كتاب الهبة

المسألة 1

الهبة المبحوث عنها في هذا الكتاب هي ما قابلت الوصية إلى أحد بشئ بعد الموت ، وقابلت الصدقة عليه في حال الحياة ، وقابلت وقف الشئ على أحد بنحو التمليك ، وشبه ذلك مما يتضمن تمليك الشئ مجانا من غير عوض ، وقد عرف الهبة جماعة من الفقهاء بأنها تمليك عين مجانا ، وهذا التعريف في ظاهره عام يشمل جميع المذكورات فانها تمليك عين مجانا ومن غير عوض ، فهو تعريف للهبة بالمعنى العام الشامل للجميع وليس تعريفا للهبة الخاصة التي هي موضع البحث في هذا الكتاب ، وقد يتكلف لاخراج بعض المذكورات عن لتعريف بأن المقصود فيه ان الهبة تمليك عين مجانا تمليكا منجزا بالفعل وعليه فلا يشمل الوصية فان التمليك فيها معلق بعد الموت ، وان المراد انها تمليك غير مشروط بالقربة وعليه فلا يعم الصدقة فانها تمليك مشروط بالقربة ، والامر سهل بعد وضوح المعنى المقصود .


المسألة 2

الهبة المبحوث عنها هنا هي ما يرادف المنحة والنحلة في المعنى ، والظاهر انها أخص في معناها من كلمة العطية ، فان العطية تشمل الصدقة ، وقد تستعمل بالمعنى العام فتشمل الوصية إلى الرجل بعد الموت فهي عطية أيضا ، وتشمل الوقف على نحو التمليك للذرية أو لغيرهم فانه عطية كذلك . ومن الهبة الخاصة : الهدية ، وهي ما يدفع إلى الغير على سبيل التجلة والتكريم ، ولا يعتبر في صدق معنى الهدية أن يبعث بالشئ إلى المهدى إليه بيد رسول ، فإذا دفع المالك الشئ إلى الرجل بيده على نحو التكريم
فهو هدية وتختص الهدية بالمنقولات ، فإذا اعطاه دارا أو عقارا يقال وهبه الدار ولا يقال أهدى إليه دارا أو عقارا . ومن الهبة الخاصة : الجائزة ، وهي ما يدفع إلى السابق ، تقديرا له على سبقه في بعض المجالات ، وما يدفع إلى المجيد في شئ تقديرا له على اجادته في الشئ ، وقد تستعمل الجائزة بمعنى الهبة فتكون أعم من المعنى الخاص لكلمة الجائزة . والواهب هو دافع الهبة ، والموهوب له هو من تدفع إليه ، وقد يقال له المتهب ، والموهوب هو الشئ المدفوع .


المسألة 3

الهبة المبحوث عنها عقد من العقود ، ولذلك فهي تحتاج إلى الايجاب من الواهب أو من وكيله والى القبول من الموهوب له أو من وكيله . ويحصل الايجاب في عقد الهبة بأي لفظ يكون دالا على تمليك الشئ الموهوب ، ومن ألفاظه التي يتعارف اجراء الايجاب بها ، وهبتك ، وملكتك المال المعين ، وهذا المال لك ، ويحصل القبول كذلك بأي لفظ يدل على الرضا بالتمليك المذكور ، ومن ألفاظه المعروفة : قبلت الهبة ، ورضيت بها ، وتملكت الشئ . ولا يشترط في عقد الهبة أن يكون انشاؤه باللغة العربية ، فيصح أن يقع ايجابه وقبوله بأي لغة أخرى يعرفها المتعاقدان ، ويصح ايقاعه بالمعاطاة الدالة على المعنى المراد ، فإذا دفع الواهب أو وكليه الشئ بقصد انشاء التمليك لصاحبه ، وقبض الموهوب له أو وكيله الشئ بقصد التملك صح العقد ونفذ .


المسألة 4

يشترط في الواهب أن يكون بالغا ، وأن يكون عاقلا ، وأن يكون قاصدا للمعنى في انشاء العقد ، وأن يكون مختارا في فعله ، على النحو الذي تقدم بيانه في عقد البيع في الشروط المذكورة . ويشترط في الواهب أن يكون غير محجور عليه لسفه فيه أو لفلس ، ويشترط فيه ان يكون مالكا للشئ الموهوب ، فيصح ان يهب الرجل ملك غيره ،
الا ان يأذن له المالك قبل اجراء العقد فيكون وكيلا عنه ، أو يجيز عقده بعد ان يوقعه فيكون من الفضولي الذي تصححه الاجازة ، ولا يصح أن يهب ما لا يملكه مثله فلا يهب المسلم خمرا ولا خنزيرا ، لان المسلم لا يملكها فلا يصح أن يهبها وان كان الشخص الموهوب له ذميا .


المسألة 5

يشترط في الموهوب له ان يكون بالغا وأن يكون عاقلا إذا كان هو الذي يتولى انشاء قبول العقد من الواهب ، وتصح الهبة للصغير وللمجنون إذا كان الولي هو الذي يقبل عنهما عقد الهبة ، وتصح الهبة للصغير المميز إذا قبل انشاء العقد من الواهب بالوكالة عن الولي ، بعد أن اتم الولي المعاملة بنفسه كما تقدم في أول فصل شرائط المتعاقدين من كتاب التجارة . ويشترط في الموهوب له إذا كان بالغا عاقلا ان يكون قاصدا للمعنى الذي يتولى انشاءه في العقد ، وان يكون مختارا في فعله على النحو الذي تقدم في نظائره . ويشترط في الموهوب له أن يكون ممن يصح له تملك الشئ الموهوب ، ولذلك فلا تصح هبة المصحف ولا العبد المسلم للكافر وان كان ذميا أو معاهدا ، ولا تصح هبة الخمر أو الخنزير للمسلم وان كان الواهب ذميا .


المسألة 6

يشترط في الواهب وفي الموهوب له أن يكون حرا ، فلا تصح الهبة من العبد المملوك إذا لم يأذن له سيده بالهبة وان كان الشئ الموهوب ملكا له ، ولا تصح الهبة له كذلك إذا لم يأذن له مولاه وإذا أذن له مولاه في أن يهب لغيره صح له ذلك سواء كان المأذون فيه أن يهب من ماله أم من مال سيده أم من مال غيرهما إذا رضي مالك المال . وذا وهب له مولاه شيئا من ماله صح له قبولها ، بل الظاهر أنه يملك المال بهبة سيده ولا يحتاج إلى قبوله وإذا أذن له مولاه في قبول الهدية من الآخرين صح له أن يقبل الهدية منهم ونفذت الهبة إذا قبلها ،ويكفيه الاذن العام في أن يتولى جميع ذلك ، فيصح له أن يهب من ماله وان يقبل الهبة من غيره .


المسألة 7

تصح الهبة من المريض وان كانت هبته في مرض موته وان كان ما وهبه يزيد على مقدار ثلثه من جميع تركته ، وقد ذكرنا في كتاب الحجر ان منجزات المريض في مرض موته تصح وتخرج من الاصل .


المسألة 8

المعروف بين الفقهاء ان الهبة هي تمليك الاعيان ، وبذلك عرفها جماعة منهم ، وهذه هي الهبة المصطلحة ، ولا يبعد القول بصحة الهبة في المنافع ايضا وصحة هبة الحقوق القابلة للنقل ، وان لم تكن من الهبة المعروفة بين الفقهاء ، ويدل على صحتهما ونفوذهما عموم أدلة الوفاء بالعقود ، وعلى هذا فيصح للرجل أن يهب صاحبه سكنى داره المعينة مدة ستة اشهر من يوم الهبة أو مدة سنة أو أكثر ، ويصح له أن يهبه حقه من التحجير في الارض المعينة ، ويصح للمرأة أن تهب حقها من قسمة ليالي الزوج بين زوجاته لاحدى زوجاته الاخريات فينتقل ملك منفعة الدار إلى الوهوب له في المثال الاول وينتقل إليه حق التحجير في المثال الثاني وينتقل إلى الزوجة الاخرى حق القسم في المثال الاخير .


المسألة 9

الاقوى صحة هبة الدين الذي يملكه الانسان في ذمة غيره مطلقا ، فتصح هبة الدين للمدين نفسه ، فإذا وهبه الدين الذي في ذمته أفادت الهبة له فائدة ابراء الذمة ، فيملك المدين الدين الذي في ذمته ويترتب على ذلك سقوط الدين عنه وبراءة ذمته منه ، ولابد في صحة هذه الهبة من قبول المدين أيضا كسائر عقود الهبة ، وان لم يعتبر القبول في الابراء ، وهي في ذلك نظيرة بيع الدين على المدين نفسه ونظيرة مصالحة المدين على الدين الذي في ذمته ، فلابد فيهما من قبول المدين وان افادا فائدة ابراء الذمة ، وقد تقدم ذكرهما في كتاب التجارة وفي كتاب الصلح . وتصح كذلك هبة الدين لغير من عليه الدين ، ويكون قبض الموهوب المعتبر في صحة الهبة بقبض مصداق الدين ولو بعد حين ، فإذا قبل الموهوب له وقبض مصداق الدين صحت الهبة وملك الموهوب له المال .


المسألة 10

يشترط في صحة الهبة قبض الموهوب له المال الموهوب ، ولا يشترط في قبضه الفورية ، بل يصح القبض وتصح الهبة به وان تأخر عن العقد مدة طويلة ، وسنذكره في ما يأتي ان شاء الله تعالى .


المسألة 11

القبض المعتبر في صحة الهبة هو استيلاء القابض على الشئ المقبوض ووضع يده عليه سواء كان من المنقول أم من غيره ، وقد اوضحناه في المسألة المائتين والخامسة والثمانين من كتاب التجارة وأشرنا إليه في مواضع أخرى . ويحصل قبض الدين بقبض مصداقه ، فإذا وهب زيد خالدا دينه الذي يستحقه في ذمة عمرو وهو مائة دينار أو عشرون منا من الحنطة ، مثلا ، وقبض خالد مصداق الدين من عمرو ولو بعد مدة صحت الهبة وملك خالد المال الموهوب ويحصل قبض التحجير الموهوب بقبض الارض المحجرة ، ويحصل قبض حق القسم الموهوب للزوجة بوصول الزوج إليها في الليلة المعينة لها . وسيأتي بيان ما يتحقق به قبض المنفعة في كتاب الاجارة ان شاء الله تعالى .


المسألة 12

يشترط - على الاحوط لزوما - في صحة القبض في الهبة أن يكون القبض باذن الواهب ، فلا يكفي قبض الموهوب له المال إذا لم يأذن به الواهب ، كما إذا خرج الموهوب له إلى المال في موضعه ، فاستولى عليه من غير علم الواهب ولا اذنه ، فلابد من تجديد القبض بعد الاذن على الاحوط .


المسألة 13

إذا وهب المالك لاحد شيئا ، وكان الشئ الموهوب في يد الموهوب له في حال الهبة ، فان دلت القرائن الحافة على اقرار الواهب لهذا القبض
الموجود واعتباره قبضا مصححا للهبة ، كفى ذلك في تحقق الشرط ، ولم يحتج معه إلى قبض آخر ، ولا إلى مضي زمان بعد العقد والمال في يد الموهوب له وان لم تدل القرائن على ذلك ، فالاحوط لزوما اعتبار الاذن بعد العقد ومضي زمان يكون فيه المال في يد الموهوب له ليتحقق الشرط بذلك .


المسألة 14

إذا وهب الاب ولده الصغير شيئا ، وكان الشئ الموهوب في يد الاب ، فالاحوط لزوما أن يقصد الاب القبض عن الطفل بعد اجراء عقد الهبة ، ولا يكتفي بالقبض الموجود ، لانه قبض لنفسه ، لا للطفل الوهوب له ، وكذلك إذا وهب الجد أبو الاب شيئا لولد ولده ، والشئ الموهوب في يد الجد الواهب فعليه أن يقصد بعد الهبة القبض عن الطفل ليتحقق الشرط بذلك ، ومثلهما الوصي القيم على الصغير المنصوب من الاب أو من الجد إذا وهب للصغير المولى عليه شيئا مما في يد القيم ، فيجري فيه الحكم المذكور على الاحوط بل ولا يترك الاحتياط في هذه الصورة بأن يقبض الحاكم الشرعي أو من يعينه عن الطفل أيضا مع قبض القيم المذكور عنه . وإذا وهب غير الولي للطفل شيئا فلابد من قبض الشئ الموهوب ويتولى ولي الطفل قبول الهبة والقبض بالولاية عليه . وبحكم الطفل المجنون الذي يتصل جنونه بصغره فتكون الولاية عليه للاب والجد ابي الاب وللقيم المنصوب من احدهما بعد موتهما ، فتجري فيه الفروض المتقدمة واحكامها .


المسألة 15

تصح هبة الحصة المشاعة من الشئ كما إذا وهب الرجل صاحبه نصف داره المعينة أو نصف بستانه المعين ، ويحصل قبض الحصة المشاعة الموهوبة بأن يأذن الواهب للرجل الموهوب له في ان يقبض الشئ بأجمعه ، فإذا قبضه كذلك فقد قبض في ضمنه الحصة المشاعة الموهوبة منه . ويتحقق قبض الموهوب له الحصة الموهوبة كذلك بأن يجعل الواهب
وكيلا في قبض الحصة عنه ، فإذا قبضها الواهب بالوكالة عنه صح ذلك وكفى في تحقق الشرط .


المسألة 16

إذا كانت عين الشئ مشتركة بين مالكين ، فوهب أحدهما حصته من الشئ لشخص ثالث ، أمكن للشخص الموهب أن يقبض مجموع الشئ باذن الشريك ، فيتحقق بذلك قبض الحصة الموهوبة في ضمن قبضه للمجموع ، فإذا قبض الموهوب له جميع الدار المشتركة ، وكان قبضه باذن الشريك فقد قبض نصفها ، وهو الحصة الموهوبة له حسب الفرض . وإذا قبض المجموع بغير اذن الشريك ، تحقق قبض الحصة المشاعة الموهوبة له في ضمنه ، فتصح الهبة بذلك لتحقق شرطها وان كان متعديا وآثما في قبض حصة الشريك بغير اذنه .


المسألة 17

إذا وهب الرجل لغيره شيئا كليا في الذمة أو كليا في المعين ، كما إذا وهبه وزنة من الحنطة في ذمة الواهب ، أو وهبه وزنة من الحنطة في هذه الصبرة المعينة ، صحت الهبة وامكن للموهوب له قبض الكلي الموهوب بقبض مصداقه ، فإذا دفع إليه الواهب وزنة من الحنطة وقبضها منه تحقق القبض في المثال الاول ، وإذا دفع إليه وزنة حنطة من الصبرة المعينة وقبضها تحقق القبض في المثال الثاني ، ويتحقق القبض أيضا في مثال الصبرة بقبض جميع الصبرة باذن مالكها ، وبتوكيله في أن يقبض المقدار الموهوب منها بالوكالة عن الموهوب له .


المسألة 18

لا تشترط المبادرة في قبض الشئ الموهوب في صحة عقد الهبة ، فإذا تأخر القبض لم تبطل الهبة بذلك ، وان تأخر عن العقد مدة طوية ، سواء كان التراخي عن عمد أم عن غفلة أم عن نسيان أم عن غيبة الواهب أو الموهوب له أو المال ، فمتى تحقق القبض صحت الهبة إذا لم يفسخ العقد ولم يمت أحد المتعاقدين .


المسألة 19

لا تنفذ الهبة ولا يترتب عليها الاثر الا بعد تحقق الشرط وهو القبض ، فإذا تأخر القبض مدة وحصل للمال الموهوب نماء قبل القبض فهو للواهب ، وإذا حصل القبض ولو بعد مدة تحقق ملك الموهوب له المال من حينه ، فإذا تحدد له نماء بعد ذلك فهو للموهوب له .


المسألة 20

إذا مات الواهب قبل أن يقبض الموهوب له المال بطل عقد الهبة ، وكان المال من تركة الواهب ، فينتقل إلى ورثته من بعده ميراثا ، وليس للموهوب له أن يطالب ورثة الواهب بتسليم المال إليه ليقبضه ، ولا يقوم الورثة مقام مورثهم الواهب في ذلك إذا أرادوه ، فإذا رغبوا في ذلك اوقعوا له هبة جديدة ومكنوه من قبض المال . وإذا مات الموهوب له قبل أن يقبض المال من الواهب بطلت الهبة كذلك ولم يصح لورثته أن يطالبوا الواهب باقباض المال ، وليس للواهب أن يقبضهم لهبة مورثهم ، وإذا رغب في ذلك انشأ لهم هبة جديدة ودفع لهم المال .


المسألة 21

إذا وهب الرجل شيئين من أمواله لشخصين بعقد واحد ، لكل واحد منهما شئ معين خصه به ، فقبل أحد الشخصين الهبة ، وقبض الشئ الموهوب له ، ولم يقبل الآخر العقد ، أو قبل العقد ولم يقبض المال الموهوب حتى مات هو أو مات الواهب ، صحت الهبة في حصة الاول ونفذت ، وبطلت في حصة الموهوب له الثاني . وكذلك الحكم إذا وهبهما شيئا واحدا من ماله : دارا أو بستانا ، فقبل احدهما وقبض حصته من المال الموهوب ولم يقبل الآخر أو قبل العقد ولم يقبض حصته حتى مات هو أو مات الواهب ، فتصح الهبة في حصة الاول وتبطل في حصة الثاني .


المسألة 22

إذا وقع عقد الهبة بين الواهب والموهوب وحصل القبض صحت الهبة
كما ذكرنا اكثر من مرة ، وهاهنا صور تختلف أحكامها بعد ذلك من حيث لزوم الهبة وعدم لزومها . ( الصورة الاولى ) : أن يكون الموهوب له من أرحام الواهب وذوي قرباه : أبا أو أما له ، أو ولدا ، أو أخا ، أو قريبا له ، والحكم في هذه الصورة أن تكون الهبة له لازمة من جهة الواهب ، فلا يجوز له بعد العقد والقبض أن يرجع في هبته ويسترد المال الموهوب من قريبه . ويشمل الحكم المذكور من كان بعيدا في قرابته إذا كان ممن يعد رحما للواهب في نظر أهل العرف كابن ابن العم وابن ابن الخال ، فضلا عن جد الجد أو جد الاب ، وابن ابن الاخ أو الاخت ، فالرحم شامل لهم جميعا سواء كان الرحم كبيرا أم صغيرا ومسلما أم كافرا ، وذكرا أم انثى . ولا يشمل الحكم المذكور من يتصل بالواهب بالمصاهرة كأبي الزوجة وأمها واخيها ، وكأبي الزوج وأمه وأخيه .


المسألة 23

إذا وهب الرجل زوجته شيئا من المال أو وهبت المرأة زوجها لم يشملهما الحكم المذكور فيجوز للواهب منهما ان يرجع في هبته للآخر على كراهة ، الا إذا كانا من الارحام ، فلا يجوز للواهب الرجوع .


المسألة 24

( الصورة الثانية ) : ان تكون الهبة معوضا عنها ، سواء كان العوض الذي دفعه الموهوب له كثيرا أم قليلا ، وسواء اشترط عليه في الهبة أن يعوض عنها بشئ أم لم يتشرط عليه ذلك ولكنه أثاب الواهب على هبته فدفع له عوضا عنها . والحكم في هذه الصورة أن تكون الهبة لازمة من جهة الواهب كذلك ، فلا يجوز له الرجوع في الهبة . ويعتبر في الفرض الاخير من هذه الصورة - وهو ما يدفع فيه الموهوب له إلى الواهب عوضا من غير شرط - ان يكون ما يدفعه بقصد التعويض عن الهبة ، فلا يكفى ما يدفعه إلى الواهب بدون قصد التعويض ،
ويعتبر فيه ايضا ان يرضى الواهب بذلك ، فلا يكفي إذا دفع الموهوب له عوضا ولم يرض به الواهب .


المسألة 25

( الصورة الثالثة ): ان يقصد الواهب في هبته وجه الله تعالى والتقرب بالهبة إليه والحكم في هذه الصورة كذلك ان تكون الهبة لازمة على الواهب فلا يجوز له الرجوع فيها .


المسألة 26

( الصورة الرابعة ) : أن تنتفى الحالات الثلاث عن الهبة ، فليست هبة لذي قرابة وليست ذات عوض ، ولم يقصد الواهب بها التقرب إلى الله والحكم في هذه الصورة انه يجوز للواهب ان يرجع في هبته فيسترد المال الذي وهبه ، إذا كان المال الموهوب قائما بعينه كما في النصوص . ويستثنى من الحكم بجواز الرجوع في الهبة في الصورة المذكورة عدة موارد يأتي ذكرها .


المسألة 27

إذا تلفت عين المال الموهوب ، فليس للواهب ان يرجع في هبته اياها ويسترد من الموهوب له مثلها أو قيمتها ، وكذلك إذا تلف بعض المال بحيث صدق مع تلف ذلك البعض ان المال الموهوب ليس قائما بعينه في نظر أهل العرف ، فلا يجوز للواهب ان يرجع بالهبة .


المسألة 28

إذا تصرف الموهوب له في المال الموهوب فنقله عن ملكه ببيع على غيره أو هبة أو صلح ، أو وقف المال على بعض المصالح أو على بعض الناس ، أو أعتق العبد الموهوب ، فهو في حكم التالف ، فلا يجوز للواهب أن يرجع في هبته بعد هذا التصرف الناقل ، وكذلك إذا نقل بعض المال عن ملكه بحيث يصدق معه ان المال ليس قائما بعينه فلا يجوز له الرجوع في الهبة .


المسألة 29

إذا تصرف الموهوب له في المال الموهوب تصرفا يغير عين المال ومثال ذلك ان يطحن الحنطة الموهوبة له أو يخبز الدقيق أو يقطع الثوب
ويفصله ، أو يمزج المال بغيره مزجا ينتفي معه التمييز بين المالين سواء مزجه بجنسه أم بغير جنسه ، فلا يجوز للواهب أن يرجع في هبته بعد هذا التصرف المغير للعين ، وكذلك إذا كان التصرف المغير في بعض المال بحيث صدق معه ان العين ليست قائمة فلا يجوز له الرجوع بها .


المسألة 30

إذا تصرف الموهوب له في المال تصرفا لا تتغير به العين كما إذا لبس الثوب أو غسله وكما إذا ركب الدابة أو علفها أو سقاها أو ركب السيارة أو سكن الدار لم يمنع ذلك من ان يرجع الواهب بهبتة ، فله ان يسترد المال إذا لم يكن الموهوب له ذا رحم ولم تكن الهبة ذات عوض ، ولم يقصد بها التقرب إلى الله كما تقدم بيانه .


المسألة 31

إذا تصرف الموهوب له في الثوب الموهوب فصبغه أو صبغ السيارة ففي كون ذلك من التصرف المغير للعين اشكال ، فلا يترك الاحتياط بعدم رجوع الواهب في الهبة ، وبالمصالحة بين الطرفين إذا هو رجع في هبته .


المسألة 32

إذا جاز للواهب أن يرجع في هبته ، صح له أن يرجع بهبته كلها فيسترد جميع المال الموهوب من الشخص الموهوب له ، وصح له ان يرجع ببعض هبته فإذا كان قد وهب للشخص شيئين بعقد واحد فله أن يرجع بهبة أحد الشيئين ، ويبقي الهبة في الشئ الثاني ، وإذا كان قد وهبه شيئا واحدا فله أن يرجع بهبة بعضه مشاعا ومعينا فإذا كان قد وهبه دارا ، فله ان يرجع بهبة نصف الدار مشاعا وله أن يرجع بهبة نصفها المحاذي لدار فلان مثلا . وإذا وهب شيئين لرجلين بعقد واحد وقبضا ما وهب لهما وكانت الهبة جائزة ، جاز له ان يرجع في هبة احد الرجلين دون الآخر .


المسألة 33

تطلق الهبة على نوعين : معوضة وغير معوضة ، والمعوضة من الهبة على نحوين : الاولى هي ما شرط الواهب فيها على الشخص الموهوب له ان يعوضه عن هبته بعوض معين أو غير معين ، سواء وفي الموهوب له بشرطه أم لم يف ولم يعوض ، وتسمى هذه بالهبة المشروطة . والثانية هي ما دفع الموهوب له للواهب عوضا عن هبته ، قليلا أم كثيرا ، سواء شرط الواهب عليه ذلك أم دفع الموهوب له العوض من غير شرط . وتلاحظ المسألة الرابعة والعشرون . والهبة غير المعوضة هي التي لم يشترط الواهب فيها العوض ، ولم يدفع الموهوب له للواهب عنها عوضا .



المسألة 34

إذا اطلق الواهب هبته ولم يشترط فيها على الشخص الموهوب له أن يدفع إليه عن الهبة عوضا ، لم يجب على الموهوب له ان يدفع إليه شيئا على الاقوى ، سواء كان الواهب أدنى منزلة من الموهوب له أم كان مساويا له في المنزلة أم ارفع ، وان كان الاحوط استحبابا أن يدفع الموهوب له عوضا للواهب إذا كان الواهب ادنى منه منزلة . وإذا دفع الموهوب له إلى الواهب عوضا عن هبته من غير شرط لم يجب على الواهب أن يقبل العوض المدفوع إليه ، وإذا أخذ العوض لزمت الهبة ، ولم يجز للواهب ان يرجع بها كما تقدم في المسألة الرابعة والعشرين ، ولم يجز للموهوب له ان يرجع بالعوض الذي دفعه على الاحوط بل على الاقوى .


المسألة 35

إذا شرط الواهب على الشخص الموهوب له في العقد أن يدفع إليه عوضا عن هبته وتم العقد ووقع القبض على ذلك لزم على الموهوب له أن يدفع للواهب العوض المشترط عليه ، ويجوز له أن يرد الهبة فإذا هو ردها لم يجب عليه التعويض عنها ، وإذا هو لم يرد الهبة ولم يدفع العوض الذي اشترطه الواهب جاز للواهب أن يرجع في هبته كما تقدم بيانه .


المسألة 36

إذا اشترط الواهب على الموهوب له ان يدفع عن الهبة عوضا ، وعين
العوض الذي يدفعه وتم على ذلك الايجاب والقبول ووقع عليه القبض ، تعين على الموهوب له دفع العوض المعين ، إذا هو لم يرد الهبة على الواهب . وإذا أطلق الواهب ولم يعين عوضا خاصا ، أجزأ الموهوب له أن يدفع للواهب شيئا يسيرا عوضا عن هبته ، الا أن تقوم قرينة خاصة أو عامة من عادة ونحوها على أن يكون العوض المدفوع بمقدار المال الموهوب مثلا أو قيمة أو اكثر منه ، فيتعين على الموهوب له ذلك ، ويجوز له ان يرد الهبة كما تقدم فلا يجب عليه دفع العوض .


المسألة 37

إذا أراد الواهب أن يشترط في عقد الهبة على الموهوب له ان يدفع له عوضا عن هبته ، فيمكن له أن يشترط عليه ان يدفع العوض على وجه الهبة ، فيقول له مثلا : وهبتك هذه الدار المعينة ، بشرط أن تهبني دارك المعينة في الكوفة عوضا عن ذلك ، فيكون مضمون العقد هبة في مقابلة هبة ، فإذا قبل صاحبه بالشرط ووهب له داره في الكوفة فقد دفع إليه العوض المشترط عليه ، ويشترط القبض في صحة الهبة الثانية كما يشترط في صحة الهبة الاولى . ويصح للواهب ان يشترط على الموهوب له ان يبيع عليه شيئا معينا بثمن معين أو بثمن مثله ، فيقول له مثلا وهبتك هذه الدار المعلومة بشرط أن تبيعني بستانك الواقع في كربلاء بألف دينار ، أو يقول له بشرط أن تبيعني البستان بالثمن الذي يقومه به أهل الخبرة ، فيكون المضمون هبة مشروطة ببيع ، فإذا قبل الموهب له بذلك ، ثم باعه البستان بالثمن المحدد فقد وفى له بالشرط ودفع إليه عوض الهبة . ويجوز له ان يشترط على الموهوب له ان يملكه شيئا معينا بالصلح ، أو يصالحه على أمر ، فيقول له مثلا وهبتك هذه السلعة بشرط أن تصالحني عن سيارتك المعينة بسيارتي هذه ، أو يقول له : بشرط ان تصالحني عن حقك في الشفعة في البستان الذي اشتريته في الكوفة ، فيكون المضمون هبة مشروطة بصلح ، فإذا قبل صاحبه العقد المشروط ثم صالحه كما طلب فقد وفى بشرطه واعطاه عوض هبته .ويجوز له أن يشترط على الموهوب له أن يبرئه من دين له في ذمته ، أو يسقط له حقا ثبت له عليه ، فيقول له وهبتك هذا المتاع بشرط ان تبرئ ذمتي من دينك الذي تستحقه علي ، أو من نصفه ، أو بشرط ان تؤجلني به إلى سنة ، أو يقول له بشرط أن تسقط خيارك في الدار التي اشتريتها منك ، فيكون مضمون العقد هبة مشروطة بابراء ذمة أو باسقاط حق ، فإذا قبل الموهوب له العقد وابرأ ذمة المواهب من الدين أو أجله فيه أو أسقط له الخيار فقد وفى له بما اشترط ودفع له عوض الهبة . ويصح له ان يشترط على الموهوب له أن يعمل له عملا فيبني له داره أو يقوم له بعمل خاص ، فيقول له : وهبتك هذا الشئ بشرط ان تتجر لي في بضاعتي مدة شهر ، أو بشرط أن تدافع عني في مرافعتي مع فلان ، فيكون مضمون العقد هبة مشروطة بعمل ، فإذا قبل الموهوب له العقد وقام للواهب بالعمل الذي طلب منه فقد وفى بالشرط ودفع إليه العوض . وهكذا .


المسألة 38

إذا وهب رجل امرأة دارا له أو عقارا ، واشترط على المرأة في عقد الهبة أن تزوجه نفسها وقبلت المرأة الهبة منه والشرط ، وقبضت المال الموهوب على ذلك ، لزم عليها أن تفي للواهب بالشرط سواء كان قد عين لها مقدار الصداق في اشتراطه التزويج بها أم ترك الخيار لها في تقديره ، فقال لها - مثلا - وهبتك الدار المعينة ، بشرط أن تزوجيني نفسك على صداق قدره ألف دينار ، أو قال بشرط أن تزوجيني نفسك على ما تعينين من الصداق . فإذا قبلت بذلك وقبضت الدار الموهوبة ، صحت الهبة وصح الشرط ، وكان مضمون العقد هبة في مقابلة عقد نكاح ، فإذا هي زوجته نفسها ، فقد دفعت إليه عوض الهبة الذي اشترطه عليها ، فلا يحق للرجل أن يرجع في هبته اياها ، ويجوز للمرأة أن ترد الهبة على الرجل فلا يجب عليها دفع العوض المشترط كما ذكرنا مرارا ، وإذا هي لم ترد الهبة على الرجل ولم تزوجه نفسها جاز للرجل أن يرجع في هبته .


المسألة 39

إذا وهب الرجل رجلا آخر دارا أو عقارا مثلا واشترط عليه في عقد الهبة أن يزوجه بنته الصغيرة ، وقبل الموهوب له الهبة منه والشرط وحصل القبض على ذلك ، وكانت شروط تزويج الواهب بالصغيرة متوفرة فشروط الولاية على البنت تامة في أبيها الموهوب له ، ولا مفسدة في تزويج الواهب بها . أقول : إذا تحقق في الفرض جميع ذلك صحت الهبة وصح الشرط ، ووجب على الاب الموهوب له ان يزوج بنته الصغيرة من الواهب ، ويجوز له أن يرد الهبة ، فلا يجب عليه الوفاء بالشرط . وإذا زوجه الصغيرة كما اشترط لزمت الهبة على الواهب فلا يجوز له ان يرجع بها ، وإذا لم يرد الموهوب له الهبة ولم يف للواهب بالشرط ، كان للواهب ان يرجع بالهبة ، والامر في الصداق كما تقدم .


المسألة 40

إذا اشترط الواهب على الرجل الموهوب له في العقد أن يزوجه بنته الرشيدة ، وكات البنت قد أوكلت أمر تزويجها إلى أبيها ، بحيث كان أبوها الموهوب له مستجمعا لشروط الولاية على البنت والوكالة منها ، كان له أن يقبل الشرط ، وإذا هو قبل الهبة وقبل الشرط جرى فيه الحكم المتقدم في المسألة السابقة سواء بسواء .


المسألة 41

إذا اشترط الرجل الواهب على الموهوب له في العقد أن يزوجه أخته أو بنته التي لا ولاية له عليها لم يكن له أن يقبل الشرط من الواهب لعدم قدرته على الوفاء به وكانت الهبة باطلة لعدم قبول الموهوب له .


المسألة 42

إذا وهبت المرأة لرجل شيئا من مالها واشترطت عليه في عقد الهبة ان يتزوج بها ، جاز للموهوب له أن يقبل الهبة ويقبل الشرط إذا لم يكن له مانع شرعي من التزوج بها ، وإذا قبل الهبة والشرط وقبض المال الموهوب وجب عليه الوفاء بالشرط على النحو المتقدم وتترتب عليها الآثار المتقدم بيانها .


المسألة 43

إذا وهب الرجل غيره شيئا من ماله واشترط عليه في عقد الهبة شيئا يعود نفعه إلى شخص ثالث ، ومثال ذلك أن يهبه سلعة ، ويشترط على الموهوب له ان يهب زيدا وهو غيرهما عينا مخصوصة من مال الموهوب له ، أو يبرئ زيدا من دين يستحقه في ذمته أو يسقط له حقا من حقوقه ، أو يشترط عليه ان يبيع على الشخص المذكور شيئا معينا من ماله أو أن يصالحه في شئ أو أن يزوجه بنته ، فهل يكون ذلك من التعويض المتقدم بيانه وتترتب عليه لوازمه ؟ . قد يقال بذلك ، فان الوفاء بالشرط الذي يشترطه الواهب غاية من غاياته ، وقد يترتب عليه غرض لاحظه أو مثوبة يرجوها ، وان لم يعد إليه نفع الشرط بحسب الظاهر ، ولكن المسألة مشكلة ، فلا يترك فيها الاحتياط ، واشد من ذلك اشكالا ما إذا كان الشرط الذي يشترطه الواهب مما يعود نفعه إلى الشخص الموهوب له بنفسه ، فلا تترك فيه مراعاة الاحتياط .


المسألة 44

إذا تم الايجاب والقبول في عقد الهبة ، وقبض الشخص الموهوب له المال ، صحت الهبة ، وترتب أثرها ، فملك الموهوب له المال ، وملك كل نماء يتجدد للمال بعد العقد والقبض ، فإذا كان المورد مما يجوز للواهب فيه أن يرجع في هبته ، فرجع في الهبة واسترد المال الموهوب ، لم يسترجع معه نماءه المنفصل الذي تجدد بعد العقد والقبض ، كالولد ، واللبن الذي انفصل عن الضرع ، والثمر الذي جذ من النخيل أو قطف من الشجر ، ولم يسترجع معه النماء الذي يكون في حكم المنفصل كالحمل في بطن الدابة ، واللبن في الضرع والثمر على النخيل أو على الشجر قبل جذاذه وقطافه . واما النماء المتصل كالطول والكبر في الحيوان والشجر ، وكالسمن في الحيوان ، وكالنمو وبلوغ الثمرة في الشجر ، ونحو ذلك ، فهو تابع للعين ، فإذا استرد الواهب عين المال استرد معها هذه النماءات المتصلة .


المسألة 45

إذا كان السمن في الحيوان أكثر مما يتعارف في مثله ، فالاحوط المصالحة عنه بين الموهوب له والواهب إذا هو رجع في هبته واسترد المال . وكذلك في الصوف والوبر والشعر في الحيوان ، ونحو ذلك من النماءات المتصلة ولكنها تصلح للانفصال ، فالاحوط المصالحة عنها بين الموهوب له والواهب إذا هو رجع في الهبة واسترد المال الموهوب .


المسألة 46

إذا رجع الواهب في هبتة حيث يجوز له ذلك ووجد المال الموهوب معيبا ، استرد العين القائمة ولم يستحق أرشا على العيب الذي وجده فيها .


المسألة 47

إذا تم عقد الهبة وقبض الموهوب له المال ثم مات الواهب ، لزمت الهبة ولم يجز لورثة الواهب الرجوع فيها وان كانت الهبة لاجنبي وغير معوضة ، أو كانت مشروطة ولم يف الموهوب له بالشرط فلا يقوم ورثة الواهب مقام أبيهم في جواز الرجوع بالهبة . وإذا مات الشخص الموهوب له - في مثل الفرض المذكور - لزمت الهبة كذلك ، وانتقل المال الموهوب إلى ورثته ، ولم يجز للواهب أن يرجع في الهبة ويسترد المال ، وأولى من ذلك بالحكم ما إذا مات المتعاقدان كلاهما وبقي ورثتهما ، فلا يجوز الرجوع بالهبة .


المسألة 48

إذا وهب الانسان لغيره شيئا ، وقبض الشخص الموهوب له المال ، وكانت الهبة لازمة ، لان الرجل الموهوب له ذو قرابة من الواهب ، أو لان الهبة قد عوض عنها ، أو لان الواهب قد قصد بها التقرب إلى الله ، لم يجز للواهب أن يتصرف في المال الموهوب ببيع أو صلح أو اجارة أو رهن أو غير ذلك ، فإذا باع العين الموهوبة كان البيع فضوليا ، فان أجازه الموهوب له صح والا كان باطلا ، وكذلك إذا صالح عليه أحداأو آجره اياه أو رهنه عنده كان تصرفه فضوليا لا يصح الا باجازة الموهوب له .


المسألة 49

إذا وهب الانسان شيئا لغيره كذلك وكانت الهبة غير لازمة ، ثم باع الواهب عين المال فان كان حينما باع المال الموهوب ذاكرا لهبته غير غافل عنها ولا ناس لها ، فالظاهر صحة بيعه ويكون بيعه المال رجوعا منه في الهبة . وإذا كان حينما باع المال ناسيا لهبته أو غافلا عنها ، ففي كون البيع في هذه الحال رجوعا في الهبة اشكال ، ولابد في هذا الفرض من مراعاة الاحتياط ولو بالمصالحة من الطرفين .


المسألة 50

إذا كانت الهبة غير لازمة ، وأراد الواهب أن يرجع بها ، فيمكن له أن ينشئ الرجوع بالقول ، فيقول : رجعت بهبتي لفلان ، أو فسخت عقد الهبة بيني وبينه ، أو غير ذلك من الالفاظ التي تؤدي المعنى المراد . ويمكن له أن ينشئ الرجوع بالفعل ، فيأخذ عين المال الموهوب من يد الموهوب له بقصد فسخ العقد ، أو يبيع العين على غيره بقصد الرجوع بالهبة ، أو يؤجر العين ، أو يرهنها أو يملكها لغيره بالمصالحة أو يوقف العين أو يعتق العبد الموهوب ، ويقصد في جميع هذه الافعال الرجوع بالهبة .


المسألة 51

لا يشترط في صحة رجوع الواهب في هبته ان يعلم الموهوب له برجوعه فيها فإذا انشأ الرجوع فيها بالقول أو بالفعل صح ذلك وان لم يعلم الموهوب له برجوعه .


المسألة 52

قد ذكرنا في المسألة الخامسة والعشرين : ان من الهبات اللازمة التي لا يجوز للواهب الرجوع فيها ، الهبات التي يقصد الواهب بها وجه الله سبحانه ويتقرب بها إليه ، وذكرنا في أول كتاب الهبة : ان الهبة المبحوث
عنها في هذا الكتاب والتي تذكر فيه أحكامها تخالف الصدقة في المعنى والفرق بين المعنيين واضح لا ينبغي ان يخفي . فالصدقة في واقع أمرها احسان من المعطي إلى الفقير على وجه القربة ، فقد تكون احسانا إليه بتمليك المال له ومواساته به وقد تكون احسانا إليه بصرف المال عليه باطعام أو اكساء أو اسكان أو شبه ذلك من غير تمليك ، وقد تكون احسانا إليه بابراء ذمته من دين أو حق ، وكلها اعطاء واحسان ومواساة تختلف في لب معناها المقصود عن نوع الاعطاء ونوع الاحسان ونوع المواساة في الهبة . والهبات التي يتقرب بها إلى الله سبحانه ويقصد بها وجهه الكريم كثيرة ، وهي متفاوتة في الفضل وتحصيل الزلفى لديه . فالهبة للابوين والهدية لهما من أفضل ما يتقرب به الوالد إلى الله ويقصد به وجهه ، فهي صلة لهما ومن أجلى مظاهر البر والرحمة بهما والاحسان اليهما ، وقد تواترت الادلة في فضل ذلك والامر به والحث الشديد عليه ، وخصوصها البر بالام وصلتها والاحسان إليها . وكذلك الهبة للاولاد : البنين والبنات ، فقد تكثرت الادلة وتنوعت في الدلالة على الرأفة بهم ، والرفق بهم في شؤونهم ، والاحسان إليهم ولا سيما الضعفاء والمحتاجون منهم . وصلة الارحام والبر بهم والتكريم لهم والقيام بتسديد حوائجهم واعوازهم ، فهي من كبير ما يتقرب به العبد إلى الله ، وعظيم ما يوجب الزلفة عنده ، والادلة على ذلك كثيرة وفيرة . وفي أحاديث العترة الطاهرة من أهل البيت عليهم السلام : ان صلة الرحم أعجل الطاعات ثوابا ، ومعنى ذلك أن من وصل رحمه ينال ثواب صلته في الدنيا قبل الآخرة ، كما ان قطيعة الرحم من اعجل الخطيئات عقوبة . فقد ورد عن الامام محمد بن علي الباقر عليه السلام عن كتاب علي عليه السلام : ان أعجل الطاعة ثوابا لصلة الرحم ، وان القوم ليكونون فجارا ، فيتواصلون فتنمى أموالهم ويثرون ، وان اليمين الكاذبة وقطيعة الرحم ليذران الديار بلاقع من أهلها . ومن عظيم القربات إلى الله الصلة والبر بالاخوان في الله من المؤمنين وان لم يكونوا أرحاما وأقرباء ، وخصوصا أهل العلم والتقوى منهم ، المقربون عند الله وذوو المنزلة لديه والذين يكون التقرب منهم تقربا إلى الله ، وادخال السرور عليهم ادخالا للسرور على المعصومين ساداتهم . ومن القربات الكبيرة إلى الله : الصلة والهدايا للذرية الطيبة من ولد الرسول الله صلى الله عليه وآله وابناء الائمة الهداة عليهم السلام من المؤمنين المتقين الذين تكون صلتهم صلة لاجدادهم الطاهرين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين .


المسألة 53

يجوز للاب أن يخص بعض أولاده بالهبة أو العطية ، ولا يهب ولا يعطي الآخرين منهم إذا كان لمن وهب له أو أعطاه مزية في العلم أو التقوى أو احدى المميزات الشرعية الاخرى ، لا توجد في غيره منهم ، ويجوز له أن يهب للجميع ويعطيهم ، ويفضل صاحب المزية بزيادة على من سواه ، بل الظاهر انه يجوز له ان يخصه بالهبة أو يفضله على غيره إذا كانت له احدى المميزات المحمودة بين العقلاء وان لم تكن شرعية ويجوز له أن يخص بعضهم كذلك بالعطية ، أو يفضله على غيره مع التساوي وعدم المزية ، على كراهة في ذلك ولعل الكراهة تكون أشد إذا كان غير المخصوص أو المفضل هو صاحب المزية . ويحرم التخصيص أو التفضيل إذا كان ذلك يوجب وقوع البغضاء والحقد والعداء والفتنة بينهم ، والاحوط لزوما اجتنابه إذا كان مظنة لوقوع ذلك ، أو كان سببا لانحراف الآخرين منهم ووقوعهم في الضلال بل الظاهر التحريم في الفرض الاخير إذا علم بوقوع ذلك .


المسألة 54

إذا كانت الهبة مما يجوز للواهب أن يرجع بها ، ثم اشترط الشخص الموهوب له على الواهب في ضمن احد العقود اللازمة ان لا يرجع في هبته ، وقبل الواهب بذلك ، وجب على الواهب ان يفي له بالشرط فلا يجوز له ان يرجع بالهبة .


المسألة 55

يكره للواهب أن يرجع في هبته حيث تكون الهبة جائزة يصح له الرجوع فيها ، فقد ورد عن الامام ابي عبد الله عليه السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من رجع في هبته كالراجع في قيئه .


المسألة 56

لا يشترط في صحة الهبة ان يعلم الواهب والموهوب له بمقدار المال الموهوب ، فإذا وهبه ما في الكيس ، أو وهبه هذه الصبرة من الطعام وهما لا يعلمان مقدار ما في الكيس من المال ، وما تحتوي عليه الصبرة من الطعام ، صحت الهبة ، وكذا إذا وهبه نصف الصبرة أو ربعها ، وهما لا يعرفان بمقدارها حتى يعرفا مقدار النصف أو الربع الموهوب منها ، أو وهبه ما في ذمته من الدين وقد نسى الطرفان مقدار الدين ، فتصح الهبة في جميع هذه الفروض ، نعم لابد من تعيين الجزء إذا وهبه جزءا مشاعا من الشئ ، فلا يصح ان يهبه جزءا من الدار ولا يعين أن الجزء الموهوب هو ثلث الدار أو ربعها . ولابد من تعيين المقدار إذا وهبه كليا في ذمة الواهب ، فلا يصح أن يهبه مقدارا كليا من الحنطة في الذمة من غير أن يعين المقدار ، منا واحدا أو عشرة امنان .


المسألة 57

إذا وهب الرجل غيره شيئا معينا ، وقبض الموهوب له المال الموهوب ، ثم استبان بعد ذلك ان المال الموهوب ملك غير الواهب ، بطلت الهبة ، وجاز لمالك المال ان يأخذ ماله حيث وجده ، وإذا كان المال تالفا ، جاز لمالكه ان يرجع بمثله إذا كان مثليا وبقيمته إذا كان قيميا . ويتخير في أن يرجع بذلك على الواهب أو على الموهوب له ، وإذا رجع المالك به على الموهوب له ، جاز لهذا أن يرجع على الواهب بما غرم للمالك . لانه مغرور من قبله .


المسألة 58

إذا وهب الرجل غيره شيئا كليا ، ودفع إلى الموهوب له فردا خاصا من الكلي ، وبعد أن قبضه الموهوب له ظهر ان الفرد المدفوع إليه ملك غير الواهب ، جاز للمالك أن يأخذ ما يملكه وهو الفرد المدفوع ، وجاز للواهب أن يدفع للموهوب له فردا غيره ، وإذا دفعه إليه تحقق بذلك القبض ، وصحت الهبة ، ويجوز له ان لا يدفع إليه شيئا لعدم تحقق القبض بالدفع الاول فلم تصح الهبة لعدم شرطها .


المسألة 59

إذا وهب أحد غيره مالا معينا ، فأتلف الشخص الموهوب له عين المال الموهوب ، فالظاهر بطلان الهبة ، لعدم تحقق شرط صحتها وهو القبض ، واتلاف الشخص الموهوب له المال لا يعد قبضا له لتصح الهبة بذلك ، وعلى الموهوب له ضمان المال الذي أتلفه لمالكه وهو الواهب ، فيدفع له مثله إذا كان مثليا ، وقيمته إذا كان قيميا .


المسألة 60

إذا دفع الشخص الموهوب له إلى الواهب عوضا عن هبته وقبضه الواهب ثم ظهر ان العوض مملوك لغير دافعه ، جاز لمالكه أن يأخذ عين ماله حيث وجدها إذا كانت موجودة ، وإذا كان المال تالفا جاز لمالكه أن يرجع بمثله أو قيمته ، ويتخير في ان يرجع بذلك على الواهب أو على الموهوب له وإذا رجع به على الواهب رجع الواهب على الموهوب له بما اغترم وصارت الهبة غير معوضة .