كلمة التقوى
الجزء السادس : كتاب العارية
والبحث في هذا الكتاب يقع في ثلاثة فصول
الفصل الأول
المسألة الأولى: العارية هي أن يسلط الانسان أحدا غيره على عين يملكها، أو هو يملك منفعتها خاصة ، لينتفع ذلك الغير بتلك العين الذي سلطه عليها مجاناً من غير عوض ، أو هي عقد بين الطرفين يثمر التسليط المذكور، ولا ريب في أن العارية من الأمور الواضحة في معناها عند أهل العرف ، المعلومة في مصاديقها، ووضوح امرها في ذلك يغني الباحث عن اطالة القول فيها.
وعلى أي حال ، فليس من العارية أن ياذن الرجل لمن يدخل منـزله -مثلاً- من الضيوف و الاصدقاء والأقارب ،بان ينتفع هذا الداخل بالأعيان الموجودة في الدار ، فيجلس على الفرش أو على الأرائك ، ويستند إلى الجدران أو المساند ، وينام على الفرش ، أو يلتحف بالملاحف ، ونحو ذلك، بل و ليس من العارية عرفاً أن يقدم صاحب الدار لبعض ضيوفه أو أصدقائه القادمين اليه بعض الفرش الخاصة والمتكآت ونحوها بقصد التكريم ، أو لينام عليها في وقت حاجته إلى النوم والراحة، و أكثر من ذلك وضوحاً: ما يقدمه إلى الضيف أو الصديق أو القريب من المآكل و المشارب ، فلا يعد ذلك من العارية للانتفاع به في انظار أهل العرف . و انما هو اباحة له بغير عوض .
نعم ، قد يحتاج الضيف أو الصديق في دار الرجل إلى ابدال بعض الملابس أوالأحذية ونحو ذلك ، فاذا دفع صاحب الدار اليه ذلك لينتفع به -كان من العارية عرفاً- وان دفعه اليه بقصد التكريم .
المسألة الثانية: العارية عقد من العقود بين المعير صاحب المال والمستعير ، فلا بد فيها من الإيجاب والقبول -كسائر العقود-، ويكفي في الايجاب أن ينشأ باي لفظ يدل على المعنى الذي بيّـنّاه دلالة ظاهرة يفهمها أهل اللسان ، و من امثلة ذلك : أن يقول المالك لصاحبه : أعرتك داري هذه لتسكنها أيام اقامتك في البلد، أو يقول له : أحمل إلى بيتك هذه المبردة ، أو هذه الثلاجة لتنتفع بها في ايام الصيف من هذا العام ، أو يقول له: خذ هذا الكتاب لتقرأه ، أو هذا الثوب لتلبسه ، أو يقول له : انتفع بهذه الامة لتقوم بخدمتك ايام اقامتك هنا.
ويكفي في القبول كذلك أي لفظ يكون دالاً على الرضا بأخذ العين المعارة والانتفاع بمنافعها، فيقول المستعير للموجب بعد إيجابه: قبلت ، أو رضيت، أو يقول له : أشكر لك هذا التفضل ، ويكفي فيه أن بأخذ العين المعارة بقصد انشاء الرضا بالعارية، و يصح انشاء الايجاب والقبول كليهما بالمعاطاة من الجانبين ، فيدفع المالك إلى صاحبه الثوب أو الكتاب أو المتاع بقصد انشاء العارية، وياخذه القابل منه ، ويستعمله في حوائجه بقصد القبول ، وانشاء الرضا بها.
المسألة الثالثة: يشترط في صحة العارية أن يكون المعير بالغاً، فلا تصح اعارة الصبي غير البالغ ، وان كان مميزاً واذن له وليه على الأحوط ، وان كان الأقرب صحة اعارته في هذا الفرض ، فاذا اذن له وليه بان يعير صاحبه أو قريبه بعض امواله المعينة، مع وجود المصلحة له بذلك ، صحت اعارته اذا كان مميزاً، وأولى من ذلك بالصحة ان ينشئ عقد العارية لمال غيره اذا كان مميّزاً، وأذن له مالك المال باعارة ماله، واذن له وليه الشرعي بأن ينشئ له صيغة العارية.
ويشترط في صحتها أن يكون المعير عاقلاً، فلا تصح اعارة المجنون لماله ولا لمال غيره ، وان كان مميزاً.
ويشترط في صحتها أن يكون المعير مختاراً، فلا تصح اعارته اذا كان مكرهاً، و أن يكون قاصداً، فلا تصح من الهازل و السكران والغاضب اذا فقد القصد، وان يكون غير محجور عليه ، فلا تصح من السفيه ولا المفلس ، وتصح اعارة السفيه اذا أنشأها باذن وليه ، وإعارة المفلس اذا أذن له الغرماء باعارة بعض ما تتعلق به حقوقهم .
المسألة الرابعة: لا يشترط في صحة العارية أن يكون المعير مالكا للعين والمنفعة كليهما ويكفي في صحتها أن يكون مالكاً للمنفعة وحدها، بحيث يكون نافذ التصرف فيها ، فيمكن له أن يتبرع بها لغيره ، و أن يسلط غيره على العين ليستوفي المنفعة، ومثال ذلك : أن يكون قد استأجر العين من مالكها ليستوفي منفعتها استيفاءاً مطلقاً لنفسه أو لغيره -اذا شاء-، ومن امثلة ذلك : أن يكون المالك قد أوصى له قبل موته بمنفعة العين، وأطلق له في الوصية أن يستوفى المنفعة الموصى بها كيفما يشاء ولو بالتبرع بها لغيره ، فيصح له في أمثال هذه الفروض ان يعير العين لغيره ليستوفي منفعتها المملوكة له ، وان لم يملك العين ذات المنفعة.
ولا تصح العارية اذا كان المعير غاصباً للعين ، أو كان غاصباً للمنفعة، وان كان مالكاً شرعياً للعين نفسها، ومثال ذلك : أن يؤجر المالك داره من غيره ، ثم يغصب المنفعة من المستأجر، ويستولي عليها ظالماً.
ولا يصح للمستأجر أن يعير العين المستأجرة لغيره ، اذا كان المالك المؤجر قد اشترط عليه في ضمن العقد أن يستوفي منفعة العين بنفسه ، ولا يتبرع بها لغيره ، ومثله الحكم في المنفعة الموصى بها للرجل اذا كان المالك الميت قد اشترط في الوصية على الموصى له بالمنفعة أن يستوفيها بنفسه ولا يتبرع بها لغيره ، فلا يجوز له أن يعيرها إلى أحد سواه .
المسألة الخامسة: يصح لولي الصبي أن يستعير له عارية من أحد ، اذا كان الصبي قابلاً للانتفاع بها، وقادرا على حفظ العين المعارة، وصونها من التلف و العيب ، أو كان الولي نفسه أو وكيله هو الذي يقوم بذلك ، فيستعير للصبي ثوباً ليلبسه ، وأدوات منـزلية وأثاثاً لينتفع به ، ومبردة أو مدفئة لتقيه الحر أو البرد، بل ويستعير له كتاباً ليقرأه إذا كان ممن ينتفع بمثل ذلك .
ويجوز لولي المجنون أن يستعير له ما يمكنه الانتفاع به من الأشياء ، والمراد في الفرضين أن تكون العارية للصبي وللمجنون نفسهما لا للولي المستعير ، ويصرف المنفعة عليهما، وعلى أي حال ، فلا ينبغي الريب في صحة الجميع مع المحافظة على مال الغير.
ولا يصح للصبي أن يستعير لنفسه الا اذا كان مميزاً وأذن له وليه بذلك ، مع وجود المصلحة له بها، ولا تصح استعارة المجنون لنفسه وان أذن له وليه بالاستعارة، لانه مسلوب العبارة فلا يترب على قوله أثر.
المسألة السادسة : يشترط في صحة العارية أن يكون الشخص المستعير أهلاً للتسلط على العين المستعارة ، والانتفاع بها في نظر أهل العرف ، وفي حكم الاسلام ، فلا تصح العارية اذا كان آخذها ليس أهلاً لذلك ،كالعامي القليل المعرفة يستعير بعض الكتب الدقيقة في العلوم والفلسفات ، أو يستعير بعض الأجهزة العلمية التي لا يمكنه استعمالها والافادة منها.
ومن امثلة هذه المسألة: أن يستعير الكافر مصحفاً ، أو عبداً مملوكاً مسلماً ، فلا تصح هذه العارية ، لأن الكافر ليس أهلاً للتسلط على المصحف ، ولا على المملوك المسلم ، والانتفاع بهما في حكم الاسلام ، ومن امثلتها أن يستعير المحرم بالحج أو بالعمرة صيداً برياً من أحد، فلا تصح استعارته ، فان المحرم لا يجوز له التصرف ولا الانتفاع بصيد البر في حكم الشريعة مادام محرماً، سواء كان من اعاره الصيد محرماً أم محلاً.
المسألة السابعة: يعتبر في صحة العارية أن يكون الشخص الذي يجرى معه عقد العارية معيناً، فلا تصح اذا أجريت لشخص مردد بين اثنين أو أكثر، فيقول مالك العين لزيد وعمرو : أعرت داري لأحدكما، أو يقول : أعرت هذه العين لأحد هذين الشخصين، أو لأحد هؤلاء الرجال ، فلا تصح عاريته، سواء قبلوا جميعاً منه العقد ، أم قبله بعضهم ، أم لم يقبله أحد منهم ، وإذا قبل العقد أحدهم فدفع المالك له العين بعد قبوله جاز له أن ينتفع بها، وكان ذلك من الاباحة له بغير عوض، ولم يكن من العارية المصطلحة، لبطلان العقد الذي أنشأه .
المسألة الثامنة: تصح اعارة عين واحدة لأكثر من مستعير واحدٍ، ومثال ذلك : أن يقول مالك العين لزيد وعمرٍ : أعرتكما هذا الكتاب شهراً، أو يقول : أعرت داري المعلومة لزيد واخوانه يسكنون فيها سنة تامة، أو يقول ، أعرت هذه العين لهؤلاء الطلاب العشرة لينتفعوا بها.
فإذا كانت العين المعارة مما يمكن أن يشترك المستعيرون في الانتفاع بها ، كالدار اذا كانت صالحة لسكنى الجميع ، و كالمبردة والمدفئة ، اذا أمكن لهم أن ينتفعوا بها جميعاً في وقت واحد ، اشتركوا فيها اذا شاؤوا ، واذا لم يمكن الاشتراك في الانتفاع بالعين تناوبوا في الانتفاع بها ، أو اقترعوا عليه ، أو تراضوا في ما بينهم على الانتفاع كما يشاؤون .
المسألة التاسعة: يشترط في صحة العارية أن تكون العين التي تراد اعارتها مما يمكن للمستعير أن ينتفع بها مع بقاء عينها،كالأراضي والمساكن و العقارات ، و الأثاث و الأمتعة والآلات و الأواني والأدوات والثياب والأجهزة والكتب والحلي ووسائل النقل والحيوان، وامثال ذلك مما يندرج في الكبرى التي ذكرناها.
وأن يكون الانتفاع الذي يمكن حصوله منها ، والذي تقع المعاملة بين الطرفين بقصده انتفاعاً محللاً في الاسلام ، فلا تصح اعارة العين اذا كانت مما لا يمكن الانتفاع الا باتلاف عينها ، كالمطعومات والمشروبات ، وكالصابون -مثلاً-، وكالحطب والنفط والغاز مما لا ينتفع به إلا باشعاله وحرقه ووقده ، ولا تصح اعارة العين اذا كانت المنفعة التي يمكن استيفاؤها منها غير محللة في الاسلام ، ومن امثلة ذلك : الآت اللهو والآت الحرام ، وقد فصلنا ذكر ذلك في المسالة الحادية عشرة من كتاب التجارة، ومن امثلته أيضاً: أواني الذهب والفضة ، على ما هو الأحوط من المنع لزوماً عن الانتفاع بها مطلقاً-، وقد ذكرنا هذا في المسألة الرابعة عشرة من الكتاب المذكور.
المسألة العاشرة: تجوز اعارة الفحول من الحيوان : الابل والبقر والغنم ، وغيرها من أنواع الحيوان واصنافه ، للانتفاع بها في ضراب الإناث منه، وتجوز اعارة الكلاب للانتفاع بها في الصيد ، والحراسة في المنـزل أو في البستان أو مع الغنم ، وتجوز اعارة الهرة لقتل الفار ونحوه.
وتجوز اعارة الشاة و المعزاة و البقرة والناقة لينتفع المستعير بلبنها وصوفها ووبرها، وتجوز اعارة البئر للاستقاء من مائها، بل وتجوز اعارة النخلة والشجرة للانتفاع بثمرها، وان كانت هذه المنافع اعياناً، وكان الانتفاع بها بإذهاب عينها ، فان العين المستعارة باقية ، وان ذهبت المنفعة .
المسألة 11: تصح اعارة العبد المملوك ، أو الجارية المملوكة ، لينتفع بها المستعير في خدمة وحراسة ونحوهما ، ولا تصح اعارة الجارية للانتفاع بها في استمتاع ، فان الاستمتاع بالامة لا يجوز للرجل في الاسلام الا بالزواج بها ، أو بتملكها ملك يمين باحد الاسباب الشرعية المملكة لها، أو بتحليل المالك اياها، وليس منه أن يعيرها المالك له ، أو يؤجرها لهذه الغاية، ولا فرق في الاستمتاع بالأمة بين الوطي وغيره في الحكم المذكور.
واذا أعار الأمة مالكها للخدمة جاز للمستعير استخدامها -كما قلنا-، ولم يجز له أن ينظر إلى المواضع المحرمة عليه من جسدها، ولا أن يلمسها أو تلمس شيئاً من جسده .
وكذلك الحكم في الاعيان المملوكة الأخرى، فاذا كانت للعين منفعة أو منافع محللة في الاسلام ، ومنفعة أو منافع أخرى محرمة فيه ، فتجوز للمالك اعارة العين لينتفع بها المستعير بالمنفعة المحللة وتنفذ هذه العارية ، وتترتب عليها اثارها، ولا يجوز له أن يعيرها لأحد للانتفاعات المحرمة .
واذا هو أعارها لينتفع بها المستعير بجميع منافعها، أو أعارها على نحو الاطلاق ، صحت العارية للانتفاع بما يحل من المنافع ، و بطلت في ما يحرم .
المسألة 12: لا يشترط في صحة العارية أن تكون العين معينة في وقت انشاء صيغة العارية، فاذا طلب الرجل من المالك إحدى دوابّه ليسافر عليها الى مقصده ، فقال له بقصد الانشاء: أدخل الاصطبل وخذ منه أي دابة تختارها لسفرك ، فاخذ واحدة منها بقصـد الاستعارة ، صحت العارية لتلك الدابة، وكذلك اذا قال المالك ابتداء للرجل : اعرتك إحدى السيارتين لتسافر فيها، فأخذ احداهما بقصد القبول ، أو قال له : اعرتك احد هذه الثياب لتلبسه ، أوخذ أحد هذه الملاحف لتلتحف به في ايام البرد، فقال المستعير : قبلت ، صحت العارية، ويجوز للمالك أن يعين له -بعد إنشاء الصيغة- منها ما يشاء ، بل يجوز للمستعير أن يختار منها ما يشاء ، اذا كان اذن المالك عاماً لذلك .
المسألة 13: اذا كانت العين التي يريد مالكها ان يعيرها للرجل ذات منفعة واحدة بحسب العادة المتعارفة بين الناس ،كالبساط والطنفسة والسجادة، لان منفعتها المتعارفة بين الناس واحدة وهي الافتراش لها، وكالثوب فان منفعته المعروفة هي اللبس وحده ، وكالكساء والملحف فمنفعتهما هي الالتحاف خاصة، فاذا كانت منفعة العين واحدة كذلك ، كفى -في صحة العارية- أن يقول مالك العين للمستعير : أعرتك هذه العين لتنتفع بها، ولم يجب عليه أن يعين له جهة الانتفاع ، فان اطلاق العارية في هذه الموارد ينصرف الى تلك المنفعة الواحدة المتعارفة ، ولذلك فيجب على المستعير أن يقتصر على تلك الجهة الواحدة المتعارفة ولا يتعدّاها، فلا يلتحف بالخيمة مثلاً، أو يستظل بالبساط أو الطنفسة، أو يتقي بهما من المطر.
واذا اراد استعارة العين لوجه من الانتفاع بها ، غير ما هو المتعارف بين الناس ، فلا بد من التعرض لذكر المنفعة التي يريدها، ومثال ذلك: أن يعير المالك البساط أو الطنفسة أو السجادة أو الكساء للرجل لينتفع بالعين ، والمستعير يريد من الانتفاع أن يرهنها عند أحدٍ على دين لذلك الشخص عليه ، أو ليرسله نموذجاً إلى نسّاج لينسج له على طرازه ، او إلى خياط ليخيط له على شكله ، فعليه أن يذكر المنفعة الخاصة التي يقصدها، فان الانتفاعات المذكورة نادرة لا يحمل اللفظ عليها الا مع القرينة الدالة على الاذن فيها.
المسألة 14: اذا كانت العين التي تراد اعارتها ذات منافع عديدة،كالدار مثلاً فانه يمكن لمن يستعيرها أن ينتفع بها مسكناً له ولعياله ، و يمكن له أن يتخذها مقراً خاصاً لنـزول ضيوفه الوافدين اليه ، و ان يجعلها مخزناً لبضائعه أو معرضاً لها، وأن يصيرها معملاً أو موضعاً لاستراحة عمال ، وكالأرض الفارغة، فان المستعير يستطيع أن ينتفع بها مزرعة لخضروات أو حبوب ، أو مغرساً لنخيل أو شجر ، أو ينتفع بها في بناء، وكالدابة يمكن له أن يستخدمها في ركوب وفي حمل أمتعة وفي حراسة أرض وفي السقاية من بئر أو نهر، فاذا كانت العين متعددة المنافع ، فقد يريد المعير والمستعير اعارة العين لاستيفاء منفعة مخصوصة منها، أو لمنافع معينة من جملة منافعها، وفي هذه الصورة لا بد لهما من تعيين المنفعة ، أو المنافع المقصودة ، وذكرها في عقد العارية، فيقول المالك للمستعير: أعرتك الدار لتسكنها مثلاً، أو أعرتك الارض لتزرعها، أو أعرتك الدابة لتركبها في تنقلاتك ، أو لتسقي الزرع عليها، واذا عينت للعين منفعة أو منافع خاصة ، لم يجز للمستعير ان يتعدى ما عيّن له ، وينتفع بسواها.
وقد يقصد المالك أن ينتفع المستعير بجميع الانتفاعات المتعارفة من العين، وفي هذه الصورة يجوز للمالك أن يذكر الانتفاعات كلها ، على وجه العموم والشمول لها جميعا، فيقول للمستعير : أعرتك هذه العين لتنتفع بها بأي منفعة تحتاج اليها، أو تريدها من المنافع المحللة المتعارفة جميعا.
ويصح له أن ينشئ صيغة العارية مطلقة غير مقيدة ، فيقول للمستعير: اعرتك هذه العين، أو يقول له : أعرتك العين لتنتفع بها، وفي كلا الفرضين يباح للمستعير ان ينتفع بالعين في أي وجه يحصل له من وجوه المنافع المتعارفة لها.
المسألة 15: من المنافع التي قد تحصل من العين المستعارة ما يكون خفياً ، غير متعارف ولا معتاد بين الناس ، وهو -من أجل هذا الخفاء فيه- لا يندرج في العموم الذي يذكره مالك العين عند اباحة جميع منافعها للمستعير، الا اذا كان العام صريحاً تام الصراحة في شموله لذلك الفرد، ولا يشمله اطلاق الصيغة حين يأتي بها مطلقة غير مقيدة، أو يشك في شمول العموم أو الاطلاق له من أجل خفائه، ولذلك فلا يجوز للمستعير أن ينتفع بمثل هذه المنفعة الخفية من العين، اعتماداً على العموم أو الاطلاق الذي يذكره مالك العين ، وان كانت من جملة منافع العين بلا ريب .
ومن هذه المنافع الخفية : دفن الميت في الأرض المستعارة ومواراته فيها ، فانه من بعض منافعها كالزرع فيها والغرس والبناء، ولا يشمله الاطلاق والعموم -كما ذكرناه-، ومن المنافع الخفية : أن يرهن المستعير العين التي استعارها عند احدٍ على دين له في ذمته ، فاذا أراد المالك أن يبيح للمستعير مثل هذه الانتفاعات الخفية من العين ، فلا بد له من ذكره ، والنص عليه بالخصوص، ولا يكتفي بالعموم أو الإطلاق .
الفصل الثاني
المسألة 16: العارية عقد يتقوّم بالاذن من مالك العين في أول حدوث العقد، وفي استمراره وبقائه بيـن الطرفين ، ولذلك فإذا زال إذن المالك للمستعير بالتصرف والانتفاع بالعين ، زالت العارية وانفسخ عقدها، وثمرة هذا العقد -كما ذكرنا في أول الكتاب - هي أن يتسلّط المستعير على العين المستعارة، وأن يباح له الانتفاع بمنافعها التي حدّدها له المالك .
والمعنى الواضح لذلك: أن العارية عقد جائز من جهة مالك العين ، فيجوز له أن يرجع عن اذنه للمستعير في أي وقت يشاء، فيزول بذلك العقد ما بينهما، وأن العارية جائزة من جهة المستعير أيضاً، فيباح له أن يدع العين المستعارة، ويترك الانتفاع بها في أي وقت يشاء ، فيرتفع العقد بذلك .
وهذا إذا لم يحدث في العين -وهي في يد المستعير- ما يمنع المالك من الرجوع عن إذنه، كما في بعض الفروض الآتي ذكرها، فإذا حدث مثل ذلك المانع ،لم يجز للمالك أن يرجع عن أذنه للمستعير، ويكون عقد العارية باقياً ما دام ذلك المانع موجودا، وليس معنى ذلك ان العارية أصبحت لازمة بسبب عروض هذا المانع بعد أن كانت جائزة قبل وجوده ، بل هي لا تزال على حكمها من الجواز وعدم اللزوم ، فإذا اتفق زوال المانع كان للمالك الرجوع فيها.
المسألة 17: يجوز لمالك الأرض أن يعير أرضه لأحد ليدفن فيها ميتاً، وقد أشرنا إلى هذا الفرض في المسالة الخامسة عشرة، فإذا هو أعار الأرض لهذه الغاية، ودفن المستعير فيها ميتاً محترماً في الإسلام ، تعلق للميت حق شرعي بموضع دفنه من الأرض ، وحرم نبشه وإخراجه من الأرض على الأحوط ، ان لم يكن تحريم ذلك هو الأقوى ، ولذلك فيكون الأحوط لزوما لمالك الأرض إذا أعارها لهذه الغاية أن لا يرجع في اذنه وإعارته للأرض بعد مواراة الميت المسلم فيها، نعم ، يجوز له الرجوع عن اذنه قبل ان يدفن الميت -وإن حفر القبر في الأرض-، ويجوز له الرجوع كذلك إذا نبش أحد قبر الميت بعد دفنه في الأرض ، وأخرجه منه ، فلا يجوز دفنه فيها ثانيا إلا بإذن من المالك .
وإذا أعار المالك الأرض لهذه الغاية ، وحفر القبر فيها ، ووضع الميت في القبر، فهل يجوز للمالك أن يرجع عن إذنه ، ويفسخ العارية ويمنع الدفن قبل أن يوارى الميت في القبر؟.. فيه إشكال .
المسألة 18: يصح للمالك أن يعير أرضه الفارغة لأحدٍ ليغرس المستعير لنفسه في الأرض شجراً أو نخيلاً ينتفع بها ، أو ليبني له بناءا يسكنه ، ولا ريب في جواز رجوع المالك في عاريته للأرض قبل أن يغرس المستعير فيها غرسا ، أو يبني فيها شيئاً ، وإذا رجع المالك بها قبل الغرس أو البناء لم يجز للمستعير أن ينتفع بها بعد رجوعه .
والظاهر جواز رجوع المالك في العارية أيضاً ، بعد أن يغرس المستعير في الأرض غرسه ، أو يبني فيها بناءه ، وإذا رجع المالك بعارية الأرض في هذه الصورة ونسخها، فهل يجوز له أن يلزم المستعير بان يقلع ما غرسه في الأرض ويزيل ما بناه فيها، من غير أرش يلزم المالك لذلك ؟ أو يحق له أن يلزم المستعير بإزالة غرسه وبنائه من الأرض، وعليه أن يدفع المستعير أرش ما يزيله من ذلك ؟. أو لا يحقّ له أن يلزمه بشيء من ذلك ، وخصوصا إذا بذل المستعير له أجرة المثل لأرضه ، ليبقي الغرس والبناء فيها ؟. يشكل الحكم بشيء من ذلك ، ولا يترك الاحتياط بالتراضي والمصالحة بينهما .
وكذلك الحال إذا أعار المالك أرضه للزراعة ، فزرع المستعير فيها، ثم رجع المالك بعاريته قبل أن يدرك الزرع ويبلغ أوانه ، فيجرى فيها الاشكال والاحتياط الذي ذكرنا.
المسألة 19: إذا أعار مالك الأرض أرضه لينتفع بها المستعير بالغرس والبناء، فزرع فيها نخيلاً أو شجراً ، أو بنى فيها بناءاً، فالشجر والنخيل والبناء الذي أحدثه في الأرض ملك له ، فيجوز له أن يبيعه على صاحب الأرض ، فيكون الجميع ملكاً له ، ويجوز لمالك الأرض أن يبيع أرضه على المستعير، فيصبح الجميع ملكاً له ، ويجوز للمستعير أن يبيع ما غرسه وما بناه في الأرض على شخص ثالث ، إذا أذن له مالك الأرض بذلك ، فإذا أذن له المالك فباع الغرس والبناء على غيره ، كان المشتري بمنـزلة المستعير وقام مقامه ، فإذا رجع المالك بإذنه ونسخ العارية جرت الأحكام التي ذكرناها للمستعير على المشتري ، وقد بيّناها في المسالة السابقة فلتلاحظ .
المسالة 20: قد يستعير الرجل عينا ، أو أعيانا متعدّدة من مالكها ، ليجعلها المستعير رهناً عند أحدٍ على دين لذلك الشخص في ذمته ، وقد ذكرنا هذا في المسالة الثالثة عشرة والمسالة الخامسة عشرة، ولا ريب في صحة العارية لذلك ، وفي صحة الرهن بعد أن اذن له المالك بهذا الانتفاع .
ويجوز لمالك العين أن يطالب المستعير بان يفك رهانة العين عند انتهاء مدة الدين الذي عليه وحلول وقت وفائه ، وذهب بعض الفقهاء إلى جواز مطالبته بفكّ رهانة العين قبل حلول وقت الدين ، وعلى أي حالٍ فلا يبطل رهن العين المستعارة بانتهاء المدة ، ولا بمطالبة مالك العين بفكّ رهانتها .
المسألة 21: إذا حل وقت دين الدائن الذي يملكه في ذمة المستعير، ولم يفك المستعير رهانة العين ولم يف بالدين ، جاز بيع العين المرهونة ووفاء الدين بثمنها، وإذا بيعت العين كذلك كان المستعير ضامناً لمالك العين ، فإذا اختلف ثمنها الذي بيعت به عن قيمة مثلها في السّوق كان المستعير ضامنا لمالك العين أكثر الأمرين منهما .
المسألة 22: يجوز لمالك العين المستعارة أن يوقع عاريته مطلقة غير محدودة الوقت فيقول للمستعير: أعرتك هذه الدار لتسكن فيها، أو أعترك هذا البستان لتأكل ثمره ، فإذا أنشأ الصيغة مطلقة كذلك جاز للمستعير أن ينتفع بالعين مطلقاً، فيسكن الدار ويأكل ثمر البستان حتى يموت المالك المعير ، أو يرجع عن اذنه في الانتفاع ويفسخ العارية، ويجوز للمالك أن يجعل عاريته مقيدة في مدة معيّنة، فيقول للمستعير :
أعرتك هذه العين تنتفع بها شهراً أو سنة كاملة، و إذا قيد المالك عاريته كذلك فلا يباح للمستعير أن ينتفع بالعين بعد انقضاء المدة، لارتفاع الاذن وانفساخ العارية.
المسألة 23: العارية -كما قلنا أكثر من مرة- معاملة تتقوّم في حدوثها وفي بقائها باذن المالك للمستعير في التصرف في العين ، وتسليطه عليها وعلى الانتفاع بمنفعتها ، ومن النتائج الواضحة لذلك: أن تبطل العارية وينفسخ عقدها بموت مالك العين ، فلا يحل للمستعير بعد موت المالك أن يتسلط على العين المستعارة وينتفع بها ، وان كان المالك قد أطلق العارية ، ولم يجعل لها أمداً ووقتاً محدداً ، أو جعل لها مدة طويلة ، بل وحتى إذا أجاز له بالقول الصريح في الصيغة أن ينتفع بالعين بعد موته ، فقال له: أعرتك هذه الدار لتسكن فيها حتى إذا مت قبلك ، إلا أن يرجع ذلك إلى الوصية له بسكنى الدار والانتفاع بها بعد الموت ، فإذا علم بذلك ، أو دلت القرائن الحافة على إرادته ، صحت الوصية ، ولزم العمل بها ، وكان ذلك من الوصية بالمنفعة له ، لا من العارية بعد الموت .
وتبطل العارية كذلك إذا زالت سلطنة المالك عن العين ، ومثال ذلك : أن يبيع المالك العين التي أعارها ، أو ينقلها إلى ملك مالك آخر بهبة أو صلح ، أو غيرهما من العقود أو الإيقاعات المملّكة ، أو يزول سلطانه على العين بعروض جنون ونحوه ، فتبطل العارية بذلك.
وتبطل العارية بموت الشخص المستعير، فلا تنتقل إلى وارثه من بعده ، ولا يجوز للوارث الانتفاع بها ، إلا إذا أذن له مالك العين .
المسألة 24: إذا حدّد مالك العين للمستعير نوعاً خاصاً من أنواع المنفعة ، أو صنفاً من أصنافها، أو وجها من وجوهها ، أو قيّد انتفاعه بقيدٍ من الزمان أو المكان أو غيرهما ، وجب على المستعير أن يتقيّد بذلك الحدّ أو القيد ، ويلتزم به ولا يتعدّاه، فإذا قال له مثلاً: أعرتك الدار لتسكن فيها أنت وزوجتك فاطمة، لم يجز له أن يسكن فيها زوجته الثانية، وإذا أعاره السيارة ليسافر بها إلى كربلاء ،لم يجز له أن يسافر بها إلى الحلة، أو إلى بلد آخر، وان كان ما انتفع به أدنى مسافة وأقل ضرراً، وإذا أعاره السيارة ليسافر بها نهاراً لم يجز له السفر بها ليلاً، و بالعكس.
ويجب على المستعير أن يقتصر في انتفاعه بالعين المستعارة على ما جرت به العادة المتعارفة بين الناس لمثل تلك العين ، فلا يحمل على الحيوان المستعار أكثر مما يعتاد حمله لمثله ، ولا يحمل في السيارة غير ما تصلح لحمولته من الأشياء ، ولا اكثر منه ، ولا يسكن في المنـزل اكثر مما يعتاد للسكنى فيه ، ولا غير ما يصلح له .
المسألة 25: إذا تعدى المستعير ما حدّده له مالك العين من الانتفاع ، وما ذكره في المعاملة من قيود كان غاصبا آثماً في تصرفه ، وضامناً لما استوفى، فإذا هو استوفى منفعة أخرى غير ما عيّن له مالك العين ضمن له أجرة المثل للمنفعة التي استوفاها، وإذا زاد في الحمل ، أو في المسافة ، أو في كيفية الاستيفاء للمنفعة عن المقدار المتعارف منها ، وجب عليه أن يدفع لمالك العين أجرة المثل لتلك الزيادة التي زادها.
المسألة 26: إذا أعار المالك أحداً أرضه للغرس أو للبناء أو للزرع فيها، جاز للمستعير أن يدخل الأرض ، ليتصرف ويعمل وينتفع بالأرض حسب ما أباح له المالك، وجاز ان يُدخِل الأرض معه من يحتاج المستعير إلى مساعدته في عمله من الحرّاث والعملة وأشباههم ، فانّ اذن المالك يشمل هؤلاء عرفاً ، ويشمل الأجَراء الذين يحتاج إليهم عادة في جمع حاصل الزرع والغرس ونقله ، وأمثال هؤلاء، إلا أن يكون مالك الأرض قد اشترط عليه غير ذلك ، فيتبع شرطه .
المسألة 27: إذا قبض المستعير العين المستعارة باذن مالكها لينتفع بها ، أصبحت أمانة من المالك بيده ، فإذا اتفق أن تلفت العين ، أو سرقت أو نقصت ، أو حدث فيها عيب ، من غير تعدٍ من المستعير في الاستيلاء عليها ، ولا في الانتفاع بها، ولا تفريط في المحافظة عليها ورعايتها، فلا ضمان عليه لشيء مما حدث ، إلا إذا كان المالك قد شرط عليه في عقد العارية أن يكون ضامناً عند التلف أو النقص أو التعيّب في العين ، أو كان المستعير قد اشترط ذلك على نفسه ، فإذا شرط ذلك أحدهما في ضمن العقد ، وجرى عليه الإيجاب والقبول ، كان المستعير ضامناً لما يحدث في العين ، وان لم يحصل منه تعد ولا تفريط .
المسألة 28: إذا كانت العين التي استعارها الرجل من مالكها ذهبا أو فضة ، ثم تلفت أو سرقت أو نقصت ، أو حدث فيها عيب ، فالمستعير لها ضامن لما حدث فيها من ذلك ، سواء شرط عليه الضمان في عقد العارية أم لم يشترط عليه ذلك .
ويستثنى من هذا الحكم ما إذا شرط في العقد أن لا يكون المستعير ضامنا لما يحدث من ذلك ، فيتبع الشرط ، ولا فرق في الأحكام المذكورة في هذه المسالة بين أن تكون العين المستعارة من الذهب أو الفضة المسكوكين وغير المسكوكين .
المسألة 29: إذا أخذ المستعير العين من مالكها ، وانتفع بها حسب ما أباح له المالك، وكان استخدامه للعين وانتفاعه بها بالمقدار المتعارف المأذون فيه من غير تعدٍ ولا تفريط ، واتفق أن حدث في العين نقص أو عيب بسبب هذا الانتفاع المأذون فيه ، فلا ضمان على المستعير لما حدث في العين من النقص أو العيب ، ومثال ذلك: أن يعير خالد عليا دابته أو سيارته ليحمل فيها بعض الأمتعة والأثاث ، فإذا حمل المستعير فيها ما يعتاد حمله ، ولم يزد على ذلك ، فأصاب الدابة أو السيارة بسبب ذلك نقص أو عيب ، فلا ضمان عليه بذلك ، بل ولا ضمان عليه إذا تلفت بسبب ذلك من غير تعدٍ منه ولا تفريط .
المسألة 30: إذا أصاب العين المستعارة نقص أو عيب غير مضمون على المستعير كما في الفرض المذكور في المسالة السابقة، ثم تلفت بعد ذلك في يد المستعير على وجه مضمون ،كما إذا تعدّى المستعير على العين ، أو فرّط في حفظها بعد أن حدث فيها العيب في المثال المتقدم ، وتلفت العين في يده بعد ذلك، كان ضامناً للمالك قيمة العين يوم تلفت ، وهي ناقصة أو معيبة، ولا يضمن التفاوت بين قيمتها تامة وناقصة، أو التفاوت بين قيمتها صحيحة و معيبة.
المسألة 31: المستعير إنما هو منتفع بالعين المستعارة . وليس مالكا لمنفعتها، ولذلك فلا يصح له أن يعير العين التي بيده لشخص آخر ، أو يؤجرها عليه ، إلا إذا أذن له مالك العين بأن يعيرها لأحد ، أو يؤجرها عليه ، وإذا أذن له المالك بإعارة العين أو بإجارتها على غيره أصبح وكيلاً عن المالك في إجراء العارية أو الإجارة مع الشخص الآخر ، فإذا هو أوقع العقد معه ، صحت عاريته أو إجارته للشخص بالوكالة عن مالك العين ، وكانت المعاملة للمالك لا للمستعير نفسه، وكانت هذه المعاملة الثانية التي أجراها بالوكالة فاسخة لعارية المستعير نفسه من المالك ، فلا يجوز له الإنتقاع بالعين بعدها، ويستثنى من ذلك ما إذا أوقع العارية الثانية على نحو التشريك في الإنتقاع بالعين بينه وبين المستعير الثاني، وكان إيقاعه لهذه العارية الثانية بإذن المالك وبالوكالة عنه، فيجوز لكل منهما الإنتقاع بها.
المسألة 32: إذا كانت العارية موقتة بمدة معينة، وانقضت المدة المحدودة لها ، أو فسخ المالك عقد العارية أو فسخه المستعير، لم يجز للمستعير أن يتسلط بعد ذلك على العين، ولم يحل له أن ينتفع بشيء من منافعها، ووجب عليه ان يرد العين إلى مالكها، أو إلى وكيله المفوض في قبضها، أو إلى ولي أمره إذا كان المالك قاصراً أو محجورا عليه ، ولا يبرأ المستعير من عهدة العين بغير ذلك ، فلا يكفيه لبراءة ذمته أن يفرغ الدار المستعارة، ويخرج منها ما لم يتسلمها المالك أو من ينوب عنه ، ولا يكفيه أن يدخل السيارة التي استعارها إلى الموضع الذي أخذها منه ، والذي أعده مالكها لحفظها، أو يردّ الدابة إلى الاصطبل ويربطها فيه ، فإذا تلفت العين أو سرقت ، أو حدث فيها عيب أو نقص ، قبل أن يسلمها إلى مالكها أو إلى نائبه ، كان المستعير ضامناً لها ، ولما حدث فيها.
الفصل الثالث
في أحكام أخرى للعارية
المسألة 33: يجوز للرجلين أن يعير كل واحد منهما صاحبه بعض الأعيان التي يملكها لينتفع صاحبه بالعين مطلقاً أو في مدة معلومة ، على أن تكون كلّ واحدة من المعاملتين بينهما عارية مستقلة بنفسها ، فلا تكون إحدى العينين عوضاً عن الأخرى، ولا شرطاً في إعارتها، ومثال ذلك ، أن يعير زيد عمرواً داره التي يملكها في النجف ليسكنها عمروٌ ، ثم يعير عمرو زيداً داره في الكوفة ليسكنها زيد، وتكون كل واحدة من العاريتين -كما قلنا- معاملة بانفرادها، ولا معارضة بينهما ولا مشارطة .
وإذا أراد المالكان أن تكون إحدى العينين عوضاً عن العين الأخرى ، أو تكون إحدى العاريتين شرطاً في عارية الثانية، فلا يترك الاحتياط في أن تجرى المعاملة ما بينهما بصورة الصلح بعوض ، ليصالح زيد عمروًا عن سكنى داره في الكوفة بسكنى دار زيد في النجف ، أو تكون المعاوضة والاشتراط بين المصالحتين ، لا أن يكون التعويض في العارية أو بين العاريتين ، فان في صحة ذلك اشكالاً، بل منعاً على القول المشهور.
المسألة 34: إذا كانت في يد الرّجل عين قد غصبها من مالكها، فأعارها أحداً لينتفع بها ، وكان المستعير يعلم بأنها مغصوبة وليست مملوكة للمعير ،لم يجز له أخذ العين ولا الانتفاع بشيء من منافعها، فإذا هو تسلط على العين ، ووضع يده عليها ، كان غاصباً آثماً ، وضامناً للعين ولمنافعها.
ويجوز للمالك الحقيقي للعين أن يستردّها إذا كانت موجودة، وأن يأخذ بدلها إذا كانت تالفة، فيأخذ مثلها إذا كانت مثليّة ، وقيمتها إذا كانت قيمية، ويتخير شرعاً بين أن يرجع في ذلك على الغاصب الأول -وهو المعير- فيأخذه منه، وان يرجع فيه على الغاصب الثاني -وهو المستعير-، ويجوز له أيضاً ان يأخذ قيمة جميع المنافع التي اسوفيت من العين في أيام غصبها منه، وجميع منافعها التي فاتت عليه، وان لم يستوفها أحد، ويتخير في أن يغرّم ذلك أي الغاصبين شاء.
فإذا أخذ المالك الشرعي هذه الغرامات من الغاصب الثاني المستعير، وكان تلف العين وهي في يده ، لم يرجع المستعير على الغاصب الأول الذي أعاره بقيمة العين التالفة ، ولا باجرة المنافع التي استوفاها المستعير بسبب العارية، ولا باجرة المنافع التي فاتت على المالك في حال تسلّط المستعير على العين ، وان لم يستوف هذه المنافع .
نعم، يحق للمستعير أن يرجع على الغاصب الذي أعاره بما غرمه المستعير للمالك من أجرة المنافع التي استوفاها الغاصب المعير من العين قبل العارية ، وأجرة المنافع الأخرى التي فاتت على مالك العين في ذلك الوقت ، وان لم يستوفها أحد ، فإذا كان المالك قد رجع بهذه الغرامات على المستعير وأخذها منه ، جاز للمستعير أن يأخذها من الغاصب المعير.
وإذا رجع المالك الشرعي بالغرامات كلها على الغاصب الأول المعير، جاز لهذا أن يرجع على المستعير بما غرمه للمالك من قيمة العين -إذا كان تلفها في يد المستعير-، وان يرجع عليه أيضاً باجرة المنافع التي استوفاها المستعير من العين في أيام استعارته لها، بل وأجرة المنافع التي فاتت ولم يستوفها أحد في تلك الأيام ، فان هذه المنافع قد تلفت في يده ، فيكون ضمانها عليه.
ولا يرجع الغاصب المعير على المستعير بقيمة العين إذا كان تلفها في يد الغاصب المعير نفسه ، ولا بقيمة المنافع التي استوفاها هو ، قبل العارية أو بعدها، ولا بقيمة المنافع التي فاتت ولم يستوفها أحد في تلك الأيام .
المسألة 35: إذا أعار الغاصب العين المغصوبة احداً، وكان المستعير لا يعلم بان العين مغصوبة من مالكها الشرعي ،لم يأثم المستعير بتسلطه على العين وانتفاعه بمنافعها، وجاز لمالك العيـن أن يرجع بقيمة عينه المغصوبة إذا تلفت ، وبمنافعها المستوفاة ، والفائتة منه غير المستوفاة -كما فصلناه في المسالة المتقدمة وفي كتاب الغصب-، ويتخير في ما يستحقه من ذلك بين أن يرجع فيه على الغاصب الذي أعار العين ، وان يرجع فيه على المستعير، وان لم يكن غاصباً بوضع يده على العين ولا آثماً لجهله ، فإذا أخذ ذلك من الغاصب المعير، لم يرجع الغاصب على المستعير بشيء مما غرمه للمالك ، وان كان تلف العين في يده ، وإذا رجع به على المستعير وأخذه منه ، جاز له أن يرجع بما غرمه على الغاصب الذي أعاره العين ، ويأخذه منه لأنه قد غرّه .
المسألة 36: إذا علم المستعير بأن العين التي أعارها له المعير مغصوبة مـن مالكها الحقيقي ، وجب عليه أن يردّ العين إلى مالكها المغصوبة منه ، إذا كانت العين لا تزال باقية في يده ، وان كان جاهلاً بالغصب في وقت العارية، ولم يعلم به إلا بعد انقضاء المدة، ولا يجوز له أن يردها إلى الغاصب الذي أعاره إياها، ولا تبرأ ذمته من عهدة العين إذا دفعها إليه .
المسألة 37: إذا أنشئت العارية بين مالك العين والمستعير على الوجه المطلوب ، وقبض المستعير العين كانت العين أمانة بيده ، وقد ذكرنا هذا من قبل ، فإذا طلب المالك من المستعير أن يرّد إليه عينه المستعارة فأنكرها المستعير، أو أنكر العارية كان خائنا وبطلت أمانته، فإذا تلفت العين بعد ذلك في يده ، أو سرقت ، أو طرأ عليها نقص أو عيب كان ضامنا لما حدث ، ولم يترتب عليه حكم الأمين .
المسألة 38: إذا استعار الرجل دابة أو سيارة ليسافر بها إلى موضع معين ، فتجاوز ذلك الموضع في سفره بها كان متعدياً، فيلزمه ضمان العين المستعارة إذا تلفت أو عابت بذلك ، ويلزمه دفع أجرة المثل لمالكها لما زاد من المسافة على الموضع المعين ، ولا يزول عنه هذا الضمان إذا رجع بالدابة أو السيارة إلى الموضع المعين المأذون فيه ، ولا تلزمه أجرة المثل للسفر بها إلى الموضع المعين ، المأذون فيه قبل التعدى.
المسألة 39: إذا طلب مالك العين من المستعير أن يرد إليه العين ، فادعى المستعير أن العين قد تلفت أو سرقت صدّق قوله مع يمينه ، ولم يثبت عليه ضمان ، لانه أمين ما لم تثبت خيانته أو تعديه أو تفريطه في الأمانة ببينة شرعية ،كذلك إذا تلفت العين في يده ، فادعى مالك العين أنه قد فرّط في حفظ أمانته ، أو أنه تعدّى ما حدّد له في عقد العارية، وانه ضامن لتلف العين بسبب تعدّيه أو تفريطه ، وأنكر المستعير ما ادعاه المالك، فالقول قول المستعير مع اليمين .
المسالة 40: إذا انقضت مدة العارية أو فسخ مالك العين عقدها أو فسخها المستعير فطلب المالك منه أن يرّد إليه العين ، وادعى المستعير أنّه قد ردّها إليه ، وأنكر المالك الرّد قدّم قول المالك مع يمينه لأنه منكر، فإذا حلف ألزم الحاكم المستعير برّدها إلى مالكها، فإذا تعذر وجودها ألزمه برّد مثلها إذا كانت مثلية، وقيمتها إذا كانت قيمية.
المسألة 41: إذا شرط مالك العين على المستعير في ضمن العقد أن يكون ضامناً للعين، أو شرط المستعير ذلك على نفسه ، صحّ الشرط، قد ذكرنا هذا في المسالة السابعة والعشرين ، واتبع في الضمان عموم الشرط وخصوصه .
فقد يشترط عليه أن يكون ضامناً للعين متى تلفت أو سرقت ، أو حدث فيها نقص أو عيب ، فيحكم بضمان المستعير إذا حدث على العين شيء من ذلك وان لم يتعّد ولم يفرّط في الأمانة ، وقد يشترط عليه الضمان إذا تلفت العين كلّها، ولا يشترط الضمان عليه إذا نقصت أو حدث فيها عيب ، فيثبت الضمان عليه عند تلف الجميع خاصة، حسب ما اشترط ، ولا يضمن إذا طرأ عليها نقص أو عيب، وقد أشرنا إلى هذا في بعض المسائل المتقدمة.