كلمة التقوى

الجزء السادس : كتاب الوديعة

وتفصيل القول في هذا الكتاب يكون في أربعة فصول

الفصل الأول

في الوديعة وما يعتبر فيها

المسألة الأولى: الوديعة هي أن يأتمن الإنسان أحداً على شيء ليحفظه له ، والغالب المعروف بين الناس في استعمال هذه الكلمة: أن يراد بها -عند إطلاقها- الائتمان على الأموال لحفظها، وقد تستعمل في الائتمان على أمور أخرى تكون عزيزة على الإنسان ليطمئن على حفظها وسلامتها، فيستودع الرجل من يثق به وبقدرته وكفاءته ، عرضه وأولاده الصغار الذين يخشى عليهم عادية الدهر، ويستودعه كتبه ونفائسه والأمور الأخرى التي تعز عليه ، ويحذر من طروء الحوادث عليها ، ويأتمن ذلك الثقة عليها ليتولّى لـه حفظها.

وكثيرا ما تطلق كلمة الوديعة على المال أو الشيء المستودع عند الأمين ، فيقول له هذا المال وديعتي عندك ، أو يقول له : طفلي أو كتابي هذا وديعة بيدك ، تحفظه لي حتى أرجع من غيبتي ، وهذا كلّه في المجال اللغوي للكلمة .

وتختص الوديعة المبحوث عنها في هذا الكتاب عند الفقهاء بوديعة المال ، وحتى إذا عمّ البحث في الكتاب لبعض الأشياء الخاصة، كما إذا ائتمن الرجل غيره على أثر يختصّ به من مؤلّف له ، أو مخترع يعتز به اعتزازاً معنوياً، أو على عقد نفيس له ميزة معنوية عند بعض الخاصة ، أو ما يشبه هذه الأمور، فالمقصود في البحث عنه عند الفقهاء هو الجهة المالية التي تكون للشيء الذي استودعه إياه ، من حيث وجوب الحفظ ، ووجوب أدائه عند الطلب ، ومن حيث الضمان عند حدوث ما يوجب الضمان ، وتكون المميزات المعنوية التي يتصف بها ذلك الأثر المستودع موجبة لزيادة قيمته المالية عند الراغبين فيه .

المسألة الثانية: الوديعة -كما قلنا-: هي أن يأتمن الإنسان شخصا غيره على مال ليحفظه له ، أو هي عقد يقع بين صاحب المال ، والأمين تكون فائدته الائتمان المذكور على المال ، ولذلك فلابدّ فيه من الايجاب والقبول ، ويكفي في إيجاب عقد الوديعة كل لفظ يكون دالا على الائتمان أو الاستيداع ، فيقول صاحب المال للشخص الذي يأتمنه: أودعتك هذا المال أو هذا الشيء لتحفظه عندك ، أو يقول له: ائتمنتك عليه لتحفظه لي ، أو يقول: استودعتك المال أو استودعته عندك ، أو استودعته لديك ، أو يقول لـه: هذا المال وديعة عندك ، أو وديعة لديك أو ، يقول: احفظ لي هذا الشيء ، أو ما أدّى هذا المعنى من الألفاظ، وكان ظاهر الدلالة عليه ، ولو بمعونة القرينة الموجودة من حال أو مقالٍ، ويكفي في القبول أيضا أي قول يدل على الرضا بالائتمان ، فيقول المؤتمن: قبلت الوديعة أو الأمانة منك ، أو رضيت بها .

ويصح أن يقع عقد الوديعة بغير اللغة العربية من اللغات الأخرى للعارفين بها، ويصح أن ينشأ عقدها بالأفعال الدالة على المقصود، فيدفع المالك ماله إلى الشخص بقصد إنشاء الوديعة عنده، ويتسلم المؤتمن المال المدفوع إليه بقصد إنشاء الرضا بها، ويجوز أن ينشأ الإيجاب بالقول ويقع القبول بالفعل ، فيقول صاحب المال في إيجابه: أو دعتك هذا الشيء لتحفظه ، ويأخذ المؤتمن الشيء منه ويضعه في صندوقه بقصد القبول ، ويصح أن يقدم القبول على الايجاب فيقول الأمين لصاحب المال: ادفع لي هذا المال احفظه لك ، ويقول المالك بعده: أودعتك المال.

ويكفى أيضاً في صحة الوديعة وترتب أحكامها ، أن يحصل الإيجاب والقبول في عقدها بالكتابة الدالة عليهما، وبالاشارة المفهمة للمعنى المراد عند أهل العرف .

المسألة الثالثة: الوديعة عقد من العقود -كما قلنا- فلابد فيها من القبول من الشخص المؤتمن ، أو من وكيله، ولا تتحقق الوديعة بدونه ، فإذا وضع المالك ماله قريباً من الرجل، أو على طاولته ، أو على بساطه -مثلاً- بقصد استيداع المال عنده، أو قال له: هذا وديعة عندك ، ولم يقبل الرجل منه الإيجاب ، لم يتم عقد الوديعة ، فلا تلزم الرجل أحكامها، فلا يجب عليه حفظ المال ، ولا ضمان عليه إذا تلف -ما لم يضع يده عليه-، سواء مكث في مكانه عند المال ، أم ذهب عنه وتركه في موضعه ، ولم يقبل العقد ولم يقبض المال ، وسواء بقى مالك المال في الموضع بعد أن وضع المال أم تركه وانصرف لحاله ، و أولى من هذا الفرض بعدم تحقق الوديعة ما إذا ترك المالك ماله قريبا من الرجل ، أو على طاولته ، ولم يقصد بذلك استيداع المال عند الشخص .

ولا يكفى سكوت الشخص في تحقق قبول الوديعة من المالك ، فإذا قال المالك للرجل:  أودعتك هذا المال ، أو دفع اليه بقصد استيداعه عنده فسكت الرجل ولم يقل شياً، ولم يصدر منه قبض أو فعل يدل على القبول ، فلا يكون سكوته قبولاً للعقد، الا أن يقترن ذلك بقرينة تدل على الرضا بالوديعة .

المسألة الرابعة: إذا كان الرجل عاجزاً عن حفظ الوديعة ، وغير قادرِ على القـيام بأمرها ، فالأحوط لزوماً له أن لا يقبل الوديعة من صاحبها، وان كان واثقاً من نفسه بأنه لا يتعدّى على الامانة ، ولا يرتكب خيانة، وإذا كان مالك الوديعة يعلم بحال الرجل من الضعف والعجز عن حفظها ، و أصرَّ مع علمه بذلك على ايداع الوديعة عنده ، وأن يحفظها له بمقدار ما يمكنه من الحفظ ، جاز له أن يقبلها منه على هذا الشرط ، ليجب عليه القيام بحفظ الوديعة ورعايتها بمقدار ما يستطيعه من ذلك .

المسألة الخامسة: يشترط في صحة الوديعة أن يكون صاحب المال المودع له بالغاً، فلا تصح وديعة الطفل لماله عند غيره ، وان كان الطفل مميزاً، وهذا إذا تولى ايداع ماله بنفسه بغير اذن وليه ، فلا يجوز لذلك الغير أن يقبض منه وديعته، وإذا هو قبضها ووضع يده عليها ، كان ضامناً لها ولما يحدث فيها من نقص أو عيب أو تلف ، ولا تبرأ ذمته من ذلك إذا هو ردَّ الوديعة إلى الطفل نفسه ، فيلزمه أن يردَّها إلى وليه الشرعي.

ولا يبعد القول بصحة الوديعة من الصبي إذا كان مميزاً عارفاً بكيفية انشاء المعاملة ، والمعنى المراد من الصيغة، و تولَّى ايداع بعض أمواله عند أحد ، وكان فعله لذلك باذن وليه الشرعي المطَّلع على ذلك كلَّه ، فأنشأ الوديعة ودفع المال للشخص الذي ائتمنه على وفق  ما يرام ، فيصح لهذا المستودع قبض الوديعة منه ، ولا يكون بقبضه لها ضامناً، وتترتب عليه أحكام الودعي شرعاً، ويصح منه إذا كان مميّزاً عارفاً، على الوصف الذي ذكرناه أن يتولّى انشاء الوديعة لمال غيره ايضاً، إذا أذن له مالك المال ووكّله في ذلك ، وأذن له وليه الشرعي باجراء المعاملة على النهج الصحيح ، فيصح للمؤتمن أن يقبض الوديعة، وان كان الصبى هو الذى دفعها اليه بالوكالة ايضاً، وتجرى عليها أحكام الوديعة .

المسألة السادسة: يشترط في صحة الوديعة أن يكون الشخص الذي يستأمن على الوديعة بالغاً، فلا يصح الاستيداع عند طفل لم يبلغ الحلم ، ولا يثبت على الطفل ضمان بقبضه مال الوديعة إذا كان غير مميز، ولا باتلافه إذا اتلفه، فان صاحب المال هو الذي عرض ماله لذلك باختياره، ولا ضمان على الصبي بقبض المال ، إذا كان مميزاً وكان قبضه للوديعة باذن وليه ، فانه في هذه الصورة ودعي أمين ، فإذا تلف المال في يده من غير تعدّ ولا تفريط منه في الامانة، فلا ضمان عليه ، وسيأتي في بعض المسائل المقبلة -ان شاء الله تعالى- ان هذا هو الحكم الثابت في كل مستودع أمين . ويشكل الحكم عليه بالضمان أو بعدمه في هذه الصورة إذا تعدّى أو فرَّط في الوديعة، أو أهملها وتلفت المال في يده بعد التعدّى أو التفريط ، ويشكل الحكم عليه أيضاً بالضمان أو بعدمه إذا كان مميزاً ، وقبض مال الوديعة بغير اذن من وليه ، ثم تلف المال في يده .

وإذا قبض الصبي مال الوديعة وكان مميزاً فأتلف المال بفعله عامداً، فلا ينبغي الريب في الحكم عليه بضمان المال ، سواء كان قبضه لمال الوديعة باذن من وليه الشرعي أم كان بغير اذن منه . 

المسألة السابعة: يشترط في صحة الوديعة أن يكون المودع والمستودع عاقلين ، فلا تصح إذا كان أحد الطرفين مجنوناً، أو كانا معاً مجنونين غير عاقلين، ويجرى فيهما من حيث الضمان وعدمه نظير ما قدمنا بيانه في الصبي المميِّز وغير المميِّز فى المسألتين المتقدمتين .

المسألة الثامنة : لا تصح وديعة الطفل ولا المجنون ، ولا يجوز للشخص الذي يودع أحدهما عنده المال أن يأخذه منه ، و إذا أخذ المال من يد الطفل أو المجنون كان له ضامناً ، وقد ذكرنا هذا الحكم قريباً .

وتستثنى من ذلك صورة واحدة، وهي أن يخاف هذا الشخص على مال الطفل أو المجنون -إذا بقى في يده ولم ياخذه منه-، أن يتلف فيجوز له أن ياخذ المال من يده ، ويحفظه لــه ويكون أخذه له من باب الحسبة لا من باب الوديعة .

وكذلك الحكم إذا وجد الانسان مالاً للطفل أو للمجنون في يده ، أو في غير يده ، وخاف على المال -ان هو تركه ولم يأخذه- أن يتلف أو يسرق، فيجوز له أن يأخذ المال ويحفظه له ، من باب الحسبة ويكون المال أمانة شرعية بيده ، ويجب عليه أن يبادر بما يستطيع ، فيوصل المال إلى الولي الشرعي للطفل أو المجنون صاحب المال، فان لم يمكنه ايصال المال أعلم الولي بان المال عنده ، فإذا فعل ذلك فلا ضمان عليه إذا تلف المال في يده ، وإذا فرَّط أو تعدّى أو اهمل كان ضامناً.

المسألة التاسعة: يمكن لصاحب المال أن يبعث مبلغاً من ماله ، أو شيئاً آخر من مملوكاته بيد صبي غير بالغ ، أو بيد مجنون إلى ثقة يستأمنه ، ليبقى المبلغ أو الشيء الاخر وديعة عنده يحفظه له ، وهذا إذا كان المالك يثق بان الصبي والمجنون اللذين أرسلهما يوصلان المال ويبلغان القول ، فإذا أخذ المؤتمن منهما المال ، واطمأن بصدقهما في الرسالة ، صحت الوديعة بين المودع و المستودع ، ولم يضرّ -بصحتها- أن الرسول الواسطة طفل أو مجنون.

المسألة العاشرة : يشترط في صحة عقد الوديعة أن يكون المودع الموجب والمستودع القابل ، قاصدين لانشاء العقد بينهما، فلا يصح إذا كان المودع هازلاً أو هازئاً في ايجابه للعقد ، أو سكرانا ، أو غاضباً غضبا يخرج به عن قصد المعنى ، أو كان المستودع غير قاصدٍ للقبول كذلك .

ويشترط فى صحته أن يكونا مختارين في فعلهما، فلا تصح وديعة المودع إذا كان مكرهاً في ايجابه للعقد غير مختارٍ فيه ، أو كان المستودع غير مختار في قبوله ، فإذا قبض الوديعة مكرهاً على قبولها لم يضمنها ولم تترتب على الوديعة آثارها .

المسألة 11: إذا اكره المستودع ، فقبل الوديعة و قبضها مكرهاً على قبولها وقبضها، ثم زال الاكراه عنه ، وأجاز الوديعة الأولى باختياره بعد زوال الاكراه، صحت الوديعة باجازته وترتب عليها اثرها ، ولم يفتقر إلى تجديدها ، وإذا جدد المودع صيغة الوديعة بعد أن ارتفع  الاكراه عن المستودع ، فقبل الوديعة الثانية مختاراً ، صحت الثانية بتمامية العقد، ولم يقدح بصحتها كون المؤتمن مكرهاً غير مختار فى أول الامر .

المسألة 12 : الوديعة أحد العقود التى تقوم بالإذن في حدوثها ، وفي بقائها واستمرارها، ومن اجل ذلك ، فهي من العقود الجائزة غير اللازمة، فيصح لمالك المال أن يسترد وديعته من الودعي الذي استأمنه في اي وقت يشاء ، ويفسخ عقد الوديعة بذلك ، ويجوز للمستودع المؤتمن أن يردّ الوديعة إلى صاحبها متى أراد كذلك ، ويفسخ العقد، وإذا استرجع صاحب المال وديعته فليس للمستودع أن يمتنع من ردِّها اليه ، وإذا رد المستودع الوديعة فليس للمودع صاحب المال أن يمتنع من قبولها.

وإذا فسخ المستودع المؤتمن عقد الوديعة انفسخت بينهما ، وان كان صاحب المال لا يعلم بفسخ المؤتمن لها، وتزول بذلك الأمانة المالكية التى كانت للمستودع على المال بسبب العقد، ويبقى المال أمانة شرعية في يده .

ويجب على المستودع -بعد أن يفسخ العقد ، كما ذكرنا- أن يردَّ المال إلى مالكه ، أو إلى وكيله المفوض في القبض عنه ، فان هو لم يقدر على الردّ وجب عليه أن يعلم المالك أو وكيله بأنه قد فسخ العقد، وأن المال باق عنده ، فان هو لم يفعل ذلك من غير عذرٍ مقبول كان مفرِّطا في أمانته الشرعية ، وضامناً لها إذا تلفت فى يده ، أو سرقت  أو حدث عيب أو نقص .

المسألة 13: إذا قبل المستودع الوديعة من مالكها أو من وكيله المفوض ، و قبضها منه وجب عليه أن يقوم بحفظها بما جرت به العادة المتعارفة بين الناس في حفظ مثل تلك الوديعة، فإذا كانت من النقود المسكوكة ، أو العملة الورقية ، أو من الحلي ونحوها، خزنها في ما تحفظ فيه النقود والحلي عادة ، من خزانة أو صندوق مضمون ، أو شبه ذلك، وإذا كانت من الثياب وشبهها حفظها في الصندوق أو المخزن الذي يعدُّ بين الناس لحفظ مثلها، وإذا كانت من الدوابّ أو الحيوان جعلها في الموضع الذي يعدُّ لامثالها من اصطبل أو حظيرة ، أو مراح مأمـون ، وهكذا فيحفظ كل نوع أو صنف من الودائع في الموضع الحصين الذي يناسبه ، ولا ريب في أن ذلك يختلف باختلاف الأقطار والبلاد والازمنة والمواضع ، بل وباختلاف منازل الرجـال المستودعين في مجتمعاتهم ، وفي الجهات الطارئة أو الثابتة التى تتصف بها الاماكن والبلاد ، من حيث الأمن والخوف ، وغير ذلك .

وعلى وجه الإجمال فيجب على المستودع حفظ الوديعة في موضع يكون به حافظاً لامانته ، وغير مضيِّع لها أو متسامح فيها .

المسألة 14: إذا عين المالك الوديعة للمستودع موضعاً خاصاً ، واشترط عليه في العقد أن يحفظ فيه وديعته ، فقال له مثلاً : أودعتك هذا المال على أن تحفظه لي في حجرة زوجتك عالية وفي خزانتها الخاصة، أو على أن تجعله في الصندوق الحديدي في منـزلك، تعين على المستودع -إذا قبل بالشرط- أن يقتصر في حفظ الوديعة على ذلك الموضع ولا يتعـدّاه إلـى غيره ، وان كان الموضع الاخر الذي ينقله اليه اشدّ حرزاً منه، وإذا نقل وديعته إلى غيره كان متعديا وضامناً لها .

وإذا علم من قول المالك ، أو من القرائن الموجودة ، أو ظهر منها ان مالك الوديعة انما يريد حفظ ماله ، وإنما ذكر الموضع المعيَّن من باب المثال ، ولا يريد التقييد والخصوصية في ذلك الموضع ، جاز له أن ينقل الوديعة إلى مكان آخر يساوي الموضع الذي ذكره ، أو يكون اشدّ منه حرزاً .

المسألة 15: إذا عين صاحب المال موضعاً خاصاً لحفظ وديعته فيه -كما فرضنا في المسألة المتقدمة- وخاف المستودع على الوديعة ، أن تتلف أو تسرق أو تحرق أو تعيب ، ان هي بقيت في الموضع الذي عينه مالك الوديعة، لبعض الجهات التي تخفى على المالك ، أو التي تجددت بعد الاستيداع ، جاز له نقل الوديعة من الموضع المعيَّن، ولا يكون بنقلها ضامناً لها، بل الظاهر جواز نقلها من ذلك الموضع في هذه الصورة ، وان نهاه المالك عن نقلها منه، فقال له : لا تنقل الوديعة من هذا الموضع ، وان تلفت .

المسألة 16: يجب على المستودع أن يتعاهد الوديعة -ما دامت عنده- بما يصونها عن التلف والعيب ، أو تتوقف عليه صيانتها وسلامتها من ذلك ، فإذا كانت الوديعة ثوباً أو شبهه من الصوف أو من الابريسم فعليه أن ينشره -كما هو معروف عند أهل الخبرة- في بعض أيام الصيف في الشمس و الهواء الطلق ، ليسلم من التآكل أو من تولُّد بعض الدود فيه، وعليه أن يقي الدابة من الحر والبرد الشديدين ، ومن المطر والثلج ونحو ذلك، وأن يتعاهد الدابة والحيوان بمقدار ما يحتاج اليه من العلف و السقي، وأن يصون الكتاب من الرطوبة المفسدة ، ومن الحشرات المتلفة كالأرضة و شبهها، وأن يحفظ الحبوب عن الرطوبات والمياه التي توجب تعفَّنها  وفسادها ، وهكذا ، فإذا هو ترك الملاحظة والرعاية بمثل هذه الاشياء ، فتلفت الوديعة أو عابت ، كان ضامناً لما حدث فيها.

المسألة 17: لا يجوز للمستودع أن يتصرف فى الوديعة تصرفاً لم ياذن له فيه مالك الوديعة، ولا يتوقف عليه حفظها، فيكون بتصرفه فيها خائناً و متعدياً، ومثال ذلك : أن يأكل بعض الوديعة ، أو يلبس الثوب ، أو يسافر في السيارة أو يركب على الدابة ، أو يفترش الفراش أو يشترى بالنقود، أو يقترضها وان كان عازماً على أن يدفع العوض للمالك، فلا يحل له شيء من ذلك ، إذا لم يأذن لـه بـه صاحب المال ، أو يتوقف عليه حفظه، وإذا فعله كان خائناً لامانته ،  وآثما فـي تصرفه وضامنا للوديعة، وسياتي لذلك مزيد بيان وايضاح في الفصل الثاني -ان شاء الله تعالى- .

المسألة 18: من التصرف المحرَّم على المستودع ، الموجب للحكم عليه بالضمان: أن يدفع المالك اليه الوديعة وهي في كيس مختوم، فيفتح المستودع الكيس من دون ضرورة تدعوه إلى فتحه.

ومن التصرف المحرم كذلك: ان يدفع المالك اليه المبلغ عملة ورقية ذات خمسة دنانير مثلاً فيبدلها بعملة ذات عشرة دنانير ، أو خمسة وعشرين ديناراً ، أو بالعكس، الا إذا اذن له المالك بذلك،  أو كان المستودع لا يتمكن من حفظ المال الا بذلك ، وتلاحظ المسألة الرابعة والسبعون.

ومن التصرف المحرم: أن يدفع المستودع المبلغ الذي أودعه صاحبه عنده إلى المصرف، ويأخذ بدله حوالة من المصرف بالمبلغ باسم المستودع، أو باسم مالك المال نفسه يدفعها له المصرف عند المطالبة، أو يفتح له حساباً خاصاً يسدّده له مرة واحدة أو اقساطاً -كما يريد-، فلا يحل للمستودع هذا التصرف، ويكون به متعدياً وضامناً، الا إذا أجاز المالك له ذلك، أو استدعته ضرورة لا بدَّ منها.

المسألة 19: الوديعة أمانة من مالك المال بيد المستودع، ولذلك فلا يثبت عليه حكم شرعي بالضمان إذا تلفت الوديعة عنده أو سرقت أو حدث فيها عيب أو نقص، إذا هو لم يتعد ولم يفرّط في الوديعة وفي حفظها، وقام بأمرها وبرعايتها على الوجه المطلوب منه شرعاً، و يأتى تفصيل هذا المجمل في الفصل الثاني -ان شاء الله تعالى-.

المسألة 20: لا يثبت على المستودع ضمان إذا قهره ظالم ، فأخذ الوديعة من يده مقسوراً بغير اختيار منه ، أو توعّده الظالم بضرر يخشى من وقوعه عليه إذا امتنع، فدفعها اليه مكرها، ويثبت ضمان العين ، وضمان منافعها -في كلتا الصورتين- على الظالم الذي قهره أو أكرهه.

وإذا كان المستودع هو السبب في تسلط الظالم على الوديعة، ووضع يده عليها فالضمان على المستودع، ومثال ذلك : أن ينبّئ المستودع الظالم بأمر الوديعة، ويصفها له ويحرضه على قبضها، بل وكذلك إذا عرَّف الظالم بخبرها وبأن مالكها قد استودعها عنده ليحفظها له، فكان بذلك موجها لنظر الغاصب اليها، ومن امثلة ذلك : أن يكون المستودع قد جعل الوديعة في موضع يلفت نظر الغاصب اليها، أو هو مظنَّة لذلك ، فالتفت اليها  وغصبها، فيكون الضمان في هذه الفروض على المستودع نفسه، لأنه سبب الاتلاف .

وإذا اتفق في الصورة الأخيرة أن الظالم لم يلتفت إلى الوديعة ولم يغصبها ولكنها تلفت بسبب اخر فالضمان على المستودع أيضاً، لأنه قد فرَّط في امانته ، فوضعها في ذلك الموضع غير المأمون.

المسألة 21: إذا علم الظالم بوجود الوديعة وعزم على غصبها، واستطاع المستودع أن يدفعه عنها ببعض الوسائل المباحة المقدورة له، كالاستعانة على ذلك ببعض الوجهاء وذوي السلطة ، وجب عليه الدفع عنها مهما أمكن .

وإذا سأله الظالم عن وجودها عنده جاز له انكارها، وان كان كاذباً في انكاره، وجاز له أن يحلف على ما يقول ، إذا توقف الدفع عنها على الانكار والحلف، بل يكون واجبا عليه.

وإذا كان المستودع ممن يعرف التورية ، ويمكنه استعمالها ، وجب عليه استعمال التورية للتخلص من الكذب والقسم عليه -على الأحوط لزوماً-.

وإذا اعترف المستودع للظالم بوجود الوديعة عنده فغصبها منه، كان المستودع ضامناً لها لأنه سبب اتلافها، وإذا اتفق أن الظالم لم يغصبها كان المستودع مفرطا ، خائناً لأمانته بسبب اقراره بها للظالم ، فيكون ضامنا لها إذا تلفت عنده بسبب آخر، وكذلك الحكم إذا امكن له الدفع عنها بالانكار والحلف عليه ، فلم ينكر ، أو أنكر ولم يحلف، فإذا غصبها الظالم فهو السبب في الغصب، وإذا لم يغصبها فهو مفرّط فيها ، لعدم دفعه عنها، ويكون ضامنا لها إذا تلفت في كلتا الحالتين .

المسألة 22: ليس من الوسائل الصحيحة -التي يمكن أن تتخذ في هذا السبيل- أن يخلص المستودع هذه الوديعة من يد الظالم بدلالته على مالٍ لمؤمن اخر، أو بالسعاية عليه في ما يضرّه، وان كان ذلك الرجل الذي سعى به ، أو دل الظالم على ماله ، عدواً مبايناً للمستودع .

وليس من الوسائل الصحيحة أن يجامل الظالم فيدفع اليه بعض الهدايا المحرّمة في الاسلام ، أو يعينه في بعض المحرمات التي تنكرها شريعة الاسلام ، أو يسايره ويمالئه في ارتكاب بعض المناهي والمنكرات فيها، ويتخذ ذلك ذريعة لتخليص ودائع بعض المؤمنين ، أو المدافعة عن بعض حقوقهم ، وتحريم جميع ذلك من الأمور بيّنة الوضوح ، وانما تذكر للتحذير والتنبيه،  وتراجع المسألة الثالثة والأربعون من كتاب التجارة من هذه الرسالة .

المسألة 23: إذا لم يمكن للمستودع أن يدفع الغاصب عن الوديعة الموجودة لديه الا بنـزاع وخصام وضرب، واستلزم ذلك أن يضرب المستودع ، أو يجرحه ، أو يناله بسبب ذلك هتك أو شتم أو كلام بذيء لا يناسب شرفه ومقامه ومنـزلته الاجتماعية بين الناس ، لم يجب عليه أن يتحمل ذلك فى سبيل دفاعه عن الوديعة.

وعلى وجه الاجمال ، لا يجب عليه الدفاع عنها، إذا استلزم ذلك وقوع ضررٍ عليه لا يتحمَّل عادة لمثله، أو خسارة مالية تضرّ بحاله ، أو استلزم له الوقوع في عسرٍ أو حرج .

المسألة 24: إذا توقف دفع الظالم عن غصب الوديعة على أن يتبرع المستودع ، فيدفع له مبلغاً من ماله ،لم يجب ذلك على المستودع ، فإذا هو لم يدفع للظالم شيئاً من ماله وغصب الظالم الوديعة ، فلا ضمان على المستودع بسبب ذلك .

وإذا أمكن له أن يخبر مالك الوديعة ، فياخذ منه المبلغ لمصانعة الظالم ودفعه عن الوديعة، أو يستأذنه أو يستأذن وكيله المفوض في أن يدفع المبلغ من ماله للظالم بالنيابة عن المالك ، ثم يرجع عليه بما دفع، وجب عليه أن يفعل ذلك، وإذا لم يتمكن من استئذان المالك أو وكيله استأذن من الحاكم الشرعي ، و إذا فرَّط في الأمر -مع امكانه- ولم يفعل شيئاً من ذلك ، كـان ضامناً .

وإذا لم تتيسَّر له مراجعة المالك ، ولا وكيله ، ولا الحاكم الشرعي ، في أن يفعل ذلك باذن من أحدهم ، دفع المستودع المبلغ من ماله عن مالك الوديعة من باب الحسبة، وإذا دفع المبلغ من ماله -كما بيّنا- وقصد الرجوع به على المالك ، ولم يقصد التبرع بالمال ، جاز له الرجوع عليه ، وإذا لم يفعل ما فصَّلنا ذكره ، كان ضامناً للوديعة .

المسألة 25: إذا استطاع المستودع أن يفتدي الوديعة من الظالم ببعضها فيدفع له نصفها -مثلا- أو ثلثها أو ربعها، ويصرف بذلك نظره عن البقية منها فلا يغصبها ، وجب عليه أن يفعل ذلك ، فيحفظ الباقي منها، وكذلك إذا أمكن له أن يدفع بعض الوديعة لغير الظالم ، فيصرف هذا الرجل -الذي صانعه- نظر الظالم عن غصبها ، فيجب عليه أن يدفع البعض إلى ذلك الشخص ، فإذا فرط المستودع في الأمر ، ولم يدفع شيئاً منها ، ضمن الباقي إذا غصبه الظالم في الصورتين ، لأنه هو السبب في غصبه وإتلافه ، ويضمنه كذلك إذا اتفق ان الظالم لم يغصب الباقي ثم تلف في يد المستودع ، لأنه قد فرط في حفظه ، فكان بتفريطه خائناً يلزمه الضمان .

ونظير هذا الفرض في الحكم أن تكون عند الرجل وديعتان لمالك واحدٍ ، وأراد الظالم غصب الوديعتين كلتيهما، وأمكن للمستودع أن يدفع له احدى الوديعتين فلا يغصب الثانية، فإذا فرط المستودع ، ولم يدفعها إليه ، كان ضامناً على النحو الذي تقدم بيانه .

المسألة 26: إذا استودع المالك عند الرجل دابة أو حيواناً وجب على المستودع أن يتعاهد الدابة أو الحيوان بالماء والعلف عند حاجتهما إلى القوت والشرب، ولا يلزمه أن يتولى ذلك بنفسه،  فيكفيه أن يعهد بذلك إلى بعض اولاده أو عياله أو غلمانه ، إذا كان هذا البعض الذي يعهد اليه بذلك مأموناً على الحيوان ، لا يفرّط ولا يتعدَّى في حفظه، فلا يركب الدابة أو يعنتها أو يحمّلها، أو كان لا يسقيها أو لا يعلفها ما يكفي، ويجوز له أن يخرجها من الاصطبل و المراح المعدّ لها للسقي والعلف في خارجه ، إذا كان من المعتاد ذلك ، وكان الطريق مأمونا ولا يخرج به عن المعتاد .

المسألة 27: إذا أنفق المستودع على الحيوان ، حسب ما يتعارف له في قوته من العلف والماء ، أو في غير ذلك مما قد يحتاج اليه عادة، جاز له أن يرجع على مالك الحيوان بما انفقه عليه إذا هو لم يقصد التبرع به ، وعليه أن يستأذن في الانفاق عليه من مالك الحيوان ، أو من وكيله المفوّض ، أو من ولي أمره إذا كان قاصرا أو محجورا عليه ، فإذا تعذر عليه الاستئذان كذلك انفق هو على الحيوان من ماله من باب الحسبة ، ورجع بالنفقة على المالك إذا لم يقصد التبرع ، و قد ذكرنا هذا في أول المسألة .

المسألة 28 : الوديعة عقد يتقوم بالاذن في ابتداء حدوثه وفي بقائه ، ونتيجة لتقومه بالاذن ، فيبطل العقد إذا مات المالك المودع ، أو مات الامين المستودع، واذ جنَّ أحدهما فخرج بذلك عن ان يكون أهلاً للاذن والقصد، فإذا مات المالك المودع بطلت الوديعة -كما قلنا- وأصبح المال أمانة شرعية بيد المستودع ، بعد أن كان عنده أمانة مالكية، وسيأتي بيان الفرق بينهما في الفصل الأخير من هذا الكتاب، فيجب على المستودع أن يبادر بردَّ المال إلى وارث المالك الذي أودع المال ، أو إلى وكيل الوارث وإلى وليه إذا كان قاصراً، وإذا لم يقدر على ردّ المال اليه بالفعل -لبعض الجهات المانعة من الردِّ- وجب عليه ان يعلمه بان الوديعة موجودة عنده ، و انه مستعدُّ لردِّها متى أمكن له الرد، وان هو لم يفعل كذلك -مع تمكنه من فعله وعدم العذر- كان مفرّطاً ضامناً.

وإذا لم يعلم المستودع -بعد موت مالك الوديعة- بوجود وارث له ، أو كان الوارث غير منحصر -في علمه- بشخص معين أو أشخاص معيَّنين ، جاز له التأخير حتى يفحص عن ذلك و يعلم به ، ويجب عليه أن لا يتسامح في أمر الأمانة ، فيتأخر من غير فحص ، أو يطيل المدة من غير ضرورة تقتضي ذلك .

وإذا جن مالك الوديعة وعلم المستودع بجنونه ، وجب عليه أن يبادر في ردّ الأمانة الشرعية إلى وليه الشرعي ، فإذا لم يستطع الردَّ اليه وجب عليه أن يعلم الولي بالوديعة وأنه مستعد لردِّها، وان هو لم يعلم بالولي الشرعي له على التعيين ، جاز له أن يتأخر مقدار ما يفحص عنه ،ويعلم به كما سبق في نظيره .

المسألة 29: إذا مات المستودع ، وبطلت الوديعة بموته -كما سبق ذكره- أصبحت الوديعة امانة شرعية بيد الوصي من بعده -إذا كان قد أوصى إلى أحد بالوديعة قبل موته- وكانت أمانة شرعية بيد وارث المستودع -إذا لم يكن قد أوصى بها-، وإذا لم يكن قد أوصى، وكان وارثه قاصرا ، كانت الوديعة أمانة شرعية بيد الولي الشرعي على الوارث القاصر .

ويجب على من يصبح أميناً على الوديعة -من أحد هؤلاء- بعد موت المستودع ، أن يردَّ الأمانة إلى مالكها الذي أودعها، أو إلى وكيله المفوَّض منه ، وان لم يتمكن من المبادرة إلى الردَّ وجب عليه أن يعلم المالك أو وكيله بأن الوديعة قد انتقلت أمانة في يده ، وانه يقوم بردها اليه متى أمكنه الردَّ .

وإذا جن المستودع وجب على وليه الشرعي أن يقوم بالفعل ، فيردّ الأمانة إلى صاحبها ، أو يعلمه بها -على الوجه الذي سبق ذكره- .

المسألة 30: إذا مات مالك الوديعة ، وخلَّف بعد موته ورثة متعددين ، فان كان الميت المودع قد أوصى إلى أحد قبل موته ، وعهد اليه أن يقبض الوديعة ويصرفها حسب وصية معينة له فيها ، أو يقسمها على الورثة بحسب ما يستحقونه من السهام في الميراث ، تعين على المستودع أن يدفع الوديعة إلى الوصي ليعمل بها كما أوصى مالكها، وان لم يوص الميت بأمرها الى أحد، وجب على المستودع ان يسلِّم الوديعة إلى ورثة الميت جميعاً ، أو إلى أحد يتولى القبض عنهم جميعاً ، من وكيل مفوض منهم ، إذا كانوا راشدين ، أو ولي شرعي إذا كانوا قاصرين ، أو إلى فرد من الورثة أو من غيرهم يرتضون على اختياره ، فيفوضون اليه الأمر في قبض الوديعة وتقسيمها بينهم ، على المنهاج الشرعي في المواريث .

ويجوز للمستودع أن يوكل أحداً يعتمد عليه فى دفع المال اليهم على الوجه المطلوب ، ولا يجوز له أن يسلِّم الوديعة إلى بعض ورثـة مالكها بغير اذن الباقين ، وإذا دفعها إلى بعضهم -كما ذكرناه- كان ضامناً لحصص من لم يدفع اليه سهامه منهم .

المسألة 31: إذا طلب صاحب المال وديعته من المستودع ، وجب على المستودع أن يبادر إلى ردّها اليه في أول وقت يمكن له فيه الردَّ ، والمراد أن يبادر إلى ردّها مبادرة عرفية، فلا يجب عليه أن يقطع الصلاة الواجبة ، ولا المستحبة ، ليردَّ الوديعة -إذا كان قد شرع في الصلاة-، ولا يجب عليه الاسراع في المشي أكثر مما يتعارف لمثله . ولا ينافي المبادرة العرفية أن يتم أكله للطعام إذا طلب المالك منه وديعته وهو على المائدة -مثلاً-، ولا ينافي المبادرة ان يقدِّم الصلاة إذا طلبها منه وهو في أول وقتها، أو يبدأ بأكل الطعام إذا كان في وقت حضوره ، ولا ينافيها كذلك ان يؤخر دفع الوديعة اليه حتى يشهد على الدفع و القبض، أو حتى يكتب له ورقة يعترف المالك فيها بقبض المال ، أو حتى يسجل القبض في سجلِّه الخاص ، إذا لم يستلزم ذلك التأخير الكثير، وخصوصاً إذا كان المالك المودع قد أشهد عليه في وقت الايداع ، أو كتب عليه ورقة اعترف فيها بالوديعة ووقّع عليها، أو سجلها في سجل يثبتها، وخصوصا إذا كان في الأمر مظنة للنزاع والانكار ولو من الورثة بعد الموت ، فلا يجوز للمستودع تأخير الرد أكثر من ذلك، ولا يجب عليه الاسراع أزيد منه .

المسألة 32: يتحقق رد الوديعة إلى صاحبها بان يرفع المستودع يده عن الوديعة ، ويخلَّي ما بين المالك وبينها ، ويرفع جميع الموانع من قبله عن استيلاء المالك عليها، ولا يجب على المستودع نقل الوديعة إلى المالك ، فإذا كانت محفوظة في محل ، أو مخزونة في حرز ، ورفع المستودع الحواجز والموانع عنها ، وعن استلام المالك اياها، وقال له مثلاً : استلم وديعتك، فقد ردَّ الأمانة إلى أهلها، وبرئت ذمته من التكليف الشرعي بوجوب ردها، ولا شيء عليه بعد ذلك إذا أهمل المالك ، أو تأخر في قبضها ووضع يده عليها.

المسألة 33: يجب على المستودع رد الوديعة إلى مالكها إذا طلبها منه ، أو انفسخ عقد الوديعة بينهما بسبب آخر ، سواء كان مالك الوديعة مسلما أم كافرا محترم المال ، وبرّاً أم فاجراً ، ولا فرق في المالك المسلم بين أن يكون من الشيعة وغيرهم من أي فرق المسلمين كان ، ولا فرق في الكافر بين أصناف الكفار، إذا كان ممن يحترم ماله في الاسلام .

والأحوط لزوماً رد الوديعة إلى صاحبها، وان كان كافراً غير محترم المال ، فإذا أودع عند المؤمن وديعة وجب عليه حفظها ، وردها اليه إذا طلبها منه ، وفي الحديث عن أمير المؤمنين (ع) قال: ادوا الأمانة ولو إلى قاتل ولد الأنبياء ، وعن الأمام أبي عبد الله (ع): (ادوا الأمانة إلى أهلها وان كانوا مجوساً )، وعنه (ع) انه قال: (ادوا الأمانة إلى من ائتمنك وأراد منك النصيحة ولو إلى قاتل الحسين (ع ) )، وعن الامام زين العابدين(ع): (عليكم باداء الأمانة، فو الذي بعث محمداً بالحق نبياً لو ان قاتل ابي الحسين بن علي (ع ) ائتمنني على السيف الذي قتله به لأديته اليه ).

المسألة 34: إذا استودع الغاصب أو السارق المال ، الذي غصبه أو سرقه من صاحبه عند أحد، وعلم الودعي بان الوديعة مغصوبة من مالكها الشرعي او مسروقة منه ، لم يجز له ردّها إلى الغاصب أو السارق مع التمكن من الامتناع عليه ، وكان المال بيده أمانة شرعية يجب عليه حفظها لمالكها الحقيقي ، فان هو عرفه ردّ المال اليه. وإذا لم يتمكن من المبادرة إلى ردّ المال إلى مالكه أعلمه بان المال قد وقع في يده ، وانه سيردّه اليه متى قدر على ردّه ، وان لم يعرف مالك المال وجب عليه التعريف به إلى سنة ، فإذا انقضت المدة ولم يعرف مالك المال ، تصدّق بالمال عنه وإذا وجد المالك بعد الصدقة بالمال أخبره بأنه أخذ المال وعرّف به سنة ثم تصدّق به -كما أمره الله-، وخيّره بين أن يقبل الصدقة لنفسه ، فيكون له اجرها عند الله، وان لا يقبل الصدقة ، فيغرم له المال ويكون أجر الصدقة للودعي المتصدق، وقد ذكرنا هذا الحكم في المسالة التاسعة والأربعين من كتاب اللقطة .

المسألة 35: إذا جرى عقد الوديعة بين مالك المال وصاحبه ، واستلم المستودع المال منه، ثم خاف المستودع على الوديعة أن تتلف بيده ، او تسرق أو تعطب ، بحيث كان الخوف عليها موجباً للشك منه في قدرته على حفظ الوديعة، او للاعتقاد بعدم قدرته على ذلك ، فالأحوط له لزوماً وجوب ردّ الوديعة إلى المالك أو إلى وكيله ، فإذا تعذر عليه الرّد عليهما دفعها إلى الحاكم الشرعى، وعرّفه بالأمر، وإذا لم يقدر على ايصالها اليه أو كان الحاكم الشرعي غير قادر على حفظها بنفسه أو بالتوكيل ، دفعها المستودع إلى ثقة مأمون يقدر على حفظها وايصالها إلى مالكها.

المسألة 36: إذا كانت للوديعة مدة محددة بين مالك الوديعة والمستودع ، وانقضت مدة الاستيداع ، وجب على المستودع ان يرد الوديعة إلى مالكها، أو إلى وكيله المفوض عنه في قبضها ، أو إلى وليه إذا كان قاصراً أو محجوراً عليه ، فإذا تعذر عليه ايصالها وجب عليه أن يعلمه بها، وبانتهاء المدة المعينة في العقد، وانه مستعد لردها متى امكن له الرّد، وان لم يقدر على شيء من ذلك أوصل الوديعة إلى الحاكم الشرعي وعرّفه بأمرها، فإذا امتنع عليه ذلك ، وضعها أمانة شرعية عند ثقة امين ، ليحفظها لصاحبها من باب الحسبة، وإذا وجدت الثقة والامانة في المستودع نفسه ، بقيت في يده من باب الحسبة كذلك حتى يؤدّيها إلى أهلها.

المسألة 37: إذا خاف المستودع على نفسه من الموت لظهور اماراته عليه ، من كبر سنّ ، أو ترادف أمراض ، وما اشبه ذلك ، وخشي على الوديعة التي أودعها صاحبه عنده ، أن تتلف بعد موته،  أو تؤكل ، أو تغصب من وارث او من غيره، ولم يأمن عليها إذا بقيت، وجب عليه ان يردّها في حياته إلى مالكها، وان يبادر إلى ردّها على النهج الذى ذكرناه في ما تقدم .

وإذا كان الوارث أو القيّم على شؤون المستودع من بعده -إذا مات- يعلم بالوديعة  وبصاحبها، وبموضعها، وكان ثقة أميناً يعتمد عليه ولا تضيع عنده الوديعة،لم يجب على المستودع ردّ الوديعة في حياته على صاحبها اعتماداً على ذلك ، وإذا هو احتاط للوديعة فذكرها في وصيته ، وأشهد عليها فهو اولى وأفضل .

وإذا كان الوارث الذي يتركه من بعده لا يعلم بالوديعة، أولا يعرف صاحبها ، أو كانت بيد المستودع عدة من الودائع ، فيلتبس على الوارث من بعده أمرها، وجب على المستودع أن يذكرها مفصلة فى وصيته ، وان يظهر له أمر كل وديعة من الودائع الموجـودة عنده ، ويذكر له وصفها، والعلامات المميزة لها، واسم صاحبها وأوصافه المشخصة له ، وموضع حفظ الوديعة وإذا علم المستودع بان الوصية بها لا تتم إلا بالإشهاد عليها، ولو للحذر من وقوع تنازع وتخاصم الورثة ، من بين من يثبت منهم ، ومن ينفي ، وجب عليه الإشهاد والاحتياط.

المسألة 38: لا يمنع المستودع من أن يخرج في سفر مباح ، غير واجب وغير ضروري له ويترك الوديعة في بلده ، إذا كانت محفوظة في حرزها الذي وضعها فيه ، أو في متجره ، أو في موضع آخر عند أهله أو غيرهم ، وهو يعلم أو يطمئن بأنها ستبقى محفوظة مأمونة في موضعها، دون تعدّ أو تفريط فيها من أحد، وأولى من ذلك بالجواز وعدم المنع ، إذا كان السفر الذي يعزم عليه واجبا شرعياً، كالسفر للحج أو للعمرة الواجبين عليه ، أو كان ضروريا لابد له منه كالسفر لعلاج نفسه ، أو من يضطر إلى علاجه ، أو بعض الضرورات الاخرى، وكانت الوديعة على حالها من الحفظ والأمن في موقعها .

المسألة 39: إذا أراد المستودع سفراً، وكان لا يقدر على حفظ الوديعة الموجودة عنده إذا هو غاب في سفر عنها وتركها في بلده ، أو كان لا يطمئن على ان الوديعة ستبقى في حال غيبته عنها محفوظة في موضعها ، وجب عليه أن يرد الوديعة إلى مالكها ، أو إلى وكيله ، أو إلى ولي أمره -إذا كان المالك قاصراً أو محجوراً عليه-، ولا يجوز له أن يصحبها معه في سفره ، وان علم بأنه قادر على حفظها في أثناء سفره بها ، إلاّ إذا أذن له المالك بان يصحبها معه إذا سافر، وليس له أن يودعها في حال غيبته عند مستودع آخر، إلا إذا أذن له المالك بإيداعها، وسنتعرض لذكر هذا في الفصل الثاني -إن شاء الله تعالى-، وإذا هو لم يقدر على رد الوديعة إلى مالكها ، أو إلى من يقوم مقامه ، وتوقف حفظها على حضوره في البلد ، تعين عليه البقاء ، وترك السفر مع الإمكان .

المسألة 40: إذا وجب على المستودع أن يسافر لحج أو عمرة أو غيرهما، أو اضطر إلى السفر لعلاج نفسه أو غيره من بعض الأمراض ، أو لضرورة أخرى لابد له منها، ولم يقدر على حفظ الوديعة في حال غيبته في السفر عنها، وتعذر عليه أن يردها قبل سفره إلى مالكها، أو إلى من يقوم مقامه في قبضها، فان أمكن له أن يوصل الوديعة إلى الحاكم الشرعي ليحفظها لصاحبها ، وجب عليه إيصالها إليه ، وان تعذر عليه ذلك ، وجب عليه أن يودعها عند أمين عادل ، ويعرّفه أمرها ، ويعرفه باسم مالكها ونسبه، ويذكر له أوصافه ومشخصاته ، ليردها إليه متى وجده، وإذا لم يجد عادلا يودعها عنده في بلده ، أودعها عند عادل في بلد آخر.

المسألة 41: إذا أراد المستودع السفر ، وترك الوديعة في البلد ، وفي موضعها عند أهله، كما فرضنا في المسالة الثامنة والثلاثين، وكان سفره الذي عزم عليه من الأسفار الكثيرة الخطر، وجب عليه أن يجرى أحكام من ظهرت له أمارات الموت ، وقد ذكرنا هذه الأحكام في المسألة السابعة والثلاثين ، فعليه أن يلاحظ هذه المسألة لتطبيق أحكامها.

المسألة 42 : إذا وجب السفر شرعا على المستودع ، أو قضت به ضرورة لابدّ له منها، ووجد نفسه غير قادر على حفظ الوديعة في موضعها في حال غيبته في السفر عنها ، ولم يقدر على ردّ الوديعة إلى مالكها ، أو إلى من ينوب عنه في قبضها، ولم يتمكن من إيصالها إلى حاكم شرعي ، ولا إيداعها عند أحد العدول من المؤمنين في البلد أو في غيره ، جاز له أن يصحبها معه في سفره ، ووجب عليه أن يحافظ عليها مهما أمكنته المحافظة .

وكذلك الحكم إذا اضطرته الحوادث إلى السفر من أجل الوديعة نفسها ، ومثال هذا أن تحدث في بلد المستودع عاديات من السلب والنهب ، أو الحريق أو غير ذلك ، ويصبح البلد غير آمن ، ولا مستقر الأوضاع ، فلا يستطيع إبقاء الوديعة فيه ، ولم يقدر على ردّها إلى أهلها، ولا إيصالها إلى مأمن -مما ذكرناه في ما تقدم- فيجوز له في هذا الحال ان يسافر بها ويصحبها معه ، ويجب عليه الحفاظ عليها ما أمكن .

المسألة 43: إذا سافر المستودع ، وأخرج الوديعة معه مضطراً -في الصورتين اللتين تقدم ذكرهما- فاتفق له في السفر عروض أمر غير محتسب ، فتلفت الوديعة بسبب ذلك الأمر، أو سرقت أو حدث فيها نقص ، فلا ضمان عليه بذلك .

الفصل الثاني

في ما يوجب ضمان الوديعة

المسألة 44: الوديعة -كما قلنا في المسألة التاسعة عشرة- أمانة من المالك في يد المستودع، ومن أجل أمانته عليها فلا يكون ضامناً إذا تلفت في يده ، أو سرقت أو غصبت بالقهر عليه ، أو عطب شيء منها، إذا كان قائما بما تقتضيه واجبات الأمانة ، ولم يتعد ولم يفرط فيها، وان هو تعدّى بعض الحدود -على ما سيأتي بيانه من معنى التعدّي-، أو فرّط كذلك حكم عليه بالضمان ، وينحصر السبب الموجب لضمان المستودع للوديعة بالتعدي والتفريط .

المسألة 45: إذا تعدّى المستودع الحدود التي تلزم مراعاتها للوديعة، والتي يعدّ خائنا لها في أنظار أهل العرف إذا تعداها، وخالف الأحكام الشرعية المبينة للوديعة، أو فرّط في حفظها كما أمر الله بالحفظ ، خرج بذلك عن كونه أميناً، وأصبحت يده عليها يداً خائنة، ولذلك فيصبح محكوما عليه بضمان أي تلف أو عطب ، أو سرقة أو نقص ، أو عيب يحدث على الوديعة، سواء كان حدوث ذلك الأمر عليها بسبب تعدّيه أو تفريطه ، أم بسبب آخر حصل بعد هما.

ولا تبرأ ذمته من هذا الحكم إلا برّد الوديعة -إذا كانت موجودة-، أورد مثلها أو قيمتها -إذا كانت تالفة-، أو دفع أرش النقصان والعيب -إذا كانت ناقصة أو معيبة- .. لا تبرأ ذمته إلا برد ذلك إلى مالك الوديعة، أو إلى من يقوم مقامه ، أو بإبراء المالك ذمته من الضمان بعد أن تشتغل ذمته بالمال ، وهذا هو المراد من قولنا في المسألة السابقة: إذا تعدّى المستودع أو فرّط ضمن .

المسألة 46: يتعدّد الحكم إذا تعدد الأمر الحادث الذي يتعلق به الضمان ، ومثال ذلك: أن يحدث في الوديعة عيب ، بعد أن يفرط المستودع في أمرها أو يتعدّى، فيلزمه أن يدفع لمالك الوديعة أرش ذلك العيب الذي حدث فيها، ثم يحدث فيها بعد ذلك عيب آخر فيلزمه أن يدفع للمالك ارش العيب الجديد ، مضافاً إلى ارش العيب الأول ، وإذا تلفت الوديعة كلّها بعد ذلك ، لزم المستودع أن يدفع للمالك قيمة الوديعة وهى معيبة بالعيب الأول والثاني، ولا يسقط أحد الأحكام بالآخر، ولا يتداخل بعضها في بعض.

المسألة 47: التفريط في الوديعة هو أن يهمل المستودع المحافظة عليها ، ولو من بعض الجهات اللازمة عليه للحفظ ، أو يفعل ما يعد إضاعة لها، أو استهلاكاً في نظر أهل العرف ، ومثال ذلك: أن يجعل الوديعة في موضع بارز دون حرز يقيها ، ولا مراقبة ولا حفيظ ، أو يحفظ عليها بأقل مما جرت به العادة المتعارفة بين العقلاء في حفظ تلك الوديعة، ووقايتها من التلف أو السرقة أو العيب .

وقد ذكرنا في مسألة سابقة وجوب سقي الدابة ، أو الحيوان المستودع ، وعلفه بمقدار ما تحتمه حاجة الحيوان إلى ذلك ، في سلامته وبقائه صحيحا دون مرض ، فإذا ترك الودعي ذلك، أو قصّر فيه من غير عذر ، أو سبب موجب ، فقد فرط وضيع ، وذكرنا في ما تقدم أيضاً وجوب إخفاء الوديعة عن الظالم الذي يخشى منه غصب الوديعة ونهبها أو سرقتها ، فلا يجوز للمستودع أن يعرّف الظالم بأمر الوديعة ، أو يلفت نظره إليها ، أو يجعلها في موضع يجلب نظره إليها ، أو نظر بعض السعاة الذين يتزلفون إلى الظالمين ، وتكون في ذلك الموضع مظنة للغصب أو السرقة ، فإذا فعل كذلك فقد فرّط وضيّع ، وتراجع المسألة العشرون وما بعدها.

المسألة 48: من التفريط بالوديعة -إذا كانت من الثياب أو الأقمشة أو المنسوجات الأخرى ، أو الحبوب أو الفرش أو الكتب ونحوها- أن يجعلها في موضع تسري إليها فيه الرّطوبات من الأرض ، أو من المطر، أو من بعض المجاري ، أو من الندى فتعفّنها أو تتلفها أو تعيبها أو تلّونها ، أو تصل إليها الحشرات أو الدّواب المبيدة ، أو الآكلة أو المفسدة فتأكلها أو تفسدها، وإذا فعل كذلك فقد فرط وضمن ، وقد ذكرنا في المسائل السابقة أحكام السفر عن الوديعة وأحكام السفر  بها، وبيّنا فيها ما يجوز منه وما لا يجوز، وما يعدّ تفريطا في الوديعة وما لا يعدّ ، فليلاحظ ذلك ، فذكره هنالك يغنى عن الإعادة هنا.

المسألة 49: التعدّي على الوديعة: هو أن يتصرّف الودعي فيها تصرفا لم يأذن به مالكها ولم يبحه له الشارع ، مثال ذلك أن يلبس الثوب الذي استودعه المالك إيّاه ، أو يفترش الفراش ، أو يركب السيارة أو الدابة ، أو يستعمل جهاز التبريد أو التدفئة ، من غير اذن من المالك ، ولا إباحة من الشارع .

المسألة 50: قد تدل القرينة على اذن المالك ببعض التصرفات في الوديعة، فلا يكون مثل هذا التصرف تعدّياً من الودعي عليها ، ومثال ذلك: أن يأتي المالك بمبلغ من المال فيودعه عند الرجل ، فإذا أخذ الرجل المبلغ من يده وعدّه ليضبط حسابه ، ثم وضعه في كيس خاص وأدخله في الخزانة ، أو نقله إلى الموضع الذي أعده لحفظه في البيت أو في المتجر ، لم يكن هذا التصرف منه تعديا ، وإذا أتاه بالسيارة ، وأودعه إياها ، فركب الودعى فيها وأدخلها المكان الذي هيأه لحفظها لم يكن من التعدي ، وهكذا.

وقد يتوقف حفظ الثوب المستودع عند الإنسان من تآكله ، أو من تولد بعض الحشرات فيه على لبسه في بعض الأيام ، أو على إخراجه ونشره في الشمس ، أو الهواء الطلق ، ويتوقف حفظ الفراش على استعماله كذلك ، فيجب على الودعي أن يفعل ذلك لحفظ الوديعة ، ولا يكون هذا الاستعمال والتصرف من التعدي على الوديعة.

المسألة 51: من التعدّي على الوديعة الموجب لضمانها: أن يخلط المستودع مال الوديعة بماله ، بحيث لا يتميز أحد المالين عن الآخر ، سواء خلطها بما هو أجود منها ، أم بمساو لها في الجودة والرداءة ، أم بما هو أردأ، وكذلك إذا خلطها بجنس آخر من ماله ، كما إذا خلط الحنطة بالشعير أو الأرز ، أو خلط الماش بالعدس أو بغيره من الحبوب ، فانه قد تصرف في الوديعة تصرفاً لا اذن فيه ، فيكون آثماً وضامناً ، وهذا إذا لم يقصد بالخلط تملّك الوديعة وإنكارها، وإنما قصد خلط ماله بها وهي في ملك صاحبها، وأوضح من ذلك في صدق التعدي المحرم ان يقصد بالمزج غصب الوديعة والاستيلاء عليها، وكذلك إذا خلطها بمال لشخص آخر ، فيضمن المالين معا لمالكيهما ، إذا كانا وديعتين عنده .

المسألة 52: إذا استودع صاحب المال عند الرجل مبلغين من المال ، وعلم أو دلت القرينة على انهما وديعتان تستقل إحداهما عن الأخرى، فلا يجوز للمستودع أن يخلط إحدى الوديعتين بالثانية ، وإذا خلطهما بغير اذن مالكهما كان متعدياً وضامنا لكلتا الوديعتين ، بل وكذلك إذا احتمل انهما وديعتان مستقلتان ، احتمالاً يعتد به ما بين العقلاء، فيكون متعدياً وضامنا إذا خلطهما.

وإذا علم أودلت القرينة على أن المالين اللذين دفعهما له المالك وديعة واحدة، وخلطهما المستودع ليحفظهما أمانة واحدة في موضع واحد ، أو لأنه أيسر له في الحفظ وأمكن ، فلاضمان عليه بما فعل .

وإذا كان المبلغان في كيسين مختومين أو معقودين ، ففك الختم أو العقدة بغير اذن المالك وخلط المالين معاً كان متعدياً ، ولزمه ضمانهما وان قصد بذلك حفظهما، وأولى من ذلك بالحكم عليه بالضمان ما إذا خلط الوديعة بمال آخر للمودع ليس بوديعة .

المسألة 53: من التفريط بالوديعة: أن يوكل المستودع أمر حفظ الوديعة ، والقيام عليها إلى غيره ، أو يستودعها عند شخص آخر ، وان كان الشخص ثقة مأمونا ، إلا إذا أذن المالك له بإيداعها عند غيره ، أودعت إلى ذلك ضرورة تحتمه عليه ، وقد سبق في المسألة الأربعين وجوب إيداع الوديعة عند بعض العدول من باب الحسبة في الفرض المذكور في تلك المسألة ، ويراجع ما بيّناه في المسالة السادسة والثلاثين .

وإذا أذن له المالك بإيداع الوديعة ، وعيّن لـه شخصا خاصا لم يجز له إيداعها عند غيره إلا إذا اتفق له مثل الضرورة المتقدم ذكرها.

المسألة 54: إذا أنكر الودعي أن المالك قد استودعه المال ، فان كان إنكاره للوديعة بقصد غصبها والاستيلاء عليها كان خائناً ، فإذا أثبتها المالك عليه بالبينة الشرعية أو اعترف هو بها بعد إنكاره لها، ثم اتفق أن عطبت الوديعة في يده أو سرقت أو عابت ، كان ضامناً لما حدث فيها، وان كان إنكاره لها لنسيان وشبهه من الأعذار ، لم تزل الوديعة أمانة بيده، فإذا تذكرها بعد نسيانه لها واعترف بها ، ثم تلفت أو عابت -وهي في يده- فلا ضمان عليه .

وكذلك إذا كان جحوده لها لإخفاء أمرها ، والحفاظ عليها من أن يغصبها غاصب ، أو يسرقها سارق ، فلا يكون جحودها تعديا أو تفريطاً، ولا يثبت عليه بسبب ذلك ضمان بتلف أو غيره ، وقد ذكرنا هذا في بعض المسائل السابقة.

المسألة 55: إذا جحد المستودع الوديعة من غير عذر مقبول ، أو طلبها منه مالكها أو وكيله ، فامتنع عن ردها إليه -مع التمكن من الرد- كان خائناً وضامناً، ولا يرتفع الضمان عنه بالاقرار بها بعد جحوده لها، أو امتناعه من ردّها، ولا بالتوبة عن ذلك والاستغفار ، إذا تاب عن خيانته واستغفر، فإذا تلف المال أو سرق أو غصب ، أو حدث فيه عيب أو نقص ، كان عليه ضمان بدل ما تلف أو أخذ ، وأرش ما طرأ.

المسألة 56: من التعدي الصريح: أن يستودع المالك عند الرجل طعاما. فيأكل بعضه ، أو يطعمه غيره ، وأن يستودعه مالاً فيستقرض شيئاً منه ، أو يقرضه أحدا غيره ، أو يبيعه على أحد، أو يهبه إياه ، أو يدخله في مضاربة ، ونحوها من المعاملات ، سواء قصد المعاملة بالمال لنفسه أم لمالك المال .

ومن التعدي أن يستودعه حبوبا وشبهها فيطبخها ، أو يطبخ بعضها، وان لم يأكل المطبوخ ولم يطعمه غيره ، ومن التعدي أن يؤجر العين التي أودعها المالك عنده ، أو يعيرها لأحد لينتفع بها ، أو ينتفع المستودع بها بما يعدّ تصرفاً في مال الغير بغير اذنه .

المسألة 57: إذا دفع المالك إلى الرجل مالاً ليكون عنده وديعة ، فأخذ الرجل المال منه بقصد التغلّب والاستيلاء عليه ، كان بذلك غاصباً عادياً على مال الغير، وحكم عليه بالإثم والضمان بمجرّد قصده ونيّته لذلك ، ولم يتوقف على أن يتصرف في الوديعة تصرفا عدوانيا، وليس الحكم في ذلك كالتصرفات الأخرى ، وكذلك إذا قبض المال من مالكه بنية الوديعة في أول الأمر، ثم تحوّلت نيته بعد القبض فقصد الغصب والتغلب عليها فيكون غاصباً بمجرد نيته ، ولا يتوقف تحققه على أن يتصرف في المال تصرفاً عدوانياً، ولا يرتفع الحكم بالضمان عنه إذا رجع عن قصده ، وتاب منه ، واستغفر.

المسألة 58: إذا قصد المستودع -في نفسه- أن يتصرف في الوديعة التي دفعها له مالكها فيركب السيارة -مثلاً- في سفرة معينة، أو يسكن الدار ، أو يقترض المال ، ثم عدل عن نيّته الأولى ولم يتصرف في الوديعة ، لم يخرج بمجـرد نيّته الأولى عن الأمانة ، ولم تثبت له الخيانة ، فلا يكون ضامنا للوديعة إذا حدث فيها أمر، وليس الحكم في هذه التصرفات كنية الغصب ، وقد ذكرنا هذا في المسالة السابقة .

المسألة 59: إذا وضع المالك ماله في محفظة مختومة ، أو صندوق مغلق ، أو نحوهما من الغلافات التي تدل عادة على وحدة المال ، وسلّمه كذلك إلى المستودع وديعة عنده، فلا ريب في دلالة ذلك على كون المال وديعة واحدة، فإذا فتح المستودع الغلاف أو الصندوق من غير ضرورة ، ولا إذن من المالك في فتحه ، كان ضامناً لجميع ما في الغلاف أو الصندوق بسبب تعديه أو تفريطه ، سواء اخذ بعض المال أم لم يأخذ منه شيئاً .

وإذا دفع له مبلغين من المال على انهما وديعتان مستقلتان ، فهما وديعتان كذلك ، فإذا فرّط المستودع في إحداهما ، أو تعدّى عليها ، كان ضامنا لها بالخصوص ، ولم يضمن الأخرى التي لم يتعد عليها ولم يفرط ، سواء جعل المالك كل واحدة من وديعتيه في حرز مستقل أم لا.

وإذا دفع له كيسين مختومين ، أو محفظتين مختومتين ، على أنهما وديعة واحدة، ففرّط المستودع في أحدهما أو تعدى عليه ، فأخذ بعضه -مثلاً-، فلا ريب في ضمان جميع ما في ذلك الكيس أو المحفظة التي فرّط فيها، وهل يكون ضامنا لما في الكيس الآخر ، أو المحفظة الثانية ، من حيث أن المالك قد جعلهما عنده وديعة واحدة، أولا يضمنه -كما يرى ذلك جماعة من الأصحاب-؟، والأحوط لهما الرجوع إلى المصالحة.

وكذلك إذا دفع المالك للرجل مبلغا من المال على انه وديعة واحدة ، ولم يجعله في كيس أو حرز، فإذا تصرف المستودع في بعض ذلك المال نصفه أو ربعه -مثلا-، فهل يختص الضمان بالبعض الخاص الذي تصرف فيه ، أو يعم الجميع ؟، فيجري فيه القولان المذكوران ، والاحتياط بالمصالحة بين الطرفين -كما في الفرض السابق-.

المسألة 60: يجوز للمستودع أن يعتمد على بعض أهله ، أو على خادمه ، أو عامله في إدخال الوديعة إلى الموضع الذي يعينه هو لحفظها ووقايتها، إذا كان ذلك بنظره وملاحظته ، وكان الاعتماد على مثلهم في هذه الأمور من العادات المتعارفة بين الناس في البلد، وبين الأمناء الذين لا يتسامحون في شؤون ودائعهم والحفاظ عليها.

المسألة 61: إذا فرّط المستودع في الوديعة ، أو تعدى الحد المأذون به من المالك ، أو من الشارع في تصرفه بها -على ما فصلناه في المسائل المتقدمة-، خرجت يده بذلك عن كونها يد أمانة وحكم عليه بالضمان ، وقد تكررّ منا ذكر هذا، ويسقط الحكم بالضمان عنه بامتثال الحكم فيردّ الوديعة نفسها إلى أهلها إذا كانت موجودة، ويرد مثلها أو قيمتها إذا كانت تالفة، ويردّها ويردّ معها أرش النقصان أو العيب إذا كانت ناقصة أو معيبة، ويسقط الحكم عنه أيضاً إذا اشتغلت ذمته ببدل الوديعة -وهو المثل أو القيمة-، أو بالأرش -وهو التفاوت ما بين قيمتها صحيحة ومعيبة-، ثم أبرأ المالك ذمته من ذلك بعد اشتغالها بالمال .

المسألة 62: إذا فرّط المستودع في الوديعة ، أو تعدّى الحد المأذون فيه من التصرف فيها ، حكم عليه بالضمان إذا هي تلفت أو عابت في يده -كما تكرر ذكره-، فإذا فسخ مالك المال عقد الوديعة بينه وبين المستودع قبل أن تتلف الوديعة أو تعيب ، بطلت الوديعة ، وزال الحكم المذكور بزوالها، فإذا اتفقا على الاستئمان مرة ثانية ، ودفع المالك إلى المستودع تلك الوديعة ، وجدد معه العقد ، صحت الوديعة، وترتبت أحكامها، فلا يكون المستودع ضامناً إلا بتعدّ أو تفريط جديد.

المسألة 63: يشكل القول بسقوط الحكم بالضمان عن المستودع إذا أبرأ المالك ذمته من الضمان بعد أن فرّط أو تعدى على الوديعة، وقبل أن تتلف الوديعة بيده أو تعيب ، وتشتغل ذمته -فعلا- بالبدل أو بالأرش .

الفصل الثالث

في بعض أحكام الوديعة

المسألة 64: إذا ادعى المالك على الرجل انه قد استودعه وديعة من ماله ، وأنكر الرجل ان المالك استودعه شيئاً، فالقول قول منكر الوديعة مع يمينه ، إلا أن يقيم المالك بينة لإثبات ما يدّعيه .

وإذا اعترف المستودع بان صاحب المال قد دفع إليه وديعة، وادعى أن الوديعة قد تلفت في يده بعد أن قبضها منه ، صدّق في قوله ، لأنه أمين ، وعليه اليمين للمالك ، إلا أن يقيم المالك بيّنة على وجود الوديعة وعدم تلفها، وإذا اعترف بالوديعة من صاحب المال -كما في الفرض السابق-، وادعى انه قد ردّ الوديعة إليه صدّق في قوله أيضا مع اليمين .

وكذلك الحكم إذا اتفق المالك والمستودع على أن المالك قد أودعه المال ، واتفقا أيضا على أن الوديعة قد تلفت عند المستودع ، ثم ادعى المالك أن المستودع قد تعدّى أو قد فرط ، وتلفت الوديعة بعد تعدّيه أو تفريطه ، فيكون ضامنا لها، وأنكر المستودع ما يدّعيه المالك عليه ، فالقول قول المستودع مع يمينه ، إلا أن يقيم المالك بيّنة شرعية مطلقة تثبت صحة ما يدعيه من أن التلف بعد التفريط .

المسالة 65: إذا انقضت المدة المعينة للوديعة، أو فسخ عقد الوديعة من المالك أو المستودع ، فدفع المستودع الوديعة إلى شخص ثالث ، وادعى أن مالك الوديعة قد أذن له في دفعها إلى ذلك الشخص ، وأنكر المالك انه أذن له في الدفع إليه ، قدّم قول المالك المنكر، وعليه اليمين للمستودع على عدم الإذن له ، إلا أن يقيم المستودع بينة على حصول الإذن من المالك.

وإذا اعترف المالك للمستودع بأنه أذن له في دفع الوديعة إلى ذلك الرجل ، وأنكر أن المستودع سلّم الوديعة إلى ذلك الوكيل الذي أذن بالدفع إليه ، فالقول قول المستودع في الرّد إليه مع اليمين ، وقد ذكرنا هذا الحكم في المسالة المتقدمة، إذ لا فرق بين الرّد إلى المالك والرّد إلى وكيله .

المسألة 66: إذا اختلف مالك المال والمستودع -أولاً- في اصل الوديعة، فادعى المالك انه قد استودعه المال ، وأنكر المستودع وقوع وديعة بينهما، وأقام المالك بيّنة تثبت ما يدّعيه على المستودع ، وأنه قد دفع إليه الوديعة، وبعد أن أقام المالك البيّنة المذكورة صدّقها المستودع في أن المالك قد استودعه المال ، وادّعى أن الوديعة -التي دفعها المالك إليه- قد تلفت قبل الدعوى بينهما ، وقبل إنكاره إياها، فلا تسمع منه دعواه في هذا الفرض ، للتناقض بين قوله السابق وقوله الأخير، وإذا هو أقام بيّنة على تلف الوديعة، لم تقبل بيّنته ، لأنه قد كذّبها بإنكاره السابق ، ولذلك فيلزمه الحاكم الشرعي بردّ الوديعة نفسها إلى مالكها.

وإذا هو صدّق بيّنة المالك في وقوع الوديعة بينهما ، وادّعى أن الوديعة المدفوعة إليه قد تلفت بعد إقامة الدعوى وإنكاره الأول ، سمعت منه دعوى التلف -إذا أقام عليها بيّنة تثبت التلف-، فلا يلزمه الحاكم الشرعي برد الوديعة نفسها، وعليه أن يدفع للمالك مثل الوديعة إذا كانت مثليّة ، وقيمتها إذا كانت قيمية ، ويثبت عليه هذا الضمان ، لأنه قد فرّط في الوديعة بإنكاره للسابق ، ولا يسقط عنه الضمان باعترافه أخيراً.

وإذا لم تكن له بيّنة على تلف الوديعة لم يسمع الحاكم منه دعوى التلف ، والزمه برّد الوديعة نفسها.

وإذا أبدى له عذرا عن إنكاره الأول للوديعة ، وكان عذره عن ذلك مما يقبله العقلاء ، سمعت دعواه في كلا الفرضين المذكورين .

المسألة 67: إذا فرّط المستودع في الوديعة أو تعدّى عليها ، ثم تلفت في يده ، فكان بذلك ضامناً لمثلها أو لقيمتها، ثم اختلف المالك والمستودع في مقدار المثل الواجب عليه ، أو مقدار القيمة، قدّم قول من ينكر الزيادة منهما -وهو المستودع في الحالات المتعارفة بين غالب الناس- وعليه اليمين لنفي الزيادة التي يدّعيها الآخر.

المسألة 68: إذا حلف المستودع في الصورة المتقدمة ، وأدى اليمين الشرعية لنفي الزيادة في المثل أو القيمة التي يدّعيها المالك ، حكم ظاهرا بنفي الزيادة، ولم يجز للمالك أن يأخذها منه بعد اليمين ، وإذا علم المستودع أن قيمة الوديعة أو مثلها بمقدار ما يدعيه المالك وليست أقل من ذلك ، لم تبرأ ذمته من الزائد ، ولم يسقط عنه وجوب أدائه للمالك باليمين الذي أدّاه أمام الحاكم ، فيجب عليه أن يوصله إليه مهما أمكن .

المسألة 69: يجوز للأب ، والجدّ أبي الأب ، أن يستودعا مال الصبي أو الصبية عند ثقة أمين ليحفظه له ، إذا لم تكن في إيداع ماله مفسدة تعود على الطفل أو على ماله ، ويجوز لولي اليتيم -غير الأب والجد للأب- أن يستودع ماله كذلك ، إذا كانت في إيداع المال مصلحة تعود لليتيم أو لماله ، وكذلك الحكم في الولي على المجنون والسفيه .

المسألة 70: إذا أذن مالك الوديعة للمستودع بان يودعها عند ثقة أمين متى شاء ، أو أذن له بذلك عند طروء بعض الحالات من سفر ونحوه ، جاز له أن يستودعها حسب ما أذن له صاحب المال ، ولا يجوز له أن يتجاوز ما عيّن له من الحالات ، وإذا عين له أشخاصا فلا يحق له أن يتعدى عنهم إلى غيرهم ، وان كانوا أوثق في نفسه وآمن.

ونتيجة لما ذكرناه ، فيجوز أن تترامى الوديعة بين عدة أشخاص من الأمناء مع اذن المالك لهم ، على الوجه الذي ذكرناه ، ولا يجوز الإيداع إذا لم يأذن به مالك المال .

المسألة 71: تصح الوديعة ، وتجرى عليها أحكامها في الأعيان غير المنقولة ، كالدور والعقارات والأراضي ، كما تصح في الأعيان المنقولة، ولا ريب في أن حفظ كل شيء بحسبه وبما جرت به العادة المتعارفة في الحفاظ عليه ، ووقايته والإبقاء عليه صحيحاً سليماً من العيوب ، وبعيداً عن المتلفات والمهلكات ، وعن استيلاء الظالمين واعتداء المعتدين ، فإذا أودعه المالك دارا أو عقاراً، فلابد للمستودع من المرور بـه ، والدخول إليه ، وتفقّد شؤونه وعمارته للمحافظة عليه ، وعلى بقائه من الطوارئ والعوارض التي قد تجدّ لأمثاله، وهكذا، فإذا تركه ولم يتعهده بما تجرى به العادة من الرعاية والمراقبة ، كان مفرطاً ضامناً، وإذا استأمن المالك الرجل على الدار أو العقار أو الأرض أو البستان ، وخوّله أن يؤجر الدار أو العقار، وأن يستثمر البستان ، ويقبض المنافع والثمار ويحفظها له ، كانت المعاملة وكالة في الإيجار والاستثمار، وكان إبقاء المال الحاصل من ذلك عنده وديعة، وإذا استأمنه عليها ، وأباح له أن ينتفع بمنافعها جميعا أو ببعضها، ويحفظ له الباقي كانت المعاملة عارية ، والباقي من المال في يده وديعة، فلابدّ من الفحص والتأكد من المقصد عند إجراء المعاملة ، لكي لا تشتبه الأمور ، وتلتبس الأحكام بين أقسام الاستئمان .

المسألة 72: إذا نمت الوديعة نماء ، أو أنتجت نتاجا ، وهي عند المستودع ، فالنماء والنتاج الحاصل منها مملوك لمالك الوديعة، ومثال ذلك: أن تلد الدابة وأنثى الحيوان المودعة عند الرجل ، أو تثمر الشجرة ، أو تنتج لبنا أو سمنا أو بيضاً، فان أمكن رد النماء والنتاج الحاصل من الوديعة إلى المالك أو إلى وكيله وجب على المستودع ذلك ، وان لم يمكن بقي النماء والنتاج أمانة شرعية في يده ، ليوصله إلى المالك ، أو إلى من يقوم مقامه ، وإذا كان المالك قد أذن له في أن يبقي النتاج والنماء وديعة عنده أبقاه كذلك ، وسيأتي بيان الفرق بين الأمانة المالكية والأمانة الشرعية في الفصل الرابع -إن شاء الله تعالى- .

المسألة 73: إذا أباح المالك للمستودع أن يتصرف في لبن الحيوان المستودع عنده ، وفي السمن الناتج منه ، جاز له ذلك ، ولم يجب عليه إبقاؤه أمانة في يده ، وكذلك إذا أباح له أخذ الصوف والوبر من الحيوان ، فيجوز له أن يجزّه ويأخذه ، ولا يكون ذلك -بعد الاذن فيه- من التعدي على الوديعة.

ويجوز للمالك والمستودع أن يصطلحا بينهما ، فيجعل النماء الحاصل من الحيوان عوضا عما ينفقه المستودع على الحيوان من علف وسقي ، ونفقة غيرهما.

المسألة 74: الغالب المتعارف عليه بين الناس ، في عامة الودائع من الأموال -كالأثاث والمتاع والثياب والفرش والأدوات والكتب والحيوان-، أن يكون الملحوظ لمالك الوديعة هو حفظ هذه الودايع بذواتها وأعيانها، بل وكذلك في الأموال الأخرى كالحبوب والغلات والمخضرات ، وسائر الأموال غير النقود والعملات ، ولذلك فلا يجوز للمستودع أن يتصرف في عين الوديعة ، أو يبدلها بغيرها بوجه من الوجوه ، وان حفظ ماليتها، حتى في المنتوجات التي تخرجها المعامل والشركات الحديثة متشابهة في جميع الصفات والمقادير والخصائص والأحجام ، فلا يجوز للمستودع أن يتصرف في الوديعة منها ، ويبدلها بفرد اخر يماثلها تمام المماثلة ، وإذا تصرف في العين كذلك -من غير إذن من المالك- كان متعديا ضامنا ، وقد ذكرنا لذلك أمثلة موضحة في التعدي والتفريط .

وكذلك الحكم في الوديعة من العملات والنقود على الظاهر، فلا يجوز للمستودع أن يتصرف في الوديعة منها ويبدلها بغيرها ، وان حافظ على ماليتها بنقد آخر يعادلها من الأوراق أو المسكوكات ، إلا أن يعلم أو تدل القرائن على أن المقصود للمالك من استيداعها هو حفظ ماليتها ، وإن تغيرت أعيانها، وهذا هو المعلوم من الودائع الدارجة في المصارف والبنوك ، فان القرينة العامة دالة على أن المراد فيها ذلك .

ولهذا فيجوز للمستودع عنده -مع وجود هذه القرينة- أن يتصرف في العين المودعة ، ويحتفظ للمالك بما يعادلها في المالية ، من العملة نفسها عند الحاجة والطلب .

المسألة 75: إذا دفع صاحب المال إلى المصرف أو إلى البنك ، أو إلى أي مؤسسة صحيحة أخرى ، مبلغاً من ماله ليبقى المبلغ المذكور وديعة له عند المؤسسة تحفظ لـه ماليتها ، -كما قلنا في المسألة المتقدمة- وتدفعها له عند الطلب ، أو بعد مضي مدة معينة، حسب الشرط المتفق عليه بين المالك والمؤسسة، جاز للمؤسسة أن تتصرف في عين الوديعة كيف ما شاءت ، على أن تفي له بدفع مقدار ذلك المبلغ المودع عندها من ماله ، في الوقت المتفق عليه بينهما.

المسألة 76: إذا دفع المصرف أو البنك أو المؤسسة لصاحب الوديعة فائدة معينة شهرية أو سنوية للمبلغ الذي أودعه عندها جاز للمالك أن يأخذ تلك الفائدة من المؤسسة، ولا يكون ذلك من الربا المحرم أخذه في الإسلام ، فان المفروض ان المالك إنما دفع المبلغ وديعة تحفظ له المؤسسة ماليتها ، ولم يدفعه قرضا للمؤسسة ، فتكون الفائدة من ربا القرض ، وليست هي من الربا في المعاملة ، فلا يحرم على صاحب الوديعة أخذها ، نعم ، إذا دفع صاحب المال المبلغ للمؤسسة على أن يكون قرضا لها ،لم يجز له أن يأخذ الفائدة عليه لأنه من ربا القرض ، ولا ريب في أن العقود تتبع القصود.

المسألة 77 : إذا اتلف المستودع عين الوديعة بفعله ، أو تعدّى أو فرّط ، فيها ثم تلفت بعد ذلك في يده وان لم يكن التلف بفعله ، وجب عليه أن يدفع للمالك مثلها إذا كانت مثلية ، وقيمتها إذا كانت قيمية ، بدلاً عنها.

وإذا كانت الوديعة القيمية التالفة مما توجد له أمثال ، تتحد معه في المقدار والصفات والمالية والنفع ، كالمنتوجات التي تخرجها المعامل والشركات الحديثة، فالظاهر وجوب دفع هذا المثل للمالك بدلاً عن العين التالفة، على ان يكون البدل والوديعة من إنتاج شركة واحدة ومعمل واحد.

وإذا اختلف المثل الموجود عن الوديعة التالفة في القيمة ، من حيث الجدّة والقدم ، والاستعمال وعدمه ، ولم يوجد ما يماثلها في هـذه الجهـة ،لم يجب على المستودع دفع ذلك المثل إذا كان أكثر قيمة منها، ولم يكفه إذا كان أقل قيمة منها ، ودفع القيمة بدلاً عن العين التالفة.

الفصل الرابع

في الأمانة الشرعية

المسألة 78: إذا وضع الإنسان يده على مال لغيره -وهو يعلم أن ذلك المال لغيره-، فقد يكون وضع يده عليه بإذن من صاحب المال ، فيسمى ذلك ، في عرف المتشرعة والفقهاء: أمانة مالكية، وقد يكون وضع يده على المال بإذن من الشارع ، وحكمه فيه بجواز ذلك ، أو بوجوبه عليه ، ويسّمى ذلك عندهم: أمانة شرعية، وقد يضع يده على المال بغير إذن من المالك ولا من الشارع ، فتكون يده على المال يدا عادية غير أمينة، وقد فصلنا أحكام اليد العادية في كتاب الغصب من الجزء السادس من هذه الرسالة ، وقد يضع الإنسان يده على مال غيره وهو يجهل أن المال مملوك لغيره ، أو هو يعتقد مخطئاً انه المالك الشرعي لذلك المال ، ومن أمثلة هذا الفرض: الشيء المبيع الذي يقبضه من بائعه عليه بالبيع الفاسد، والعين التي يقبضها من صاحبها بإجارة فاسدة، ونحو ذلك من الأشياء التي يأخذها من مالكها بإحدى المعاملات ، ثم يظهر له أن المعاملة التي جرت بينهما معاملة فاسدة .

ولكلا الفرضين المذكورين أنحاء متعددة تختلف أحكامها، ولا ريب في أنها جميعا ليست من أقسام الأمانة، وقد يلحق بعضها بالغصب في الأحكام ، وان لم يكن الإنسان واضع اليد فيه غاصبا ولا آثما بسبب جهله ، وقد ذكرنا أحكام المال المقبوض بالعقد الفاسد في كتاب الغصب فلتلاحظ .

المسألة 79: الأمانة المالكية هي ما يكون الاستئمان على المال والإذن بوضع اليد عليه من المالك نفسه ، أو من وكيله المفوّض ، أو من ولي أمره إذا كان قاصراً ، أو محجوراً عليه بسبب يوجب الحجر، فإذا أذن للإنسان في قبض المال ، ووضع المؤتمن يده على المال بإذنه ، أصبح المال أمانة من المالك بيده ، وهو على أقسام كثيرة يشترك جميعها في ترتب أحكام الأمانة عليه ، ما لم يفرط الأمين في أمانته ، أو يتعدّ في تصرفه بها -كما سبق تفصيله- .

فالوديعة المقبوضة من المالك ، أو من يقوم مقامه ، أمانة مالكية بيد المستودع ، والمال الذي يدفعه المالك إلى الوكيل ، ليبيعه له أو يؤجره ، أو يجرى إحدى المعاملات فيه ، أو ليتصرف فيه تصرفا خارجياً من تعمير وترميم وشبه ذلك ، أمانة مالكية بيد الوكيل ،لأن المالك قد أذن له في ذلك ، والعين التي أعارها الشخص لغيره لينتفع بها، أمانة مالكية بيد المستعير ، لأن المالك أذن له في القبض ، واستأمنه على العين ، والعين التي سلمها مالكها للمستأجر منه ، ليستوفي منها منفعتها في مدة الإجارة ، أمانة مالكية بيد المستأجر ، لأنه قبضها بإذن المالك ، واستأمنه عليها في المدة المذكورة، والعين التي دفعها صاحبها للأجير ليؤدي فيها العمل الذي آجر نفسه للقيام به لمستأجره ، والمال الذي دفعه المالك لعامل المضاربة ليتجر به ، والأشياء التي يشتريها عامل المضاربة للمالك ويقبضها بالنيابة به للاتجار، والعين التي يدفعها الراهن للمرتهن لتكون وثيقة له على دينه حتى يؤدّيه ، وهكذا في الموارد الكثيرة من المعاملات المختلفة ، والتي يستأمن مالك العين فيها عامله أو شريكه أو وكيله على المال ، فالمال في جميع هذه الموارد أمانة مالكية، ولا خلاف في جميع ذلك .

المسألة 80: الأمانة الشرعية -كما قلنا في أول هذا الفصل- هي ما يقع من أموال الناس الآخرين في يد الإنسان ، وهو يعلم أنها من أموال الآخرين ، ويكون وقوعها في يده بسبب غير عدواني ، ويكون من غير اذن من مالك المال ، ولا من يقوم مقامه في صحة التصرف في ماله ، والأمانة الشرعية تكون على عدة انحاء.

فقد يكون السبب في وقوع المال في يد الإنسان رخصة شرعية له في أن يستولي على العين ، وقد يحدث ذلك بسبب قهري لا خيرة لأحد من الناس فيه ، وقد يحدث بسبب مالك المال نفسه ، أو وكيله من غير علم لهما ولا اختيار ، وقد يكون بسبب فاعل مختار لا يعلم به على وجه التحديد، وهكذا.

فاللقطة التي يجدها الإنسان في موضع يصح الالتقاط فيه ، أمانة شرعية في يد الملتقط ، لأن الشارع أباح له أن يأخذ اللقطة في مثل هذا الموضع ، ليعرّف بها ويجري أحكامها، والحيوان الضال الذي يراه الرجل أمانة شرعية في يد من وجده ، للرخصة الشرعية له في وضع اليد عليه وتطبيق أحكامه ، ومال الغير الذي يأخذه الشخص من غاصبه أو سارقه أمانة شرعية في يد ذلك الشخص الآخذ، لان الشارع قد أوجب عليه -مع القدرة- أن يأخذه من الظالم ويحفظه لصاحبه من باب الحسبة الشرعية، والمال الذي يأخذه الرجل من الصبي أو المجنون إذا خاف على مالهما التلف -إذا بقي في يدهما- أمانة شرعية في يد ذلك الرجل ، لان الشارع قد أذن له أن يأخذ المال منهما من باب الحسبة ، ويحفظه لمالكه ، أو يرده للولي الشرعي ، والمال أو الحيوان الذي يعرف الإنسان مالكه ويجده في معرض الهلاك والتلف ، يجب عليه أخذه -مع القدرة- من باب الحسبة ليقيه من التلف ، فيكون أمانة في يده حتى يرده إلى مالكه ، والمال الذي يلقيه الطير في ملكه ، أو يأتي به ماء المدّ أو السيل إليه ، أو يلقيه الريح العاصف في منـزله أو في أرضه ، فيكون تحت يده وسلطنته وهو لا يعلم ، يكون أمانة شرعيه بيده ، لأن الشارع قد أذن له في قبض ذلك المال ليردّه إلى مالكه ، والمال الذي قبضه من البايع أو من المشتري أو من المستأجر غلطاً منه زائدا على حقه ، أمانة شرعيه في يده كذلك ليردّه إلى صاحبه ، والمال الذي يجده في الثوب الذي اشتراه أو في الصندوق الذي ابتاعه ، والمالك الذي باعه لا يعلم بوجود المال فيه ، أمانة شرعية في يده حتى يردها إلى المالك . وهكذا في الموارد الكثيرة المختلفة التي تشبه ما تقدم ذكره ، وتشاركه في الحكم .

المسألة 81: الحسبيات: هي أمور الخير والإحسان التي تكثّرت الأدلة الشرعية من الكتاب الكريم والسنة المطهّرة في الحث عليها والترغيب فيها ، وتضافرت على الأمر بها ، والاستباق لها ، والمسارعة إلى فعلها،كحفظ مال اليتيم ، وإغاثة الملهوف ، وإعانة الضعيف، ونصر المظلوم ، ودفع الظلم عنه ، وكشف كربة المضطر، وحفظ مال الغائب ، وسائر موارد الإحسان إلى الناس الذين يستحقّون الإحسان ، وإلى المؤمنين منهم على الخصوص وتسديد خلتهم ، مما يكون امتثالا لقوله -سبحانه-: (فاستبقوا الخيرات)، ولقوله (تعالى): (سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض )، وقول الرسول (ص): (الله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه)، ولا ريب في ان الموارد التي تقدم ذكرها في المسألة السابقة تنطبق عليها ، وتكون امتثالاً لها.

المسألة 82: الظاهر أن التصدّي لما تقدّم بيانه من الأمور الحسبية لا يختص بالحاكم الشرعي ، ولا يتوقف على إذنه ، فيجوز للعدل من المؤمنين أن يتصدّى له ، إذا كان عارفاً في تطبيقه على موارده تطبيقا صحيحاً، ولا يجوز له أن يتصدّى له إذا كان جاهلاً بذلك ، أو كان شاكّاً في معرفته ، ولابدّ له من الرجوع إلى فتوى من يقلّده من الفقهاء.

نعم ، لابدّ من مراجعة الفقيه العادل في الولاية على اليتيم ونحوه ، وفي أشباه ذلك من الولايات ، ومن الأمور التي تتوقف على المعرفة التامة بالأحكام ، والنظر الصحيح فيها -على الأحوط- إن لم يكن ذلك هو الأقوى فيها.

المسألة 83: إذا كانت العين أمانة من المالك بيد الشخص ، وقد قبضها بإذنه ، وكانت أمانته منه مؤقتة بمدّة معيّنة، ثم انقضت المدة المحدودة لها، أو كانت الأمانة قد وقعت في ضمن عقدٍ من العقود ، كالاجارة والصلح والوكالة والرهن والعارية ونحوها، ثم فسخ العقد أو بطل ، بعروض أحد المبطلات ، ولم تردّ الأمانة إلى أهلها ، لعذر من الأعذار الصحيحة، بقيت العين أمانة بيد الامين .

فالوديعة بعد أن تنقضي مدتها أو ينفسخ عقدها ، أو يبطل باحد المبطلات ، إذا لم ترد إلى مالكها لعذر مقبول ، تبقى أمانة بيد المستودع حتى يردّها إلى أهلها ، والعين المستأجرة إذا انقضت مدة الاجارة ، أو بطلت بسبب من الأسباب ، تبقى أمانة بيد المستأجر حتى يردّها إلى صاحبها، والعين المرهونة بعد أن تفك رهانتها ، تبقى أمانة بيد المرتهن كذلك ، والمال الذي بيد الوكيل بعد أن تنقضي مدة الوكالة ، أو يبطل عقدها ، أو يعزل الوكيل ، يبقى أمانة بيد الوكيل حتى يردّه ، ومال المضاربة بعد أن ينفسخ عقدها ، أو تنقضي مدتها أمانة بيد العامل حتى يرده إلى المالك ، وهكذا. فان كان بقاء المال في يد الأمين في الفروض التي ذكرناها برضى المالك وإذنه ، أو كان فسخ العقد أو بطلانه في أثناء المدة، فالامانة مالكية، وان كان بقاء المال عند الأمين لعجزه عن إيصال المال إلى مالكه ، أو إلى من يقوم مقامه ، أو ينوب عنه ، فالأمانة شرعية .

المسألة 84: الأمانة الشرعية كالأمانة المالكية في الآثار والأحكام ، فيجب على الأمين حفظها وصيانتها بما جرت به العادة في حفظ الأمانة بين الناس ، ويجب عليه ردّها إلى مالكها أو الى من يقوم مقامه في أول وقت يقدر على ردّها فيه .

ويتحقق رد الأمانة بأن يرفع الأمين يده عنها، ويخلّي بين مالكها وبينها ، ويرفع الموانع له عن قبضها ، إذا شاء ومتى شاء، -كما فصلناه فى ردّ الوديعة في المسألة الثانية والثلاثين-.

ولا ضمان على الأمين إذا تلفت الأمانة الشرعية في يده ، أو سرقت أو عابت ، إلا إذا تعدّى عليها ، أو فرّط في حفظها -كما في الأمانة المالكية سواء بسواء -.