كتاب الصلح

المسألة 1

الصلح هو التوافق والتسالم بين طرفين أو اكثر على ايجاد أمر بينهما ، كتمليك عين من أحد الطرفين للطرف الآخر بعوض أو بغير عوض ، أو تمليك منفعة كذلك أو نقل حق ، أو اسقاط حق ثابت أو محتمل الثبوت ، أو ابراء من دين ثابت أو محتمل الثبوت ، ونحو ذلك . وقد عرفه جماعة بأنه عقد شرع للتراضي والتسالم بين شخصين على أمر ، والاول بيان للنتيجة التي تقع بين المتصالحين ، والثاني بيان للسبب الذي يؤدي إلى حصول النتيجة .


المسألة 2

الصلح جائز بين المسلمين ، الا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا ، كما ورد عن الرسول صلى الله عليه وآله والمراد انه ثابت ونافذ الاثر بين المسلمين الا ما استثناه صلى الله عليه وآله . ولا يشترط في صحة الصلح أن يسبق بين المتصالحين نزاع وخصومة أو أن يكون المورد قابلا لحدوث نزاع وخصومة ، بل يصح أن يقع ابتداء ، فيتسالم شخصان على أن يملك أحدهما صاحبه شيئا معينا بعوض معلوم أو بغير عوض ، أو يملكه منفعة داره أو دابته مدة معلومة بعوض معلوم أو بغير عوض .


المسألة 3

لا يختص الصلح بأن يقع بين شخصين أو بين طرفين فقط ، بل يصح وقوعه بين اكثر من ذلك ومثال ذلك أن يتنازع زيد وعمرو وبكر في أرض مثلا فيدعي كل واحد من الثلاثة ان جميع الارض المتنازع فيها ملك له خاصة ، فيصح لهم أن يتصالحوا بينهم ، فيملكوا كل واحد منهم قسما من الارض بعوض أو بغير عوض ، ويصح لهم أن يملكوا الارض كلها واحدا منهم بعوض يدفعه للآخرين . ويصح أن يقع الصلح بين فريقين ، فإذا تنازع ورثة زيد وورثة عمرو في الدار بعد موت المورثين ، فادعى كل واحد من الفريقين ان جميع الدار ملك لمورثه ، فللفريقين أن يصطلحا فيملكا الدار لاحد الفريقين بعوض معين يدفعه للفريق الثاني ، فيصح الصلح ، ويقتسم الفريق الذي ملك الدار دارهم بينهم بحسب سهامهم الثابتة لهم في المواريث ، ويقتسم الفريق الثاني الذي ملك العوض عوضهم كذلك .


المسألة 4

الصلح عقد شرعي مستقل يقابل سائر العقود الشرعية الاخرى ولا يكون راجعا إلى شئ منها وان كان مشابها له في الاثر في بعض موارده ، فإذا تسالم زيد وعمرو مثلا ، فصالح زيد عمرا عن داره المعينة بألف دينار وقبل عمرو بذلك وأخذ العوض من زيد ، فالمعاملة الواقعة صلح وليست بيعا وان اشبهت البيع في انها تمليك عين الدار بعوض معلوم ، ولذلك فلا يشترط فيه شرائط البيع ولا تلحقه أحكامه ، فإذا كان العوض والمعوض في المعاملة من الذهب أو الفضة لم يشترط فيها ان يحصل التقابض قبل الافتراق ، لان ذلك شرط في بيع الصرف ، وليس شرطا في الصلح ، ولا يثبت فيه خيار المجلس للمتعاقدين ، ولا يثبت فيه خيار الحيوان إذا كان العوض أو المعوض حيوانا ، فانهما من أحكام البيع وليسا من أحكام الصلح ، وهكذا . وإذا صالح الرجل صاحبه فملكه الدار بغير عوض فالمعاملة الواقعة بينهما صلح وليست هبة وان اشبهتها في انها تمليك عين بغير عوض ، ولذلك فلا يشترط فيها شروط الهبة . وإذا صالح صاحبه فملكه سكنى داره مدة سنة بعوض معين ، فهو صلح كذلك وليس اجارة وان أفاد فائدة الاجارة ، فملك المنفعة في المدة بعوض معلوم ، ولذلك فلا تجري فيه أحكام الاجارة . وإذا صالحه عن دين له في ذمته فأسقطه عنه بغير عوض ، فهو صلح وليس ابراء وان أشبهه في النتيجة فلا تجري عليه أحكام الابراء وهكذا .


المسألة 5

الصلح عقد من العقود كما ذكرنا اكثر من مرة ، ولذلك فلابد فيه من الايجاب والقبول في جميع موارده ، حتى في مورد المصالحة على ابراء ذمة المدين من الدين الثابت وفي مورد المصالحة على اسقاط الحق عن من عليه الحق ، فان ابراء ذمة المدين من الايقاعات ، فيكفي فيه انشاؤه من صاحب الدين ولا يفتقر إلى قبول من عليه الدين ، وكذلك اسقاط الحق فانه من الايقاعات ، فيتحقق بانشائه من صاحب الحق ولا يحتاج إلى قبول من عليه الحق ، ولكنهما حينما يؤتى بهما على وجه الصلح ، فلابد فيهما من ايجاب صاحب الدين وصاحب الحق ، ولابد فيهما من قبول المدين ومن عليه الحق ، وقد أشرنا إلى هذا في المسألة المتقدمة


المسألة 6

ليس لعقد الصلح صيغة مخصوصة ، فيصح انشاؤه بأي لفظ يفيد معنى التسالم والتراضي بالامر الذي يريد المتصالحان اقراره بينهما إذا كان اللفظ دالا على ذلك المعنى في المتفاهم العرفي . واللفظ المعروف في انشاء هذا العقد : أن يقول الموجب لصاحبه في تمليك العين صالحتك عن دارك المعينة مثلا بألف دينار ، فيقول صاحبه : قبلت المصالحة عن الدار بألف دينار ، أو رضيت بالمصالحة ، أو اصطلحت عن الدار بالعوض المعلوم . ويقول الموجب في تمليك المنفعة : صالحتك عن سكنى دارك المعينة مدة سنة بعوض كذا ، فيقبل المصالح بذلك ويقول له في ابراء الذمة صالحتك على ابراء ذمتك من الدين الذي استحقه عليك ، فيقبل المدين ، ويقول في اسقاط الحق صالحتك على اسقاط حقك من الشفعة مثلا الثابت لك في بيع هذه الدار بعوض كذلك أو بدون عوض ، فيقبل المصالح ، وهكذا .


المسألة 7

إذا تم عقد الصلح بين الموجب والقابل ثبت مضمونه ، وكان من العقود اللازمة على كلا الطرفين حتى في المورد الذي تكون فائدة الصلح فيه فائدة الهبة الجائزة ، فلا يجوز لاحدهما فسخه ، الا إذا تراضى المتصالحان معا بالفسخ ، فأقال كل منهما صاحبه ، والا إذا شرط أحد الطرفين في ضمن عقد الصلح أن يكون له خيار الفسخ في مدة معينة ، وقبل صاحبه بشرطه ، فإذا فسخ من جعل له حق الخيار في الوقت المعين صح وانفسخ العقد .


المسألة 8

لا يجري في عقد الصلح خيار الحيوان إذا كان أحد العوضين حيوانا ، ولا يجري فيه خيار المجلس ولا يجري فيه خيار التأخير ، وقد ذكرنا في فصل الخيارات من كتاب التجارة ان هذه الخيارات الثلاثة تختص بالبيع ولا تجري في ما سواه من العقود . وتجري في عقد الصلح بقية الخيارات المتقدم ذكرها في فصل الخيارات من كتاب التجارة ، كخيار الغبن ، وخيار الشرط وخيار العيب . ولا يجري خيار الشرط في عقد الصلح الذي يفيد فائدة ابراء الذمة أو اسقاط الدعوى .


المسألة 9

إذا وجد المصالح في العين التي ملكها بعقد الصلح عيبا كان له حق الفسخ كما ذكرنا ويجوز له امضاء العقد بالعوض المسمى ، وهل يجوز له أخذ الارش وهو التفاوت ما بين قيمة الصحيح وقيمة المعيب فيه اشكال ، وكذلك الحكم في عوض العين المصالح عنها إذا كان العوض معينا ووجده مالكه بالصلح معيبا فيجوز له فسخ العقد ، ويجوز له امضاؤه بالعوض المسمى ويشكل ثبوت الارش . ويشكل ايضا الحكم بجواز الرد من احداث السنة الذي يثبت في البيع الذي تقدم بيانه في المسألة المائتين والثانية والخمسين من كتاب التجارة .


المسألة 10

يجوز أن يتعلق عقد الصلح بالاعيان ، وإذا تعلق الصلح بالعين أفاد تمليكها لمن وقع له الصلح . وتمليك العين لاحد بعقد الصلح قد يكون بعوض ، وقد يكون بغير عوض ، والشئ الذي يجعل عوضا للعين في عقد الصلح يمكن أن يكون عينا كذلك ، ومثال ذلك : ان يصالح زيد عمرا عن داره المعينة بألف دينار ، فتكون الدار ملكا لزيد ، ويكون العوض ملكا لعمرو ، ويمكن ان يكون العوض منفعة من المنافع ومثال ذلك : أن يصالح زيد عمرا عن الدار المعينة بملك السكنى في دار معينة لزيد مدة معلومة ، فتكون الدار المعوضة ملكا لزيد ، ومنفعة الدار الاخرى في المدة المعلومة ملكا لعمرو ، ويصح أن يكون العوض دينا من الديون ، ومثال ذلك أن يصالح زيد عمرا عن داره المملوكة له بدين معلوم يستحقه زيد وهو الموجب في ذمة عمرو ، أو بدين معلوم يستحقه زيد في ذمة شخص ثالث ، ويصح أن يكون العوض حقا من الحقوق الثابتة لمن وقع له الصلح ، ومثال ذلك : ان يصالح زيد عمرا عن الدار بحق التحجير الثابت لزيد على أرض معلومة . فيصح الصلح في جميع الصور الخمس وتكون فائدة الصلح فائدة البيع في أربع صور منها ، وهي ما كان مضمونه تمليك العين بعوض ، وتكون فائدته فائدة الهبة في صورة واحدة منها ، وهي ما كان مضمون الصلح تمليك العين بغير عوض ، ويستثنى من الصور الخمس الموارد التي تجتمع فيها شرائط الربا ، فلا يصح الصلح فيها ، فلا بد من ملاحظة هذه الموارد والاجتناب عنها ، وسيأتي التنبيه عليها ان شاء الله تعالى .

المسألة 11

يجوز أن يتعلق عقد الصلح بمنفعة معينة من المنافع المملوكة لمن يقع معه الصلح ، وإذا تعلق الصلح بالمنفعة المذكورة أفاد تمليكها لم وقع له الصلح كما ذكرنا في الصلح على العين . وتمليك المنفعة لاحد بعقد الصلح قد يكون بعوض وقد يكون بغير عوض ، والشئ الذي يجعل عوضا للمنفعة يمكن أن يكون عينا ، ومثال ذلك : أن يصالح زيد عمرا على ان يملك السكنى في داره المعينة مدة سنة من تأريخ العقد بمائة دينار ، فتكون سكنى الدار ملكا لزيد في المدة المعينة ، ويكون العوض ملكا لعمرو ، ويمكن أن يكون العوض منفعة معينة أخرى ، ومثال ذلك أن يصالح زيد عمرا عن أن يملك السكنى في داره الواقعة في النجف مدة سنة ، بملك السكنى في دار زيد الواقعة في الكوفة مدة سنة كذلك ، فتكون سكنى دار عمرو المعينة ملكا لزيد وسكنى دار زيد المعينة ملكا لعمرو ، وقد يكون عوض المنفعة دينا ، وقد يكون حقا على نهج ما تقدم في تمليك العين . ويصح الصلح على المنفعة في الصور الخمس ، وتكون فائدته فائدة عقد الاجارة في أربع صور منها وهي ما يكون مضمون الصلح فيها تمليك المنفعة بعوض ، ويكون صلحا مطلقا إذا كان تمليك منفعة بغير عوض .


المسألة 12

إذا تعلق الصلح بدين وكانت المصالحة على الدين مع المدين نفسه أفاد عقد الصلح سقوط الدين عنه ، سواء كان الصلح عنه بعوض أم بغير عوض ، وسواء كان العوض عن الدين عينا أم منفعة ، أم دينا مثله ، أم حقا من الحقوق ، وينتقل العوض إلى ملك الدائن المصالح بدلا عن دينه الذي سقط بالمصالحة إذا كان العوض عينا أو منفعة أو حقا أو دينا على شخص ثالث . وإذا كان العوض دينا عليه سقط ايضا بالمصالحة ، ومثال ذلك أن يكون زيد مدينا لعمرو مائة دينار مثلا ، ويكون عمرو مدينا لزيد عشرين وزنة من الحنطة ، فيصالح زيد عمرا عن دينه الذي يستحقه في ذمته وهو المائة دينار بالدين الذي يستحقه زيد في ذمة عمرو وهو العشرون وزنة من الحنطة ، فيصح الصلح ويسقط الدينان معا ، وتستثنى من ذلك الموارد التي يحصل فيها الربا لاجتماع شرائطه ، فلا يصح الصلح فيها .


المسألة 13

يجوز أن يتعلق الصلح بدين للمصالح على الغير ، ومثال ذلك أن يصالح زيد خالدا عن دين لزيد نفسه في ذمة عمرو ، فإذا تم الصلح على ذلك ملك خالد الدين المعين الذي وقع الصلح عليه وكان خالد هو الدائن لعمرو بدل زيد ، سواء كانت المصالحة على الدين المذكور بعوض أم يغير عوض ، ويصح أن يكون العوض عنه عينا ، ويصح أن يكون منفعة ، وأن يكون حقا وأن يكون دينا ، وتلاحظ المسألة الآتية . ويملك المصالح وهو زيد في المثال المتقدم : العين أو المنفعة أو الحق الذي جعله في عقد الصلح عوضا له عن دينه ، ويملك الدين أيضا إذا كان العوض المجعول له دينا على شخص آخر ، وإذا كان العوض دينا لخالد على زيد نفسه سقط هذا الدين عن زيد بالمصالحة .


المسألة 14

لا يصح الصلح إذا تحققت في المورد شروط الربا في المعاملة ، فإذا أراد الانسان الصلح مع غيره عن عين بعوض ، وكانت العين والعوض من جنس واحد وهو من المكيل أو من الموزون لم تصح المصالحة إذا كان العوض والمعوض في العقد متفاوتين في المقدار سواء كان العوض عن العين عينا مثلها ، أم كان دينا من جنسها . ونتيجة لذلك ، فانما يصح الصلح على العين بالعين أو بالدين إذا كان العوضان مختلفين في الجنس ، أو كانا من غير المكيل ولا الموزون ، أو كان العوضان متساويين في المقدار . وإذا أراد الصلح عن دين بعوض ، وكان الدين وعوضه المجعول له في الصلح من جنس واحد وهو من المكيل أو من الموزون لم تصح المصالحة إذا كان الدين وعوضه متفاوتين في المقدار ، سواء كان العوض دينا في الذمة مثله أم كان عينا ، وسواء كانت المصالحة مع المدين نفسه أم مع شخص غيره . ونتيجة لذلك ، فانما يصح الصلح على الدين بالدين أو بالعين إذا كان العوضان مختلفين في الجنس ، أو كان جنسهما غير مكيل ولا موزون ، أو كان العوضان متساويين في المقدار


المسألة 15

إذا كان لزيد دين على عمرو بمبلغ من الفضة أو الذهب ، فصالحه عن المبلغ ببعضه ، فان كان المقصود من المصالحة بينهما اسقاط المقدار الزائد عن المدين وابراء ذمته منه ، كان الصلح صحيحا وبرئت بذلك ذمة عمرو عن بقية الدين ، وان كان المقصود من الصلح ايقاع المعاوضة بين الزائد والناقص من المبلغ كان الصلح باطلا ولم تبرأ ذمة عمرو من بقية الدين . وإذا كان الدين من غير المكيل ولا الموزون كالاوراق النقدية صح الصلح عليه بأقل منه ، وصح بيعه كذلك ، سواء كان البيع أو الصلح مع المدين نفسه أم مع غيره .


المسألة 16

إذا تعلق الصلح بحق من الحقوق ، فان كان الحق المصالح عليه قابلا للنقل إلى الغير ، كحق التحجير وحق الاختصاص ، صح الصلح عليه وانتقل الحق إلى من وقع له الصلح ، سواء كان الصلح عن الحق بعوض أم بغير عوض ، وسواء كان العوض المجعول له عينا أم منفعة أم دينا أم حقا ، على التفصيلات التي تقدم بيانها في المسائل السابقة ، ويملك الذي وقع معه الصلح العوض . وإذا كان الحق الذي تعلق الصلح به غير قابل للنقل إلى الغير ، ولكنه قابل للاسقاط ، كحق الشفعة ، فانها لا تنتقل لغير الشريك ، وكحق الخيار فانه لا ينتقل لغير من اشترط أو ثبت له الخيار ، أفاد عقد الصلح سقوط هذا الحق عمن عليه الحق ، سواء كانت المصالحة عنه بعوض أم بغير عوض .


المسألة 17

قد اتضح مما تقدم أن الصلح انما يصح تعلقه بالحق إذا كان الحق قابلا للنقل إلى الغير ، فإذا تعلق به الصلح أفاد نقله إلى من وقع له الصلح ، أو كان قابلا للاسقاط وان لم يكن قابلا للنقل ، فإذا تعلق به الصلح أفاد سقوطه عمن عليه الحق . ومن الحقوق القابلة للنقل وللاسقاط كليهما حق الزوجة في قسمة ليالي الزوج بين زوجاته ، فانه قابل للاسقاط من الزوجة ، ولذلك فيصح للرجل أن يصالح زوجته عن حقها هذا بمبلغ من المال ، فإذا صالحها كذلك سقط عنه هذا الحق فلم يجب عليه أن يجعل لها ليلة من الليالي الاربع . وهو كذلك قابل للنقل الى احدى زوجات الرجل الاخرى ، ولذلك فيصح لبعض زوجات الرجل أن تصالح زوجته الاخرى عن الحق المذكور فتكون الليلة الخاصة بتلك الزوجة للزوجة التي صالحتها . ولا يجري الصلح في المجعولات الشرعية التي لا تقبل الاسقاط ، وان سميت في بعض الاطلاقات حقا ، كحق الاب على ولده ، وحق الولد على أبيه ، وحق مطالبة الدائن بدينه إذا كان حالا ، وحق الموكل في أن يعزل وكيله عن وكالته ، وحق الزوج المطلق في أن يرجع بمطلقته الرجعية ، وحق المرأة في أن ترجع ببذلها في طلاق الخلع أو المباراة ، والظاهر ان هذه المذكورات جميعا وأمثالها انما هي أحكام شرعية وليست من الحقوق ، ولذلك فلا تكون موردا للصلح ، واما الحقوق فلابد وأن تكون قابلة للاسقاط .


المسألة 18

يجوز للشخص أن يصالح مالك بعض الاشياء على أن ينتفع الشخص ببعض هذه الاشياء من غير ان يملك منها شيئا أو يملك شيئا من منافعها ، فيسكن بيت المالك أو يتجر في دكانه ، أو يتنقل في سيارته أو يخرج لمنزله جناحا في فضاء ملكه أو يجعل سقفه معتمدا على جداره أو على دعامة في بيته ، أو يشق في أرض المالك نهرا يجري فيه الماء إلى أرض المصالح ، ونحو ذلك من الانتفاعات للمصالح مع ان الملك لمالكه ، فيجوز لهما اجراء عقد الصلح على ذلك بعوض وبغير عوض .


المسألة 19

يشترط في كل واحد من المتصالحين أن يكون بالغا ، وأن يكون عاقلا ، وان يكون قاصدا للمعاملة ، وأن يكون مختارا ، على النحو الذي تقدم اشتراطه في المتبائعين ، وتجري في جميع ذلك التفاصيل التي تقدم بيانها في مسائل شروط المتعاقدين ، ويعتبر في كل واحد من المتصالحين أن لا يكون محجورا عليه لسفه أو لفلس .


المسألة 20

إذا أوقع الانسان الصلح على المال أو على الحق أو على الدين الذي لا يملك التصرف فيه كان فضوليا ، فان أجازه مالك الامر فيه صح ، والا كان باطلا ، كما هو الحال في البيع وبقيد العقود .

المسألة 21

إذا أوقع الفضولي عقد الصلح الذي يفيد فائدة ابراء ذمة المدين من الدين ، أو الذي يفيد فائدة اسقاط الحق عمن عليه الحق ، أو الذي يفيد فائدة اسقاط الدعوى من المدعي ، جرى فيه حكم الفضولي كما ذكرناه في المسألة المتقدمة ، وكانت صحة العقد موقوفة على اجازة من بيده أمر العقد ، فإذا أجازه صح وان لم يجزه بطل ، ولا يكون حكمه حكم ابراء الذمة واسقاط الحق أو الدعوى فان المذكورات من الايقاعات التي يشكل الحكم بصحة الفضولي فيها .


المسألة 22

يجوز للمالك أن يجري عقد الصلح على ثمرة نخيله وعلى ثمرة شجره قبل ظهور الثمرة فيملكها لاحد عاما واحدا أو عامين أو اكثر ، ولا يشترط في صحة المصالحة عليها لعام واحد أن يضم إليها ضميمة كما يشترط ذلك في صحة البيع ، ويجوز له أن يجري عقد الصلح كذلك على الخضر قبل ظهورها في الشجر وعلى البقول وعلى الزرع قبل بروزه من الارض ، ولا يجري عليها حكم البيع الذي ذكرناه في فصل بيع الثمار .


المسألة 23

قد يتعذر المتصالحين أو على أحدهما معرفة مقدار المال الذي يريدان المصالحة عليه تعذرا تاما ، كما إذا اختلط مال احدهما بمال الآخر حتى لم يتميز ولم يعلما بقدر كل واحد من المالين بوجه من الوجوه ، وأرادا التخلص من ذلك بالصلح بينهما . وكما إذا علم زيد بأن لعمرو في ذمته مبلغا من الدين وهو لا يعرف قدره ، وقد نسى عمرو الدين ، أو نسي مقداره ، وأراد زيد براءة ذمته من الدين بالمصالحة . وكما إذا علم زيد بأن احدى الدارين اللتين في يده ملك لعمرو ولم يعلم هو ولا عمرو بها على التعيين ، ولا دليل لهما على تعيينها ، وأراد المصالحة عليها . ولا ريب في صحة الصلح على ذلك في هذه الصورة ، واغتفار الجهالة بالمال في مثل ذلك ، فإذا صالح أحد الشخصين صاحبه - في المثال الاول - عن ماله الواقعي بنصف المال المختلط أو بثلثه مثلا ، أو بمال آخر من أمواله الخاصة ، وقبل صاحبه بذلك ، صح الصلح وملك كل واحد منهما ما اختص به بعقد الصلح ، ولم تضر بذلك جهالتهما بالمقدار . وإذا صالح زيد عمرا - في المثال الثاني - عن دينه الذي يستحقه في ذمته بمقدار يعينانه من المال أو بعين معلومة من أموال زيد أو بشئ آخر مما يملكه : منفعة أو دينا أو حقا ، وقبل عمرو بذلك ، صح الصلح بينهما وبرئت ذمة زيد من الدين ولم يضر الجهالة بمقداره . وإذا صالح زيد عمرا - في المثال الثالث - عن داره المملوكة له في الواقع باحدى الدارين أو بمبلغ معين من المال أو بشئ آخر يصح أن يكون عوضا للدار وقبل عمرو بالمصالحة صحت بينهما ولم تضرها الجهالة بعين الدار .


المسألة 24

قد يتعذر على المتصالحين أو على أحدهما معرفة مقدار المال في الوقت ، وهما يريدان المصالحة فيه على المال ، كما إذا علم زيد بأن لصاحبه نصف هذه الصبرة من الطعام أو ربعها ، وهما لا يعلمان مقدار مجموع الصبرة من الوزن أو الكيل ، ليعلما مقدار ما يملكه منها احدهما على الخصوص ، وليس لديهما بالفعل مكيال ولا ميزان يقدران فيه المال ، وهما يريدان المصالحة عليه في الوقت الحاضر . وكما إذا علم زيد بأن لعمرو عنده مبلغا من المال أو أن له عليه مقدارا من الدين وهما لا يعلمان بالفعل مقدار ذلك المال أو الدين ، لبعدهما عن البلد الذي توجد فيه المثبتات للمال أو الدين المبينات لمقداره ، ولا يمكنهما تأخير المصالحة إلى ان يعرفا مقدار المال . والظاهر جواز المصالحة في هذه الصورة ايضا ، واغتفار الجهالة بالمقدار كما في الصورة المتقدمة ، فيصالح أحد الشخصين صاحبه عن ماله - في المثال الاول - بمقدار من الصبرة أو بمبلغ يعينانه من المال ، أو بشئ معين يتراضيان به عوضا عن المال المصالح عليه ، ويصالح زيد عمرا - في المثال الثاني - عن ماله الواقعي أو عن دينه بمقدار يتراضيان به أو بشئ آخر يتفقان عليه .


المسألة 25

إذا لم يعلم المتصالحان بمقدار المال المصالح عليه بالفعل ، وامكن لهما أن يعلما بمقداره بأن يزنا المال أو يكيلاه ، أو بأن يرجعا إلى الدفاتر والاوراق المثبتة للمال والمعينة لمقداره ، فالاحوط لهما عدم اجراء عقد الصلح على المال حتى يعلما بمقداره .


المسألة 26

إذا كان لزيد عند عمرو مقدار من المال أو كان له عليه مبلغ من الدين ، وكان عمرو يعلم بمقدار المال أو الدين الذي لزيد عليه ، وزيد نفسه لا يعلم بمقداره ، فصالح عمرو زيدا عن المال أو الدين المذكور بأقل منه ، لم تبرأ ذمة عمرو بهذه المصالحة الا بمقدار ما أدى من الدين وبقيت ذمته مشغولة بالباقي منه ولا يحل له الزائد من المال ، الا إذا علم زيد بذلك ورضي بما حصل ، أو كان زيد في حال اجراء المصالحة راضيا بها على كل حال سواء كان المقدار الذي صولح به بمقدار حقه أم أقل منه ، فتصح المصالحة وتبرأ ذمة عمرو من بقية الدين ، ويحل له الزائد من المال .
وكذلك الحكم إذا كان عمرو لا يعلم بمقدار ما لزيد من المال أو الدين على وجه التفصيل ، ولكنه يعلم على وجه الاجمال ان المقدار الذي صالح زيدا به أقل من القدر الواجب عليه ، فلا يحل له الزائد ولا تبرأ ذمته من بقية الدين إذا كان زيد لا يعلم بذلك .


المسألة 27

قد تقدم هاهنا وفي فصل الربا من كتاب التجارة : ان حرمة الربا في المعاملة لا تختص بالبيع بل تجري في الصلح وفي غيره من المعاوضات إذا اجتمعت فيها شروط حرمته ، فإذا أراد أحد الصلح مع غيره عن مال بعوض ، وكان العوض من جنس المال المصالح عليه ، وكانا من المكيل أو الموزون ، فلابد وأن يكون العوضان متساويين في المقدار ، فان زاد أحد العوضين على الاخر كان الصلح باطلا للزوم الربا . نعم إذا كان الصلح الجاري بينهما مقابلة بين مصالحتين مستقلتين تتعلق احداهما بأحد المالين وتتعلق المصالحة الثانية بالمال الآخر ، وليس مبادلة بين عوضين ، كان صحيحا . ومثال ذلك ان يكون لزيد عشرون منا من الحنطة الحمراء ، ويكون لعمرو خمسة وعشرون منا من الحنطة الصفراء فيصالح زيد عمرا عن العشرين منا التي كانت لزيد ويملكه اياها بغير عوض ، على شرط ان يصالحه عمرو عن الخمسة والعشرين منا التي كانت لعمرو فيملكه اياها بغير عوض ، فإذا جرى العقدان بينهما كذلك كانا صحيحين ، وملك كل واحد من المتصالحين ما انتقل إليه بالصلح ولم يلزم الربا في المعاملة .


المسألة 28

انما يلزم الربا في المعاملة ويكون محرما ، وتكون المعاملة باطلة إذا كان المتعاقدان يعلمان بزيادة أحد العوضين المتجانسين على الآخر ، فلا يكون من الربا المحرم ولا تبطل المعاملة إذا كانت زيادة احد العوضين على الآخر محتملة وليست معلومة . ومثال ذلك ان يكون لزيد عند عمرو مقدار من الارز ، ويكون لعمرو عند زيد مقدار من الارز ايضا وهما لا يعلمان بقدر مال زيد عند عمرو ولا بقدر مال عمرو عند زيد ، فيحتمل تساوي المالين في المقدار ويحتمل تفاوتهما ، فيجوز لهما أن يتصالحا بينهما فيملك كل واحد منهما ما عنده عوضا عن ماله عند صاحبه ولا يضر بذلك احتمال زيادة أحد العوضين على الآخر .


المسألة 29

قد اتضح مما بيناه في ما سبق انه يصح للانسان أن يصالح غيره عن دين بدين ، سواء كان الدين المعوض عنه والدين العوض حالين أم مؤجلين ، أم كان أحدهما حالا والآخر مؤجلا ، وسواء كان العوضان من جنس واحد أم كانا مختلفين في الجنس ، وسواء كان المدين بهما شخصا واحدا أم شخصين ، فيصح لزيد أن يصالح خالد فيملكه دينه على بكر بدين خالد على عمرو ، ويصح لزيد أن يصالح خالدا فيملكه دينه على عمرو ، بدين خالد على عمرو نفسه ، فتصح المصالحة عنه في جميع الصور الا إذا كان الدينان من جنس واحد وهو من المكيل أو الموزون ، فلا يصح الصلح عليهما إذا كانا متفاوتين في المقدار .


المسألة 30

إذا أراد الشريكان فسخ عقد الشركة بينهما أو كانا قد فسخا العقد وبقي المال مشتركا بينهما ، جاز لاحد الشريكين أن يصطلح مع الآخر على أن يكون له رأس ماله الشركة ، ويكون الربح والخسران فيها للشريك الآخر ، وإذا كانت الشركة بينهما باقية لا يريدان فسخها اشكل جواز هذا الصلح بينهما ، والاحوط تركه .

المسألة 31

يجوز للمدعي والمدعى عليه أن يصطلحا بعد ترافعهما في الدعوى فيجعلا لكل واحد منهما شيئا من المدعى به ، أو يتراضيا عنه بمال اخر ، ولا ينافي ذلك ان المدعي قد ادعى انه يملك جميع المال ، ولا ينافيه انكار المنكر حق المدعي ، فإذا اصطلحا بينهما ببعض صور الصلح ، سقطت دعوى المدعي ، وسقط حقه الذي كان له قبل الصلح في يمين المنكر ، وليس له أن يجدد المرافعة عند الحاكم الاول أو يجدد الدعوى عند حاكم آخر .


المسألة 32

ما ذكر من الاحكام في المسألة السابقة إذا اصطلح المتداعيان انما هو فصل تنقطع به دعوى المدعي في ظاهر الشريعة ، ولكنه لا يحل به المحرم الواقعي ولا يثبت به غير الحق ، ونتيجة لذلك ، فإذا ادعى المدعي دينا على المدعى عليه وكان صادقا في دعواه ، وانكره المنكر ، ثم صالحه بنصف الدين ، فقد وصل إلى الدائن نصف حقه ولم تبرأ ذمة المنكر من بقية الدين بالمصالحة المذكورة ، ووجب عليه التخلص منه ، وهو آثم بانكاره حق المحق ، الا إذا كان محقا في انكاره بحسب اعتقاده ، فلا اثم عليه في الانكار ، ولكن المال باق في ذمته ، فإذا تبين له خطأ اعتقاده بعد ذلك وجب عليه التخلص من الدين ولم يكفه الصلح الاول ، الا إذا علم بأن المدعي قد رضي بالصلح عن جميع حقه . وإذا ادعى المدعي الدين وكان مبطلا في قوله أثم بذلك وحرم عليه ما يأخذه من المدعى عليه بالصلح ، الا إذا علم بأن المدعى عليه قد رضي بالمصالحة وطابت نفسه بدفع ما دفع إليه من المال .


المسألة 33

إذا تنازع شخصان في ملكية شئ ، فادعى أحدهما ملكية الشئ وأنكر الآخر ، ثم طلب المدعى عليه من المدعي أن يصالحه عن ذلك الشئ ، فلا يعد طلبه المصالحة من المدعي اقرارا منه بحقه فان الصلح يصح مع الاقرار والانكار . وإذا قال المدعى عليه للمدعي بمعني الشئ الذي تدعي به ، أو قال له ملكني اياه ، كان هذا القول من المدعي عليه اقرارا منه بأنه لا يملك الشئ المدعى به ، وفي دلالة قوله هذا على ان الشئ المدعى به ملك للمدعي اشكال .


المسألة 34

إذا ملك شخص ثوبا قيمته عشرة دنانير مثلا ، وملك شخص آخر ثوبا قيمته خمسة عشر دينارا ثم اشتبه أحد الثوبين بالآخر حتى لا يعرف ثوب أحد الرجلين من ثوب الآخر ، فيجوز لاحد الرجلين ان يجعل لصاحبه الخيرة في أن يأخذ اي الثوبين شاء ، فإذا اختار صاحبه ثوبا منهما كان له أخذه والتصرف فيه ، وكان الثوب الثاني للآخر ، ويكون هذا التخيير مصالحة بينهما فيملك كل واحد من الرجلين الثوب الذي صار إليه . وإذا تعاسرا وكان مقصدهما من شراء الثوبين بيعهما والتكسب بهما ، بيع الثوبان ، وقسم ثمنهما على الرجلين بنسبة قيمة كل ثوب منهما إلى مجموع القميتين ، فيدفع لمالك الثوب الذي قيمته عشرة دنانير خمسان من الثمن ، ويدفع لمالك الثوب الذي قيمته خمسة عشر دينارا ثلاثة أخماسه . وإذا كان مقصدهما من الشراء اقتناء الثوبين ولبسهما ، رجعا في تعيين المشتبه الى القرعة ، فيدفع لكل واحد من المالكين الثوب الذي عينته له القرعة . وكذلك إذا اختلف الرجلان في المقصد فكان مقصد احدهما من الشراء بيع الثوب وكان مقصد الثاني لبسه ، فيرجع إلى القرعة .


المسألة 35

إذا كان الثوبان المذكوران متساويين في النوع وفي المالية ، وانما اختلفت قيمتهما في الشراء لاختلاف القيمة في السوق يوم شراء الرجل الاول منهما لثوبه عن يوم شراء الثاني لثوبه ، لم يجر فيهما التفصيل المتقدم بل يرجع في التعيين إلى القرعة .


المسألة 36

لا يتعدى الحكم المتقدم ذكره إلى غير الثوب من الاشياء والمبيعات ، فإذا ملك رجل متاعا قيمته عشرة دنانير وملك رجل آخر متاعا قيمته خمسة عشر دينارا ثم اشتبه احد المتاعين بالآخر فلم يعرف مال أحد الرجلين من مال الآخر لم يجر فيه ما تقدم ، بل يرجع في التعيين إلى القرعة ، فيعطى لكل واحد من المالكين المتاع الذي تعينه له القرعة .


المسألة 37

إذا استودع أحد مقدارا من ماله عند ثقة ، واستودع رجل آخر مقدارا من ماله عند ذلك الثقة أيضا ثم تلف مما في يد الثقة مقدار من غير تعد ولا تفريط ، ولم يدر ان التالف من أي المالين ، فهاهنا صور تجب ملاحظتها للتعرف على أحكامها . ( الصورة الاولى ) : أن تكون وديعة أحد الرجلين مساوية لوديعة الرجل الآخر في المقدار ومثال ذلك ان تكون وديعة الرجل الاول عشرة دنانير ووديعة الرجل الثاني عشرة دنانير كذلك والحكم في هذه الصورة أن يكون تلف التالف من كلا المستودعين ، ويقسم الباقي من مال الوديعتين بينهما بالمناصفة ، فإذا كان التالف من المال في المثال خمسة دنانير فهو من كليهما والباقي منه وهو خمسة عشر دينارا يكون بينهما على التنصيف لكل واحد منهما سبعة دنانير ونصف .


المسألة 38

( الصورة الثانية ) : ان تكون الوديعتان مختلفتين في المقدار ، ويكون التالف بقدر احدى الوديعتين واقل من الثانية ، ومثال ذلك أن تكون وديعة الرجل الاول خمسة دنانير ، وتكون وديعة الرجل الثاني عشرة دنانير ويكون التالف من البين خمسة دنانير بمقدار الوديعة الاولى وأقل من الثانية ، والحكم في هذه الصورة ان يدفع لصاحب الوديعة الكبرى ما زاد على المقدار التالف من مقدار وديعته ، ويقسم ما بقي من المال على المالكين بالتنصيف ، فيدفع للرجل الثاني في المثال وهو صاحب الوديعة الكبرى خمسة دنانير فان ذلك هو المقدار الزائد من وديعته على المقدار التالف ، ويبقى من المال خمسة دنانير فتقسم بين الرجلين بالمناصفة فيكون لصاحب الوديعة الاولى وهي الصغرى ديناران ونصف ، ولصاحب الوديعة الثانية وهي الكبرى سبعة دنانير ونصف ، ويصيب كل واحد منهما من التلف ديناران ونصف . وإذا كانت الوديعة الاولى درهما ، وكانت الوديعة الثانية درهمين - كما هو المورد المنصوص - ثم تلف درهم اعطي صاحب الدرهمين درهما وهو الزائد من وديعته على مقدار التالف ، ثم قسم الدرهم الباقي بين المالكين نصفين فيكون لصاحب الدرهم نصف درهم ولصاحب الدرهمين درهم ونصف ، ويصيب الواحد منهما من التلف نصف درهم .


المسألة 39

( الصورة الثالثة ) : ان تكون الوديعتان مختلفتين في المقدار ، ويكون التالف أقل من كل واحدة من الوديعتين ، ومثال ذلك ان تكون وديعة الرجل الاول اربعة دنانير ووديعة الرجل الثاني ستة دنانير ، ثم يتلف من البين ديناران ، والحكم في هذه الصورة أن يدفع لكل واحد من الرجلين ما زاد من وديعته على المقدار التالف ، ثم يقسم الباقي من المال بينهما نصفين . فيدفع للرجل الاول في المثال ، ديناران ، وهما الزائد من وديعته على مقدار التالف ، ويدفع للرجل الثاني اربعة دنانير ، وهي الزائد من وديعته كذلك على مقدار التالف ، ثم يقسم الباقي وهو ديناران بين الرجلين بالمناصفة ، فيكون مجموع ما يحصل لصاحب الوديعة الاولى ثلاثة دنانير ويكون مجموع ما يحصل لصاحب الوديعة الثانية خمسة دنانير ، ويصيب كل واحد منهما من التلف دينار واحد . وما ذكرناه من الاحكام في الصور الثلاث المتقدم ذكرها يجري في المال إذا كان مثليا كالدراهم والدنانير والحبوب وغيرها ولم يمتزج بعضه ببعض حتى ينتفي التمييز بين المالين وتحصل الشركة بين المالكين كما هو المفروض في الصور المتقدمة جميعا .


المسألة 40

( الصورة الرابعة ) : إذا كانت الوديعتان الآنف ذكرهما في المسائل المتقدمة من المال المثلي وامتزج المالان امتزاجا تاما حتى انتفى التمييز بين المالين واصبح مالا واحدا وحصلت الشركة بين المالكين ثم تلف من المال الممتزج مقدار ، والحكم في هذه الصورة ان يكون التلف على المالكين بنسبة المالين ومثال ذلك : أن يستودع احد الرجلين عند الثقة منين من الدهن ، ويستودعه الرجل الآخر منا واحدا من الدهن أيضا ، ثم يمتزج المالان عند الودعي من غير تعد ولا تفريط من الامين - حتى يحصل الاشتراك بين المالكين في المال ، ثم يتلف من واحد من المجموع ، فيقسم الباقي بين المالكين اثلاثا ثلث منه لصاحب المن الواحد ، وثلثان لصاحب المنين ، ويصيب كل واحد منهما من التلف بتلك النسبة فثلث على صاحب المن وثلثان على صاحب المنين .

المسألة 41

( الصورة الخامسة ) : إذا كان المال في الوديعتين قيميا كالحيوان والثياب والامتعة الاخرى ثم تلف بعضه ، فلابد من المصالحة بين المالكين أو تعيين التالف بالقرعة ، فيكون تلفه على مالكه .


المسألة 42

يجوز للانسان أن يتصرف في فضاء ملكه ما يشاء ، فله أن يخرج فيه جناحا لمنزله أو روشنا أو شباكا مطلا أو ما شاء ، وله أن يعلي بناءه كما يريد ولو باقامة عدة طبقات وان اشرف البناء على منزل غيره . نعم يشكل ان يفتح فيه شباكا أو نافذة تطل على منزل غيره ، وتطلع على ما يستقبح العقلاء والمتدينون الاطلاع عليه من أمورهم وشؤونهم ولا يرضون به ، والاحوط لزوما تركه ، ولا يخلو من قوة في بعض مراتبه ، بل يشكل ذلك وان رضى به الجار نفسه ، ولا تصححه المصالحة مع الجار على اخراج الشباك أو النافذة على عورة بيته ، بعوض أو بغير عوض . وانما يشكل ذلك أو يمنع إذا كان هناك من يطلع ، واما إذا أمن الطرفان من المطلع ، وانما كان فتح النافذة أو الشباك لمجرد التهوية أو الاستضاءة فلا منع ولا اشكال ، ويصح ذلك مع المصالحة وبدونها .


المسألة 43

يجوز للانسان ان يخرج لمنزله جناحا أو روشنا أو نافذة أو شباكا في الشارع العام وعلى الطريق النافذ إذا كان الجناح أو الروشن الذي يخرجه عاليا لا يزاحم المارة ووسائل النقل وناقلات الاحمال التي تمر بالشارع أو الطريق ولا يضر بها ، وليس لاحد أن يمنعه من ذلك ، وان كان الجناح الذي يريد أن يجعله لمنزله يستوعب عرض الطريق ، فليس لصاحب الدار التي تقابله في الطريق ان يمنعه من ذلك ، الا ان يسبقه فيخرج له روشنا أو جناحا فيمنعه بمقدار عرض جناحه أو روشنه الذي أخرجه لمنزله وبمقدار ما يحتاج إليه من الفضاء للتهوية والشمس وشبه ذلك من الضرورات التي لابد منها . ولا يجوز للانسان ان يجعل الجناح أو الروشن أو الساباط الذي يخرجه لمنزله معتمدا على جدار غيره أو على بنائه الا برضاه أو مصالحته ، وإذا كان اخراج الجناح أو الروشن الذي يجعله في الطريق النافذ على نحو يوجب كونه مشرفا على دار غيره اشكل الحكم بجوازه من غير رضى ذلك الغير ، فلا يترك الاحتياط باجتنابه .


المسألة 44

إذا كان لمنزل الرجل جناح أو روشن على الشارع أو على الطريق فانهدم أو هدمه هو عامدا وكان من قصده أن يجدد بناء الجناح أو الروشن في موضعه أو يشغل الموضع بشئ آخر كبناء غرفة مثلا ، لم يجز لغيره أن يشغل ذلك الفضاء ببناء جناح أو غيره . وان لم يقصد الاول ذلك جاز لغيره أن يشغل الموضوع بما يريد مما لا يضر بالمارة ، ولم يفتقر في جواز ذلك الاستيئذان من البائي الاول أو إلى مصالحته .


المسألة 45

إذا جعل الرجل لمنزله جناحا أو روشنا في الطريق النافذ ولم يستوعب عرض الطرق لم يمنع ذلك صاحب الدار المقابلة له في ذلك الطريق من أن يحدث له روشنا أو جناحا إذا كان لا يمنع الاول مما يحتاج إليه في روشنه أو جناحه من الشمس أو التهوية وغيرها من الضرورات التي لا بد منها ، ويشكل بل يمنع إذا منعه من ذلك .


المسألة 46

يجوز للانسان أن يفتح له بابا جديدا على الشارع العام ، أو على الطريق النافذ ، ان كان له باب آخر على الشارع نفسه أو على غيره ، ويجوز له ان يفتح عليه شباكا أو اكثر ، ونافذة أو اكثر ، وان يجعل على الطريق ميزابا لماء المطر وغيره ، وأن يفتح عليه بعض المجاري لفضلات الماء والغسالات إذا لم تضر بالمارة .ويجوز بل يحسن للانسان ان يحفر في الطريق بالوعة لتصريف مياه الامطار وغيرها فيه إذا هو أحكم الاسس والجدر والسقف ولم يضر ذلك بمرور وسائط النقل وغيرها ، بل ويجوز له أن يحفر فيه بالوعة لمنزلة إذا هو أحكم أسسها وجدرانها وسقفها كذلك ولم تضر بالمارة .


المسألة 47

الطريق غير النافذ ، وهو الذي تحيط به الدور من جوانبه الثلاثة ، فلا يسلك فيه من طريق إلى طريق آخر ، ويسمى بالسكة المرفوعة ، ويسمى بالدريبة ، وقد ذهب جماعة من العلماء إلى انه ملك مشترك بين أصحاب الدور التي تفتح أبوابها إلى الطريق نفسه دون غيرهم وان كان حائط داره إليه . ويشكل الحكم بملكية هذا الطريق الخاص إذا لم يكن له سبب مملك آخر ، بل يمنع ذلك ، وانما هو حق خاص بأصحاب الدور المذكورة في بعض الشؤون وليس حقا مطلقا لهم ، ونتيجة لذلك فلا يجب على غيرهم أن يستأذنوا من أرباب الدور إذا أرادوا الدخول إلى الدريبة ، أو أرادوا الوقوف فيه لبعض المقاصد إذا لم يزاحموا بذلك أهل الدور ، وان كان فيهم الايتام والقاصرون . ونتيجة لذلك فإذا سد بعض أصحاب الدور بابه من الدريبة وفتح بابا إلى غيرها سقط حقه منها واصبح من غير اهلها ، ولم يحتج إلى ناقل شرعي لملكيته . ونتيجة لذلك فإذا فتح بعض المجاورين بابا إلى الدريبة باذن أصحاب الدور فيها أصبح شريكا لهم فيها كبقيتهم فتشمله أحكامهم وخصوصا مع طول الدريبة ، وكثرة الدور فيها ، إلى غير ذلك من اللوازم التي تدل على انها حق وليست ملكا .


المسألة 48

لا يجوز لاحد من غير اصحاب الدور في الطريق غير النافذ أن يفتح فيه بابا أو يحدث فيه جناحا أو يبني فيه ساباطا أو ينصب فيه ميزابا أو يحفر فيه بالوعة أو سردابا أو يحدث فيه أي شئ آخر الا باذن أصحاب الحق فيه ، وهم اصحاب الدور التي تفتح ابوابها في الطريق النافذ كما تقدم ، سواء كان ما يحدثه مضرا بهم أم لا ، ولا يكفيه الاذن من بعضهم ، ويجوز له الصلح معهم على جميع ذلك أو على شئ منه ، ولا يكفيه الصلح مع بعضهم إذا لم يأذن له الباقون .


المسألة 49

إذا أذن أصحاب الحق في الدريبة للمجاور بفتح باب فيها أو صالحهم على ذلك بعوض أو بدون عوض ، ففتح الباب كان من أهلها وأصبح شريكا لهم في الحق كما ذكرنا آنفا ، وإذا أذنوا له في ما سوى ذلك أو صالحهم عليه فأحدث له جناحا أو حفر بالوعة أو سردابا أو أحدث ساباطا أو غيره لم يصبح بذلك من أهل الدريبة ولم يشاركهم في الحق ، ولم يجز لهم أو لبعضهم أن يمنعه مما فعله باذنهم أو بالمصالحة معهم وتلاحظ المسألة الرابعة والخمسون الآتية .


المسألة 50

لا يجوز لبعض اصحاب الدور في الدريبة ان يحدث فيها شيئا مما تقدم ذكره الا برضى بقية شركائه فيها ، فلا يبني روشنا أو جناحا أو ساباطا أو يحفر بالوعة أو سردابا ، بل ولا يفتح له بابا آخر الا باذنهم أو بالمصالحة معهم ، ويجوز له أن يسد الباب الاول ويفتح له بابا آخر فيها ، وإذا أذنوا له بشئ من ذلك أو صالحهم عليه ، فأحدثه لم يجز لهم ولا لبعضهم ان يمنعه منه بعد ذلك ولا يكفيه الاذن من بعضهم أو الصلح معه إذا لم يأذن الباقون .

المسألة 51

إذا باع بعض أصحاب الدور داره في الطريق غير النافذ على رجل آخر أصبح المشتري هو صاحب الحق في الطريق ، سواء علم الشركاء الباقون بالبيع أم لم يعلموا ، وسواء اذن من يعلم منهم بالبيع أم لم يأذن .


المسألة 52

إذا أحدث المجاور جناحا أو ساباطا أو غيره في الطريق غير النافذ
باذن اصحاب الحق فيه أو بمصالحتهم ثم باع داره على رجل آخر أصبح المشتري هو مالك الدار والجناح المستحدث فيها ولم يجز لاهل الدريبة منعه من جناحه أو ساباطه .


المسألة 53

يجوز لكل واحد من أصحاب الدور في الدريبة أن يستطرق فيها إلى منزله دخولا وخروجا ، هو وأولاده وعائلته وضيوفه وأصدقاؤه ومن يرغب في زيارته ودوابه ، وله أن يعقد في بيته بعض المجالس التي يعقدها أمثاله لذكريات بعض المعصومين عليهم السلام أو لغير ذلك من المناسبات التي يعتادها نظراؤه في المجتع ، ويحل لمن يرغب في حضور المجالس أن يدخل إليه فيها ولا يفتقر في جميع ذلك إلى الاستيئذان من شركائه في الدريبة ، وان كان فيهم اليتامى والقاصرون ، بل يجوز له الجلوس فيها إذا لم يزاحم حقوق الآخرين ، كما إذا كان جلوسه فيها مانعا من خروج بعض العائلات إلى حاجاتهن .


المسألة 54

إذا صالح الرجل جاره على أن يبني على حائطه بناءا ، أو على ان يجعل سقفه معتمدا على جدار الجار ، فيضع عليه أخشابه أو جذوعه أو حديده ، أو استأجر منه الجدار لذلك أو شرط عليه ذلك في عقد لازم ، وجب على الجار ان يفي بذلك ولم يجز له أن يمنعه من ذلك لا قبل البناء ولا بعده . وإذا استأذن الرجل جاره لشئ من ذلك ، من غير صلح ولا اجارة ولا شرط ، فأذن له جاز للجار أن يرجع في أذنه قبل البناء ، أو قبل أن يضع السقف على الجدار . ويشكل الحكم جدا في جواز رجوع الجار عن اذنه بعد البناء ، أو بعد ان يضع السقف على الجدار ، ولا يترك الاحتياط بالمصالحة بينهما أما بابقاء البناء أو السقف مع الاجرة ، أو بهدمه مع الارض . ولا يجوز للرجل أن يبني على جدار جاره بناءا أو يجعل سقفه معتمدا عليه من غير اذن ولا صلح ولا اجارة ، ولا شرط في ضمن عقد ، فإذاهو فعل ذلك وجب عليه هدمه أو التخلص من حرمته ببعض الصور الممكنة .


المسألة 55

لا يجوز لاحد المالكين أن يتصرف في الجدار المشترك بينهما فيبني عليه بناء أو يجعل عليه سقفا أو يدخل فيه خشبة أو وتدا ، أو يخرج فيه كوة أو روزنة ، الا باذن شريكه أو باحرازه رضاه بشاهد الحال أو بعض القرائن ، وتجوز له الاستعمالات اليسيرة كالاتكاء عليه والاستناد له وتعليق الثوب عليه وشبه ذلك ، وان لم يستأذن منه في ذلك ولم يحرز رضاه ، وإذا صرح الشريك بالمنع أو أظهر الكراهة لم يجز ذلك . ويجوز الاستظلال بظله والاستضاءة بنوره وان صرح بالمنع فان مثل ذلك لا يعد تصرفا في ماله ، فلا يكون محرما .


المسألة 56

إذا احتاج النهر المشترك بين مالكين إلى التنقية أو احتاج البئر المشترك أو العين المشتركة إلى التعمير لم يجبر الشريك على الاشتراك في التنقية والتعمير ، وإذا أراد أحد الشريكين تنقية النهر وتعمير العين أو البئر من ماله ولم يأذن له شريكه بالتصرف رفع الامر إلى الحاكم فخيره بين بيع حصته من شريكه أو من غيره والمشاركة مع شريكه في التعمير والتنقية أو الاذن له في ذلك . وإذا انفق الشريك على النهر أو على العين من ماله فجرى الماء ونبع كان الماء مشتركا بين المالكين ولم يختص به الشريك المنفق ، ولم يجز له منع الآخر منه .


المسألة 57

إذا اشترى الانسان دارا أو ملكها بسبب آخر من هبة أو ارث أو غير ذلك ، ووجد ان جاره قد وضع سقفه على جدار منزله الذي اشتراه ولم يعلم ان وضع السقف على جداره كان بحق أو بغير حق ، حكم بأنه عن حق ، فلا يجوز لمالك الدار أن يطالب جاره برفع سقفه عن الجدار ، وإذا انهدم السقف لم يجز له أن يمنع الجار من تجديد بنائه واعادته الى وضعه الاول ، الا إذا علم بأن الجار كان عاديا في فعله فوضع السقف من غير اذن المالك الاول للدار أو ثبت ذلك ببينة شرعية ، فيجوز ذلك .


المسألة 58

إذا صالح الانسان غيره على مال ، فملكه اياه بعوض أو بغير عوض واشترط عيه في عقد الصلح أن يجعل ذلك المال وقفا عند موته إذا لم يكن له وارث من بعده ، صح الصلح ولزم الشرط ، ووجب على المصالح ان يفي بذلك .


المسألة 59

إذا كبرت الشجرة في منزل الانسان أو في بستانه حتى خرجت اغصانها إلى فضاء دار غيره أو بستانه ، ولم يرض جاره ببقائها كذلك لزم مالك الشجرة أن يعطف اغصانها من حد ملكه أو يقطعها ، وخصوصا إذا زاحمت شجر الجار أو بناءه ، ويجوز له أن يصالح الجار في ذلك على أن يبقي أغصان الشجرة في فضاء ملكه ويأكل ثمارها الموجودة في تلك الاغصان ، فإذا قبل الجار صح الصلح ونفذ . وإذا صالحه كذلك ثم ماتت تلك الشجرة أو يبست أغصانها تلك ، أو قطع مالكها الاغصان عامدا ، ثم نمت شجرة اخرى وخرجت اغصانها إلى فضاء دار ذلك الجار أو بستانه لم يشملها الصلح الاول ، ووجب على مالك الشجرة استيذان الجار في ابقاء الاغصان أو مصالحته ، فان لم يفعل وجب عليه عطف اغصان الشجرة أو قطعها من حد ملكه .


المسألة 60

إذا أفاد الصلح فائدة الهبة فصالح الرجل صاحبه وملكه عينا بغير عوض ، لم يجر عليه حكم الهبة فلا يشترط في صحته القبض كما يشترط ذلك في صحة الهبة ، ولا يجوز لمالك العين الاول ابطال الصلح ، والرجوع بعينه كما يجوز للواهب أن يرجع في هبته .