كلمة التقوى

الجزء السادس : كتاب الشفعة

 

بِسْمِ الله الرَّحمْنِ الرَّحيْم

الحمد الله ربّ  العالمين ، الرّحمن الرّحيم ، و افضل صلواته وتسليماته ، وبركاته الدائمة ورحماته الشاملة المباركة على سيّد الاولين و الآخرين ، محمد وآله المطهّرين المعصومين المنتجبن.

رَبَنا اَتْمِمْ لَنا نُورَنا وَاغْفِر لَنا اِنَّكَ عَلى كُلِ شَىءٍ  قَدِير.

وبعد فهذا هو الجزء الخامس من رسالة (كلمة التقوى)، و هو يحتوي على كتاب الشفعة، وكتاب الجعالة، وكتاب العارية، و كتاب الوديعة، وكتاب إحياء الموات ، و ما يتبع ذلك من المشتركات العامة، و كتاب المزارعة ، والمساقاة ، وكتاب السّبق و الرماية، وكتاب الاقرار، من كتب المعاملات ، ومن الله -عزّ اسمه- اسأل لي و لجميع اخواني في دينى ، وأوليائي فيه ان يتم علينا نعمه ، ويتفضل علينا بالمزيد من فضله وطوَله و هداه ، وأن يزكى أنفسنا ، ويثبت أقدامنا، ويبلّغنا ما نأمل من توفيقه و رعايته وكفايته في جميع امورنا في دنيانا وأخرانا. انه أرحم الرّاحمين ، وخير الغافرين ، وأن يستجيب .

لعبده المفتقر إليه

محمد أمين زين الدين



كتاب الشفعة

وهذا الكتاب يشتمل على ثلاثة فصول

الفصل الأول

في موارد ثبوت الشفعة و شروطها

(المسألة الاولى) : إذا كانت العين المملوكة مشتركة بين شخصين على وجه الاشاعة بينهما، ثم باع أحد الشريكين حصته المشاعة من العين على شخص آخر غير شريكه ، ثبت لشريكه الحق في أن يتملّك الحصة المبيعة بالثمن الذي اشتراها به الأجنبي ، وكان الشريك أحق بها من ذلك الأجنبي، وان لم يرض المشتري بتملكه و شفعته ، وهذا إذا اجتمعت الشروط الآتي بيانها ، ويسمى هذا الحق الذي يثبت له (حق الشفعة) ويسمى الشريك الذي ثبت له حق التملك (شفيعاً).

(المسألة الثانية) : يثبت حق الشفعة للشريك إذا كان المبيع من الاعيان غير المنقولة،كالبساتين والمساكن والعقارات وغيرها، سواء كان مما يقبل القسمة ، أم كان مما لا يقبلها عادة ، كالدور والعقارات الضيقة ، وتثبت الشفعة أيضاً -على الاصح- في الشجر و النخيل والأبنية، والثمار على النخيل و الأشجار إذا باعها الشريك كذلك ، وتثبت أيضاً في الأعيان المنقولة كالثياب و المتاع والآلات والحيوان والمماليك من الانسان ونحو ذلك ، فإذا كانت العين المبيعة في جميع هذه الصور مشتركة بين شريكين على نحو الاشاعة، وباع احدهما حصته على شخص غير شريكه استحق شريكه أن يشفع في الحصة المبيعة فيتملّكها بالثمن الذي جرى عليه عقد البيع على ذلك المشترى ، وان كانت العين من المنقولات ، أو كانت مما لا تقبل القسمة عادة.

(المسألة الثالثة) : لا تثبت الشفعة -على الأحوط ، ان لم يكن عدم ثبوتها هو الاقوى- في السفينة ولا في النهر ولا في الطريق ولا في الحمام ولا في الرحى، إذا كانت هذه الاشياء مشتركة بين مالكين ، وكانت غير قابلة للقسمة، فإذا باع أحد الشريكين فيها حصته من العين على شخص ثالث فلا شفعة للشريك الثاني في الحصة، فتستثنى هذه الاشياء الخمسة من المبيعات المشتركة التى تثبت فيها الشفعة.

(المسألة الرابعة) : يشترط في ثبوت حق الشفعة ان تكون العين المبيعة مشتركة ، ومشاعة غير مقسومة بالفعل -كما تقدم بيان ذلك- ، فإذا قسمت العين المشتركة، وتعين لكل من المالكين نصيبه الخاص منها ، ثم باع احدهما حصته التي اختص بها بعد القسمة ، فلا شفعة لشريكه في المبيع، عدا الصورة التى سيأتي استثناؤها.

ولا شفعة بسبب الجوار، فإذا كانت لكل واحدٍ من المتجاورين دار يختص بملكها تقع في جنب دار صاحبه ، ثم باع احدهما داره على شخص ثالث ، لم يثبت لجاره حق الشفعة في الدار المبيعة المجاورة له ، وكذلك إذا كان الشخصان شريكين في دار غير مقسومة بينهما ، وكانت لاحد الشريكين دار ثانية يختص بملكها تقع في جنب الدار المشتركة المذكورة ، فإذا باع تلك الدار التي يختص بها على احدِ ، لم يثبت لشريكه في الدار المشتركة حق الشفعة في بيع داره الخاصة . ويلاحظ الاستثناء الذي سنذكره في المسالة الآتية ، فانه يعمّ الفروض الثلاثة التي ذكرناها في هذه المسألة.

(المسألة الخامسة) : إذا قسمت الدار المشتركة بين شخصين ، وانفرد كل واحد من الشريكين بحصة خاصة منها ، وزالت الاشاعة بينهما، فلا شفعة إذا وقع بيع لاحدى الحصتين بعد القسمة والافراز، وقد ذكرنا هذا في المسألة الماضية .

ويستثنى من هذا الحكم ما إذا كان الطريق إلى الحصتين مشتركا بينهما لم يقسم ، فإذا باع احد الشريكين حصته المعينة له ، من الدار المقسومة على شخص آخر ، وضم البائع إليها في البيع حصته المشاعة من الطريق الذي لم يقسم ، ثبت للشريك الثاني حق الشفعة في كل من الحصة المبيعة من الدار، ومن الطريق غير المقسوم الذي جرى عليه البيع .

ومثله الحكم في المالكين المتجاورين ، فإذا كان بينهما طريق يشتركان في ملكه على وجه الاشاعة، وباع احدهما داره الخاصة به ، وباع معها حصته المشاعة من الطريق المشترك على شخص ثالث ، ثبت لجاره حق الشفعة في الدار المبيعة مع الحصة من الطريق فيجوز له ان يتملّكهما بالثمن الذي جرى عليه عقد البيع على ذلك المشتري ، وكذلك الحكم في الفرض الأخير من المسألة المتقدمة.

(المسألة السادسة) : إذا باع الشريك حصته التي عينت له من الدار بعد قسمتها مع شريكه فيها ولم يضم إليها في البيع حصته من الطريق المشترك ، فلا شفعة لشريكه في بيع الحصة من الدار -كما قلنا-، ولا في الحصة من الطريق ، ولا حق للمشترى في الحصة من الطريق أيـضاً ، وتبقى ملكاً لصاحبها، فإذا باعها بعد ذلك وحدها كان لشريكه في الطريق حق الشفعة فيها ، إذا كان الطريق المشترك قابلاً للقسمة، وكذلك الحكم إذا باع الجار داره المجاورة لصاحبه ولم يضم إليها في البيع حصته من الطريق المشترك بينهما، فلا شفعة لجاره في بيع الدار، ولا في الحصة من الطريق ، وان كان شريكاً له فيه ، وإذا باع الحصة من الطريق منفردة كان لشريكه في الطريق حق الشفعة في بيعها ، إذا كان الطريق قابلاً للقسمة .

(المسالة السابعة) : يختص ثبوت الحق -الذي ذكرناه في المسألة الخامسة- بالدار المشتركة إذا قسمت ، ثم باع الشريك حصته منها بعد قسمتها وافرازها، ولا يجري في الأملاك الأخرى المشتركة ، كالبساتين والمحلات والدكاكين والعقار،فإذا قسمت وباع الشريك حصته منها -بعد القسمة وافراز الحصة- على أجنبي ، فلا شفعة للشريك في الحصة المبيعة ، وان اشتركت معه في الطريق .

نعم ، يجرى ذلك على الظاهر في الدار المشتركة إذا قسّمت ، ثم غيّر الشريك حصته بعد قسمة الدار وافراز الحصة ، فبناها دكاكين أو محلات أو عقاراً آخر ، أو جعلها أرضاً فارغة لبعض الغايات المقصودة في ذلك ، أو صيّرها بستاناً، فإذا باعها بعد تغييرها ، وضم إليها حصته من الطريق المشترك بينه وبين شريكه ، ثبت للشريك حق الشفعة في المبيع .

(المسالة الثامنة): لا يلحق اشتراك الدارين بنهرٍ ، أو ببئرٍ أو بساقية ، باشتراكهما بالطريق في الحكم المتقدم -كما يراه جماعة من العلماء-، فإذا قسمت الدار المشتركة الى دارين، أو إلى حصتين ، وانفرد كل واحدٍ من الشريكين بواحدة منهما، ثم باع احد الشريكين حصته -التي عينت له من الدار- على شخص ثالث ، وباع معها حصته المشاعة من النهر أو الساقية أو البئر المشترك بينها وبين الحصة الاخرى بثمن معلوم ، لم يثبت للشريك الآخر حق الشفعة في الدار المبيعة ، وكذلك في الدارين المتجاورتين ، إذا باع احد الجارين داره المعلومة مع حصته المشاعة من النهر ، أو الساقية ، أو البئر المشترك ، فلا يثبت بذلك لجاره حق الشفعة في الدار المبيعة.

نعم يثبت للشريك حق الشفعة إذا باع شريكه حصته من البئر المشترك ، ويثبت له حق الشفعة إذا باع شريكه حصته من النهر أو من الساقية ، إذا كانا قابلين للقسمة، و لا شفعة له فيهما إذا كانا غير قابلين لها ، و قد ذكرنا هذا في المسألة الثالثة .

(المسألة التاسعة) : يشترط في ثبوت حق الشفعة أن تكون العين مشتركة بين شخصين لا اكثر ، فإذا زاد عدد الشركاء في العين على اثنين ، وباع بعضهم حصته منها ، لم تثبت الشفعة في بيعها للشركاء الآخرين ، و الظاهر عدم الفرق بين أن يكون الشريك -الذي يبيع حصته- واحداً منهم فيتعدد الشفعاء فيها، وأن يكون متعدداً، فيتساوى عدد من يبيع من الشركاء ، ومن يشفع أو يختلف ، بل وان باعوا جميعاً الا واحداً منهم ، فيكون هو الشفيع وحده ، فلا تثبت الشفعة حتى في هذه الصورة .

(المسألة العاشرة) : إذا كانت العين مشتركة بين مالكين لا اكثر، ثم باع أحد المالكين حصته المشاعة على شخصين ، أو على أكثر، ثبت لشريكه في العين حق الشفعة في حصته التي باعها، وان أصبح الشركاء في العين متعددين بعد هذا البيع ، و جاز للشريك أن يشفع في جميع الحصة ، فتصبح العين بعد أخذه بالشفعة كلها ملكاً له خاصة، وجاز له أن يبعض في أخذه بالشفعة، فيشفع في نصيب بعض المشترين بما ينوبه من الثمـن ، ولا يشفع في نصيب الباقي منهم .

المسألة 11 : لا يشترط -في ثبوت حق الشفعة- أن يكون الشريكان متساويين في مقدار ما يملكانه من العين ، فإذا ملك أحدهما ثلث العين أو ربعها ، أو أقل من ذلك أو أكثر ، وملك الثاني الباقي منها، ثم باع أحدهما حصته منها على شخص ثالث غيرهما استحق الشريك الآخر الشفعة فيها ، سواء كان أقل من البايع حصة أم اكثر، ومثال ذلك: أن يموت الأب ويخلف بعد موته ولداً و بنتاً، و يترك لهما داراً، فيرث الولد ثلثي الدار ، وترث البنت ثلثها، فإذا باع الولد -حصته وهي الثلثان- جاز للبنت أن تشفع في بيع حصة أخيها ، وان كانت هي اقل نصيباً منه ، وإذا باعت البنت حصتها -وهي الثلث- جاز للولد أن يشفع في حصة أخته -وان كان أكثر نصيبا منها.

المسألة 12 : إذا باع أحد الشريكين في العين بعضاً من حصته التي يملكها فيها ثبت لشريكه حق الشفعة في ذلك البعض الذي باعه من الحصة، فإذا أخذ بالشفعة ملك ذلك البعض المبيع من الحصة بالثمن المعيّن الذي جرى به البيع، وبقى البعض الذي لم يجر عليه البيع من الحصة في ملك البايع ، فلا يختص ثبوت حق الشفعة في أن يبيع الشريك جميع حصته من العين .

المسألة 13 : لا يثبت حق الشفعة في غير البيع من المعاوضات ، فإذا صالح الشريك أحداً على حصته المشاعة من العين المشتركة بينه وبين المالك الآخر بعوض معلوم ، أو وهبها للغير هبة معوضة بعوض معين ، أو جعل حصته صداقاً لامرأة في زواج ، أو جعلتها المرأة فدية في خلع أو مباراة، أو جعلت عوضاً لشيء في احدى المعاملات الأخرى، لم يثبت للشريك الثاني حق الشفعة فيها في جميع هذه الفروض .

المسألة 14 : إذا باع الرجل على أحد داراً  أو متاعا أو شيئاً آخر يختص به ملكه ، ولا يكون مشتركاً بينه وبين مالك آخر، وضم اليه في البيع حصة مشاعة من دار أو عين اخرى يشترك فيها مع غيره ، فباعهما معاً صفقة واحدة ، بثمن واحد معلوم ، ثبت لشريكه حق الشفعة في الحصة المبيعة من العين المشتركة بما ينوب تلك الحصة من الثمن ، ولا شفعة له في الدار أو الشيء الذي يختص به البايع .

المسألة 15 : لا يثبت حق الشفعة لمتولّى الوقف ، و لا للشخص الموقوف عليه ، وان كان واحداً، إذا باع شريكه حصته المملوكة له من العين المشتركة بين الوقف و المالك المذكور، ومثال ذلك: أن تكون دار أو عين أخرى مشتركة -على وجه الاشاعة- بين وقف وملك مطلق ، فحصة مشاعة من تلك الدار موقوفة على جهة خاصة ، أو على شخص موقوف عليـه ، وحصة أخرى مشاعة من الدار مملوكة لمالك معين ، يتصرف فيها كيف يشاء، فإذا باع الشريك حصته التي يملكها من الدار على أحد، فلا شفعة لمتولي الجهة الموقوف عليها أو الشخص الموقوف عليه في الحصة التي باعها الشريك من العين .

وإذا طرأ للحصة الموقوفة - في المثال الذي ذكرناه - بعض الطوارئ المسوغة لبيع الوقف، فان كان الوقف على جهة خاصة، وباع متولى الوقف تلك الحصة الموقوفة جاز للشريك المالك للحصة الثانية أن يشفع في البيع ، وان كان الوقف على شخص موقوف عليه وباع الحصة الموقوفة عليه أشكل الحكم بثبوت الشفعة للشريك ، وان كان الشخص الموقوف عليه واحداً عند بيع الوقف ، فان الموقوف عليه متعدد غير منحصر في أصل الوقف -بحسب العادة المتعارفة في الوقف- والا فيكون من المنقطع الآخر ، وأشد من ذلك اشكالاً ما إذا تعدد الأشخاص الموقوف عليهم عند بيع الحصة الموقوفة .

الفصل الثاني

في الشفيع

المسألة 16: لا يثبت حق الشفعة للكافر ، إذا كان المشتري الذي باع الشريك عليه حصته مسلماً، ولا فرق في هذا الحكم بين أصناف الكفار ومللهم ، ولذلك فيشترط في ثبوت الحق للشفيع أن يكون مسلماً ، إذا كان الذي اشترى الحصة مسلماً، سواء اشتراها من مسلم أم من كافر ، حربي أو ذمي أو مرتد، ويثبت حق الشفعة للشفيع المسلم على المشتري ، سواء كان مسلما أم كافرا ، حربيا أو ذمّياً أو مرتداً، وتثبت الشفعة للكافر على المشتري إذا كان كافراً ، وإنْ خالفه في الصنف أو في الملة ، نعم ، يشكل الحكم بثبوت الشفعة للكافر على المشتري ، إذا كان مرتدا.

المسألة 17: يشترط في ثبوت حق الشفعة للشفيع أن يكون قادراً على تأدية الثمن تاماً عند أخذه بالشفعة ، ولو بالاقتراض أو بيع بعض ما يملك ، فلا يثبت له حق الشفعة إذا كان عاجزا عن أداء جميع الثمن ، أو عاجزاً عن أداء بعضه ، و لا يكفي في تحقق هذا الشرط أن يضمن الثمن عنه ضامن - وان كان موثوقاً به -، أو يجعل عليه رهناً، وإذا رضي المشتري بتأجيل الثمن أو رضي بضمان الضامن أو بالرهن صح ، ولم يسقط حقه من الشفعة .

المسألة 18: إذا أخذ الشريك بالشفعة ، وخرج من المكان ليحضر الثمن ، وكان مع المشتري في بلد واحد، انتظر به ثلاثة أيام من الوقت الذي أخذ فيه بالشفعة، فان هو أحضر المال في المدة نفذت شفعته وكانت الحصة المبيعة ملكاً له ، وإذا انقضت الأيّام الثلاثة ولم يحضر الثمن فيها، نفذ البيع للمشتري وسقطت شفعة الشفيع ، ويكفي في المدة أن تكون الأيّام الثلاثة ملفقة، فإذا أخذ الشريك بالشفعة في أول الساعة الرابعة من النهار ،  كانت نهاية المدة في أول الساعة الرابعة من اليوم الرابع .

وإذا كان المال في بلد آخر ، انتظر بالشفيع مدة يمكنه فيها السفر بحسب العادة المتعارفة بين الناس إلى البلد الذي فيه المال والرجوع منه ، ويزيد على ذلك بثلاثة أيّام بعد رجوعه ، فان أحضر الثمن في تلك المدة صحت شفعته ، وإذا انتهى الأجل ولم يحضر الثمن فلا شفعة له ، و تكفي المدة الملفقة أيضاً كما تقدم .

المسألة 19: إذا كان تأجيل دفع الثمن إلى أن يسافر الشريك أو وكيله إلى البلد الآخر الذي يدعي وجود المال فيه ، ثم الرجوع منه مما يوجب الضرر على المشتري ، فالظاهر سقوط حق الشريك من الشفعة ، ونفوذ البيع في الحصة للمشتري .

المسألة 20: لا يشترط في ثبوت حق الشفعة للشفيع أن يكون حاضراً في المجلس الـذي جرى فيه عقد البيع للحصة، أو يكون حاضراً في بلد البيع ، فإذا وقع البيع على الحصة من العين المشتركة بينه وبين شريكه البايع ، وكان الشفيع غائباً عن المجلس أو غائبا عن البلد، ثم علم به بعد مدة ، كان له حق الشفعة في الحصة، ولم يسقط حقه بذلك ، وان كانت المدة طويلة، بل يكون له حق الشفعة وان كان بلده غير بلد البيع ، فإذا علم به جاز له أن يأخذ بالشفعة .

وإذا كان للشفيع وكيل مفوض في التصرف عنه ، وان كانت وكالته إيّاه على نحو العموم، أو كان له وكيل في الأخذ بالشفعة، جاز للوكيل العام أو الخاص أن يأخذ له بالشفعة إذا علم ، وان لم يعلم الموكّل نفسه بالبيع .

المسألة 21: يثبت حق الشفعة للشريك وان كان سفيهاً ، قد حجر عليه في التصرّف لسفهه ، ويأخذ له وليّه الشرعي بالشفعة، وإذا علم الولي الشرعي بثبوت حق الشفعة للسفيه على الوجه الصحيح ، واذن الولي للسفيه في أن يأخذ لنفسه بالشفعة، جاز له أن يتولّى ذلك ويأخذ بالشفعة، وإذا سبق السفيه فاخذ لنفسه بالشفعة ثم أجاز الولي فعله -بعد الأخذ- صحت شفعته ونفذت .

وتثبت الشفعة للشريك المفلّس إذا لم يزاحم حقوق الغرماء في المال الموجود، ومثال ذلك: أن يرضى الغرماء جميعا له بأن يدفع الثمن من المال الموجود، ومن أمثلة ذلك: أن يرضى المشتري بأن يبقى ثمن الحصة دينا في ذمته ، فلا يزاحم به حقوق الغرماء في المال الموجود، ومن أمثلة ذلك: أن يستدين المفلّس من أحد ديناً جديداً يفي به الثمن ، فتصح شفعته في جميع ذلك.

المسألة 22: لا يشترط في ثبوت الحق للشفيع أن يكون بالغاً، ولا يشترط فيه أن يكون عاقلا ، فيثبت له الحق إذا كان طفلاً ، مميّزاً أو غير مميّز، وباع شريكه حصته من العين المشتركة بينهما، ويتولّى وليه الشرعي الأخذ بالشفعة له ، ويثبت له الحق كذلك إذا كان مجنوناً ، وان كان غير مميّز، ويتولّى وليه ذلك -كما في الطفل-، فإذا كان ولي الصبي أو المجنون هو الأب ، أو الجد للأب ، كفى في صحة تصرفه عنهما أن لا تكون في الأخذ بالشفعة لهما مفسدة تعود عليهما، وإذا كان وليهما غير الأب والجد ، كالوصي من الأب أو الجد، وكالقيّم المنصوب من الحاكم الشرعي، لم ينفذ تصرفه إلاّ مع وجود المصلحة لهما في التصرف، وقد بيّنا هذا في كتاب التجارة وفي كتاب الحجر.

المسألة 23: إذا ثبت للصبي حق الشفعة في الحصة التي باعها شريكه ، وكان الصبي مميّزاً ويحسن الأخذ بالشفعة، وعلم وليه الشرعي باجتماع الشرائط كلّها في المعاملة وفي الصبي نفسه ، جاز للولي أن يأذن للصبي بأن يأخذ لنفسه بالشفعة ، فإذا أخذ الصبي بها بعد الإذن من الولي نفذ تصرّفه على الأقوى .

المسألة 24: الشفعة حق من الحقوق الشرعية ، التي تثبت للإنسان عند طروء أحد أسبابها ، ومن أحكام الحق أنه يسقط إذا أسقطه صاحبه باختياره ، أو أسقطه من يقوم مقامه ، وسيأتي لذلك مزيد إيضاح وبيان ، ونتيجة لذلك ، فإذا ثبتت الشفعة للصبي أو للمجنون جاز للولي الشرعي عليهما أن يسقط هذا الحق ، إذا دعت مصلحة الصبي أو المجنون صاحب الحق إلى إسقاطه ، بل وجاز للأب والجد أبي الأب ان يسقطا هذا الحق إذا لم تكن في إسقاطه مفسده تعود على المولّى عليه، فإذا أسقطه الولي -حسب ما بيّناه- فليس للصبي -إذا بلغ- أن يطالب بالشفعة في الحصة المبيعة، وليس للمجنون أن يطالب بها إذا أفاق من جنونه ، وكذلك الحكم إذا ترك الولي المطالبة ولم يأخذ بالشفعة للصبي أو المجنون لوجود مفسدة غالبة في المطالبة، أو لعدم المصلحة لهما في الأخذ بها، فليس للصبي أو المجنون أن يطالبا بالشفعة بعد ارتفاع الحجر عنهما.

وإذا اسقط الولي حق الشفعة للصبي أو المجنون المولّى عليهما مع عدم تحقق الشرط الآنف ذكره ، لم يسقط حقهما بذلك ، وكان لهما ان يطالبا بالحق ، ويأخذا بالشفعة بعد ارتفاع الحجر عنهما، وكذلك إذا تسامح الولي في الأمر فلم يأخذ لهما بحق الشفعة فيجوز للمولّى عليهما المطالبة به بعد البلوغ والعقل .

المسألة 25: يجري في ولي السفيه نظير ما ذكرناه من الأحكام في ولي الطفل والمجنون ، فإذا أسقط ولي السفيه حق الشفعة الثابت للمولّى عليه مع وجود المصلحة له في إسقاطه ، لم يجز للسفيه أن يطالب بالشفعة والأخذ بها ، إذا رشد وارتفع عنه الحجر ، وان تجدّد وجود مصلحة له بعد الإسقاط ، وإذا ترك الولي الأخذ بالشفعة للسفيه لوجود مفسدة غالبة تعود عليه إذا هو أخذ بها، أو لعدم مصلحة له في الأخذ، فلا شفعة للسفيه كذلك إذا اتفق له الرشد، وإذا اسقط الولي حق السفيه مع عدم وجود الشرط ، أو تساهل في الأمر فلم يأخذ له بحقه ، جازت للمولّى عليه المطالبة بالشفعة بعد الرشد.

المسألة 26: إذا كان الأب أو الجد أبو الأب شريكاً للصبي أو المجنون في العين المملوكة لهما على وجه الإشاعة بينهما، جاز له أن يبيع حصة الصبي أو المجنون المولّى عليه على أجنبي مع وجود شرط صحة البيع ، لأنه ولي له فينفذ تصرفه عليه ، فإذا باع حصته المولّى عليه من العين المشتركة -كما ذكرنا- ثبت للولّي نفسه حق الشفعة في الحصة المبيعة ، لأنه شريك في العين ، فيجوز له أن يأخذ بالشفعة ، ويتملك الحصة بالثمن الذي وقع عليه البيع على الأجنبي .

ويصح للولي -في المثال المذكور- أن يبيع حصته التي يملكها من العين المشتركة على أحد، ثم يشفع في الحصة المبيعة للصبي أو المجنون بحسب ولايته عليهما، ولا مانع له من ذلك في كلا الفرضين ، لوجود الولاية، وتحقق شروط الصحة في تصرفه -كما هو المفروض-، وإذا دل بعض القرائن الخاصة على وجود تهمة، أو على وجود مفسدة، فلا ولاية له ، ولا يصح تصرفه.

وكذلك شأن الوصي القيم على اليتيم أو على المجنون ، إذا كان شريكا لهما في العين المملوكة لهما، فيجري فيه ما تقدم من الأحكام ، ويصح بيعه وأخذه بالشفعة لنفسه ، وللقاصر المولّى عليه ، مع وجود الشرائط ، إلا أن تدل القرينة الخاصة على ما يخالف ذلك .

ويجري مثل ذلك في الوكيل المفوض في البيع ، وفي الأخذ بالشفعة إذا كان شريكا مع الموكل في العين على وجه الإشاعة بينهما، فيجوز له أن يبيع حصته من العين على شخص ثالث، ثم يأخذها بالشفعة لشريكه بالوكالة عنه بالثمن الذي باعها به على المشتري ، ويجوز له أن يبيع حصّة موكله من العين المشتركة على أحد ثم يشفع فيها لنفسه بالثمن المعيّن ، فيصح البيع والأخذ بالشفعة مع وجود الشرائط في كلتا الصورتين .

المسألة 27: إذا أخذ ولي الطفل أو المجنون لهما بالشفعة في حصّة باعها شريكهما في العين ، ثم استبان بعد ذلك أن في أخذه بالشفعة لهما مفسدة غالبة تعود عليهما، أو نقصاً يضرُّ بحالهما ، بطلت شفعة الولي لهما ولم تنفذ، وان كان الولي الذي تولى الشفعة لهما هو الأب أو الجد للأب ، وكذلك إذا استبان عدم وجود مصلحة لهما في الشفعة، وكان الولي الذي أخذ لهما بالشفعة هو الوصي القيّم عليهما، فتبطل شفعته لعدم وجود الشرط ، ومثله حكم الولي على السفيه ، فلا تنفذ شفعته إذا تبين -بعد شفعته له- انه لا مصلحة فيها.

الفصل الثالث

في الأخذ بالشفعة

المسألة 28: إذا باع الشريك في العين حصته المشاعة منها على المشتري بثمن معلوم وحصل القبول من المشتري وتم العقد بينهما، ثبت لشريكه الثاني في العين حق الشفعة في المبيع، سواء وقعت معاملة البيع بينهما بعقد لفظي أم بمعاطاة، ولا يتوقف ثبوت حق الشفعة للشريك على انقضاء مدة الخيار ، ولا على أمر آخر.

المسألة 29: شفعة الشفيع حق يختص به وحده ، والأخذ بها أمر يتعلق به خاصة دون غيره ، وقد دلت على ذلك ظواهر الأدلة، ولا تتوقف صحة الشفعة والأخذ بها على قبول المشتري بالشفعة ، أو قبول الشريك الذي باع الحصة، فالأخذ بالشفعة من الإنشاءات ومن الإيقاعات لا من العقود.

ويحصل الأخذ بالشفعة من الشفيع بأي لفظ يكون دالاً -في متفاهم أهل العرف واللسان- على أخذه الحصة المبيعة بالثمن الذي جرت به المعاملة بين الشريك بائع الحصة ومشتريها، ويحصل أيضا بأي فعل من الأفعال يكون له ظهور عرفي في ذلك .

فمن الألفاظ الدالة على ذلك أن يقول الشفيع : أخذت لنفسي الحصة التي باعها شريكي زيد ، على المشتري عمرو بألف دينار، وتملكتها بالشفعة بالثمن المعيّن بينهما، أو يقول: تملكت الحصة المبيعة بالثمن المعلوم .

أو يقول: أخذت الحصة لنفسي شفعة بالثمن الذي اشتراها به فلان ، ومن الأفعال الدالة عليه أن يضع الشفيع يده على العين بقصد تملك الحصة المبيعة منها ، ويدفع الثمن للمشتري.

المسألة 30: لا يصح للشفيع أن يبعّض في شفعته ، فيتملك بعض الحصة التي باعها شريكه بالمقدار الذي ينوب ذلك البعض من الثمن ، ويدع البعض الآخر، فيقول مثلاً: أخذت نصف الحصة المبيعة، وتملكته بنصف الثمن، ولا يذكر النصف الآخر، أو يقول -مع ذلك-: و تركت النصف الآخر من الحصة للمشتري ، بل يلزمه اما أن يتملك جميع الحصة المبيعة بجميع ثمنها ، أو يدعها جميعا لمن اشتراها.

المسألة 31: الشفعة التي تثبت للشفيع شرعا هي أن يأخذ المبيع بالمقدار الذي جرت المعاملة عليه بين المتعاقدين من الثمن ، فلا يدفع للمشتري اكثر من ذلك ولا أقل منه، وان كانت القيمة المتعارفة في السوق للحصة المبيعة اكثر من ذلك أو أقل، وإذا تراضى الشفيع مع المشتري بينهما بأقل من الثمن أو بأكثر منه ، فالأحوط أن يوقعا المعاملة بينهما بالمصالحة ، لا بعنوان الأخذ بالشفعة.

ولا يتعيّن على الشفيع أن يدفع للمشتري عين الثمن الذي وقعت عليه المعاملة وسلمه المشتري إلى بائع الحصة، وان تمكن الشفيع من ذلك، فيكفيه في الأخذ بالشفعة أن يدفع إلى المشتري مثل ذلك الثمن إذا كان مثلياً.

وإذا كان الشريك صاحب الحصة قد باع حصته المشاعة من العين على المشتري بثمن من القيميات ودفعه المشتري إليه ، فالظاهر سقوط الشفعة وعدم ثبوتها للشريك الثاني، ومثال ذلك: أن يبيع الشريك حصته من الدار أو الأرض المشتركة على المشتري بجواهر معيّنة، أو بحيوان ، أو بمتاع معلوم ، أو بغير ذلك من القيميات ، فلا شفعة للشريك الآخر في مثل هذه الفروض .

المسألة 32: لا يجب على الشفيع -إذا أخذ لنفسه بالشفعة- أن يدفع للمشتري ما دفعه من أجرة أو جعالة ، للدلاّل أو الوكيل الذي توسّط له أو ناب عنه في شراء الحصة، أو زاده للبايع من إضافة فوق الثمن ، أو حباه به من هدية أو كسوة أو حباء ، فلا يجب على الشفيع دفع ذلك، ولا يحق له أن يسقط من الثمن ما قد يحطّه البايع عن المشتري من مقدار الثمن عند التسليم بعد العقد، أو يحتسبه عليه حقاً من الحقوق الشرعية أو شبه ذلك ، فلا يحق له أن ينقص ذلك من الثمن عند أخذه بالشفعة.

ولا يمنع من جميع ذلك إذا حصل التراضي عليه بين الشفيع والمشتري وأجرياه بقصد المصالحة بينهما ، لا بعنوان الأخذ بالشفعة، ويمكن له أن يأخذ بالشفعة بالثمن المعين دون زيادة ولا نقيصة، ثم ينقص منه بعد ذلك أو يزيد له ما يريد مع رضى الطرفين به .

المسألة 33: لا يصح للشريك أن يأخذ الحصة من المشتري بالشفعة فيها لا لنفسه ، بل ليملّك الحصة غيره من أب له أو ولد أو غيرهما، وإذا فعل كذلك كانت شفعته باطلة، وإذا أراد ذلك أمكن له أن يأخذ بالشفعة لنفسه بالثمن المعيّن على الوجه الصحيح ، فإذا ملَك الحصة بالشفعة جاز له أن يملّكها بعد ذلك لمن يشاء ، بعوض أو بغير عوض ، ولم يدخل المعاملة الثانية بالمعاملة الأولى.

المسألة 34: لا يثمر الأخذ بالشفعة ثمرته ، ولا يتملك به الشفيع الحصة المبيعة حتى يحضر الثمن للمشتري ، فلا يكفي في حصول المقصود أن يقول الشفيع -بقصد الإنشاء-: أخذت بحقي من الشفعة وتملّكت الحصة، أو يضع يده على العين المشتركة بينه وبين صاحبه بقصد تملك الحصة المبيعة منها، ولا يؤثر هذا الإنشاء اللفظي أو الفعلي تملّكه للحصة شرعا حتى يحضر الثمن -كما قلنا-.

وفي حكم إحضار الثمن للمشتري أن يرضى المشتري نفسه بتأخير الثمن ، فإذا أنشأ الشريك شفعته باللفظ أو بالفعل الدالين على المقصود ، ورضي المشتري منه بتأخير الثمن ،  تمت الشفعة، وملَك الحصة وبقي الثمن دينا.

وقد بيّنا في المسألة الثامنة عشرة أن الشفيع إذا أخذ بالشفعة، وطلب فرصة يحضر فيها الثمن -وهو في البلد نفسه- أنظر ثلاثة أيام ، فإذا أحضر المال فيها نفذت شفعته ، وكان ذلك بمنـزلة إحضار المال في وقت أخذه بالشفعة، وإذا كان ماله في بلد آخر غير بلد البيع انتظر به مدة ، يتمكن فيها عادة من السفر إلى ذلك البلد والرجوع منه ،  ويزاد عليها ثلاثة أيام، فإذا أحضر المال في هذه المدة صحت شفعته كذلك، ويتفرع على ما ذكرناه أن الشفيع إذا أخذ بالشفعة وعجز عن إحضار المال للمشتري ، أو هرب أو ماطل أو تأخر عن إحضاره من غير عذرٍ كانت شفعته باطلة ، ولم يملك الحصة بمجرد إنشائه ، وبقيت ملكا للمشتري .

المسألة 35: إذا علم الشريك بثبوت حق الشفعة له في تملك الحصة التي باعها شريكه وأراد الأخذ بحقه ، وجب عليه أن يبادر إلى الأخذ بشفعته .

والمبادرة اللازمة عليه في ذلك هي: أن لا يتساهل أو يماطل أو يتأخر عن الطلب بحقه من غير سبب يدعوه إلى التأخر أو التسويف ، أو عذر شرعي أو عقلي أو عادي يبعث عليه ، فإذا هو ماطل أو تساهل أو تأخر عن الطلب بحقه -من غير سبب يعذر فيه- سقطت شفعته، وسنذكر بعض الأمثلة للأعذار المقبولة للتأخير.

المسألة 36: من الأعذار المقبولة -التي قد تدعو الشريك إلى تأخير أخذه بالشفعة ولا يسقط معها حقه بسب التأخير وعدم المبادرة-، أن يجهل أن شريكه في العين المملوكة لما قد باع حصته من العين ، ولم يعلم ببيعه إلا بعد مدة، أو يجهل أن بيع شريكه لحصته المشاعة من العين يوجب له حق الشفعة فيها، أو يجهل بان الشفعة مما تجب المبادرة فيه ولا يجوز فيه التأخير، ثم علم بالحكم بعد مدة .

ومن الأعذار: أن يتوهم الشفيع أن الثمن كان كثيراً يغبن في بذله ، ثم استبان له بعد فترة أن الثمن قليل لا يغبن فيه إذا دفعه للحصة المبيعة، أو يتوهم أنه يعجز عن دفع الثمن إلى المشتري لأنه من الذهب -مثلاً- وهو لا يجده ، أو لأنه لا يتمكن من تحويل المبلغ من بلده إلى المشتري ثم تبين له بعد فترة من الزمن خطأ توهمه.

ومن الأعذار أن يظنّ الشفيع أن مشتري الحصة هو زيد وهو لا يقدر على أخذ الحصة منه ، ثم علم أن المشتري هو عمروٌ.

ومنها: أن يبلغه أن شريكه قد وهب الحصة لزيد هبة، أو صالحه عليها بعوض، ولذلك فلا يكون له حق الشفعة في الحصة، ثم علم أن الشريك قد باعها على زيد ، فيثبت له حق الشفعة فيها.

ومن الأعذار: أن يكون الشفيع محبوساً بغير حق ، أو محبوساً بحق يعجز عن أدائه ، ثم يخرج من سجنه بعد مدة ،ولا تنحصر الأعذار والأسباب الموجبة للتأخير في ذلك .

المسألة 37: إذا علم الشريك بثبوت حق الشفعة له في الحصة التي باعها شريكه ، وجبت عليه المبادرة إلى الأخذ بحقه ، ولزمه الشروع في مقدمات ذلك ، والمقدار اللازم عليه من المبادرة أن يجري في شروعه في المقدمات ، وفي أخذه بالحق على الوجه المتعارف له ولأمثاله في ذلك ، ولا تجب عليه المسارعة فيه بأكثر مما يعتاد له ، فإذا علم ليلاً بثبوت الحق له ، جاز له أن ينتظر مجيء الصبح ، وأن يتأخر عن أول الصبح إلى الوقت الذي يخرج فيه أمثاله من الناس لهذه الغاية، وإذا علم بثبوت الحق له وهو في أثناء عبادة واجبة أو مندوبة ، من صلاة أو زيارة أو حج أو غيرها لم يجب عليه قطع عبادته والخروج إلى الأخذ بحقه ، وجاز له أن يتمّ عبادته على الوجه الذي جرت عليه عادته من إسراع وإبطاء ، ثم يتوجه بعدها إلى حيث يريد.

وإذا علم بالحق وهو في أول وقت الصلاة ، جاز له أن يأتي بطهارته وصلاته حتى يتمها، بل ويجوز له أن يأتي بنوافلها ومستحبّاتها ، إذا كان من عادته الإتيان بها، ويجوز له أن ينتظر الجماعة ويصلي معها إذا كان ذلك من عادته ، ولا يجب عليه الإسراع في المشي أكثر مما يتعارف له عند خروجه إلى مقصده ، وإذا كان بعيداً عن الموضع الذي يأخذ فيه بالشفعة واحتاج إلى من يصحبه في الطريق جاز له انتظاره حتى يخرج معه ، وإذا كان له ما يمنعه في الحال ، من حرّ أو برد أو مطر ، جاز له الصبر حتى يزول المانع ، وإذا علم بثبوت الحق له وهو في أثناء عمل يلزمه ، بسبب إجارة أو نحوها، صبر حتى ينجز العمل ويتمه على الوجه المطلوب ، وعلى وجه الإجمال يجوز له الإتيان بأي عمل يتعارف لمثله ، إذا لم يكن الإتيان بذلك العمل مما يصدق معه المماطلة في نظر أهل العرف .

المسألة 38: إذا علم الشريك بثبوت حق الشفعة له في الحصة المبيعة ، وهو في غير البلد الذي يأخذ فيه بالشفعة، وكان في وسعه أن يبادر في الأمر، فيرسل من قبله وكيلاً مفوضاً يأخذ له بحقه ويدفع الثمن عنه ، فلا يكون منه تأخر ولا مماطلة في أخذه بالشفعة، ولا في دفع الثمن للمشتري ، أو أمكن له أن يتصل بالبلد وبالمشتري أو وكيله بمخاطبة هاتفية ونحوها ، فينشئ بمكالمته معه أخذه بالشفعة، ويحوّل الثمن إليه أو إلى وكيله، فلا يكون منه تأخير ولا مماطلة ، لزمه ذلك، فإذا هو أهمل ولم يبادر -مع تمكنه من ذلك وتيسره لـه- صدقت المماطلة عرفاً، وبطلت بذلك شفعته .

وكذلك إذا بلغه الخبر ليلاً، أو كان مريضاً أو مسجوناً لا يمكنه القيام بالأمر بنفسه ، وأمكنه الأخذ بالحق في وقته ، بالتوكيل ، أو بالمكالمة الهاتفية وتحويل الثمن ، ونحو ذلك من وسائل الاتصال في المخاطبات واجراء المعاملات ، مما هو متمكن منه وميسور له ، فلا يجوز له التأخير والمماطلة ، وإذا أهمل وما طل بطلت شفعته .

المسألة 39: إذا كان الشفيع غائباً عن الموضع الذي يأخذ فيه بالشفعة ، في سفر أو غيره ، ولم يمكنه الحضور بنفسه ، ولا بالتوكيل ولا الأخذ بحقه بمخاطبة هاتفية وشبهها ، كان معذورا في تأخير الأخذ بالحق ، ولم تسقط بذلك شفعته وان طالت المدة ، إلى أن يزول العذر.

المسألة 40: الشفعة -كما قلنا اكثر من مرة- حق يثبت للشريك إذا تمت له القيود والشروط التي تقدم بيانها ، وإذا أسقطه صاحبه باختياره -بعد أن يثبت له شرعاً- يسقط اعتباره ، ولا يصح لصاحبه الأخذ به بعد ذلك ، فإذا شفع ودفع الثمن للمشتري لم يملك الحصة المبيعة، إلا إذا ملّكها له المشتري برضاه بتمليك جديد ، ويجوز التعويض عن حق الشفعـة ، إذا ثبت لصاحبه شرعا، ويصح أن يكون التعويض عنه بالمال وبغير المال ، ومثال ذلك: أن يكون للشريك حق الشفعة في دار أو أرض ، فيصالحه المشتري عن حقه هذا بحق تحجير قد ثبت للمشتري في أرض أخرى ، فيسقط بهذه المصالحة حق الشريك من الشفعة في الدار، وينقل إليه حق التحجير في الأرض التي حجّرها المشتري عوضاً عن شفعته .

ويجوز للمشتري أن يعوّضه عن حقه هذا بمنفعة خاصة يملكها في دار أو دكان أو عين أخرى، وأن يعوّضه عنه بدين له عليه أو على شخص غيره ، أو بغير ذلك من الأموال .

المسألة 41: يصح للمشتري أن يصالح الشريك عن حق الشفعة الذي ثبت له في الحصة التي اشتراها من الشريك الآخر، ويدفع له مبلغاً من المال عوضاً عن حقه ، وإذا تم الصلح بينهما كذلك سقط حق الشريك من الشفعة بنفسه، وان لم ينشئ صاحبه إسقاطه بلفظ أو بغيره ، ووجب على المشتري ان يدفع له المبلغ المعيّن من المال بدلاً عن حقه ، ويصح أن يوقع الصلح معه عن الحق الذي ثبت له في الحصة بالتراضي بينهما بغير عوض ، وقد ذكرنا هذا الحكم في المسالة السادسة عشرة من كتاب الصلح .

المسألة 42: إذا كان للشريك حق الشفعة في الحصة التي باعها شريكه وصالحه المشتري بعوض من المال ، على أن يسقط حقه الثابت له من الشفعة ، وقبِل الشريك منه هذه المصالحة، وجب عليه ان يسقط شفعته ولا يأخذ بها، فان هو أسقط حقه ، ووفى بعقد الصلح الجاري بينه وبين المشتري ، استحق عليه العوض المعيّن ، وان لم يف بعقد الصلح فلم يسقط حقه من الشفعة أثم ، لعدم وفائه بالعقد، ولم يستحق العوض المعيّن فيه ، ولم يسقط حقه من الشفعة بمجرّد وقوع العقد بينهما، فإذا أخذ بالشفعة ، ودفع الثمن للمشتري صحت شفعته ، وملك الحصة بذلك ، وان كان آثماً بعدم إسقاطه للحق ، كما قلنا .

المسألة 43: إذا ثبتت الشفعة للرجل فصالحه مشتري الحصة بعوض معلوم من المال ، على أن لا يأخذ بشفعته في الحصة، جرى في ذلك نظير ما بيّناه في المسألتين المتقدّمتين ، فان كان المقصود من عدم أخذه بالشفعة الذي وقعت عليه المصالحة بينه وبين المشتري: أن يكون حق الشريك من الشفعة ساقطاً ، ومن أجل سقوط الحق فلا يحل للشريك ان يأخذ بالشفعة، سقط بهذه المصالحة حقه وإن لم ينشئ إسقاطه بلفظ أو بغيره ، فإذا هو لم يف بالعقد، وأخذ بالشفعة لم تصح شفعته ، فإنها قد سقطت بعقد الصلح ، ولم يملك الحصة المبيعة، واستحق على المشتري العوض المعلوم من المال الذي وقع عليه عقد الصلح .

وان كان المراد أن لا يأخذ الشريك بالشفعة وان كانت ثابتة له ، ولم يسقط استحقاقه لها، فالشفعة لا تزال باقية بحالها ولم تسقط ، فإذا هو أخذ بالشفعة -بعد وقوع الصلح- نفذت شفعته ، وملك الحصة المبيعة، ولزمه أداء الثمن المعين لها ، وان كان آثماً بما فعل ، لعدم وفائه بعقد الصلح ، ولم يستحق العوض الذي جرى عليه عقد المصالحة.

المسألة 44: لا يسقط حق الشفعة إذا أسقطه الشريك قبل أن يثبت له شرعاً، وقد ذكرنا -أكثر من مرة- أن حق الشفعة إنما يثبت للشريك إذا باع شريكه الثاني حصته من العين المشتركة بينهما، ونتيجة لهذا الشرط ، فإذا أسقط الشريك حقه من الشفعة قبل إنشاء البيع ، ثم وقع بيع الحصة بعد ذلك لم يسقط حق الشريك من الشفعة، وجاز له أن يأخذ بها ، ويتملك الحصة بثمنها على الأقوى.

ولا تسقط شفعة الشفيع إذا شهد بأن شريكه قد باع الحصة على زيد بحضوره ، وانه أشهده على وقوع البيع ، فيصح له أن يأخذ بالشفعة بعد شهادته هذه، وان كانت الشهادة في مجلس الحاكم الشرعي ، ولا يسقط حقه من الشفعة إذا وقع البيع وهو حاضر ، أو علم به بعد وقوعه ، فقال للمشتري: بارك الله لك في ما اشتريت أو في صفقتك ، فيجوز له أن يأخذ بالشفعة بعد ذلك ، الا إذا دلت القرينة على ان مراده من شهادته بالبيع -في المثال الأول-، ومن دعائه للمشتري بالبركة -في الفرض الثاني- إسقاط حق شفعته بعد البيع ، فيسقط بذلك حقه .

المسألة 45: إذا عرض الشريك حصته من العين على شريكه فيها ، وهو يريد بيع الحصة ، فأبدى الشريك عدم رغبته في شرائها ، فباعها مالكها من غيره ، أشكل الحكم بثبوت حق الشفعة له فيها بعد ذلك، والأحوط له ترك الشفعة، وخصوصا إذا أذن له في البيع اذناً مطلقاً، ولم يذكر مقداراً معيناً للثمن ولا مشترياً خاصاً، وكذلك إذا عرض المشتري عليه الأمر قبل أن يشتري الحصة من شريكه ، فأبدى عدم الرغبة في شرائها ، فلا يترك الاحتياط في عدم الشفعة، ومثله ما إذا استأذنه شريكه صاحب الحصة في بيعها بثمن معيّن ، أو على مشترٍ معيّن ، فلم يرغب في شراء الحصة ، وأذن له في بيعها، فلا يترك الاحتياط في هذه الفروض بترك الشفعة بعد وقوع البيع .

وإذا استأذنه الشريك في بيع الحصة بثمن معيّن فلم يرغب ، ثم باعها بأقل مـن ذلك الثمن ، أو استأذنه في البيع على مشترٍ معيّن ، فلم يرغب ثم باع الحصة على مشترٍ  آخر، فالظاهر ثبوت الشفعه له في كلتا الصورتين ، وكذلك إذا عرض المشتري عليه الأمر ، وذكر له ثمناً فأذن له في الشراء ، ثم اشترى الحصة من صاحبها بأقل من ذلك الثمن ، فيجوز له أن يأخذ بالشفعة .

المسألة 46: لا يشترط في ثبوت حق الشفعة للشريك أن يكون عالماً بمقدار ثمن الحصة حين أخذه بالشفعة، فإذا علم أن شريكه في العين قد باع حصته منها، فقال: أخذت بالشفعة فيها، سواء كان ثمنها قليلاً أم كثيراً ، أو قال: تملكت حصته التي باعها بثمنها الذي اشتراها به المشتري بالغاً ما بلغ ، صحت شفعته ، وان كان جاهلاً بمقدار الثمن حين أخذه بالشفعة، فإذا علم بمقداره بعد ذلك ، أو دلت عليه الحجة الشرعية دفعه إلى المشتري ، ولم يضر ذلك بشفعته.

المسألة 47: إذا باع الشريك حصته المشاعة من العين على غير شريكه ، ثبت لشريكه حق الشفعة في الحصة، فإذا تقايل المتبايعان بعد أن وقع عقد البيع بينهما ، فردّ الشريك البائع الثمن على المشتري ، وردّ المشتري الحصة المبيعة على بائعها، لم يسقط بتقايلهما حق الشريك الشفيع من الشفعة التي ثبتت له في البيع ، فإذا أخذ الشفيع بالشفعة بطلت إقالة المتبايعين من أصلها.

ويتفرع على بطلان الإقالة من أصلها: أن ترجع الحصة المبيعة إلى ملك المشتري، فإذا كانت الحصة قد تجدّد لها نماء بعد شراء المشتري لها وقبل أخذ الشفيع بالشفعة ، فالنماء المتجدّد لها كلّه للمشتري ، وأن يرجع الثمن إلى ملك البائع ، فإذا كان قد حصل له نماء في تلك الفترة فهو ملك للبائع ، وتكون الحصة بعد الشفعة ملكاً للشفيع ، ويلزمه أن يدفع ثمنها إلى المشتري .

المسألة 48: إذا ثبت حق الشفعة للشريك ، فباع حصته الأولى التي يملكها من العين قبل أن يأخذ بالشفعة في الحصة الأخرى التي باعها شريكه ، زالت شركته في أصل العين ، وسقط بذلك حقه من الشفعة في الحصة الأخرى، فلا يجوز له الأخذ بها ، وخصوصاً إذا كان بيعه لنصيبه الخاص من العين بعد أن علم بثبوت الشفعة له في نصيب صاحبه .

المسألة 49: الشفعة حق خاص يثبت للشريك إذا توفرت له القيود والشروط التي تقدم منا تفصيلها، وهي حق لا يقبل النقل الاختياري من الشريك الشفيع الى غيره بصلح أو بمعاوضة أخرى، وقد سبق منا في المسألة الحادية والأربعين: أن المشتري إذا صالح الشريك صاحب الحق عن شفعته أفاد هذا الصلح سقوط الحق ، فلا يجوز لصاحبه أن يأخذ بالشفعة بعد الصلح ، وليس معنى ذلك: أن هذا الحق قد انتقل من صاحبه إلى المشتري بالمصالحة، وسنذكر في بعض المسائل الآتية ان حق الشفعة ينتقل بعد موت الشريك صاحب الحق الى وارثه ، وهو غير النقل الاختياري بالمعاوضة عليه .

المسألة 50: إذا باع الشريك حصته على المشتري بثمن مؤجل، وثبت لشريكه حق الشفعة فيها ، جاز لشريكه أن يأخذ بالشفعة ، ويتملّك الحصة المبيعة عاجلاً ، ويؤخر دفع الثمن ، إلى أن يحضر الأجل المسمّى ، ويجوز له أن يعجل دفع الثمن أيضاً، إذا رضي المشتري بتعجيله .

المسألة 51: الأجل المسمّى الذي يجوز للشفيع أن يؤخر دفع الثمن إلى وقت حلوله: هو ما ضرب بين الشريك البائع والمشتري من حين وقوع البيع بينهما إلى وقت حلوله، لا مقداره من حين أخذ الشفيع بالشفعة على الأحوط، ان لم يكن هذا هو الأقوى، فإذا كان أجل دفع الثمن الى مدة سنة ، كان أول السنة من حين وقوع البيع ، لا من حين أخذ الشفيع بالشفعة .

المسألة 52: إذا اشترى المشتري الحصة المشاعة من الشريك الذي باعه حصته من العين ملكها بالشراء، وصح له أن يتصرف فيها بما يريد وكيفما يريد، ولا يمنعه من التصرف أن الشريك الآخر المالك للحصة الثانية قد ثبت له حق الشفعة في الحصة المبيعة عليه ، ولا يمنع تصرف المشتري -الذي ذكرناه-. في الحصة التي اشتراها من شفعة الشفيع ، ولا يوجب سقوط حقه الذي ثبت له في الحصة، فيجوز له الأخذ بالشفعة وتملّك الحصة بالثمن .

المسألة 53: إذا باع المشتري الحصة التي اشتراها من الشريك على مشترٍ آخر ، قبل أن يأخذ الشفيع بشفعته ، تخيّر الشفيع بين أن يشفع في البيع على المشتري الأول ، وأن يشفع في البيع على المشتري الثاني، فإذا هو شفع ني البيع الثاني ملك الحصة بالشفعة بثمنها الثاني، وصح بذلك البيع الذي قبله على المشتري الأول بالثمن الذي اشترى به الحصة من بائعها، و إذا شفع الشفيع في البيع الأول ملك الحصة بثمنها الأول ، وكان البيع الثاني فضوليا، فيجوز للشفيع بعد أن يملك الحصة أن يجيزه ، فإذا أجازه -بعد الشفعة- كان البيع الثاني له لا للمشتري ، وكان الثمن الثاني له ، ويجوز له أن يترك البيع الثاني ولا يجيزه ، فيكون باطلاً -كما هو الحكم في البيع الفضولي- .

ومثال ذلك: أن يبيع الشريك حصته المشاعة من العين على زيد بمائة دينار ، ثم يبيعها من اشتراها -وهو زيد- على عمرو بمائة وعشرة دنانير، فإذا شفع الشفيع في البيع الأول ملك الحصة من زيد بالشفعة ، ولزمه أن يدفع لزيد ثمنها الذي اشتراها به -وهو مائة دينار-، وكان البيع الثاني وهو بيع الحصة على عمروٍ فضوليا، فان أجازه الشفيع -بعد أن شفع وملك الحصة- صح بيعها على عمرو ، وملك عمرو الحصة بمائة وعشرة دنانير ، وكان هذا الثمن للشفيع، وإذا ترك الشفيع البيع الثاني ولم يجزه ، كان باطلاً وبقيت الحصة المبيعة في ملكه بثمنها الأول .

وإذا شفع الشفيع في البيع الثاني ، ملك الحصة من عمرٍ ، ووجب عليه أن يدفع له ثمنها الذي اشتراها به ، وهو مائة وعشرة دنانير ، وصح بذلك البيع الأول ، وهو بيع الشريك على زيد بمائة دينار.

المسألة 54: إذا زادت البيوع التي وقعت على الحصة المشاعة على بيعين -قبل أن يشفع الشفيع في بيعها-، كما إذا تأخر عن الأخذ بالشفعة -لبعض الأعذار المقبولة- ثم شفع في الحصة بعد ذلك ، جرى في هذا الفرض نظير الحكم السابق الذي بيّناه في المسألة المتقدّمة .

فإذا شفع الشفيع في البيع الأول الذي وقع على الحصة من الشريك نفسه ، ملك الشفيع الحصة من المشتري الأول الذي اشتراها من الشريك بثمنها المعيّن في ذلك البيع ، وكانت البيوع اللاحقة بعده كلّها فضولية، فإذا أجاز الشفيع -بعد أن ملك الحصة- واحداً معيّناً منها ، صح ذلك البيع الذي أجازه ، وكان للشفيع بالثمن المعيّن في عقد ذلك البيع ، وبطل الباقي، وإذا لم يجز منها شيئاً بطل الجميع ، وبقيت الحصة ملكا له .

وإذا شفع الشفيع في البيع الأخير من تلك البيوع ملك الحصة من المشتري الأخير بالثمن المعين في ذلك البيع ، وصح ما وقع على الحصة قبله من البيوع جميعاً.

وإذا شفع في البيع المتوسط ملك الحصة بثمنها في ذلك العقد، وصح ما وقع قبله من البيـوع ، وبطل ما بعده، وإذا أجاز الشفيع -بعد الشفعة- بيعا معيناً من البيوع اللاحقة للشفعة ، صح ذلك البيع بإجازته ، وكان البيع المجاز له بثمنه .

المسألة 55: إذا وقف المشتري الحصة التي اشتراها من الشريك ، أو وهبها إلى أحد ، هبة لازمة أو غير لازمة ، أو صالح أحدا عليها فملكه إياها بالصلح ، أو نقلها إلى غيره بناقل شرعي آخر غير البيع مما لا تثبت فيه شفعة، كما إذا جعل الحصة صداقاً لزوجة ، أو عوضاً لخلع ، أو مباراة ، أو غير ذلك ، ثم علم الشفيع بثبوت حق الشفعة له في الحصة بالبيع الأول على المشتري الأول، جاز للشفيع أن يأخذ بشفعته ، فإذا ملك الحصة بالشفعة من المشتري بطلت التصرفات المذكورة التي أجراها المشتري على الحصة، ولزمه أن يدفع للمشتري الثمن الذي اشترى به الحصة، وإذا هو أسقط حقه من الشفعة ، أو تركها ولم يأخذ بها ، نفذت تلك التصرفات التي أجراها المشتري على الحصة.

المسألة 56: إذا تلفت عين المبيع كلّها قبل أن يأخذ الشفيع فيها بشفعته ، ولم يبق من العين شيء ، سقطت شفعة الشفيع بتلفها، ولا ضمان على المشتري لحق الشفيع ، سواء كان تلف العين بآفة سماوية، أم بفعل المشتري نفسه ، أم بفعل غيره .

وإذا تلفت العين بعد أن أخذ الشفيع فيها بالشفعة وتملّك الحصة، وكان تلفها بفعل المشتري كان المشتري ضامناً للحصة، وكذلك إذا كان التلف بغير فعل المشتري ، ولكنه قد تسامح وماطل في دفع الحصة المبيعة للشفيع حتى تلفت ، فيكون لها ضامناً، ولا ضمان عليه إذا تلفت العين بغير فعله ، ولم يماطل في إقباضها للشفيع .

المسألة 57: إذا تلفت بعض العين المبيعة وبقي بعضها ، قبل أن يأخذ الشفيع بالشفعة فيها ، لم يسقط بذلك حقه من الشفعة ، فيجوز له أن يأخذ بالشفعة في الباقي من المبيع ، بجميع الثمن الذي جرى عليه البيع ، ويجوز له تركها وعدم الأخذ بها.

ومثال ذلك ، أن تنهدم الدار المبيعة وتبقى العرصة وبعض البناء والأنقاض منها، أو يطرأ عليها بعض العيوب والخلل في الأبنية والسقوف ، فيتخير الشفيع بين أن ياخذ بحقه من الشفعة، فيتملّك العرصة والبناء الباقي والأنقاض الموجودة من الدار، ويدفع للمشتري جميع الثمن الذي جرى عليه عقد البيع ، وان يترك حقه ، فلا يشفع في المبيع ولا يدفع الثمن، وإذا هو اختار الشفعة وأخذ الباقي من الحصة المبيعة فلا ضمان على المشتري لما تلف من العين ، وان كان تلف التالف منها بفعل المشتري نفسه .

وإذا تلف بعض الحصة المبيعة بعد أن أخذ الشفيع بحقه من الشفعة وملك الحصة، وكان تلف التالف منها بفعل المشتري ، أو كان قد تسامح وما طل في تسليم الحصة للشفيع بعد أخذه بالشفعة حتى تلف بعضها،كان المشتري ضامناً لما تلف منها، وكذلك الحكم إذا حدث فيها عيب ، فيجري فيها التفصيل الذي ذكرناه ، فيكون المشتري ضامناً لأرش العيب الحادث فيها في الصورة الثانية ، ولا يضمن في الأولى .

المسألة 58: إذا ثبت حق الشفعة للشريك ، ثم مات قبل أن يأخذ بالشفعة ، انتقل حق الشفعة من بعده إلى وارثه على الأقوى، ويورث هذا الحق -بعد موت صاحبه- على نهج إرث المال ، فيقسّط على ورثته حسب السّهام المقدرة لهم من التركة في الكتاب الكريم والسنة المطهرة ، فإذا خلّف من بعده بنين و بنات فللذكر مثل حظ الأنثيين من الحق ، وإذا كان الميت صاحب الحق رجلاً وخلّف من بعده ولدا وزوجة، ورثت الزوجة الثمن من الحق ، وأخذ الولد سبعة أثمانه ، وإذا كانت امرأة وتركت بعدها زوجاً وولداً أو بنتاً، ورث الزوج الربع من الحق ، وكان للولد أو البنت ثلاثة أرباعه ، وهكذا على حسب طبقاتهم ومراتبهم ودرجاتهم واستحقاقهم من التركة ، كما فصّل في كتاب الميراث .

المسألة 59: إذا تعدد ورثة الميت صاحب الحق ، فليس لبعض الورثة أن يأخذ بالشفعة الموروثة لهم وان كانوا كثيرين ، إلا إذا وافقهم الباقي من الورثة على الأخذ بها ، وان كان شخصاً واحداً وقليل النصيب في الميراث .

وإذا عفا بعض الورثة عن نصيبه في الميراث من الحصة المبيعة التي تعلّقت بها الشفعة، وكان عفوه عن نصيبه قبل أن يأخذ الورثة بالشفعة، أو عفا بعضهم عن نصيبه من الشفعة نفسها، أو أسقط حقه باختياره ، أشكل الحكم في الباقين .

وإذا أخذ جميع الورثة بحقهم فشفعوا في الحصة المبيعة، ثم عفا بعضهم عن نصيبه الذي يرثه من الحصة ، سقط نصيب ذلك البعض خاصة، ولم تسقط سهام الباقين من الحصة بعد أن تملكوها بالشفعة.

المسألة 60: يثبت حق الشفعة للشريك على الأقوى، وان كان بيع الحصة على المشتري مما فيه خيار الفسخ ، أو الرد لبائع الحصة أو لمشتريها أو لكل منهما، ولا يمنع وجود الخيار في بيع الحصة من شفعة الشفيع فيها، ولا تمنع الشفعة من أن يأخذ صاحب الخيار بخياره إذا ثبت موجب الشفعة وموجب الخيار.

فإذا كان الشريك بائع الحصة قد اشترط في بيعها على المشتري أن يكون له ردّ العين المبيعة إذا هو رد الثمن عليه في مدة معلومة، ثم ردّ الثمن في الوقت المعيّن، كان له أن يسترجع العين المبيعة نفسها، وإذا أخذ الشفيع بشفعته قبل ذلك أو بعده لزم الشفيع أن يدفع الثمن للمشتري ، واستردّ منه مثل الحصة المبيعة إذا كانت مثلية ، وقيمتها إذا كانت قيمية بدلاً عن العين نفسها.

وإذا أخذ صاحب الخيار في الخيارات الأخرى بحقه ففسخ البيع لخياره ، وأخذ الشفيع بشفعته في الحصة المبيعة ، قدّم السّابق منهما في الأخذ ، فيأخذ العين نفسها، سواء كان السابق في الأخذ هو الشفيع أم صاحب الخيار، ويستردّ الثاني المتأخر منهما في أخذه بحقه مثل العين إذا كانت مثلية، وقيمتها إذا كانت قيمية بدلاً عن العين ذاتها.

المسألة 61: إذا كانت عين مملوكة مشتركة على وجه الإشاعة بين شريكين أحدهما حاضر والثاني غائب ، ولنفرض العين المذكورة دارا أو بستاناً ، أو شيئاً آخر مما تقع فيه الشركة وتثبت فيه الشفعة، وكانت الحصة المشاعة التي يملكها الشريك الغائب من العين بيد شخص ثالث يتصرّف فيها، وهو يدّعي الوكالة عليها عن مالكها الغائب، ولا معارض له في دعواه الوكالة، فالظاهر نفوذ تصرّفه الذي يجريه على الحصة، فإذا باع هذا الوكيل الحصة على شخص، جاز لذلك الشخص أن يشتريها منه اعتمادا على يده ، وأن يصدّقه في دعوى الوكالة عليها من مالكها، وإذا اشتراها المشتري من هذا الوكيل نفذت تصرّفات المشتري في الحصة المبيعة عليه كيف ما يريد، ولا ريب في شيء من ذلك ولا خلاف ، ما لم يعلم كذب مدّعي الوكالة، أو تقوم على كذبه بيّنة أو حجة شرعية أخرى.

فإذا علم الشريك الحاضر ببيع حصة شريكه من العين على هذا الوجه الذي بيّناه ، فهل يثبت له حق الشفعة في الحصة تعويلاً على يد ذلك المدّعي للوكالة ، واعتماداً على صحة بيعه ودعواه الوكالة بحسب الظاهر؟، الأقرب ثبوت حق الشفعة له ظاهراً.

فإذا أخذ بالشفعة وتملّك الحصة، ثم حضر الشريك الغائب ، وأقر بصدق وكالة المدعي وصحة بيعه ، نفذت شفعة الشفيع وترتبت آثارها، وإذا كذّب دعوى المدعي ، وأنكر وكالته إياه كان القول قوله مع يمينه، فإذا أحلف انتفى بيع الحصة ، ولم يثبت حق الشفعة للشريك، واسترجع منه الحصة ، واسترد معها جميع نمائها ومنافعها في مدة استيلائه عليها، فإذا أخذها المالك من الشفيع ، رجع الشفيع بها على مدّعي الوكالة، وكذلك الحكم في النماء والمنافع التي كانت للحصة عند المشتري قبل أن يأخذها الشفيع منه ، فإذا استرجعها المالك من المشتري رجع المشتري بها على مدّعي الوكالة .