كلمة التقوى

الجزء السادس : كتاب الجعالة

 

وهو يشتمل على ثلاثة فصول

الفصل الأول

في الجعالة وشروط صحتها

المسألة الأولى: الجعالة في اللغة: ما يعطيه الإنسان لغيره من مال وشبهه مكافاة له على أمر صدر عنه ، والغالب أن يكون الشيء الذي فعله الشخص المدفوع إليه مما يحتاج إليه الدافع ، أو هو مما يرغب في فعله ، فيعطيه المال جزاءًا له على فعله ، وتقال كلمة الجعالة أيضاً على ما يجعله الإنسان لغيره على الشيء ، سواء دفعه اليه بعد الفعل ، أم وعده بدفعه اليه ليكون حافزا له على العمل ، فيدفعه اليه بعد أن يقوم به .

والجعالة عند الفقهاء والمتشرعين هي: أن يلتزم الإنسان لغيره بدفع عوض له على عمل محلّل يقوم به ، بصيغة تدلّ على هذا الالتزام منه ، وعرّفت أيضاً بغير ذلك، والأمر في التعريف سهل ، بعد وضوح المقصود من المعاملة، والتعريفات التي ذكروها (قدس الله أنفسهم) ترجع إلى معنى واحد.

المسألة الثانية: الجعالة هي: الالتزام المذكور الذي ينشئه الجاعل بالصيغة، أو هي: إنشاء ذلك الالتزام، وعلى أي حال فهي إيقاع من الإيقاعات، فيكفي فيها الإيجاب من الجاعل وحده، وليست عقدا من العقود، فلا تفتقر مع الإيجاب إلى قبول من العامل المجعول له.

ويكفي في الإيجاب -الذي تتحقق به- أي لفظ يكون دالاً في متفاهم أهل اللسان على الالتزام للشخص المجعول له بالعوض ، إذا هو قام بالعمل ، سواء كانت دلالة اللفظ على ذلك بنفسه ، أم بالقرينة الحافة بالكلام .

ويصح أن يكون اللفظ الذي ينشئ الإنسان به التزامه عامّا ، يعمّ أي شخص يأتي بالعمل المقصود من الناس ، فيقول الرجل مثلا: من أبلغني عن سلامة ولدي عبد الله في بلد كذا فله عليّ عشرون ديناراً، أو من أوصل رسالتي إليه فله عليّ كذا ديناراً، أو يقول: من دلني على سيّارتي المسروقة، أو على قريـبي فلان المفقود دفعت إليه خمسين ديناراً، ويجوز أن يوجّه اللفظ خاصاً إلى شخص معيّن ، فيقول لكاتب: إن خططت لي هذا الكتاب دفعت لك مبلغ كذا من المال ، أو يقول لخياط: إن خطت لي ثوباً فلك عندي عشر دنانير.

ويصح أن ينشئ جعالته بالكتابة، فيكتب ويعلن في أمكنة عامة ، أو في صحف مقروءة: من ردّ لفلان ناقته الضالة منه فله عند فلان كذا دينارا، أو من وجد ساعة مفقودة صفتها كذا، أو من وجد مستنداً رسمياً يحتوى على كذا و أوصله إلى فلان ، فله على فلان كذا، فتصح منه الجعالة بهذا الإعلان وتترتب عليه آثارها وأحكامها.

المسألة الثالثة: يصح أن تقع الجعالة على أي عمل يكون محللاً في شريعة الإسلام ، ومقصودا عند العقلاء من الناس ، ولا يصح إيقاعها على عمل محرم في الإسلام ، أو يؤدي إلى غاية محرمة فيه ، أو يستلزم أمراً محرما، ولا تصح الجعالة على أعمال يعدّ فعلها عبثا ، لا تتعلق بها أغراض العقلاء المتّزنين في أعمالهم وتفكيرهم من الناس ، أو التي يعدّون بذل المال فيها سفاهة يتنـزهون عنها، كارتياد المواضع الخطرة، وتعمّد الوصول إلى الأماكن المخيفة، والتعرض للوحوش الكاسرة ، أو الحيوانات والحشرات القاتلة أو السامة، وكالتسلّق على الجبال والأبنية المرتفعة الشاهقة ، والنـزول في المنحدرات والمهاوي السحيقة، ورفع الأحمال والأشياء الثقيلة التي يعجز المتعارفون من أقوياء الناس عن رفعها، وأمثال هذه من المخاوف والمخاطر.

وإذا تعلقت بهذه الأمور أغراض عقلائية، أو أصبحت من الأمور المعتادة المكتسبة بالتمرن والرياضة والمزاولة، بحيث خرجت بذلك عن كونها لغواً وسفهاً وخطراً، جاز فعلها وصحّت الجعالة عليها.

المسالة الرابعة: يصح إيقاع الجعالة على الإتيان بالأعمال الواجبة في الإسلام غير العبادية كدفن الأموات ، ومعالجة الطبيب للمرضى، ويصح إيقاعها على الواجبات التي يتوقف عليها تنظيم المجتمع ،كتعليم علم الطبّ والصيدلة والزراعة وتعلّمها ، وقد ذكرنا نظير هذا في المسألة المائتين والثالثة عشرة من كتاب الإجارة.

وتصح الجعالة على الأعمال المستحبة غير العبادية، كوضع الجريدتين للميت ، وإلباسه الحبرة، وكتعليم العلوم الأدبية، وتعليم القرآن في غير المقدار الواجب منه ، وتعليم علم التفسير، وعلم الحديث وعلم الرجال وشرح الحديث ، والأحوط ترك الجعالة على المستحبات العبادية.

المسألة الخامسة: تشترك الجعالة مع إجارة الأجير على العمل في عدة من شروطها، وتشبهها في بعض أحكامها، وكلتا المعاملتين تحتويان على جعل عوض للعامل على الإتيان بعمل معين ، وتفترقان في عدة فوارق ، فالإجارة عقد من العقود لا يتم إلا بايجاب وقبول يقعان بين المستأجر والأجير، والجعالة -كما ذكرناه آنفاً- إيقاع ينشئه الجاعل ، ولا يحتاج إلى قبول من العامل.

وإذا تم عقد الإجارة بين المتعاقدين ملك المستأجر العمل المعيّن من الأجير ، فيجب على الأجير القيام به ، وملك الأجير العوض المعلوم من المستأجر، وقد ملكا ذلك بنفس العقد -على ما فصلناه في كتاب الإجارة-، وتخالفها الجعالة في ذلك ، فان الإيقاع فيها -إذا تمّ- لم يملك الجاعل من العامل عملاً، ولم يملك العامل من الجاعل عوضاً بالإيقاع ولا بعده، فإذا قام العامل بالعمل المقصود -بعد إنشاء الجعالة- استحق العوض المعيّن على الجاعل ، ولزم الجاعل دفعه إليه ، وهذا هو أثرها.

وسنذكر في المسائل الآتية - إن شاء الله تعالى - بعض المشابهات بينهما وبعض الفروق.

المسألة السادسة: يشترط في صحة الجعالة أن يكون الملتزم الجاعل بالغاً ، عاقلاً ، قادرا على الوفاء بما يلتزم به من العوض للمجعول له ، وأن يكون مختاراً في فعله ، قاصداً لإنشاء المعنى الذي يلتزم به ، رشيداً ، غير محجور عليه في تصرفه ، وهذه الأمور بذاتها هي الشروط المعتبرة في المستأجر، وقد فصلنا القول فيها في كتاب الإجارة وفي غيره من كتب المعاملات ، فليرجع إليها من يطلب المزيد من التوضيح .

ويشترط في العامل أن يكون ممن يمكن له أن يأتي بالعمل المقصود، فلا يكون عاجزا عن القيام بفعله ، ولا يكون ممنوعاً من الإتيان به شرعاً، ولا يعتبر فيه غير ذلك من الشروط التي ذكرناها في الجاعل ، ولذلك فيصح إيقاع الجعالة من الجاعل للمجعول له ، وان كان صبياً أو مجنونا ، أو غيرهما ممن لم تتوفر فيه الشروط المتقدّم ذكرها، إذا كان ممن يستطيع أن يأتي بالعمل المقصود على الوجه المطلوب ، وإذا هو أتى بالعمل على ما يرام استحق العوض المعين على الجاعل ، وهذا أحد الفوارق بين عامل الجعالة والعامل في الإجارة.

المسألة السابعة: إذا كان الجاعل قد اشترط في إيقاعه للجعالة أن يأتي العامل بالعمل المقصود بنفسه على وجه المباشرة، فلابدّ وأن يكون العامل المجعول له قادراً على الفعل بنفسه ، وغير ممنوع من مباشرة ذلك الفعل في شريعة الإسلام ، ونتيجة لهذا الشرط ؛ فإذا جعل الجاعل للعامل عوضاً معلوماً على كنس المسجد أو المشهد -مثلاً- لم تصح الجعالة إذا كان العامل نفسه جنباً، أو غير مسلم ، أو كانت امرأة حائضاً، لأنه ممنوع من دخول المسجد والمشهد في هذه الحالات ، فلا يكون قادراً على الإتيان بالعمل المطلوب بنحو المباشرة -كما اشترط الجاعل-، وإذا هو خالف المنع فدخل المسجد أو المشهد وكنسه بنحو المباشرة، لم يستحق العوض المجعول .

وإذا لم يشترط الجاعل على العامل أن يتولى العمل بنحو المباشرة ، كفى -في استحقاقه للعوض- أن يستنيب غيره في الإتيان بالعمل ، فإذا استناب العامل المجعول له أحداً ، وردّ العبد الآبق أو الدابة الضالة بالنيابة عن العامل ، استحق العوض المجعول ، وإذا استناب العامل الجنب أو الحائض أحداً سواه ، فكنس المسجد أو المشهد بالنيابة عنه استحق العامل العوض على الفعل كذلك ، لأن الجاعل لم يشترط عليه المباشرة .

المسألة الثامنة: يعتبر في الجعالة أن يكون العمل الذي تكون عليه المعاملة والعوض المجعول فيها معلومين في الجملة، ولكن اعتبار العلم بهما في الجعالة ليس على الوجه المعتبر في العلم بالعوضين في البيع والإجارة ونحوهما ، بحيث لا يدخلها غرر، أو تكون فيها جهالة -كما فصّلناه في مباحث تلك المعاملات -.

والمعتبر في الجعالة من العلم بالعمل المقصود ، أن يعلم بمقدار يمكن للعامل أن يتوجه نحوه، ويتصدّى للإتيان به ، ولا يكون مسلوب القدرة عليه ، و لا يضر في الجعالة الجهل به إذا لم يبلغ هذه الدرجة، فتصح الجعالة إذا قال الجاعل: من وجد لي سيارتي المسروقة مني دفعت له مائة دينار مثلا، وان لم يدر العامل في أي بلد يجد السيارة، أو أي موضع ، وكم يكون بينه وبينها من المسافة، وكم يحتاج من المدة في طلبها ، وما يلاقي من المصاعب في البحث عنها و العثور عليها.

وكذلك إذا قال: من طلب قريبي زيداً المفقود مني دفعت له كذا ديناراً، أو قال : من طلب زيداً المفقود أو عبدي الابق - على نحو الترديد بينهما - فله عليّ كذا من المال ، فتصح الجعالة ، و يتوجه العامل في طلب الشخص المردّد بين الرجلين ، سواء كان مقدار العوض الذي جعله لذلك متحداً أم مختلفاً.

ولا تصح الجعالة إذا كان العمل مجهولاً مطلقاً، كما إذا قال الجاعل : من وجد شيئاً قد ضاع مني فله عندي كذا ، ولم يعين الشيء الضائع منه ليمكن للعامل التوجه في طلبه ، وكذا إذا قال : من رد لي حيواناً قد ضل مني ، ولم يبين أن الحيوان الذي يطلبه من الأنعام أو الدواب أو الوحوش أو غيرها.

المسألة التاسعة: يعتبر في الجعالة أن يكون العوض المجعول للعامل معلوماً في الجملة ، ليكون حافزاً للعامل على القيام بالعمل ، و تحصيل الغرض المقصود للجاعل ، ولذلك فلا بد من تعيين جنس العوض ونوعه ووصفه -إذا كان لا يعلم إلا بالوصف-، ولا بد من تبيين مقدار كيله أو وزنه أو عدده -إذا كان مما يكال أو مما يوزن أو يعد-، و لا تصح الجعالة إذا التزم الجاعل للعامل بعوض غير معلوم المقدار ، فقال: من رد ضالتي فله عندي شيء ، أو دفعت له ما في يدي.

ولا يضر فيها الجهل بالعوض ، إذا كان الجهل لا يؤدي إلى التنازع والخصام ، فيقول مثلا: من ردّ لي البقرة أو الناقة المسروقة من داري فله نصفها، أو فله نصف قيمتها في السوق، أو قال: من ردّها لي دفعت له هذا الثوب أو هذه الصبرة من الطعام ، وهذه الأحكام من الفروق بين الجعالة وإجارة الأجير.

المسألة العاشرة: إذا بطلت الجعالة -لفقد بعض الشروط-، وأتي العامل بالعمل المقصود لمن أمره بالعمل والتزم له بالعوض ، استحق عليه أجرة المثل لعمله بدلاً عن العوض المسمى له في الجعالة .

المسألة 11: إذا أتى العامل بالعمل المقصود قبل أن يوقع الجاعل صيغة الجعالة ويلزم نفسه بالعوض ، لم يستحق العامل على فعله عوضا ولا أجرة مثل ، وكذلك إذا أتى العامل بعمله بقصد التبرع به ، فلا يستحق عليه عوضاً ولا أجرة مثل ، وان كان الجاعل قد سبق فجعل على نفسه عوضا لمن أتى له بالعمل المقصود، فلا تعم جعالته ذلك العامل لأنه متبرع بعمله .

المسألة 12: إذا جعل الجاعل العوض لشخص معين إذا قام له بالعمل المقصود، فقال مثلاً: إذا ردّ زيد عليّ عبدي الآبق ، أو بقرتي المسروقة مني فله عندي عشرة دنانير ، فأتى بذلك العمل شخص آخر غير زيد المجعول له ، لم يستحق هذا العامل العوض ، لأنه لم يؤمر بالفعل ، ولم يلتزم له بالعوض ، ولا الشخص المجعول له ، لأنه لم يفعل شيئاً.

وتستثنى من ذلك صورة واحدة، وهي ما إذا كان الجاعل قد جعل العوض للشخص المعين -وهو زيد في المثال الذي ذكرناه- متى حصل منه العمل المقصود ، سواء قام بالعمل بنفسه أم أتى به غيره بالنيابة عنه في العمل ، فإذا استناب زيد غيره فأتى بالعمل بالنيابة عنه ، أو جاء بالعمل غيره بقصد التبرع عنه ، استحق زيد العوض المسمى الذي جعله له الجاعل .

المسألة 13: يصح أن يوقع الجعالة شخص ، فيجعل العوض من ماله عن عمل يكون لغيره ، ومثال ذلك أن يقول الشخص: من طلب سيارة زيد المسروقة منه وردّها إليه ، فله عندي عشرون ديناراً، أو يقول لأحد معين: إذا طلبت سيارة زيد المسروقة ورددتها إليه دفعت لك من مالي كذا ديناراً، فإذا طلب العامل السيارة المسروقة وردها إلى زيد ، استحق العوض المعين على الجاعل الملتزم لا على زيد مالك السيارة .

المسألة 14: يمكن أن ينشئ الجاعل جعالات متعددة بإيقاع واحد،كما إذا كان العمل المقصود للجاعل كلياً ، يمكن صدور أفراد متعددة منه من أشخاص متعددين ، فيترتب على كل جعالة أثرها ، ويجرى عليها حكمها ، ومن أمثلة ذلك: أن تكون لزيد عدة بنات غير متزوجات، فيقول الجاعل: من تزوج إحدى بنات زيد فله عندي نصف صداقها، أو يقول: من تزوج إحداهن دفعت إليه مبلغ كذا من المال ، فتصح الجعالات ، فأي شخص يتزوج من البنات المذكورات يستحق العوض الذي التزم به القائل .

ومن أمثلة ذلك: أن يقول: إذا تزوج علي بنت عمه جعفر ، وتزوج عبد الله بنت عمه إبراهيم ، فلكلّ متزوج منهما عندي مائة دينار، فإذا تزوج الشخصان -كما قال- استحق كل واحدٍ منهما المبلغ المعين من القائل، وإذا تزوج أحدهما فقط استحق المتزوج دون الآخر.

وكذلك أن يقول: إذا تزاور زيد وعمرٌ ، فدخل كل منهما بيت الآخر دفعت للزائر منهما صاحبه عشرين ديناراً، فإذا هما تبادلا الزيارة بينهما استحق كل واحد منهما العوض المسمّى، وإذا دخل أحدهما -خاصة- على صاحبه ، استحق الزائر منهما المبلغ درن الآخر.

المسألة 15: إذا قـال الرجل : مـن كتب لي هذا الكتاب دفعت إليه عشرين ديناراً -مثلاً- فاشترك كاتبان أو أكثر فكتبوا له نسخة واحدة من الكتاب استحقوا المبلغ الذي عيّنه، واقتسموه بينهم ، فأخذ كل واحد منهم من العوض بمقدار عمله، فإذا كانوا اثنين وقد عملا فيه بالسّواء ، أخذ كلّ واحد منهما نصف المبلغ، وإذا كانوا ثلاثة أخذ كل فرد منهم الثلث، وهكذا، وإذا تفاوتوا في العمل اقتسموا العوض المسمّى بالنسبة.

وإذا كتب كل كاتب منهم نسخة تامة من الكتاب ، استحق كل واحد منهم عوضا تاما على الجاعل ، وتراجع المسألة العشرون الآتية في حكم أحدهم إذا أتى بالعمل بعد انتهاء أمد الجعالة عرفاً، وحصول الغرض المقصود منها.

الفصل الثاني

في بعض أحكام الجعالة

المسألة 16: يجوز للجاعل أن يفسخ جعالته التي أنشأها ، وألزم نفسه بدفع العوض للعامل فيها ، سواء بدأ العامل بالعمل المقصود، أم لم يتلبّس بشيء منه ولم يشرع بشيء من مقدماته ، فإذا فسخ الجاعل جعالته قبل أن يبدأ العامل بالعمل ، وقبل أن يشرع في مقدماته، لم يستحق العامل على الجاعل شيئاً من العوض المسمّى في الجعالة ، ولا من أجرة المثل .

وإذا فسخ الجاعل جعالته بعد ما بدأ العامل بمقدمات العمل المقصود للجاعل ، فشرع في طلب الشيء المفقود، أو العبد الآبق ، أو الدابة الضالة ليردّها إلى صاحبها ولم يجدها بعد، فإذا فسخ الجاعل ونقض التزامه في هذا الحال لم يستحق العامل عليه شيئاً من العوض المسمّى لبطلان الجعالة بفسخها، ولكنه يستحق منه أجرة المثل لما قام به من الطلب وأتى به من المقدمات .

وإذا فسخ الجاعل جعالته بعد ما بدأ العامل في العمل نفسه ، فأخذ في خياطة الثوب الذي جعل عليه العوض أو في نسج الكساء أو في كتابة الكتاب، لم يستحق العامل على الجاعل شيئا من العوض المسمّى -كما تقدم في نظيره- واستحق عليه أجرة المثل للمقدار الذي أتى به و أنجزه من العمل .

المسألة 17: يجوز للعامل في الجعالة أن يترك العمل فيها للجاعل قبل أن يبدأ به وبمقدماته، وبعد ما يتلبّس به ويشرع، فيرفع يده عما قام به من العمل ولا يتمه ، وإذا هو ترك العمل كذلك لم يستحق على الجاعل شيئاً من العوض المسمّى في الجعالة ولا أجرة المثل، وان كان الأحوط استحباباً للجاعل أن يصالحه بشيء من المال ، إذا كان قد أوجد له بعض العمل المقصود، وأحوط من ذلك أن يتراضى الطرفان ، ويتصالحا في جميع الفروض المذكورة في هذه المسألة والمسألة السابقة عليها.

المسألة 18: إذا أوقع الجاعل جعالته ، وألزم نفسه -بمقتضاها- بان يؤدي للعامل العوض المسمى الذي ذكره في الجعالة إذا هو أتى له بالعمل المقصود، ثم أتى العامل بذلك العمل وفقا لما طلب ، استحق العامل عليه أن يدفع إليه العوض ، سواء علم العامل بالجعالة أم لم يعلم بها ولم يطلع عليها.

فإذا قال الجاعل: من تزوج فاطمة بنت زيد دفعت له نصف صداقها، ثم تزوجها خالد، استحق خالد بزواجها العوض المعين من الجاعل ، وان كان لا يعلم بجعالته قبل التزوج بها، وإذا قال الجاعل: من كتب لي هذا الكتاب فله علي مائة دينار، فكتب خالد له الكتاب استحق عليه الجعل، وان لم يدر بإيقاع الجاعل قبل أن يتم الكتاب، وإذا قال: من ردّ لي ضالتي فله عندي عشرون دينارا ، فردّها عليه العامل ، استحق العوض وان لم يبلغه نبأ الجعالة، وهكذا، نعم يشترط في استحقاقه للجعل أن لا يكون متبرعاً بعمله ، فإذا قصد التبرع به لم يستحق عليه شيئا.

وقد اشترط بعض الأكابر من العلماء في استحقاق العامل للعوض المسمّى في الجعالة أن يكون إتيانه بالعمل لأجل تحصيل العوض ، ومن أجل اشتراطه لذلك اعتبر فيه أن يكون عالما بإيقاع الجعالة ليقصد تحصيل العوض بعمله ، واطلاقات الأدلة والنصوص تدفع هذا القول وتنفي هذا الشرط ، فإذا أتى العامل بالعمل ووافق غرض الجاعل استحق العوض المسمّى إذا لم يكن متبرعاً بفعله .

المسألة 19: تختلف الجعالة باختلاف الملاحظات التي يلاحظها الجاعل للعمل المقصود الذي التزم بدفع العوض عنه، وهي تختلف كذلك باختلاف الأعمال التي يطلبها من العامل في وفائها بالغرض المطلوب ، فبعض الأعـمال يكـون وفاؤها بالغرض بإتمام العمل نفسه ، فإذا قال الجاعل للرجل: إذا تزوجت بفاطمة دفعت إليك نصف صداقها، أو قال للطبيب: إذا عالجت زيداً فابرأته من مرضه دفعت إليك مبلغ كذا، يكون المدار على إتمام العمل نفسه ، فإذا أتمه العامل فتزوج بفاطمة -في المثال الأول-، وابرأ المريض من مرضه -في المثال الثاني-، استحق العـوض.

وإذا قال للكاتب: ان كتبت لي هذا الكتاب فلك عندي عشرون دينارا، أو قال للخياط: إذا خطت لي هذا الثوب فلك عليّ عشرة دنانير، اتبع ظهور كلمة الجعالة ، فان علم أو ظهر من الصيغة -ولو بسبب القرينة الحافّة بالقول- ان الأمر المجعول عليه ، هو أن يتم العامل العمل ويسلّمه ، كان المدار عليه ، فإذا أتم العمل وسلّمه لصاحبه استحق العوض ، وان لم يعلم ولم يظهر منها اعتبار التسليم ، كان المدار على إتمام العمل وحده، فإذا أتم العمل استحق العوض وان لم يسلّمه، ولعل الظاهر أن العمل حين يكون متعلقا بعين مملوكة يكون دالا على اعتبار التسليم للعين بعد إتمام العمل فيها، كالجعالة على خياطة الثوب ، وعلى كتابة الكتاب ، ونسج الكساء، فيكون المدار على تسليم العين بعد إتمام العمل .

وكذلك إذا قال: من ردّ علي سيارتي المفقودة ، أو عبدي الآبق ، فله علي كذا من المال، فالمتبع فيها ظهور كلمة الجاعل، فان علم أو ظهر من الصيغة أنه يريد من الرّد إيصال المفقود إلى البلد، أو إلى موضع معين اكتفى بذلك ، فإذا أوصل العامل المفقود إلى الموضع استحق العوض ، وان فقد أو سرق بعد ذلك ، وان دلت القرينة على اعتبار تسليمه إلى صاحبه كان المدار عليه ، ولعل الظاهر في الأمثلة التي ذكرناها هو ذلك ، فلابد فيها من التسليم .

وإذا قال: من دلّني على المفقود أو المسروق أو الآبق ، فالظاهر أن المراد مجرد الدلالة عليه وإخباره بموضعه ، فيستحق العامل العوض بذلك .

المسألة 20: إذا أوقع الإنسان صيغة الجعالة، وقام العامل بالعمل المطلوب ، وحصل به على الغرض المقصود للجاعل على الوجه الذي تقدم بيانه ، استحق العامل العوض من الجاعل ، وسقطت بذلك الجعالة ، فإذا قام عامل آخر بالعمل بعد ذلك ، لم يستحق على الجاعل عوضاً لسقوط الجعالة.

وكذلك إذا عين الجاعل لجعالته وقتاً محدوداً، فإذا انتهى الوقت سقطت الجعالة، ولا يستحق العامل في عمله بعد ذلك عوضاً.

ويستثنى من ذلك: ما إذا أنشأ الجاعل جعالات متعددة بإيقاع واحد،كما سبق بيانه في المسألة الرابعة عشرة، فإذا أتى بعض العمال بالعمل المقصود في بعض هذه الجعالات المتعددة، فسقط ذلك البعض لحصول الغرض المقصود فيه، لم تسقط بذلك بقية الأفراد الأخرى من الجعالة، فيجوز لعامل آخر أن يعمل فيها إذا كان وقتها باقياً، فيحصّل الغرض ، ويستحق به العوض .

المسألة 21: إذا أوقع الرجل الجعالة لعامل خاص ، فشاركه غيره في العمل حتى أتماه معاً، استحق العامل الخاص الذي عيّنه الجاعل من العوض المسمّى بمقدار عمله ، وسقط منه ما يقابل عمل الآخر، فان كان الشخص الذي شاركه في العمل واحداً وكان عملهما متساوياً، استحق العامل المعيّن نصف العوض، وان كانا اثنين استحق هو الثلث، وهكذا. وان تفاوتوا في عملهم استحق العامل المعين من العوض بنسبة عمله ، ولم يستحق شركاؤه الآخرون على عملهم شيئاً في جميع الصّور، لا من العوض المسمّى، ولا أجرة المثل ، وهذا إذا كان الجاعل قد اشترط على العامل أن يتولى العمل بنفسه بنحو المباشرة.

وإذا كان قد اكتفى منه بان يحصل العمل بواسطته - ولو بالتسبيب أو الاستنابة منه أو التبرع له - وكان العمّال الآخرون قد شاركوه بقصد المعونة له أو النيابة عنه، استحق العامل جميع العوض المسمّى له في الجعالة .

المسألة 22: إذا أنشئت الجعالة على أن يقوم العامل بجميع العمل ويتمه إلى آخره ، وكان في رفع العامل يده عن العمل قبل إكماله ضرر على الجاعل ، لم يجز للعامل أن يترك العمل في أثنائه ، ويجب عليه أن يتمه إذا كان قد شرع فيه ، ويجوز له تركه قبل أن يبدأ به .

ومن أمثلة ذلك: أن ينشئ الجاعل الجعالة للطبيب أو الجراح على أن يجري له عملية جراحية في عينه ، أو في بعض أجهزته الأخرى، أو في أحد أعضائه ، فلا يجوز للطبيب أن يترك العمل بعد أن يبتدئ به ، لما في ذلك من الضرر الكبير على المريض ، وإذا هو ترك العمل بعد أن ابتدأ به لم يستحق عوضاً ولا أجرة مثل لما أتى به من أبعاض العمل ومقدّماته ، فان الجعالة -كما فرضنا - إنما وقعت على أن يتم العمل إلى نهايته ، وإذا كان رجوع العامل أو الطبيب أو الجراح في الأثناء سببا لتلف شيء، أو حدوث عيب ، أو نقص في عضو من أعضاء المريض ، أو خلل أو تعطيل في جهاز من أجهزته ،كان العامل ضامناً له .

المسألة 23: إذا قال الجاعل: من ردّ علي مالي المفقود دفعت إليه كذا من المال ، فرد شخص إليه عين ماله ، فإنما يستحق هذا الراد على الجاعل العوض ، إذا كان في ردّ ذلك المال إلى صاحبه كلفة ومؤنة ، يعد الردّ -بسببهما- عملاً في نظر أهل العرف، كما في رد الدابة الضالة والعبد الآبق والسيارة المفقودة ونحوها، وإذا كان ردّ ذلك المال إلى صاحبه لا يحتوي على كلفة، ولا يفتقر إلى مؤنة وجهد، ولم يعد في نظر أهل العرف عملاً، فلا يستحق الرادّ عليه عوضا،كما إذا وجد في المكان أو في الطريق محفظة نقوده ، فأخذها وردّها إلى صاحبها من غير طلب ولا تعب أو بذل جهد.

وإذا اتفق أن المال المذكور بيد غاصب ، وسمع بالجعالة على ردّه من مالك المال ، فردّه إلى الجاعل لم يستحق على ردّه إليه عوضا، وإن كان رده إليه يستوجب كلفة ومؤنة، ويعدّ من أجل ذلك عملا في نظر أهل العرف، لأن ردّ المال المغصوب إلى مالكه واجب على الغاصب ، ويجب عليه أن يتحمل الكلفة والمؤنة في ردّه إليه، مهما بلغت.

المسألة 24: إذا قال الرجل: من دلني على مالي الذي أضعته فله عندي كذا، وكان المال الضائع بيد شخص ، فدلّه ذلك الشخص على ماله استحق عليه العوض المسمّى إذا كانت الدلالة عليه تحتوي على كلفة أو تحتاج إلى مؤنة -كما قلنا في المسألة السابقة-، فيستحق العوض على الجاعل ، إذا لم تكن يده على المال يد غاصبة، وإن كانت دلالة صاحب المال على ماله واجبة على من بيده المال ، وذلك لأنها من الواجبات التي لم يعتبر الشارع فيها أن تقع من المكلف بها بغير عوض من أحد كالعبادات ، وكردّ الغاصب المال المغصوب إلى صاحبه .

المسألة 25: إذا قال الرجل: من خاط لي هذا الثوب دفعت له ديناراً، ثم قال -بعد ذلك-: من خاط لي هذا الثوب دفعت له دينارين، وهو يعنى الثوب الأول نفسه، فان دلت القرينة على أن جعالته الثانية عدول عن الجعالة الأولى وفسخ لها، كان العمل على الثانية سواء كان العوض المجعول فيها أكثر من العوض الذي ذكره في الأولى -كما في المثال المتقدم- أم أقل منه .

وإذا لم تدل القرينة على شيء ، أشكل الحكم في الفرض ، فلعلّ الجاعل عدل من الأولى إلى الثانية -كما تقدم-، ولعله نسي جعالته الأولى فأوقع الثانية، ولعله أضاف إلى الجعل الأول جعلا ثانياً، ولا يترك الاحتياط بالرجوع إلى المصالحة بين الجاعل والعامل، إذا أتى بالعمل بعد الجعالتين .

المسألة 26: إذا جعل الرجل ثلاث جعالات لثلاثة أشخاص مختلفين على عمل معين واحد، فقال: ان أرجع لي ضالتي زيد دفعت له ديناراً واحداً، وان أرجعها لي عمروٌ دفعت له دينارين ، وان أرجعها لي خالد دفعت له ثلاثة دنانير، ثم ردّ الضالة عليه أحد هؤلاء الأشخاص، استحق عليه الجعل الخاص الذي عيّنه لـه ، وإذا اشترك الثلاثة جميعا في العمل ، فردّوا عليه ضالته ، استحق الأول منهم - وهو زيد - ثلث العوض الذي جعله له وهو الدينار، واستحق الثاني - وهو عمرو - ثلث عوضه المجعول له وهو الديناران ، واستحق الثالث - وهو خالد - ثلث عوضه المجعول له وهو الثلاثة دنانير، وهكذا إذا زادوا في العدد ، فكانوا أربعة ، فلكل واحدٍ منهم الربع من العوض الخاص المعين له ، أو كانوا خمسة فللواحد منهم خمس جعله ، وهذا إذا كانوا متساوين في عملهم .

وإذا تفاوتوا في العمل استحق كل واحد بنسبة عمله إلى مجموع أعمالهم جميعاً، ويأخذ تلك النسبة من جعله المعيّن له ، ومن أمثلة المسألة: أن تحدث مخاصمة في أمر بين اخوة ثلاثة، ويريد الجاعل أن يوقع الصلح بينهم ورفع الشحناء فيقول: ان سبق زيد وهو الأخ الصغير منهم إلى مصالحة أخويه فله عليّ خمسة دنانير، وان سبق عبد الله - وهو الأوسط - فله عليّ عشرة دنانير، وان سبق أحمد - وهو الكبير - إلى مصالحة أخويه فله عليّ خمسة عشر دينارا، فيجري فيهم الحكم المتقدم ، فأيهم سبق إلى المصالحة استحق العوض الخاص الذي قرره الجاعل له ، وإذا سبقوا جميعا استحق كل واحد منهم ثلث الجعل المحدّد له من الجاعل .

المسألة 27: إذا قال الرجل: من رد لي سيارتي المفقودة من كربلاء فله عندي مائة دينار ، واتفق للعامل أن وجد السيارة في موضع دون تلك المسافة، فردّها من ذلك الموضع ، فقد يعلم أو يظهر من القرائن الموجودة: أن مراد الجاعل أن تردّ السيارة المسروقة إليه من أي مكان اتفق وجودها فيه ، وقد جعل العوض لمن ردّها إليه من أي مكان أو مسافة كانت، وإنما ذكر كربلاء أو بغداد - مثلاً - لأنه يعتقد أو يظن أن السيارة توجد في ذلك البلد، ولا ينبغي الريب أن العامل في هذه الصورة يستحق على الجاعل جميع العوض الذي سمّاه ، ولا ينقص منه شيء بسبب نقص المسافة.

وقد يعلم أو يظهر من القرائن: ان الجاعل قد جعل العوض المعين لمن ردّ السيارة من المسافة المذكورة في الجعالة، وان لأجزاء المسافة قسطا من العوض ، وإذا قصرت المسافة نقص العوض ، فإذا رد العامل السيارة المسروقة من بعض المسافة ، فإنما يستحق من العوض المسمّى بمقدار عمله وسفره في الطلب والردّ ، ولا يستحق الباقي، فإذا ردّها إليه من ربع المسافة دفع إليه ربع الجعل خاصة، وإذا ردّها من ثلث المسافة دفع إليه الثلث.

وقد يعلم أو يظهر من القرائن: أن الجعالة مقيّدة لمن ردّ السيارة من كربلاء ، ولا تشمل من ردّها من غير البلد المذكور، فإذا ردّ العامل السيارة من بعض المسافة لم يستحق من العوض المسمّى شيئاً، وثبتت له أجرة المثل لما أتى به من العمل.

وان لم يعلم ولم يظهر من القرائن شيء من ذلك ، ودار الأمر في أن العامل استحق الأقل أو الأكثر دفع الجاعل إليه الأقل ، والأحوط الرجوع إلى المصالحة بينهما

المسألة 28: إذا أتى العامل بالعمل ، وطالب المالك بالعوض عن عمله ، وقال له: انك جعلت لي عوضاً إذا انـا أتيت لك بهذا الفعل، وأنكر المالك الجعالة، فالقول قول المالك مع يمينه ، لأنه منكر.

وكذلك إذا قال العامل له: انك أمرتني بان أعمل لك ، وقد فعلت كما أمرتني ، فأنا استحق عليك أجرة المثل لفعلي ، وأنكر المالك انه أمره بشيء، فإذا حلف المالك على نفي ما يقوله العامل ، لم يستحق العامل عليه شيئاً في الصورتين .

المسألة 29: إذا ضلت من الرجل دابتان ، فردّ العامل عليه إحداهما، وطالبه بالعوض وقال له: انك جعلت لي جعلا إذا أنا رددت إليك هذه الدابة، وأنكر المالك قوله، وقال: إني لم أجعل عوضاً على ردّ هذه الدابة، وإنما جعلت عوضا علـى ردّ الدابة الأخرى ، فالقول قول المالك مع يمينه ، فإذا حلف على نفي ما يدّعيه العامل لم يستحق منه شيئاً.

وكذلك إذا أنكر دعوى العامل وقال: إني لم اجعل عوضا على ردّ هذه الدابة وحدها، وقد جعلت عوضا لمن رد الدابتين الضالتين معا، فيقدم قول المالك مع يمينه، فإذا حلف لم يستحق العامل عليه العوض الذي يدعيه ، والأحوط للمالك في هذه الصورة -بعد يمينه وردّ دعوى العامل- أن يصالحه بقسط من العوض ، فانه قد ردّ إحدى الدابتين، وهو بعض المجموع وقد اعترف بالجعالة عليه .

المسألة 30: إذا اتفق المالك الذي أنشأ الجعالة والعامل الذي أتى بالعمل على وقوع الجعالة على الإتيان بالعمل المعين ، ثم اختلفا في مقدار العوض المجعول فيها ، فادعى أحدهما مقداراً معيناً، وأنكر الآخر ذلك ، فادعـى أن المقدار الذي ذكره الأول يزيد على العوض المجعول ، فالقول قول من ينكر الزيادة مع يمينه ، ومنكر الزيادة في الغالب هو المالك الجاعل ، فإذا حلف المنكر على نفي الزيادة لم يستحقها العامل، وكان له المقدار الأقل لاتفاق الطرفين على صدور الجعالة، وعلى أن العامل قد استحق هذا المقدار بعمله .

وإذا وقع الاختلاف بينهما في مضمون أصل الجعالة ، فقال المالك: إنها إنما وقعت على المقدار الخاص الذي يدّعيه هو، ولم تقع على المقدار الذي يدعيه العامل ، وقال العامل: ان الجعالة صدرت على ما يدعيه هو ، ولم تصدر بينهما جعالة على المقدار الذي يزعمه الجاعل، كان ذلك من التداعي ، فكل واحد منهما مدّع ومنكر، والحكم في مثل ذلك هو التحالف من الجانبين، فإذا حلف كل واحد منهما على نفي ما يقوله الآخر سقطت الدعويان معاً ، واستحق العامل على عمله الذي أتى به أجرة المثل .

وإذا اتفق ان ما يدّعيه العامل في أصل دعواه أقل من أجرة المثل التي حكم بها شرعاً، لم يجز له أن يأخذ الزيادة من أجرة المثل على ما يدعيه، فانه يعترف بأنه لا يستحقها، وإذا اتفق أن ما يدعيه الجاعل في أصل دعواه أكثر من أجرة المثل ، وجب عليه أن يوصل هذه الزيادة إلى العامل ، فانه قد اعترف بأن هذه الزيادة للعامل ، وقد استحقها بعمله .

المسألة 31: إذا رجعت الدابة الضالة -مثلاً- إلى حظيرة المالك الجاعل أو اصطبله، فقال العامل: إني قد طلبت الدابة وأنا الذي رددتها إليك، فأنا استحق الجعل المعيّن ، وأنكر المالك ذلك ، وقال له: انك لم تسع ، ولم تطلب الضالة، وقد رجعت الدابة بنفسها، أو قال لـه: إن الدابة قد وقعت في يدك من غير طلب ولا كلفة فلا تستحق على ردّها شيئاً، فالقول قول المالك مع يمينه ، فإذا حلف لم يستحق العامل شيئاً.

المسألة 32: إذا أنشئت الجعالة على عوض معين ، وأتى العامل بالعمل ، ثم اختلف المالك والعامل بينهما، فقال أحدهما: ان الجعالة قد وقعت فاسدة ، وادّعى الآخر صحتها فالقول قول من يدّعي الصحة فيها، ومثال ذلك: أن يأتي العامل بالعمل، ثم يدّعي فساد الجعالة ليأخذ على عمله أجرة المثل، وهي أكثر من العوض المسمّى له في الجعالة، أو يدّعي المالك فساد الجعالة لتكون للعامل أجرة المثل على عمله وهي أقل من العوض المسمّى، فالقول قول من يدّعي الصحة منهما.

الفصل الثالث

في التأمين

المسألة 33 : التامين اتفاق خاص يقع بين شخص أو أشخاص معيّنين من جهة، وشركة أو مؤسسة معينة كذلك من جهة أخرى، تلتزم الشركة أو المؤسسة المذكورة بموجب هذا الاتفاق، وتتعهد بأن تعوّض ذلك الشخص ، أو الأشخاص المعيّنين عن خسارة يحتمل وقوعها لذلك الشخص أو الأشخاص، الذين اتفقت معهم من تلف أو عطب ، أو حدوث نقص أو عيب ، أو غير ذلك مما يعـدّ خسارة في نفس ذلك الشخص أو الأشخاص ، أو أبدانهم ، أو في نفوس آخرين من متعلّقيهم ، أو في بعض ما يملكه الشخص أو الأشخاص من منـزل ، أو عقار ، أو أثاث ، أو معامل ، أو وسائل نقل ، حسب ما يتفق عليه الجانبان ، وحسب ما تحدده بوليصة التامين ، وتعيّنه الوثيقة من أنواع الخسارة وأسبابها.

فإذا حدثت للجانب المتفق معه تلك الخسارة المحدّدة، فالشركة أو المؤسسة ملتزمة ومتعهدة بدفع العوض عن الخسارة للجانب المتفق معه -إذا كان موجوداً-، ولورثته -إذا كان مفقودا-.

وفي مقابل التزام الشركة أو المؤسسة له بذلك ، أن يلتزم الجانب الآخر للمؤسسة أو الشركة بمبلغ معلوم من المال يدفعه إليها مرة واحدة، أو أقساطا على مقادير ومواعيد يعينها الطرفان ، ويوقّعان عليها في الوثيقة التي تكتب بينهما.

وقد كان هذا الاتفاق -في بداءة أمره- معاملة قانونية خاصة، ثم شاعت واعتيدت وتعارفت بين الناس وأهل المعرفة منهم، حتى أصبحت معاملة عرفية متعارفة بين الناس ، خاصتهم وعامتهم ، ثم كانت معاملة شرعية ، فإذا جرى الطرفان في اتفاقهما والتزامهما والقيود في المعاملة بينهما، على الموازين الصحيحة في الشريعة، تناولتها الأدلة والعمومات ، من الكتاب والسنة وصحت ونفذت، وقد ذكرنا التأمين وبعض أحكامه في مبحث التأمين من رسالتنا في المسائل المستحدثة، فلتراجع .

المسألة 34: إذا حدّد طالب التأمين والشركة أو المؤسسة المتعهدة به موضوع التأمين الذي يقصدان إيقاعه بينهما، وعيّنا الشروط والأقساط والمواعيد لدفعها، أمكن لهما أن يجريا المعاملة بينهما بصورة هبة معوّضة، فيقول طالب التأمين للوكيل المفوض من الشركة المتعهدة: وهبت الشركة مبلغ كذا من مالي أدفعه لها أقساطا محدودة في المواعيد المعينة ما بيننا، واشترطت على الشركة أن تقوم بدفع العوض عن الخسارة أو الخسارات التي قد تحدث لي ، والتي قد عيّـنّاها ما بيننا في وثيقة الاتفاق، فيقول وكيل الشركة: قبلت الهبة منك بالوكالة عن الشركة على الشرط المذكور.

المسألة 35: يصح للمتعاملين فـي التأمين أن يجريا المعاملة بينهما بصورة المصالحة بعوض ، فيقول طالب التأمين لوكيل الشركة أو المؤسسة المفوض منها -بعد ضبط الشروط والقيود في المعاملة ، وتعيين الأقساط والمواعيد في دفع المال-: صالحتك بحسب وكالتك عن الشركة بمبلغ كذا من مالي ، أدفعه للشركة أقساطاً في المواعيد التي اتفقنا عليها، على أن تعوّضني الشركة عن الخسارة التي قد تحدث لي حسب ما حدّدناه بيننا في الوثيقة، فيقول الوكيل: قبلت المصالحة عن الشركة على الشرط المذكور.

ويصح أن يبتدئ الوكيل في المعاملة ، فيقول لطالب التأمين: صالحتك بأن تتعهد لك الشركة بتعويضك عن الخسارة المعيّنة -إذا حدثت لك-، على أن تدفع أنت للشركة المبلغ المعلوم ما بيننا من مالك ، في أقساطه ومواعيده المعيّنة في الوثيقة ، فيقول طالب التامين: قبلت المصالحة منك على الشرط المذكور.

المسألة 36: يصح أن تجرى معاملة التامين بين الجانبين بصورة عقدٍ مستقلّ عن العقود والمعاملات الأخرى، وليس تابعا لشيء منها، ويشترط في صحة هذا العقد أن تجتمع ليه جميع الشروط العامة التي يشترطها الشارع في صحة العقود والمعاملات الشرعية الأخرى، فلابدّ فيه من الإيجاب والقبول التامّين ، الدالّين على المعنى المراد، ويشترط فيه أن يكون كل من الموجب والقابل فيه بالغاً عاقلا رشيداً، غير محجور عليه في تصرّفه لسفه ، أو غيره من موجبات الحجر، وأن يكون مختاراً في فعله غير مكره عليه ، وقاصدا لما يقوله وينشئه ، فلا يكون سكران ، ولا هازلاً، ولا غاضبا غضباً يخرجه عن القصد.

فيقول وكيل الشركة -المفوض من قبلها في التصرف- لطالب التأمين: أمنت نفسك مثلا أو أمنت دارك ، وتعهّدت لك -بالوكالة عن الشركة- بان تعوّضك عن الأضرار أو الخسارات المعيّنة في الوثيقة إذا حدثت لك، على أن تؤدي أنت للشركة مبلغا من مالك قدره كذا ، تدفعه على الأقساط المعينة في أوقاتها المعلومة ، وفقا للشروط والتحديدات في وثيقة التامين ، فيقول طالب التأمين: قبلت التأمين لنفسي ، أو لداري - مثلاً - على الشروط المقرّرة والحدود المبينة.

ويجوز أن يكون الإيجاب من طالب التأمين ، فيقول للوكيل: أمّنت عند الشركة نفسي أو أمّنت عندها داري -مثلاً- بان تعوضني الشركة عن الخسارة، أو الضرر الذي قد يحدث لي في ذلك على أن أدفع للشركة المبلغ المعلوم ما بيننا في أقساطه ومواعيده، فيقول الوكيل: قبلت ذلك بوكالتي عن الشركة على النهج المعلوم .

المسألة 37: لا يتعين في عقد التامين أن يقع الإيجاب والقبول فيه بلفظ معيّن، فيكفي -في صحة العقد- أن ينشأ الإيجاب والقبول فيه بأي لفظٍ يكون دالا على المعنى المذكور ، وان كان بغير اللغة العربية ، إذا أدّى اللفظ المعنى المراد في عرف أهل تلك اللغة، وكان الموجب والقابل عارفين بتلك اللغة.

ويكفي أن يقع الإيجاب والقبول بالكتابة، إذا قصد بها إنشاء المعنى ، وقصد بها إيقاع العقد من كل من الموجب والقابل ، ويصح أن يكون الإيجاب بالكتابة والقبول بالتلفظ ، وبالعكس .

المسألة 38: إذا تم عقد التأمين على الوجه المطلوب بين الموجب والقابل ، وجب على كل واحد منهما الوفاء بما يقتضيه العقد من لوازم وواجبات وآثار، فهو من العقود اللازمة ، ولا يجوز لأحد المتعاقدين نسخه والرجوع عنه ، إلا إذا تقايل الطرفان واتفقا باختيارهما معاً على فسخه -كما في جميع العقود-، وإلا إذا كان أحد الجانبين قد اشترط على صاحبه الخيار لنفسه ، وقبِل صاحبه الشرط منه ، فيصح الفسخ للمشترط، ولا يصح للآخر، أو كان أحدهما قد شرط على الآخر في ضمن العقد شرطاً سائغاً، وتخلّف ذلك الشرط ، فلم يف له الجانب الآخر بشرطه ، فيثبت له خيار تخلف الشرط، ومن ذلك ما إذا خالف أحد الطرفين ما التزم به لصاحبه في العقد فيثبت لصاحبه خيار تخلف الشرط الضمني ، وهو ما جرى عليه العقد بينهما، فإن الشرط الضمني كالشرط الصريح في ذلك .

ومن موجبات الخيار في هذا العقد ما إذا كان أحد المتعاقدين مغبوناً في المعاملة غبناً لا يتسامح العقلاء بمثله ، فيثبت حق الفسخ للمغبون .

وكذلك الحكم إذا أنشئت المعاملة بين المتعاقدين بصور الهبة المعوّضة ، أو بصورة الصلح بعوض ، فيكون العقد لازماً، ولا يجوز نسخه إلا في الصور المذكورة.

المسألة 39: بمكن أن تجري معاملة التامين بين الطرفين بصورة الجعالة، إذا تحقّقت في المعاملة مقومات الجعالة، ومنها: أن يقوم العامل للجاعل ببعض الأعمال التي تتعلق بالتامين الواقع بينهما، ليكون العوض الذي يلتزم به الجاعل في مقابلة ذلك العمل الذي يأتي به العامل .

فإذا كان التامين على الحياة أو على الصحة، اشترط الجاعل على الشركة المؤمّنة أن تضع له -مثلا- منهاجا للأكل والشرب ، أو تصف له وصفات من العلاجات النافعة ضدّ الأمراض والعوارض التي يجدها.

وإذا كان التامين على حفظ مال ، جعلت له حراسا و مراقبين ضدّ السرقة والحوادث التي قد تعرض للمالك .

وإذا كان التأمين على أجهزة آلية أو معامل ، أو وسائل نقل ، عينت له عمالاً تكشف على الآلات المؤمنة في بعض الفترات من الزمان ، وتصلح منها ما يحتاج إلى الإصلاح، وهكذا، فيكون قيام الشركة بمثل هذه الأعمال جزءا من منهاج التامين ، ويكون اشتراط ذلك بعضاً مما تنشأ عليه المعاملة.

فإذا أراد الطرفان إجراء المعاملة على هذا الوجه ، قال طالب التامين لوكيل الشركة: إذا تعهدت الشركة لي بالتعويض عما يصيبني من الأضرار والخسارات في نفسي مثلاً ، أو في صحتي ، أو في مالي ، وقامت بوضع المناهج والأعمال التي اشترطتها عليها، فلها عندي كذا مبلغا من المال ادفعه لها أقساطاً، في المواعيد الخاصة المقرّرة بيننا.

المسألة 40: إذا وقعت الجعالة بين طالب التامين والشركة المتعهدة له وفق ما أوضحناه من الشروط صحّت الجعالة ، وترتبت عليها آثارها وأحكامها، وقد سبق منّا أن الجعالة من الإيقاعات الجائزة، فيجوز لكل من الطرفين فسخها ، وترك الالتزام بها.