصحاب الدور -ذوات الأبواب في الدريبة- أن يستطرق فيها إلى داره ، هو وكل فرد من عياله وأولاده ، وخدمه وضيوفه وأصحابه ، ومن يريد زيارته من الناس سواء قلّوا أم كثروا، وان يجلسوا في الدريبة، وان يضع فيها الأحمال والأثقال والحيوان ، التي يحتاج لإدخالها إلى الدار وإخراجها منها عادة ، ولا يفتقر في شيء من ذلك إلى الاستئذان من شركائه في الدريبة، وان كان فيهم الغائبون واليتامى والقاصرون ، ولا تجب المساواة بينهم في هذه الأمور.

ويجوز لصاحب الدار في الدريبة أن يوصد بابه الأول ، ويفتح بابا غيره ، وإذا سدّ بعض أصحاب الدور بابه في الدريبة ، ولم يفتح له باباً آخر فيها ، سقط حقه الثابت له في الطريق، ولم يحتج إلى ناقل شرعي -كما يلزم القائلين بالملكية-.

المسألة 96: إذا كان بعض الدّور له حائط إلى الدريبة ، وليس له باب مفتوح فيها ، فلا حقّ لمالك تلك الدار في الدريبة -كما ذكرنا في ما تقدم-، ولا يجوز له أن يفتح لداره باباً فيها إلاّ بإذن أصحاب الحق فيها، ولا يكفي الاستئذان من بعضهم ، ويجوز له أن يفتح لداره شباكاً أو روشناً للتهوية أو الاستضاءة ، ولا يثبت له بذلك حق في الدريبة ، وإذا استأذن من أرباب الدور ففتح له بابا في الدريبة بإذنهم ، كان شريكاً لهم في الحق ، وخصوصا مع طول الدريبة ، وكثرة الدور فيها.

المسألة 97: يصح لأصحاب الحق في الدريبة أن يتسالموا عليها -في ما بينهم- فيحيى كل فرد منهم حصته من الدريبة ويتملكها ، ويلحقها بداره ، ويفتحوا لهم أبواباً من جهات أخرى ويقتسموا الدريبة بينهم أملاكاً ، ويجوز لبعضهم أن يسقط حقه للآخر ، وأن يصالحه عنه بعوض أو بغير عوض ، فيتملك حصته .

الفصل السادس

في المساجد والمشاهد

المسألة 98: المسجد هو الموضع الذي يقفه مالكه ليكون مسجداً، وقد فصلنا -في مبحث مكان المصلي من كتاب الصلاة ، وفي كتاب الوقف ، من هذه الرسالة- كثيراً من أحكامه، وبوقف الموضع -كذلك- تثبت مسجديته في الإسلام ، ويكون موضعاً عاماً معداً لصلاة المصلين وعبادة المتعبدين من دعاء وتلاوة قران ، وتدريس علوم دينية ، ووعظ وإرشاد وافتاء، والمسلمون في الانتفاع بمساجدهم في ذلك مشتركون متساوون في الحق ، وقد جرت سيرتهم على هذا منذ عصر النبوة وعصور الأئمة الطاهرين (ع) ، ولا ريب لأحد في شيء من ذلك .

المسألة 99: إذا سبق أحد إلى مكان من المسجد ، ليتعبد فيه بقراءة دعاء أو بتلاوة قران، أو لدرس أو لتدريس ، أو لوعظ أو لاستماع موعظة ، أو نحو ذلك ، فهو أحق بالمكان الذي سبق إليه من غيره ، فلا يجوز لأحد أن يمنعه من الجلوس فيه ، أو يزعجه من البقاء فيه ، سواء اتحد غرض الرجلين من الجلوس في المكان أم اختلف ،كما إذا سبق الأول إلى الموضع ليقرأ الدعاء وأراد الثاني الجلوس فيه ليتلو القران ، أو للموعظة أو للتدريس، وسواء شرع السابق في عمله الذي قصده فأخذ في القراءة أو التدريس ، أم كان قريبا من الشروع فيه ، لأنه ينتظر المدرس أو الواعظ مثلاً، فلا يجوز للآخر منعه أو إزعاجه من مقامه ، إلا إذا كان وقت الانتظار طويلا ، بحيث يعدّ إضاعة لحقوق الآخرين عرفاً ، فلا يجوز ذلك .

المسألة 100: الظاهر ان الصلاة في المسجد أولى من التعبدات الأخرى فيه ، فإذا سبق أحد إلى الموضع في المسجد ليقرأ الدعاء ، أو ليتلو القران أو ليعظ أو ليدرس، وحضر من يريد الصلاة في المكان فهو أولى من الأول السابق ، سواء أراد الصلاة فرادى أم جماعة، بل وان أراد الصلاة نافلة، فعلى السابق أن يدع المكان له عند الانحصار به ، وإذا طلبه منه.

ولا أولوية لمن يريد الصلاة جماعة في المسجد ممن يريد الصلاة فيه منفرداً، فإذا سبق الرجل إلى المكان من المسجد ليصلي فيه منفرداً ثم حضر من يريد الصلاة جماعة ،لم يجز للثاني منع الأول ، أو إقامته من موضعه ، ولم يجب على الأول أن يترك المكان لصاحبه إذا طلب المكان منه ، نعم ، ينبغي له أن لا يكون مانعاً للخير عن أخيه المؤمن ، إذا كان لا يدرك صلاة الجماعة في ذلك المكان ، وأمكن له نفسه أن يؤدي صلاته منفرداً في غير ذلك الموضع من المسجد.

المسألة 101: لا يبعد وجود الفرق في من يجلس للدعاء في المسجد ، بين من يكون جلوسه للتعقيب بعد أداء الصلاة في المسجد، ومن يجلس فيه لمطلق التعبد بالدعاء، فإذا حضر من يريد الصلاة في المكان ، فلا يجب على الجالس -وهو يعقب بالدعاء بعد الصلاة- أن يترك له مكانه ، ولا يكون مريد الصلاة أولى منه بالمكان ، فانه قد سبق إلى الصلاة والدعاء، وإذا كان الجالس قد سبق إلى المسجد للدعاء فيه -ولم يؤد الصلاة فيه قبل الدعاء- وجب عليه أن يترك المكان لمن يريد الصلاة.

المسألة 102: إذا سبق الرجل إلى الموضع من المسجد لبعض التعبدات فيه ، ثم فارق الموضع وأعرض عنه ، سقط حقه من الأولوية بالمكان ، فإذا سبق إليه غيره -بعد قيامه منه- كان الثاني أولى به من الأول ، فليس له أن يمنعه من الجلوس فيه أو إزعاجه من المكان ، وان كان الأول لا يزال في المسجد ولم يخرج منه ، كما إذا انتقل من موضع صلاته في المسجد إلى موضع آخر فيه ليستمع دعاء أو موعظة أو درساً فيسقط حقه من المكان الأول ، وان أبقى فيه بساطاً أو سجادة ، وفي عزمه أن يعود إليها بعد مدة .

المسألة 103: إذا قام الرجل من موضعه في المسجد ، وهو يريد العودة إليه عن قريب وأبقى في مكانه سجادة أو بساطا أو علامة أخرى، فالظاهر بقاء حقه في المكان ، وعدم سقوط حقه من الأولوية به بمجرد قيامه ، وإذا قام من الموضع وهو يريد العودة إليه كذلك ، ولم يبق فيه شيئاً يدل على ذلك ، أشكل الحكم بسقوط حقه أو عدم سقوطه ، والأحوط للآخرين مراعاة حقه، وخصوصاً إذا كان قيامه من موضعه لبعض الأمور اللازمة من تجديد وضوء ، أو قضاء حاجة ، أو إحضار كتاب ، ونحوها.

المسألة 104: إذا وضع الإنسان له رحلاً في مكان من المسجد قبل أن يجلس فيه فبسط  له بساطاً ، أو فرش فيه سجادة، فالظاهر ثبوت حق الأولوية له في المكان بمجرد ذلك وان لم يجلس فيه بعد ، فلا يجوز لأحد أن يرفع رحله من المكان أو يجلس في موضعه ، ويشكل الحكم بثبوت الحق له بوضع الرحل إذا طالت المدة الفاصلة بين وضع الرحل في المكان وجلوس صاحب الرحل فيه ، بحيث يعدّ تضييعاً لحقوق الآخرين ، فالحكم بجواز رفع غيره للرحل من المكان مشكل ، والحكم بعدم ضمان الرحل إذا تلف أوعاب بعد رفعه أشد إشكالاً.

وإذا دلت القرائن على أن المراد من وضع الرحل في الموضع من المسجد أن صاحب الرحل يجلس في الموضع في وقت معين ، فالظاهر ثبوت الحق وعدم بطلانه قبل حلول الوقت ، ومثال ذلك: أن يضع الرجل رحله صباحا أو ضحى ، فيبسط بساطه أو سجادته في المسجد ليصلى في الموضع صلاة الظهر جماعة في أول وقتها ، أو ليدرك صلاة الجمعة مع الإمام فلا تفوته ، فلا يسقط حقه بطول المدة الفاصلة ، إذا هو حضر في الوقت المعين.

المسألة 105: لا ينبغي الريب في أن إقامة المآتم ، ومجالس الذكرى لمصائب المعصومين من أهل بيت النبوة (ع)، وقراءة سيرتهم ، وتعداد فضائلهم ، والتعريف بمقاماتهم ، وعلو منازلهم من العبادات الجليلة التي يتقرب إلى الله -سبحانه- بها ، وبالاجتماع فيها، والاستماع إلى ما يلقى فيها من الحقائق والمعارف ، فإذا أقيمت هذه المحافل والذكريات في المساجد ، كان الحضور فيها والجلوس في محافلها ، والاستماع إلى الذاكرين فيها من أبرّ العبادات واجلّها ، وإذا سبق السابق إلى المسجد والجلوس فيه لهذه الغاية ، ثبتت له الأولوية بالمجلس والموضع الذي جلس فيه ، على غيره من الواردين من بعده، وجرت له الأحكام التي ذكرناها في المسائل المتقدمة.

المسألة 106: إذا أقيمت محافل ذكريات المعصومين (ع) في الحسينيات العامة الموقوفة المتعارفة عند الشيعة ، كان لها مثل هذا الحكم ، فهي مشتركة بين الحاضرين على السواء ، وإذا سبق أحد منهم إلى مكان في الحسينية أو المآتم فجلس فيه ، كان أولى بالمكان من غيره، فلا يجوز لأحد أن يمنعه من الجلوس ، أو يزعجه ويقيمه من مكانه حتى ينتهي غرضه ، أو يقوم من موضعه باختياره ، ويسقط حقه منه .

المسألة 107: المشاهد المشرّفة كالمساجد في جميع الأحكام التي ذكرناها ، فالمشهد حق عام كالمسجد، يشترك فيه جميع  المسلمين على السواء، سواء كانوا من أهل البلد المجاورين للمشهد ، أم كانوا من الزوار الوافدين إليه من بلاد أخرى ، قريبة أو بعيدة ، فلا يكون الزائر الوافد أولى بالمشهد لزيارته ووفادته وغربته ، ولا يكون القريب المجاور له في البلد أولى به لقربه وجواره ، بل هما في الحق على حد سواء.

وإذا سبق أحد من الناس الوافدين أو المجاورين إلى موضع معين من المشهد ، فجلس فيه للتعبد ، والصلاة أو الزيارة أو الدعاء أو قراءة القران ، أو لغيرها من العبادات والقربات ، كان أولى بالمكان من غيره ، فلا يجوز أن يمنع أو يزعج حتى يستتم غايته من التعبد، أو يترك مكانه باختياره أو يسقط حقه ، وإذا منعه أحد أو أخذ موضعه بغير رضاه كان غاصباً آثماً.

المسألة 108: لا يثبت للشخص حق الأولوية بالمكان في المسجد أو المشهد ، إذا سبق إليه وجلس فيه للتنـزه أو للاستراحة ، أو لغاية أخرى غير العبادات والقربات ، كالاطلاع على بعض النفائس والآثار الموجودة في المشهد أو المسجد، أو للتحدث مع بعض الناس، أو لرؤية بعض الناس وبعض المظاهر.

المسألة 109: إذا جلس الرجل في المسجد أو المشهد لبعض العبادات ، فأعيا واستمر في جلوسه في موضعه ليستريح برهة ثم يعود للتعبد مرة أخرى، لم يسقط حقه الذي ثبت له اولاً من الأولوية ، فلا يجوز لغيره منعه وإزعاجه ما دام جالسا لهذه الغاية ، وكذلك إذا صرفه بعض الناس عن عمله بحديث طويل وهو يرتقب انتهاء صاحبه من حديثه ، ليعود إلى عمله أو إلى غيره ، فلا يسقط حقه بذلك .

الفصل السابع

في المدارس والرّبط

المسألة 110: المدارس: دور أو عمارات خاصة تعدّ ليسكن فيها طلاب العلم ، حسب ما يطلقه واقف المدرسة ، أو يعيّنه من صنف ، أو يذكر للساكنين فيها من قيود وشروط ، والربط: منازل مخصوصة كذلك ، يقفها الواقف ليسكنها الفقراء، أو لينـزل فيها المسافرون والغرباء، من حجاج وزوار ومعتمرين وغيرهم ، وهي كالمدارس تتبع وقف الواقف ، وما يذكره في صيغته من عموم وخصوص ، وإطلاق وتقييد، وكلاهما من المشتركات العامة بين أفراد العنوان أو الصنف الموقوف عليه من الناس .

المسألة 111: إذا وقف الواقف مدرسته على أن يسكنها طلاب العلوم الدينية، ولم يقيدها بقيد ، ولم يشترط فيها شرطاً ، كانت المدرسة عامة يشترك في استحقاق السكنى فيها جميع طلاب العلوم المذكورة،ولم يختص الحق فيها بعرب أو فرس أو هنود ، أو غيرهم من الأصناف التي تشتغل بطلب تلك العلوم ، ولم تختص بطلب علم معين منها، ولم تختص بطبقة معينة من طلبة العلوم ، أو من محصليهم أو أرباب الفضيلة منهم ، فيجوز لكل فرد -ممن يصدق عليه العنوان العام الموقوف عليه- أن يسكن في المدرسة، ولا يجوز للأفراد الآخرين منعه من السكنى ، ولا إخراجه من المدرسة إذا هو سكنها ، وان طالت مدة بقائه فيها، حتى يعرض هو عن السكنى فيها ، ويخرج منها باختياره ، وإذا وقف الواقف المدرسة على أن يسكنها طلاب علوم الدين من العرب خاصة -مثلاً-، أو من العجم خاصة، أو من أهل بلد معين ، أو أهل قطـر خاص منهم ، أو وقفها على أن يسكنها طلاب علم الفقه خاصة ، أو طلاب علم الحديث ، أو علم التفسير، اختص حق السكنى فيها بأهل ذلك الصنف الموقوف عليه ، واشترك بين أفراده ، ولم يجز لغيرهم سكنى المدرسة ، ممن لا يشمله الصنف الذي عينه الواقف ، أو الطائفة التي ذكرها.

المسألة 112: إذا وقف الواقف مدرسة ليسكن فيها طلاب العلم مطلقاً ، أو من طائفة خاصة ، أو من صنف معين ، فالمراد السكنى المتعارفة بين الناس ، فتكون الحجرة من المدرسة موضع إقامته وبقائه عرفاً ، ولا ينافي ذلك أن يخرج من المدرسة في بعض الأوقات لقضاء بعض الحاجات ، أو لشراء بعض الضرورات ، أو للدراسة أو التدريس في أمكنة أخرى، أو للقاء بعض الأخوان ، ولا يضرّ بسكناه في المدرسة أن يبيت بعض الليالي في غيرها، إلاّ إذا اشترط الواقف على الطالب أن يكون مبيته في المدرسة كل ليلة ، أو في ليالي التحصيل ، فيجب عليه أن يتبع الشرط .

ولا يضرّ بالسكنى أن يسافر في بعض الأيام لزيارة أو حج أو عمرة، أو لغير ذلك ، وان طال سفره مدة لا تنافي سكناه في المدرسة، وإذا طالت مدة سفره حتى خرج عن كونه ساكناً في المدرسة -في نظر أهل العرف- بطل حقه ، وإذا شرط الواقف على الطالب أن لا يتجاوز سفره مدة معينة وجب عليه أن يتبع الشرط .

المسألة 113: قد يشترط الواقف أن يكون الطالب الساكن في المدرسة غير متزوج ، أو غير معيل ، فإذا سكن الطالب فيها مدة وهو غير متزوج أو غير معيل وفقا للشرط ، ثم تزوج ، أو أصبح معيلاً ، وجب عليه أن يخرج من المدرسة، وكذلك إذا شرط الواقف أن يكون الساكن فيها مشغولاً بالفعل بالدراسة أو بالتدريس ، فإذا سكن فيها مدة مع وجود الشرط ، ثم عرض له مرض ، أو ضعف أو كبر سن يمنعه من الاشتغال بالفعل ، وجب عليه أن يترك السكنى في المدرسة لفقد الشرط ، وهكذا الحكم في كل وصف أو فعل ، يشترط الواقف أن يكون الطالب الساكن في المدرسة متصفا به ، كصفة العدالة مثلاً، أو الالتزام بأداء الصلاة في أول وقتها ، أو بصلاة الجماعة ، أو بصلاة الليل ، فلا يجوز للطالب أن يسكن المدرسة إذا كان فاقدا لذلك الشرط، وإذا كان متصفاً بالشرط فسكن المدرسة ، ثم فقد الشرط لبعض الطوارئ المانعة، وجب عليه أن يترك السكنى فيها لزوال الشرط .

المسألة 114: إذا سبق أحد طلبة العلم إلى غرفة في المدرسة الموقوفة لسكنها، فليس له أن يمنع غيره من أن يشترك معه في سكنى الغرفة ، إذا كانت الغرفة تتسع لسكنى اكثر من طالب واحد فيها، إلا إذا كان الواقف قد اشترط أن لا يسكن الغرفة الواحدة في المدرسة أكثر من طالب واحد فيتبع الشرط .

المسألة 115: إذا سكن طالب العلم في إحدى غرف المدرسة الموقوفة ، ثبت له حق الأولوية في الغرفة التي سكنها، فلا يجوز لأحد منعه من البقاء فيها ، ولا يجوز إخراجه منها مادام مستحقاً للسكنى، وان طالت مدة إقامته فيها، وإذا كان الواقف قد اشترط أن لا تزيد إقامة الطالب فيها على مدة معينة وجب اتباع الشرط ، فلا يجوز للطالب البقاء أكثر من المدة المشروطة في صيغة الوقف ، ويبطل حقه من السكنى في المدرسة إذا ترك السكنى فيها ، وطالت مدة تركه للسكنى أكثر ممّا يتعارف ، مع وجود من يحتاج إلى السكنى فيها من الطلاب الموقوف عليهم .

المسألة 116: الرّبط: وهي جمع رباط ، ويراد به المسكن أو الخان الذي يقفه مالكه لتسكن فيه الفقراء المحتاجون ، أو يقفه ليكون منـزلا للمسافرين ، من زوّار أو حجّاج ، أو غيرهم من عابري السبيل ، وحكم الرباط هو حكم المدرسة الموقوفة في كل ما بيّناه لها من اللوازم والآثار، فيتبع فيه ما أطلقه الواقف في صيغة وقفه إذا كان مطلقا، وما ذكره فيها من قيد أو شرط إذا كان مقيداً أو مشروطاً، فإذا قال المالك: وقفت هذا المنـزل ، أو هذا الخان ليسكنه الفقراء من الناس ، ولم يقيد وقفه بطائفة خاصة منهم ، ولا بصنف معين من اصنافهم ،كان المنـزل أو الخان الموقوف رباطاً عاماً ، يشترك في استحقاق السكنى فيه جميع الفقراء الموقوف عليهم ، فإذا تقدّم أحد منهم إلى السكنى في موضع منه ، أو غرفة من غرفه ، كان هذا السابق أولى بالموضع أو الغرفة من غيره ، ولم يجز منعه أو إخراجه منه، وإذا اشترط الواقف أن تكون لكل فقير غرفة ، يستقل بسكناها ولا يشاركه فيها غيره ، لزم ذلك ، وإذا وقف المنـزل أو الخان ليسكنه الفقراء ، من أهل البلد ، أو من الغرباء ، أو من طائفة خاصة ، وجب أن يتبع ما ذكره في قوله من إطلاق أو تقييد، ويشترك في استحقاق السكنى في المنـزل جميع أفراد الطائفة التي ذكرها، أو الصنف الذي عيّنه، دون غيرهم من الطوائف أو الأصناف ، على نهج ما ذكرناه في وقف المدرسة، ويجب اتباع كل شرط يشترطه الواقف .

وكذلك الحكم في الربط التي يقفها صاحبها لنـزول المسافرين ، لتجري فيها التفاصيل والأحكام المذكورة.

المسألة 117: إنما يستحق المسافر النـزول في الرباط الموقوف على المسافرين ، والبقاء فيه ما دام مسافراً، فإذا طال مكثه في البلد أو في المنـزل ، حتى خرج -بسبب طول مدته- عن كونه مسافراً في نظر أهل العرف ، وجب عليه الخروج من المنـزل الموقوف ، ولم تجز له مزاحمة المسافرين الآخرين ، ولا يسقط حقه من السكنى والنـزول في المنـزل بالاقامة الشرعية التي توجب عليه إتمام الصلاة، أو الزيادة عليها، إذا لم يخرج بها عن كونه مسافراً.

المسألة 118: لا يستحق النـزول في المنـزل الموقوف على المسافرين أو الغرباء من كان بلده قريباً ، لا يصدق عليه اسم المسافر، أو اسم الغريب ، لقرب بلده من ذلك المكان ، وليس المدار -في هذا الحكم- على وجود المسافة الشرعية التي توجب القصر في الصلاة والإفطار للصائم ، بل المدار على صدق اسم السفر عرفاً ، إلاّ إذا كان وقف الواقف عاماً يشمل ذلك فيكون هو المتبع .

المسألة 119: إذا وقف الواقف الرباط ليسكن فيه الفقراء مطلقا، أو الفقراء من طائفة خاصة ، أو من صنف معين ، ولم يقيده بقيد آخر، ولم يشترط فيه شرطاً، جاز للفقير الذي يستحق السكنى أن يسكن في الحجرة، ويسكن معه عائلته وأولاده ، وجاز له أن يسكن معهم في اكثر من حجرة مع حاجته إلى ذلك ، ولا يجوز لأحد منعه أو مزاحمته في ذلك إذا سبق إليه ، ويتبع ذلك -من ساحة الرباط ومرافقه- ما يتوقف عليه انتفاع الفقير بحقه، كموضع الطبخ ، وموضع غسل الثياب والأواني ، وموضع النوم في ليالي الصيف ، وما يشبه ذلك .

الفصل الثامن

في المياه والكلاء

المسألة 120: يراد بالمياه هنا: المياه التي حكم الشارع فيها بالاباحة الأصلية،كمياه البحار ، ومياه الشطوط العامة ، والأنهار الكبيرة، كشط العرب ودجلة والفرات والنيل وروافدها وفروعها، ومياه العيون التي تتفجر بأنفسها في الجبال ، وفي الأرض الموات، ومياه السيول التي تنحدر من ذوبان الثلوج ، أو تجتمع في الأودية والوهاد من نزول الأمطار ونحو ذلك ، فالناس في هذه المياه شركاء متساوون في الحقوق ، وإذا حاز أحد الناس منها شيئاً ملكه بالحيازة ، سواء حازه بآنية ، أم بدالية ، أم بناعور ، أم بنهر أو قناة شقهما ، أم بحوض ، أم بمكينة ، أم بوسيلة غيرها من وسائل الري الحديثة.

ومن المياه المباحة أيضا: الأنهار الصغيرة التي تتكون بأنفسها في الأرض الموات من سرعة جريان الماء المباح ، المندفع بقوة من الأنهار الكبيرة ، أو العيون الجارية ، أو المياه المنحدرة من أعالي الجبال ، فتشق لها مجاري في الأرض ، ولم يحيها أحد ، ولم يتملكها مالك ، فيكون ماؤها من المشتركات العامة بين الناس .

المسألة 121: إذا حفر رجل له عيناً في ارض ميتة ، أو في جبل فأحيا العين وأجرى  ماءها ، كانت العين والماء الجاري منها ملكاً خاصاً له ، ولم يجز لغيره أن يتصرف في العين أو في الماء إلاّ بإذن من المالك ، وكذلك إذا حفر في الأرض الميتة بئراً فأحياها وأجرى ماءها، وإذا شق في الأرض الميتة قناة ، أو حفر نهرا ، فاحياهما وأجرى الماء فيهما من العين أو البئر اللتين أحياهما ، فالعين والبئر والقناة والنهر جميعا أملاك خاصة له بالإحياء ، والماء ملك له بالحيازة، ولا حق لغيره ، وقد سبق ذكر جميع هذا مفصلاً.

المسألة 122: إذا حفر الإنسان نهراً ، أو شق له قناة في أرض مملوكة له بالشراء أو بغيره، أو أحيا النهر أو القناة في أرض موات -كما تقدم ذكره-، ثم أجرى في نهره أو قناته الماء من بعض الشطوط العامة التي مر ذكرها ، أو من بعض العيون أو الآبار النابعة المباحة لجميع الناس ، ملك ما يدخل في النهر أو القناة من الماء بالحيازة ، وكان الجميع ملكاً له ، وان كان الماء مباحا للجميع في أصله ، فلا يجوز لأحد التصرف فيه إلاّ بإذنه.

المسألة 123: إذا كان نهر مملوكاً لشخصين ، أو لأشخاص متعددين ، على نحو الاشتراك فيه في ما بينهم ، ومثال ذلك: أن يتفقوا فيشقوا النهر في أرض يملكونها جميعاً على نحو الاشتراك ، أو يشتركوا في إحياء النهر في أرض ميتة، فيكون النهر في الصورتين مملوكاً لهم جميعا، على السواء أو على تفاوت ما بينهم في الحصص منه ، وسيأتي بيان الميزان في ذلك.

فإذا ملكوا النهر كذلك ، ثم أجروا فيه الماء من الشطوط العامة المباحة للجميع ، أو من العيون أو الآبار المباحة ، كان الماء الجاري في النهر مملوكا للشركاء فيه جميعاً، وملك كلّ فرد منهم من الماء الجاري فيه بمقدار حصته التي يملكها من النهر نفسه ، فإذا كان النهر مملوكاً لشخصين بالمناصفة ما بينهما ، فالماء الجاري في النهر مملوك بينهما بالمناصفة أيضاً، وإذا كان الشركاء في النهر ، ثلاثة والنهر بينهم بالمساواة ، فالماء بينهم مملوك بالمثالثة، وهكذا.

وإذا تفاوتوا في مقادير الحصص ، فكان أحدهم يملك نصف النهر -مثلاً- فله نصف ما يجري فيه من الماء، وكان الثاني يملك ثلث النهر ، فله ثلث الماء، ويكون للشريك الثالث سدس النهر ويملك سدس الماء فقط .

وإذا اختلف الشركاء في مقادير حصصهم -كما ذكرنا في الصورة الأخيرة-، فلا يجوز لأحدهم أن يتصرف في أكثر من حصته من الماء ، فإذا احتاج في سقي مزرعته أو بستانه أو ضيعته إلى اكثر من حصته من الماء ، وجب عليه أن يستأذن شريكيه في اخذ الزائد، أو يدفع إليهما عوض ما يأخذه من نصيبهما في سقاية ضيعته ومزرعته من الماء .

المسألة 124: إذا كان الشركاء في النهر قد ملكوه بإحيائه من الأرض الموات ، فإنما يحصل التفاوت بينهم في مقادير الحصص منه إذا هم اختلفوا في العمل فيه ، فكان مقدار عمل أحدهم في تعميره وإحيائه أكثر من صاحبه أو اقل منه ، فإذا هم تساووا في العمل تساووا في الحصص التي يملكونها من النهر، وإذا كان عمل أحدهم في إحيائه ضِعف الثاني كان للأول ضعف حصة الثاني من النهر نفسه ، وهكذا، وكذلك إذا هم اقتسموه بحسب النفقة، فإذا تساووا في مقدار ما أنفقوا في تعمير النهر تساوت حصصهم منه، وإذا أنفق أحدهم نصف نفقة الثاني أو ثلثها أو ربعها ملك من الحصة في النهر بتلك النسبة، ومثله ما إذا عمل بعضهم وأنفق بعضهم ، ويرجع في تعيين المقادير ، من العمل أو من النفقة ، أو من النفقة والعمل إلى أهل الخبرة .

المسألة 125: إذا كان الماء الجاري في النهر مشتركاً بين مالكين أو أكثر -كما ذكرنا في المسائل السابقة- جرى فيه حكم الأموال المملوكة المشتركة، فلا يجوز لأحد الشركاء أن يتصرف في الماء ، ولا في بعضه ، إلا بإذن جميع شركائه فيه ، ولا يكفي أن يستأذن من بعضهم ، فإذا أباح كل شريك منهم لكل واحدٍ من شركائه أن يتصرف في الماء المملوك لهم بما يريد فلا ريب في الجواز، وقد يتسالمون جميعاً ، فيقتسمون الماء بينهم بالتناوب، فيخصصون لكل واحد منهم يوماً معيناً أو أياما معينة، أو ساعة من النهار ، أو ساعات منه معلومة ، يتصرف فيها ذلك الشريك بجميع الماء كيف ما يشاء، وبأي مقدار يريد، ثم تكون النوبة بعده للشريك الآخر حتى يتم الدور عليهم جميعا، ولا ضير عليهم في ذلك .

المسألة 126: إذا وقع النـزاع والتشاجر بين الشركاء في النهر والماء ، ولم يصطلحوا ولم يرضوا بالمناوبة، فلابد من تقسيم الماء بينهم بالأجزاء، فيسد النهر من آخره بصخر أو حديد أو غيرهما، فلا يخرج الماء المملوك من النهر، وتوضع للماء في السد أنابيب متساوية في الحجم والسعة ليخرج الماء منها بمقدار واحد، وتعين بذلك الحصص المملوكة منه ، وتشخص مقاديرها في القسمة.

فإذا كان النهر والماء مشتركين بين مالكين بالمناصفة بينهما، وضعا في السد أنبوبين متساويين في الحجم ، وكان لكل واحد من الشريكين أنبوب منهما ، ليجرى ماء أنبوبه في ساقية يختصّ بها ، ويتصرف بمائها حيث ما يشاء، وإذا كان الماء مشتركا بين ثلاثة أشخاص بالتساوي جعلوا في السدة ثلاثة أنابيب متساوية في السعة، واختص كل شريك بواحد من الأنابيب وصنعوا كما تقدم ، وهكذا إذا كان الشركاء أكثر من ثلاثة وكانوا متساوين في الحصص ، ليجعل في السّد بعدد الشركاء أنابيب متساوية ، ويكون لكل واحد منهم أنبوب يختص بمائه .

وإذا كان الشركاء مختلفين في مقادير حصصهم التي يملكونها من الماء -بسبب اختلاف مقادير حصصهم من النهر المملوك- وضعوا في السدة أنابيب متساوية الحجم بمقدار اقلّهم حصة وبعدد مجموع حصصهم ، فإذا كان الشركاء ثلاثة -كما ذكرنا في المثال المتقدم- وكان أحدهم يملك النصف من الماء، والثاني يملك الثلث منه ، والثالث يملك الباقي وهو السدس ، جعلوا في سدة النهر ستة أنابيب متساوية السعة والحجم ، فكان لمالك النصف ثلاثة أنابيب منها، يتصرف بالماء الذي تخرجه هذه الأنابيب من النهر كيف ما يشاء، وكان لمالك الثلث أنبوبان يفعل بمائهما بما يريد، ولصاحب السدس أنبوب واحد يصرف ماءه في ساقية خاصة إذا شاء ، ليسقي به مزرعته أو أرضه ، أو يتصرف فيه بوجه آخر.

المسألة 127: ويتطور الزمان ، وتتطور الوسائل الحديثة معه لتقسيم الماء ، بالوزن والكيل ، وتجعل له الموازين الدقيقة لضبط المقادير والأعداد ، وتحديد ما يراد منه من الحصة أو الحصص ، فيكون الرجوع إليها أيسر وأسهل ، والاعتماد عليها في التقسيم وتعيين مقادير الحقوق أكثر ضبطا وأوفر دقة، وأحرى في براءة الذمم بين الشركاء.

المسألة 128: يجوز للشركاء في ماء النهر أن يقتسموا الماء بينهم بالمهاياة والمناوبة -كما ذكرنا في المسألة المائة والخامسة والعشرين-، فإذا كانت حصصهم في الماء متساوية قسّموه بينهم بالساعات -إذا شاءوا- أو بالأيام المتساوية ، فيكون جميع ماء النهر لأحدهم خمسة أيام -مثلا- يتصرف فيه كما يريد، ثم تنتقل النوبة بعده إلى الشريك الثاني ، فيتصرف في جميع ماء النهر خمسة أيام أيضاً كما يريد، ثم تكون للثالث ، وهكذا حتى يتم الدور بينهم جميعا على السواء ، ثم يستأنف عليهم من جديد.

وإذا كانت حصص الشركاء في ماء النهر مختلفة في مقاديرها -كما في المثال الذي تقدم ذكره- قسّموا الماء بينهم بالمناوبة كذلك ، حسب ما يقتضيه اختلاف حصصهم ، فيكون جميع ماء النهر للشريك الأول -الذي يملك النصف- ثلاثة أيام يتصرف فيه ، ثم يكون بعده للشريك الثاني -الذي يملك الثلث- ليتصرف في جميع ماء النهر مدة يومين ، ثم تنتقل النوبة للثالث -وهو الذي يملك السدس- ليتصرف في جميع ماء النهر يوما واحداً.

المسألة 129: القسمة بالمناوبة والمهاياة بين الشركاء ، متقومة بالتراضي والمسالمة ما بينهم، ولذلك فلا تكون قسمة إجبار ، ولا تكون لازمة، ومعنى ذلك: أن الشريك لا يجبر عليها إذا امتنع عن قبولها من شريكه ، ويجوز للشركاء فسخ هذه القسمة بعد النوبة الأولى أو الثانية ، ومتى ما أرادواه ، ويجوز للشركاء أن يقتسموا الماء بينهم بالأجزاء على النهج الذي أوضحناه في المسألة المائة والسادسة والعشرين وما بعدها، والقسمة بالأجزاء كذلك قسمة إجبار، فإذا طلبها بعض الشركاء وجبت على شركائه الآخرين إجابته ، وإذا امتنع بعضهم عن قبولها أجبر الممتنع، وإذا وقعت القسمة بينهم على الوجه المذكور ، كانت لازمة لا يجوز لأحد منهم فسخها.

المسألة 130: إذا اقتسم الشركاء الماء المشترك بينهم بالمهاياة ، جاز لكل واحد من الشركاء أن يفسخ القسمة متى أراد، فإذا أراد أحد الشركاء فسخ القسمة بعد ان استوفى نوبته من القسمة ، وقبل أن يستوفي شركاؤه الآخرون نصيبهم منها جاز له ذلك، وإذا فسخ القسمة ضمن لشركائه حصصهم من الماء الذي استوفاه في نوبته ، فان أمكن العلم بمقدار ما يستحقونه من الحصص في نوبته ضمنه ، ووجب أن يدفع لكل واحد منهم مثل حصته التي استوفاها، وإذا تعذّر العلم بذلك ضمنه لهم بالقيمة، ويرجع إلى الصلح في ذلك .

المسألة 131: المياه المباحة الأصلية -كما قلنا في أول هذا الفصل- مشتركة بين جميع الناس على السواء، ولا فرق بين المسلمين وغيرهم في ذلك ، فإذا اتفق وجود جماعة من أصحاب الأملاك والمزارع ، على بعض هذه الموارد المباحة ، ليسقوا أملاكهم ومزارعهم منه ، كان لهم الحق في ذلك ، فإذا كان المورد الذي اجتمعوا حوله وافياً بحاجة الجميع في أي وقت أرادوا -ومثال ذلك: أن تكون أملاكهم ومزارعهم حول نهر من الأنهار الكبيرة التي تكفيهم لذلك متى شاءوا-، فالنتيجة واضحة لا ريب فيها، فيصح لكل فرد منهم أن يستوفي حقه من الماء تاماً متى أراد ، فإن المفروض انه -باستيفاء حقه- لا يمنع ولا يزاحم حقوق الآخرين ، ولا يضعف حصصهم من الماء.

المسألة 132: لا يحق لأحد من الناس -في الصورة المتقدمة- أن يشق له نهراً كبيراً في أرض يملكها ، أو في أرض ميتة فيتملك به ذلك الماء المباح كله ، أو يستولي به على أكثره بحيث لا يكون الباقي من الماء وافياً بحاجة الآخرين . ولا يمنع الرجل من أن يشق لنفسه نهرا يملك فيه بعض الماء ، إذا كان لا يمنع حقوق الباقين ، ولا حق بعضهم ، ولا يوجب له قلة في الماء.

المسألة 133: إذا كان الماء المباح الذي اجتمع عليه أصحاب الأملاك والمزارع لا يكفي لسقاية أملاكهم ومزارعهم دفعة واحدة- ومثال ذلك: أن تكون الأملاك والمزارع المذكورة حول غدير في البادية يجتمع فيه ماء المطر ، أو وادٍ من أوديتها ينحدر إليه ماء السيل ، أو حول عين نابعة في الأرض الميتة- فإذا قسم أصحاب الأملاك الماء الموجود عليهم ، لم يف بحاجتهم مجتمعين ، ووقع النـزاع والتخاصم بينهم في من يتقدم أو يتأخر منهم في السقاية .

فان علم من هو الأسبق في إحياء ملكه أو مزرعته -قبل الآخرين من أصحابه- قدم الأسبق، فيسقى من ذلك الماء قبل غيره ، ثم يقدم السابق في الإحياء من بعد الأول ، وهكذا حتى تتم سقايتهم ، أو ينتهي الماء الموجود.

وإذا لم يعلم السابق من اللاحق في الاحياء لملكه ، قدّم الأعلى في السقاية من الماء، والمراد بالأعلى: من يكون ملكه أو مزرعته أقرب إلى أول الماء المباح الموجود، فيسقى ملكه -أولا- فان كان نخلاً حبس له الماء في أرضه إلى أن يبلغ في ارتفاعه إلى الكعب ، والكعب هو المفصل ما بين الساق والقدم ، وان كان شجراً حبس له الماء حتى يبلغ إلى القدم ، وان كان زرعاً حبس الماء لسقايته حتى يبلغ إلى الشراك ، فإذا استوفى من هو أقرب إلى أول الماء حقه من السقاية بذلك ، أرسل الماء من بعده إلى من يليه فسقي كما تقدم ، ثم أرسل الماء إلى من بعده ، وهكذا حتى تتم السقاية للجميع ، أو ينتهي الماء الموجود كله .

المسألة 134: إذا وجد جماعة من الناس على ماء مباح ، فشق كل واحدٍ منهم له نهراً في ملكه الخاص به ، أو في أرض ميتة، أمكن لهم أن يجروا الماء في أنهارهم التي شقوها من ذلك الماء المباح الذي اجتمعوا عليه ، ويملك كل واحد منهم الماء الذي أجراه في نهره ، وقد تقدم بيان هذا.

فان كان الماء المباح الموجود لديهم يكفي لحاجتهم جميعاً لكثرته فيملأ الأنهار كلها في زمان واحد، ولا يمنع بعضهم بعضا ولا ينقص حقه ، اشتركوا في الحق على السواء ، وفعلوا بالماء ما أرادوا.

وان كان الماء المباح الموجود لديهم لا يفي بحاجتهم جميعاً في وقت واحدٍ، ووقع التخاصم بينهم في من يتقدم أو يتأخر في الاستحقاق ، جرى فيه نظير الحكم الذي ذكرناه في سقاية الأملاك ، فيقدم منهم من علم أنه أسبق في إحياء نهره من غيره ، فيجري الماء في نهره قبل الآخرين ، ثم يكون الحق للسابق في الإحياء من بعد الأول ، وهكذا.

وان لم يعلم السابق منهم قدّم في الحق من يكون نهره -الذي أحياه- أقرب إلى أول الماء المباح ، فيجرى الماء في نهره ، ثم يكون الحق من بعده لمن يليه ، وهكذا على الترتيب كما تقدم.

المسألة 135: إذا كان النهر المملوك مشتركاً بين جماعة متعددين ، واحتاج إلى تنقية من رواسب الرمل والطين المجتمعة فيه ، أو من النباتات التي تخرج في قاعه ، وتعيق جريان الماء فيه ، أو احتاج إلى مزيد من الحفر أو التوسعة، أو إلى إصلاح بعض الخروق والخلل فيه أو في جوانبه ، فللمسألة صور لابدّ من ملاحظتها لتطبيق أحكامها .

الصورة الأولى: أن يكون الشركاء في النهر كلهم كاملين رشيدين ، ويتفقوا في ما بينهم على أن يقوموا بما يحتاج إليه النهر من إصلاح وتنقية، فإذا أرادوا القيام بالأمر في هذه الصورة فعليهم أن يقتسموا العمل في النهر ، أو يقتسموا النفقة عليه ، بنسبة ما يملكه كل فرد منهم من الحصة في النهر، فعلى مالك نصف النهر ان يقوم بنصف العمل فيه ، أو يقوم بدفع نصف نفقاته، فيستأجر بها من يقوم بالعمل، وعلى مالك ثلث النهر أو ربعه أو ثمنه أو عشره -مثلاً- أن يقوم بنسبة حصته المذكورة من النهر ، فيتولى مقدارها من العمل، أو يدفع مقدارها من النفقة.

وكذلك الحكم إذا ألزمتهم الدولة بأن يقوموا بتنقية النهر وإصلاحه ، فعليهم أن يتولوا القيام بالأمر بنسبة ما يملكه الفرد منهم من الحصة في النهر، فيعمل في إصلاحه بنفسه ، أو يدفع من النفقة بذلك المقدار ، وهذه هي الصورة الثانية ، بل وكذلك إذا ألزم الحاكم الشرعي بذلك، كما إذا كان النهر مشتركا بين ملاك قاصرين ، وكانت مصلحتهم تحتّم تعمير النهر وإصلاحه ، فيجب على الأولياء الشرعيين للقاصرين أن يقوموا بما تقتضيه المصلحة، فيدفعوا نفقة العمل والإصلاح من أموال القاصرين أنفسهم ، فإذا لم يفعل الأولياء ذلك ألزمهم الحاكم الشرعي به ، واقتسموه بحسب الحصص -كما تقدم-، وهذه هي الصورة الثالثة .

المسألة 136: الصورة الرابعة: أن يختلف الشركاء في النهر في ما بينهم ، وهم جميعاً كاملون رشيدون ، فيعزم بعضهم على أن يقوم بإصلاح النهر المشترك وتنقيته ، ويترك بعضهم فلا يقوم بشيء ، ولا يجبر الممتنعون من الشركاء على الاشتراك في العمل أو في النفقة، وإذا قامت الجماعة الأولى بإصلاح النهر ، أو بالإنفاق عليه ، أو بشيء منهما، فلا يحق لهؤلاء أن يطالبوا شركاءهم الممتنعين بمقدار نصيبهم من المؤونة ، إلا إذا كان الممتنعون قد طلبوا من شركائهم العمل في النهر ، وتعهّدوا لهم ببذل ما ينوبهم من النفقة ، فيجوز لهم المطالبة بها بعد هذا الطلب وهذا التعهّد.

المسألة 137: الصورة الخامسة: أن يكون النهر مشتركاً بين فريقين من الملاك ، فبعض الشركاء فيه قاصرون غير رشيدين ، ولذلك فلا يصح التصرف في حصصهم إلا من أوليائهم الشرعيين ، وبعض الشركاء في النهر كاملون يصح لهم التصرف ، ولكنهم يعجزون عن القيام بإصلاح النهر إلا بمعونة شركائهم القاصرين ، لضعفهم في المال ، أو لسبب آخر.

فإذا كانت للشركاء القاصرين مصلحة تقتضي إصلاح النهر المشترك ، وجب على أوليائهم الشرعيين أن يبذلوا حصص القاصرين من مؤونة إصلاح النهر ، ليتمكن شركاؤهم من القيام بالعمل ويتم الإصلاح المطلوب ، والحصص التي يبذلها الأولياء من أموال القاصرين أنفسهم ، وإذا لم تكن للقاصرين مصلحة في إصلاح النهر لم يجب على الأولياء البذل .

المسألة 138: إذا أذن مالك النهر لغيره أن يغرس لنفسه على حافة النهر نخيلا أو شجراً فغرس الشخص المأذون له ذلك ، فلا يجوز لمالك النهر بعد ثبات الغرس ان يحول النهر إلى موضع لا يصل منه الماء إلى النخيل أو الشجر المغروس بإذنه ، وكذلك الحكم إذا أذن له لنصب رحى في مجرى النهر لطحن الحبوب ، فليس لمالك النهر أن يحوله فلا ينتفع المأذون له برحاه ، ويجوز له تحويل النهر إذا أذن له صاحب الغرس وصاحب الرحى بتحويله .

المسألة 139: النبات يتبع الأرض التي تنبته في الحكم ، فإذا كانت الأرض مملوكة لأحدٍ من الناس ، كان النبات الذي تخرجه مملوكاً لصاحب الأرض ، سواء كان مما تخرجه الأرض بنفسها ، أم خرج فيها بزرع زارع أو غرس غارس ، وسواء كان مما يأكله الناس ، أو الأنعام أم كان مما لا يؤكل ، فلا يجوز لأحدٍ أن يتصرف فيه إلا بإذن مالك الأرض، وإذا وضع يده عليه أو تصرّف فيه بغير رضا مالكه كان غاصباً آثماً في فعله . وإذا كانت الأرض مواتاً غير مملوكة لمالك كان النبات الذي تخرجه بحكمها، فهو من المباحات الأصلية فتشترك فيه الناس عامة، وإذا سبق إليه أحد من الناس فحازه لنفسه ملكه بالحيازة، وكان مختصاً به ، إلا أن يحدث ما يوجب الاشتراك في الملكية، ولا تختص هذه الأحكام بالكلاء وما تأكله الأنعام والدواب والحيوان بل تشمل العقاقير والأدوية والزهور وما يأكله الإنسان من النباتات ، وما ينتفع به في مأكولاته ومشروباته من التوابل والأبزرة والمطيّبات والمشهيات ، وما ينتفع به في غير ذلك كالحطب والخشب والقصب والبردي وغيرها.

المسألة 140: ذكرنا في المسألة التاسعة عشرة أن المسلم إذا سبق إلى قطعة من الأرض الميتة فوضع يده واستولى عليها لينتفع بما فيها من كلاء ونبات أو ماء عذب أو حطب أو قصب أو نحو ذلك من المباحات العامة الموجودة في الأرض كان هذا السابق أولى بتلك القطعة التي استولى عليها وبمنافعها ما دامت يده مستولية عليها، وان لم يحي الأرض ولم يحجرها، فلا يجوز لأحد غيره من الناس أن يضع يده على تلك الأرض، ولا على كلائها ونباتها ومنافعها إلا بإذنه ، وكذلك إذا سبق إلى الأرض الميتة كافر ذمي أو معاهد ممن تكون يده محترمة في شريعة الإسلام لذمته أو معاهدته .

الفصل التاسع

في المعادن

المسألة 141: المعادن بقاع مخصوصة من الأرض تكون أجزاء الأرض فيها ذات خصوصيات مرغوبة عند أفراد الإنسان ، وهو يطلبها لتلك الخصوصيات ، ولكثرة إفادته منها، وقد يكون بعض تلك البقاع -للخصوصيات الموجودة فيها- سبباً لتحويل المياه والأبخرة وشبهها -إذا اجتمعت فيها- إلى مواد ذات قيمة، بل وإلى ذات ثروة كبيرة يتنافس عليها الناس ، كالنفط والكبريت ، والقار والملح والزيبق والزرنيخ ، وكالذهب والفضة والنحاس والحديد والرصاص ، وكالزمرّد والزبرجد والفيروزج والعقيق والياقوت ، وأمثال ذلك من المعادن النفيسة ، وغير النفيسة ، والمألوفة وغير المألوفة بين الناس ، وقد تعرّضنا لذكر المعادن والأحجار الكريمة في كتاب الخمس من هذه الرسالة ، وفي مبحث ما لا يصح السجود عليه من كتاب الصلاة.

المسألة 142: يقول جماعة من الفقهاء (قدس الله أرواحهم): تنقسم المعادن إلى نوعين النوع الأول: المعادن الظاهرة على وجه الأرض ،كالملح والكحل والقار والمومياء ، وهذا النوع -كسائر المباحات الأصلية- يملك بالأخذ والحيازة، فإذا أخذ الإنسان منه شيئاً ملك ما أخذه ، وبقي الباقي الذي لم يأخذه من المعدن مشتركا بين عموم الناس، والنوع الثاني: المعادن الباطنة في الأرض ، وهذا النوع إنما يملك بالتعمير والإحياء.

والظاهر أن هؤلاء الأجلّة (تغمدهم الله برضوانه) يريدون من النوع الأول: المعادن التي تكون جاهزة بنفسها، فيمكن للرجل ان ينتفع بها بالفعل ، سواء كانت ظاهرة على وجه الأرض أم كانت بحكم الظاهرة، وهي التي يستولي عليها الإنسان بعد حفر يسير في الأرض ، كمعادن الجص والنورة والموميا والكبريت والفيروزج والمرمر ، التي تستخرج ويستولى عليها بعد إزالة الرمل والتراب من وجه الأرض.

والحكم في هذه المعادن -الجاهزة بنفسها- كما أفاده هؤلاء الاجلة (رضي الله عنهم)، فهي مما يملكه الإنسان بالحيازة، فإذا اخذ منها شيئاً كثيراً أو قليلاً ملكه ، سواء أخذه من ظاهر الأرض أم استولى عليه بعد الحفر -كما قلنا- ولا ينافي ذلك أن بعض هذا النوع يحتاج إلى الإحراق كالجص والنورة ، وبعضه يحتاج إلى نشره بالمناشير ، وإلى تسوية وجوهه بالآلات كالمرمر، فان هذا المقدار من العمل لا يخرجها عن حكم المباحات العامة، ولا تكون بسببه من النوع الثاني الذي لا يملك إلا بالإحياء، ويبقى الباقي الذي لم يأخذه الرجل من المعدن مباحا لغيره من الناس، بل وله متى شاء.

المسألة 143: النوع الثاني: المعادن التي لا تكون جاهزة بالفعل ، ليستفيد الإنسان منها فوائدها المطلوبة متى أخذها ، بل تفتقر -حتى تبلغ هذه الغاية- إلى إجراء أعمال وتعمير وإحياء ، كمعدن العقيق والياقوت والزبرجد ، ونحوها من الأحجار الكريمة ، فهي تتوقف على حك وتصفية حتى تصبح جواهر نافعة، وكمعدن الزيت والنفط ، فانه يحتاج إلى حفر آبار واستخراج وتصفية بآلات وأجهزة معقدة متنوعة ، حتى تنتج أنواع الزيت المطلوبة، وكمعادن الذهب والفضة والنحاس والحديد والرصاص ، فإنها تفتقر إلى إعمال كثير من الوسائل في العمارة والإحياء. والحكم في هذا النوع من المعادن أنها لا تكون مملوكة للإنسان إلا بالتعمير والإحياء، ولا فرق فيها بين أن تكون ظاهرة على وجه الأرض وأن تكون مستورة في باطنها أو في أعماقها فتحتاج إلى تنقيب وحفر آبار ، وإعداد أجهزة ووسائل معقدّة.

وإذا حفر الإنسان البئر ، ولم يحيى المعدن بالفعل لم يملكه ، وكان حفره للبئر وتعيين الموضع تحجيرا ، يثبت به للحافر حق الأولوية من غيره ، وقد سبق نظير هذا الحكم في من حفر له بئراً في أرض ميتة ولم ينبع ماؤها، أو حفر له فيها عيناً ولم يخرج ماؤها ، فلا يكون ذلك إحياء للبئر أو العين ، ولا يملكها بذلك ، ويكون حفرهما تحجيراً للموضع من الأرض الميتة ، تثبت للمحجر به الأولوية.

المسألة 144: إذا سبق إنسان إلى أحد المعادن التي لا تملك إلا بالأحياء ، وشرع في مقدمات إحيائه ثم تركه وأهمله ، خيّره الولي العام للمسلمين بين أن يتم إحياء المعدن ، وأن يرفع يده عنه لمن يريد أحياءه من الناس ، واجبره على أن يختار أحد الأمرين ، وإذا اعتذر عن تعطيل العمل بعذر مقبول عند العقلاء أمهله ولي المسلمين مدة يزول فيها عذره ، فإذا انقضت المدة ألزمه بأن يختار أحد الأمرين ، ويتولى الحاكم الشرعي ذلك في عصر غيبة الإمام (ع) ، وقد سبق نظير هذا الحكم في المسألة التاسعة والخمسين .

المسألة 145: إذا أحيا إنسان قطعة من الأرض الموات فوجد في الأرض المحياة بعض المعادن ، ملك الأرض بالإحياء ، وملك المعدن الذي وجده فيها بتبع الأرض ، سواء وجد المعدن ظاهراً على وجه الأرض ، أم عثر عليه في باطنها، ومثال ذلك: أن يشق له في الأرض نهراً أو يحفر بئراً ، فيجد المعدن في أثناء حفره ، فيملكه لأنه جزء من أرضه ومن توابعها ، وإذا كان المعدن في الأعماق البعيدة عن وجه الأرض ، بحيث لا يعدّ عرفا من أجزاء الأرض ولا من توابعها ،لم يملكه الرجل مع الأرض بإحيائها ، ومن أمثلة ذلك: آبار النفط ، وشبهه مما يحتاج في استخراجه إلى حفر كثير في الأعماق ، فلا يملك مثل هذا المعدن بإحياء الأرض ، وإنما يملك بإحياء المعدن نفسه ، على الوجه الذي تقدم بيانه .

المسألة 146: يجوز للإنسان أن يستأجر أجيراً لاستخراج المعدن من موضعه في الأرض باجرة معلومة بينهما، ويجوز له أن يستأجره لإحياء المعدن -إذا كان محتاجاً إلى الإحياء ، وكان العمل المستأجر عليه معلوماً بين المتعاقدين-، والأحوط أن يكون مقدرا في المدة، ولا تصح الإجارة إذا كان بدل الإجارة مجهولا، ومثال ذلك: أن يستأجر العامل ليستخرج المعدن بربع ما يخرجه منه أو بثلثه، ويمكن للمتعاقدين -إذا فقد بعض شروط الصحة في الإجارة ، أوشكّا في تحقق شرط منها- أن يوقعا المعاملة بينهما على وجه الصلح.

المسألة 147: لا يجوز للإنسان أن يضع يده على مقاطعة كبيرة لا يستطيع أحياءها بنفسه من الأرض الموات ، ثم يقسم المقاطعة بين أفراد متعددين من عشيرته أو غيرهم ، ليحيى كل فرد منهم حصته ، ويكون الرجل الأول هو صاحب الحق والاستيلاء على الأرض كلها، فإذا أخذ كل فرد من العشيرة حصته من الأرض وأحياها ملكها هذا الفرد المحيي ، ولا حقّ للأول في شيء منها.

وأولى من هذا الفرض -بالمنع وعدم الجواز- أن يضع الأول يده على مقدار كبير من المياه المباحة ، أو المعادن المشتركة ، ويصنع فيها -كما تقدم ذكره من التقسيم على أفراد العشيرة-.

المسألة 148: إذا أحيا رجل أرضاً ميتة ملك الأرض بالإحياء ، وإذا وجد في الأرض بعض الآثار القديمة التي يعتبرها الناس ذات قيمة تاريخية أو مالية ، فهي ملك لمحيي الأرض ويملكها بتبع الأرض المحياة، وكذلك إذا اشترى أرضا ، أو انتقلت إليه بأحد الأسباب الموجبة لتملكها شرعا، فإذا عثر فيها على بعض الآثار للأمم السابقة ، فهي ملك له لأنها من أجزاء أرضه .

المسألة 149: إذا وقف الرجل شارعاً عاماً من أرضه المملوكة وسبّله للناس ، وعيّن للشارع أرصفة لمرور المشاة فيها ، وجب اتباع ما عيّنه الواقف ، فلا يجوز المرور والاستطراق في الأرصفة لركبان الدواب ووسائط النقل ، ولا يجوز وقوف السيارات أو الدواب أو وسائط النقل الأخرى فيها، وخصوصاً إذا أوجب ذلك منعا أو مزاحمة لمرور المشاة الموقوف عليهم .