كتاب التجارة

2  في البيع

المسألة 56

البيع هو نقل مال بعوض ، وقد جرى دأب الفقهاء والمحققين منهم على الخصوص على اطالة الكلام في ذلك فيذكرون التعريف وما يرد عليه من وجوه الاشكال وما يندفع به ذلك ويحاولون جهدهم أن يكون التعريف يجمع جميع أفراد المعاملة ويمنع عن دخول ما ليس منها ويهون الامر ان التعاريف التي تذكر للبيع أو لغيره من المعاملات انما هي من قبيل شرح الاسم ، فيراد منها بيان المعرف على وجه الاجمال وليست تعاريف حقيقية فيبتني الامر فيها على التدقيق .


المسألة 57

البيع عقد من العقود ، فلابد فيه من الايجاب والقبول ، سواء كانا لفظيين أم فعليين كما سيأتي ، وإذا كان الايجاب والقبول لفظيين ، فلا يعتبر فيهما أن يكونا باللغة العربية بل يصح أن يكونا بغيرها من اللغات الاخرى . ولا يشترط أن يكون اللفظ صريحا في المعنى المراد منه ، بل يصح أن يقع العقد بأي لفظ يكون دالا في نظر أهل العرف على المعنى المقصود ، فيكفي أن يقول البايع : بعت ، أو ملكت ، أو نحو ذلك ، ويكفي ان يقول المشتري في القبول قبلت ، أو رضيت ، أو اشتريت ، أو ابتعت ، ونحو ذلك . ويصح أن يوقع العقد بلفظ المضارع ، فيقول البايع للمشتري : املكك هذه الدار أو ابيعك اياها بقصد انشاء البيع والتمليك ، ويقول المشتري : اقبل منك هذا البيع أو هذا التمليك ، على أن يراد منهما نقل المال بالفعل لا في المستقبل . ولا يضر في صحة العقد وقوع اللحن فيه إذا كان اللحن لا يغير المعنى عند اهل المحاورة ، ولا يضر بدلالة اللفظ ، واما إذا كان مما يتغير به المعنى أو مما يضر بدلالة اللفظ عن المقصود فالظاهر عدم صحة العقد .


المسألة 58

الاحوط لزوما عدم تقديم القبول على الايجاب ان لم يكن الاقوى عدم جواز ذلك ، نعم ، يصح أن يكون الايجاب من المشتري ، فيقول اشتريت هذا المال بكذا ، أو تملكته أو ابتعته ، فيقبل البايع منه الاشتراء ، أو التملك أو الابتياع ، ويصح ان ينشأ القبول بلفظ شريت ، أو بعت أو ملكت .


المسألة 59

إذا قال الشخص الذي يريد شراء السلعة لمالكها : بعني سلعتك هذه بدينار فقال المالك بعتك السلعة بدينار لم يكف ذلك في صحة العقد حتى يقول المشتري بعده : قبلت أو رضيت أو نحو ذلك من ألفاظ القبول ، وقد ذكرنا انه لا يكفي تقدم القبول على الايجاب .


المسألة 60

انما يكون الايجاب بلفظ ملكت في الموارد التي يكون أثر البيع فيها تملك المبيع ، فلا يجري في الموارد التي لا يتحقق فيها هذا الاثر ، كما إذا اشترى ولي الزكاة وهو الحاكم الشرعي بسهم سبيل الله من مال الزكاة دارا أو عينا أخرى لتبقى في سهم سبيل الله كذلك ويكثر الانتفاع بها في هذا السبيل ، فلا يكون الايجاب في هذا البيع بلفظ ملكت ، ولا يكون القبول بلفظ تملكت أو بلفظ ملكت حيث لا ملكية لاحد في هذا الفرض ، بل يكون الايجاب والقبول فيه بألفاظ العقد الاخرى .


المسألة 61

إذا انشأ البائع الايجاب ثم انصرف عن البيع قبل أن يحصل القبول من المشتري لم يتحقق العقد وبطل الايجاب وان لم يكن الفصل بينه وبين القبول طويلا ، فإذا أنشأ المشتري القبول بعد انصراف البايع لم يؤثر العقد شيئا . وإذا أنشأ البائع الايجاب ولم يأت المشترى بالقبول حتى طالت المدة جدا فيشكل الحكم بصحة العقد وان لم ينصرف البائع عن البيع ، بل الظاهر البطلان لخروج الايجاب والقبول بهذا الفصل الطويل عن عنوان المعاقدة بين المتبايعين ، وهذا المقدار هو المعتبر من الموالاة اللازمة بين الايجاب والقبول . ولا يشترط وحدة المكان للموجب والقابل ، فإذا تقابلا على الة الهاتف مثلا وأنشأ أحدهما الايجاب وقبل الآخر ، صح العقد وترتب الاثر وان كان بينهما فاصل كبير من المسافة بين البلدين أو المكانين .


المسألة 62

يشترط في صحة العقد التطابق بين الايجاب والقبول في جميع ما يذكر فيهما من ثمن ومثمن وشرط وخصوصية وغير ذلك من توابع العقد ، فإذا قال البائع للمشتري بعتك الدار الواقعة في شارع كذا من مدينة النجف بألف دينار عراقية تدفعها بعد خمسة أيام إلى وكيلي فلان واشترطت عليك أن تخيط لي هذا الثوب في مدة يومين ، فالقبول المطابق : أن يقول المشتري : قبلت لنفسي شراء الدار الواقعة في شارع كذا من النجف بألف دينار عراقية أدفعها بعد خمسة أيام إلى وكيلك فلان على أن أخيط لك هذا الثوب في مدة يومين ، ويكفي التطابق الاجمالي في صحة العقد ، فيقول قبلت شراء الدار المعينة بالثمن المذكور على الشروط المذكورة ، أو يقول : قبلت الشراء على ما ذكرت .


المسألة 63

ولا يصح العقد إذا اختلف القبول عن الايجاب ولم يردا على مورد واحد ، أو اختلفا في بعض الخصوصيات والتوابع المذكورة فيهما ، كما إذا قال البايع : بعتك هذا الحمار بدينار ، فقال المشتري قبلت شراء هذا الفرس بدينار ، أو قال البايع : بعتك فرسي هذا بدينار عراقي فقال المشتري : قبلت شراء فرسك هذا بدينار بحراني ، وكما إذا قال : بعتك هذه السلعة بخمسة دنانير تدفعها نقدا فقال المشتري قبلت شراء السلعة بخمسة دنانير أدفعها بعد شهر ، أو قال البايع بعتك هذا المتاع بعشرة دنانير على أن تخيط له هذه الجبة ، فقال المشتري قبلت شراء المتاع من غير شرط أو قال : على أن أخيط لك هذا الثوب ، فلا يصح العقد في جميع هذه الفروض لعدم تطابق الايجاب والقبول على شئ واحد . وكذلك إذا قال البايع بعتك هذا المتاع بدينار فقال المشتري قبلت شراء نصف المتاع بنصف دينار ، أو قال البايع بعت هذه السلعة من موكلك فلان بكذا ، فقال المشتري قبلت الشراء لنفسي بالثمن المعين ، فلا يصح العقد لعدم التطابق المطلوب .


المسألة 64

إذا قال البايع بعتك هذه الدار بألف دينار ، فقال المشتري قبلت شراء كل نصف من الدار بخمسمائة دينار ، صح العقد لحصول التطابق ما بين الايجاب والقبول فان الاختلاف المذكور بينهما انما هو بالاجمال والتفصيل ، وإذا قال البايع للوكيل وهو بحضور الموكل بعت هذه الدار من موكلك فلان بألف دينار ، فقال الموكل نفسه قبلت الشراء لنفسي بالثمن المذكور صح العقد وان كان المخاطب بالايجاب هو الوكيل . وإذا قال البايع لشخصين حاضرين بعتكما هذا المتاع بألف دينار فقال كل واحد منهما قبلت شراء نصف المتاع لنفسي بخمسمائة ، فالظاهر الصحة ، نعم إذا قبل أحد الشخصين شراء النصف بخمسمائة لنفسه ولم يقبل الآخر لم يصح العقد لعدم التطابق .


المسألة 65

إذا تعذر النطق على الانسان لخرس أو مرض أو شدة ضعف أو نحو ذلك فلم يستطع انشاء الايجاب أو القبول باللفظ كفاه ان ينشئ ذلك بالاشارة التي تفهم المقصود ، والظاهر كفاية الاشارة له وان تمكن من التوكيل على الانشاء . وإذا تمكن العاجز عن النطق من الكتابة جاز له أن ينشئ الايجاب أو القبول بالاشارة أو بالكتابة مع القدرة عليهما معا فيكون مخيرا في انشاء العقد بأيهما أراد ، وإذا عجز عن النطق وعن الاشارة كفاه أن ينشئ العقد بالكتابة . وإذا كان الانسان قادرا على النطق ففي جواز انشاء الايجاب أو
القبول بالكتابة اشكال ولا يبعد القول بالصحة ولا ينبغي ترك الاحتياط .
 


المسألة 66


يصح انشاء البيع بالمعاطاة ، وهي أن يدفع البائع عين المال المبيع إلى المشتري ويقصد بدفعه المال انشاء بيع ذلك المال للمشتري بالعوض فيكون ذلك منه ايجابا للبيع بالفعل كالايجاب باللفظ ، ويدفع المشتري عين الثمن للبائع بقصد انشاء القبول بدفعه ، فيتم العقد بالايجاب والقبول الفعليين ويصح البيع على الاقوى وتترتب آثاره من غير فرق بين المبيع الحقير والخطير . وتصح المعاطاة ايضا بدفع الشئ المبيع من قبل البائع ، وتسلمه من قبل المشتري ، فيقصد البائع بدفع المال المبيع إلى المشتري انشاء البيع عليه بالثمن المعلوم بينهما ، ويقصد المشتري بقبضه الشئ وتسلمه من البائع انشاء قبول التملك لذلك الشئ بالعوض المعلوم فيتم الايجاب والقبول بذلك ويصح البيع وتترتب آثاره على الاقوى وان لم يعط المشتري شيئا ، ويتحقق هذا النوع من المعاطاة في المواضع التي يكون الثمن فيها كليا في الذمة . وتصح المعاطاة كذلك بدفع المشتري الثمن المعين للبائع وقبضه من قبل البائع ، فيقصد المشتري بدفع الثمن المعين إلى البائع انشاء ابتياعه للشئ المبيع وتملكه من البائع بالثمن المعين الذي دفعه إليه ، ويقصد البائع بقبضه الثمن من المشتري انشاء قبول الابتياع والتملك الذي انشأه المشتري بالثمن المعين ، فيتم الايجاب والقبول بهذا الفعل منهما ويصح البيع وتترتب آثاره وان لم يعط البائع منه شيئا ، ويتحقق هذا النوع من المعاطاة في المواضع التي يكون المبيع فيها كليا في الذمة .


المسألة 67

المعاطاة بيع من البيوع فيشترط فيه جميع ما يشترط في البيع من الشروط الآتي ذكرها ، سواء كانت من شرائط العقد أم من شرائط العوضين أم من شرائط المتعاقدين فإذا فقد منها بعض تلك الشروط لم يصح البيع كما في البيع العقدي ، وكذلك فتجري في المعاطاة أحكام بيع الصرف ، وبيع السلم ، وبيع النسيئة وشرائطها ، وحرمة الربا واحكام سائر البيوع الاخرى وشرائطها ، إذا تحققت في المعاطاة مواضيع تلك البيوع .


المسألة 68

الاقوى أن بيع المعاطاة كالبيع العقدي لازم من الطرفين ، فلا يجوز لاحدهما فسخ البيع الا إذا وجدا أحد الخيارات التي تذكر في مباحث الخيار في البيع ، أو تحصل الاقالة من الطرفين ، ولا يتوقف لزوم المعاطاة على وجود احد الملزمات التي يذكرها القائلون بأنها تفيد الملك الجائز .


المسألة 69

لا يختص جريان المعاطاة في البيع ، بل تجري على الاقوى في جميع المعاملات حتى الايقاعات منها كالرهن والوقف ، نعم لا تجري المعاطاة في النكاح ولا في الطلاق ولا العتق ، ولا في تحليل الامة ولا في النذر واليمين .


المسألة 70

الاقوى أن بيع المعاطاة قابل للشرط فيه كالبيع العقدي ، سواء كان المراد شرط خيار الفسخ في مدة معينة أم شرط فعل أم أي شرط آخر يصح جعله في العقد ، فإذا حصل التعاطي بين المتبايعين بقصد انشاء البيع كما تقدم ، وقال أحدهما في ضمن تعاطيهما : جعلت لي خيار فسخ المعاملة إلى مدة سنة مثلا وقبل الثاني بذلك صح شرط الخيار ولزم العمل به وكذا غيره من الشروط التي يراد ذكرها فيه .


المسألة 71

التعليق في البيع قد يكون على شئ غير حاصل في حين العقد ، وهذا يقع على نحوين فقد يكون الشئ الذي علق عليه البيع معلوم الحصول في ما بعد ذلك ، وقد يكون مجهول الحصول فقد يحصل في ما بعد وقد لا يحصل ومثال الاول أن يقول البائع ، وهو في شهر رمضان بعتك هذا المتاع إذا هل هلال شوال : فان هلال شوال غير حاصل حين العقد ، ولكنه معلوم التحقق في ما بعد ذلك ، ومثال الثاني ، أن يقول للمشتري بعتك هذا المتاع إذا وضعت زوجتك ولدا ذكرا ، فان الولد الذكر الذي علق البيع على وضعه ليس موجودا حال العقد حسب الفرض ، وهو مشكوك التحقق في ما يأتي ، فقد لا تضع الزوجة شيئا ، وقد تضع أنثى ، وقد تضع ذكرا ، والاحوط لزوما عدم صحة تعليق البيع في كلتا الصورتين ، فلا يصح البيع فيهما . الصورة الثالثة أن يعلق البيع على وجود شئ قد يكون حاصلا حين العقد : وقد يكون غير حاصل ولكن البائع والمشتري يجهلان حصوله حين العقد ، ومثال ذلك أن يقول البائع لصاحبه بعتك المتاع إذا كان هذا اليوم هو أول الشهر ، وكان الطرفان يجهلان ذلك ، والاحوط لزوما عدم صحة التعليق في هذه الصورة أيضا ، فلا يصح البيع كما في الصورتين السابقتين . الصورة الرابعة ان يعلق البيع على وجود شئ وهو حاصل حين العقد ، والطرفان معا يعلمان بحصوله ، كما إذا قال له بعتك المتاع إذا كان هذا اليوم هو أول الشهر ، أو إذا كان اليوم هو يوم الجمعة ، وهما معا يعلمان بأنه أول الشهر وانه يوم الجمعة ، والظاهر الصحة في هذه الصورة فيكون البيع صحيحا فيها .


المسألة 72

إذا وقع العقد فاسدا ، وقبض المشتري المال المبيع ، فان كان المشتري يعلم بأن مالك المال وهو البائع يرضى له بأن يتصرف في ماله وان كان العقد فاسدا ، جاز له التصرف فيه بمقدار ما يعلم رضى المالك به من التصرف . وان كان لا يعلم بذلك لم يكن له التصرف فيه ، ووجب عليه رد المال إلى مالكه على الاحوط ان لم يكن هو الاقوى ، وإذا تلف المال وجب عليه رد عوضه إلى مالكه ، فيرد إليه مثله إذا كان المال مثليا ويرد له
قيمته إذا كان قيميا ، سواء كان المشتري عالما بهذا الحكم أم جاهلا به ، وسواء كان التلف بآفة سماوية أم بغيرها من أسباب التلف . وكذلك حكم البائع إذا قبض الثمن بالعقد الفاسد ، وإذا باع المشتري أو البائع ما قبضه بالعقد الفاسد كان بيعه فضوليا ، فإذا أجاز المالك بيعه صح ، وان لم يجزه بطل وسيأتي تفصيل أحكام البيع الفضولي في الفصل الآتي ان شاء الله تعالى ، وسيأتي فيه ايضا بيان الفارق ما بين المثلي والقيمي من المال .


3  في شرائط المتعاقدين

المسألة 73

لا يصح عقد البيع من البائع ولا من المشتري الا مع وجود الشروط الآتي بيانها . وهي عدة أمور : الاول أن يكون كل من البائع والمشتري بالغا ، فلا يصح أن يبيع الصغير ماله ، سواء كان مميزا أم غير مميز إذا كان بيعه بغير اذن وليه ، وكذا لا يصح شراؤه لنفسه . ولا يصح بيعه ولا شراؤه لنفسه إذا كان باذن وليه ، وكان الصغير مستقلا في ايقاع المعاملة فلا يكون البيع ولا الشراء صحيحا منه . وإذا قام الولي بالمعاملة في مال الصبي ، ثم وكل الولي الصبي نفسه في أن ينشئ صيغة البيع فالاقوى صحة هذه المعاملة إذا كان الصبي مميزا ، ومثله الحكم في توكيله على قبول الشراء إذا اتم الولي المعاملة ، وهذا كله في الامور الخطيرة ، واما في الامور غير الخطيرة فلا يبعد الحكم بصحة معاملة الصبي المميز فيها مع اذن الولي وان كان مستقلا فيها ، وقد جرت على ذلك سيرة المتشرعة بل سيرة العقلاء من الناس ، فيتولى الصبي المميز شراء بعض الحاجات الصغيرة ويتولى بيعها بلا نكير .


المسألة 74

الظاهر صحة معاملة الصبي غير البالغ في مال غيره إذا كان مميزا وكانت معاملته بالوكالة من مالك المال واذنه ، فيصح له بيع مال الغير إذا وكله في بيعه ، ويصح شراؤه له إذا وكله في الشراء وان لم يأذن ولي الصبي له بذلك .


المسألة 75

الثاني من الشروط ان يكون كل من البائع والمشتري عاقلا ، فلا يصح بيع المجنون ولا شراؤه ، سواء حصل منه قصد انشاء البيع في ايجابه وقصد انشاء الرضا في قبوله أم لم يحصل ، وسواء كان جنونه مطبقا أم أدوارا إذا كان مجنونا غير مفيق في حال اجراء المعاملة ، وسواء كانت المعاملة في ماله أم في مال غيره ، وسواء أذن له وليه بالمعاملة أم لا .


المسألة 76

الثالث من الشروط أن يكون كل من البائع والمشتري قاصدا للمعاملة حين اجرائها ، فلا يصح الايجاب ولا القبول من غير القاصد كما إذا كان هازلا في قوله أو غالطا أو ساهيا فاوقع الايجاب أو القبول كذلك .


المسألة 77

الرابع من الشروط ان يكون كل من البائع والمشتري مختارا في اجراء المعاملة بينه وبين صاحبه فلا يصح بيع المكره على البيع ولا يصح شراء المكره على الشراء . والمكره هو من يرغمه غيره على ايقاع البيع أو على الشراء ، ويخشى من وقوع اضرار المتوعد به إذا هو خالف قوله فلم يبع أو لم يشتر ، سواء كان الاضرار المترقب وقوعه على المخالفة في نفس المكره أم في شأنه أم في عرضه أم في ماله أم في أحد متعلقيه الذين يكون الاضرار بهم اضرارا به نفسه . وليس من الاكراه ان يأمر الظالم بالبيع ، فيبيع وهو غير كاره لذلك . وليس من الاكراه ان يرغمه الظالم على دفع مبلغ من المال أو على انفاذ مشروع يتطلب انفاذه صرف مبلغ من المال ، أو على بناء موضع يفتقر إلى ذلك ، فيضطر إلى بيع داره للقيام بذلك فيصح البيع في جميع هذه الصور .


المسألة 78

إذا أمكن للرجل أن يتخلص من الضرر الذي توعده به المكره بأن يوقع صورة البيع مثلا من دون قصد للمعنى الحقيقي من البيع أو يأتي بصيغة البيع بنحو التورية بأن يريد بقوله بعت داري الاخبار عن بيع سابق لداره ، أو يستعين ببعض الناس ممن يمكنهم دفع المكروه الذي توعده به الظالم أو نحو ذلك مما يتيسر له ويمكن به دفع الظلم ، فالظاهر عدم صدق الاكراه مع ذلك ، فإذا هو لم يفعل شيئا من هذه الامور مع التفاته إليه وتمكنه منه وباع داره وقع البيع صحيحا لانه غير مكره عليه كما ذكرناه .


المسألة 79

إذا اكرهه الظالم الذي يخشى اضراره على بيع أحد شيئين يملكهما وجعل له الخيار في بيع ايهما شاء ، فباع أحد الشيئين باختياره كان مكرها عليه وبطل بيعه ، فإذا كان يملك سيارة لحاجاته أو لاكتسابه ، ويملك دكانا للاجارة أو للعمل فيه ، فأكرهه على بيع احدهما ، فباع السيارة أو الدكان وهو كاره لبيعهما بطل البيع لتحقق الاكراه ، وتخييره في بيع ايهما شاء لا يرفع الاكراه ، وإذا باع الثاني بعده لم يكن مكرها عليه فيصح البيع فيه ، وإذا باعهما معا دفعة واحدة فالظاهر بطلان البيع فيهما جميعا .


المسألة 80

إذا اكرهه على بيع عبده فباع العبد المكره عليه مع زوجته ، أو باعه مع ولده ، بطل البيع في العبد المكره عليه ، وصح بيع الامة زوجة العبد في المثال الاول وصح بيع ولد العبد في المثال الثاني لعدم الاكراه فيهما .


المسألة 81

انما يكون الشئ مكرها على بيعه إذا كان المالك كارها لبيعه وانما باعه مرغما لخوف الضرر الذي توعده به الظالم كما تقدم ، فإذا اكرهه على بيع سيارته أو دكانه وخيره بينهما ، وكان المالك كارها لبيع السيارة وغير كاره لبيع الدكان مثلا ، والظالم يرى انه كاره لبيعهمامعا فالظاهر عدم تحقق الاكراه إذا باع أحدهما ، اما الدكان فلانه غير كاره لبيعه كما هو المفروض ، واما السيارة ، فلانه يمكنه التخلص من الضرر الذي توعد به المكره على بيعها بأن يبيع الدكان بدلا عنها وهو غير كاره لبيعه كما ذكرنا ، فلا يصدق معه الاكره على بيع السيارة وقد تقدم ذلك في المسألة الثامنة والسبعين ونتيجة لذلك فإذا باع أحدهما في الفرض المذكور صح البيع .


المسألة 82

إذا أكره الظالم زيدا وعمرا على بيع مال احدهما ، وخيرهما في ذلك وتوعدهما بالمكروه ان هما خالفا قوله ولم يبيعا جميعا ، فإذا باع احدهما ماله كان مكرها على فعله ووقع بيعه باطلا الا إذا علم قبل بيعه بأن صاحبه الآخر مقدم على بيع ماله ، فسبقه هو إلى البيع ، فانه لا يكون مكرها على البيع في هذه الصورة . وإذا باع أحد الرجلين ماله مكرها على النهج المتقدم ، ثم باع صاحبه ماله بعده كان بيع الثاني صحيحا غير مكره عليه .


المسألة 83

إذا باع الانسان ماله مكرها على بيعه بطل بيعه كما ذكرناه ، فإذا زال الاكراه بعد ذلك وأمن من وعيد الظالم ورضي بالبيع السابق الذي أوقعه صح البيع وكان لازما . فبطلان بيع المكره انما هو كبطلان بيع الفضولي الذي سيأتي بيان حكمه في المسائل الآتي ذكرها ، ان لحقته اجازة المالك ورضاه بعد زوال الاكراه صح ونفذ ، وان لم تلحقه الاجازة كان فاسدا . بل يكفي في صحة البيع ونفوذه ان يجيزه المالك ويرضى به وان كانت حالة الاكراه لا تزال موجودة وكان الظالم لا يزال مخشي الوعيد ، ولكن المالك ترجح له أن يجيز البيع لامور طارئة كما إذا اراد النزوح من ذلك البلد مثلا أو شبه ذلك من المرجحات الطارئة .


المسألة 84

الخامس من الشروط ان يكون كل من البائع والمشتري جائز التصرف في المال ، ولذلك فلابد وان يكون هو المالك للمال أو يكون وكيلا عنه أو ماذونا من قبله أو وليا عليه ، وإذا كان هو المالك فلابد وان يكون غير محجور عن التصرف فيه لطروء أحد اسباب الحجر ، كما إذا كان عبدا مملوكا أو صغيرا أو سفيها أو مفلسا ، فلا يصح بيع البائع ولا قبول المشتري إذا كان غير جائز التصرف ويسمونه عقد الفضولي والمراد بعدم الصحة فيه هو عدم النفوذ في العقد ، فإذا لحقته الاجازة ممن بيده أمر التصرف شرعا صح البيع ونفذ ولزم ، وان لم تلحقه الاجازة منه كان فاسدا .


المسألة 85

إذا باع الفضولي مال غيره ، ولما بلغ ذلك صاحب المال رد البيع أولا ثم بدا له فأجاز البيع بعد الرد ، فذهب المشهور من العلماء قدس الله اسرارهم إلى بطلان الاجازة وفي الحكم ببطلان الاجازة وبطلان البيع اشكال ، ولابد من الاحتياط بالتخلص بالصلح في المال وفي النماءات . وإذا بلغ المالك بيع الفضولي لماله ، فأجاز البيع أولا ثم بدا له فرد البيع بعد اجازته ، فلا أثر للرد المتأخر بعد الاجازة ، فيكون البيع صحيحا .


المسألة 86

إذا منع صاحب المال الفضولي عن أن يبيع ماله ، فباعه الفضولي بعد المنع ، لم يختلف حكمه عما تقدم ، فإذا علم المالك بالبيع وأجازه صح ، ولم يؤثر المنع السابق شيئا .


المسألة 87

إذا علم الفضولي ان صاحب المال يرضى ببيعه له ، فباعه ، لم يكف ذلك في صحة البيع ولم يختلف الحكم عما سبق ، فلا يصح البيع الذي اوقعه الا بالاجازة ، وكذلك حكم المشتري فلا يجوز له التصرف في المال الا بعد الاجازة لبيع الفضولي أو لشراء الفضولي .


المسألة 88

قد يقصد الفضولي حينما يبيع مال الغير انه يبيع المال لمالكه ، فإذا اجاز المالك البيع صح كذلك ، فيكون المبيع ملكا للمشتري ويكون الثمن ملكا لصاحب المال عوضا عن ماله . وقد يقصد حينما يبيع المال انه يبيعه لنفسه ، لانه يعتقد انه هو مالك المال كما في الغاصب وشبهه ، أو لانه يبني على ذلك اما على توهم أو على تشريع ، فإذا اجاز المالك البيع ، صح البيع للمالك ايضا كما في الصورة الاولى وكان الثمن له لا للفضولي ، لانه بدل عن ماله ، لا عن مال الفضولي . وكذلك الامر في المشتري إذا كان هو الفضولي فاشترى بما الغير ، فلا يختلف حكمه عن البائع الفضولي ، سواء اشترى للمالك أم لنفسه .


المسألة 89

الاجازة هي اللفظ الدال على رضا الملك بالتصرف الذي اوقعه الفضولي في ماله وعلى انفاذ تصرفه ، ولذلك فيعتبر أن يكون اللفظ ظاهر الدلالة على ذلك بحسب متفاهم أهل المحاورة ، كما إذا قال بعد اطلاعه على بيع الفضولي امضيت البيع أو العقد أو أجزته ، أو انفذته ، أو رضيت به وامثال ذلك ، ويكفي ان يدل على ذلك بالكناية كما إذا قال لمشتري المال بارك الله لك فيه ، أو تصرف فيه كما تريد . ويصح ان يدل على ذلك بالفعل الكاشف عن رضاه بالعقد ، فإذا أخذ الثمن أو باعه أو أذن لاحد في بيعه أو أجاز العقد الذي اوقعه البائع عليه ، أو وهبه لاحد ، أو وفى به دينا أو دفعه صداقا كفى ذلك وكان اجازة منه للبيع . ولا يكفي مجرد الرضا النفي بالبيع ما لم يدل عليه بقول أو فعل .


المسألة 90

إذا أجاز مالك المال البيع الفضولي صح البيع كما تقدم وكانت الاجازة كاشفة عن صحة العقد من حين وقوعه كشفا انقلابيا ، والمراد بالكشف الانقلابي أن عقد الفضولي قبل أن تتحقق الاجازة له من المالك لا يكون له أي أثر في نظر الشارع ولا تترتب عليه الملكية ، ولكنه حينما تتحقق الاجازة له من مالك المال بعد ذلك تشمله أدلة نفوذ العقود وعمومات وجوب الوفاء بها فيكون موجبا للملكية الشرعية للمشتري من حين صدور العقد من الفضولي لا من حين وقوع الاجازة من المالك فان ذلك هو مضمون العقد الذي تعلقت به الاجازة ، وإذا تحققت الملكية الشرعية بذلك للمشتري من حين وقوع العقد وجب ترتيب آثارها وأحكامها منذ ذلك الحين ، فيكون المشتري هو المالك الشرعي للنماءات التي تجددت للمبيع في هذه المدة ، ويكون البائع وهو مالك المال هو المالك الشرعي للنماءات التي تجددت للثمن كذلك .


المسألة 91

إذا اعتقد الرجل أنه ولي على مالك المال أو اعتقد أنه وكيل عنه فباع المال بالولاية أو الوكالة عنه ، ثم علم بعد البيع انه اجنبي عن صاحب المال وليس وليا عليه ولا وكيلا عنه كان فضوليا فان أجاز مالك المال بيعه صح ، وان لم يجزه كان باطلا . وإذا باع المال وهو يعتقد أنه فضولي لا صلة له بصاحب المال ثم علم بعد اجراء البيع أنه ولي على المالك أو انه وكيل عنه في بيع المال ، فالاقوى صحة بيعه ولا حاجة في نفوذه إلى اجازة منه . وإذا باع المال وهو يعتقد انه فضولي كذلك ، ثم علم بعدما أجرى البيع انه هو مالك المال ، ففي صحة البيع اشكال ، ولعل الاقوى في هذه الصورة توقف صحة البيع على اجازته نفسه بعدما علم بأنه هو المالك .


المسألة 92

إذا باع الرجل مال غيره بالعقد الفضولي ولم يجز المالك البيع ، ثم اشترى البائع الفضولي المال من مالكه الاول ، أو انتقل إلى ملكه بهبة من المالك أو بصلح أو بغير ذلك من المعاملات الشرعية الاخرى ، فلا يصح بيعه الذي جراه على المال فضولا بذلك ، بل يكون البيع باطلا ، ولا يصح إذا أجازه البائع بعد ما ملكه . وإذا باع المال فضولا ، ثم انتقل المال إلى ملكه بالارث من مالكه الاول ، فللصحة وجه ، وخصوصا إذا أجاز البيع بعدما ملك المال ، ولا يترك الاحتياط بالمصالحة بينه وبين المشتري عن المال وعن النماء المتجدد


المسألة 93

إذا باع الرجل مال غيره بالعقد الفضولي ولم يجز المالك البيع ، ثم انتقل المال إلى مالك آخر ، جرى فيه التفصيل الآنف ذكره في المسألة المتقدمة ، فإذا انتقل المال إلى المالك الآخر بسبب اختياري كالبيع والهبة وغيرهما من الاسباب الاختيارية الموجبة للملك ، فالظاهر بطلان البيع الفضولي السابق ، ولا تصححه اجازة المالك الجديد له إذا هو أجازه ، وإذا انتقل المال إلى المالك الجديد بالارث من المالك الاول فللصحة وجه وخصوصا مع الاجازة ، ولا يترك الاحتياط كما تقدم .


المسألة 94

إذا باع الفضولي مال غيره وكان المالك حين العقد غير نافذ التصرف في المال لاحد الاسباب المانعة من جواز التصرف ، كما إذا كان عبدا مملوكا أو صغيرا ، أو مجنونا أو سفيها أو غير ذلك من الموانع ، ثم ارتفع عنه المانع ، فالظاهر صحة البيع إذا أجازه المالك بعد ارتفاع الحجر عنه .


المسألة 95

لا ريب في ان المال المبيع لا يزال مملوكا لمالكه الاول ، ولا يخرج عن ملكه الا إذا تحققت اجازته للعقد الفضولي كما تقدم ذكر ذلك مرارا ، ثم أن هاهنا صورا تجب مراعاتها لتطبيق بقية احكام المال المذكور .
( الصورة الاولى ) : أن يكون المال المبيع لا يزال بيد مالكه ، فلم يقبضه البائع الفضولي ولم يدفعه إلى المشتري ، ولا اشكال في الحكم في هذه الصورة ، فالبيع يكون باطلا ، فان المفروض ان المالك لم يجز البيع ، والمال لصاحبه ، وهو بيده ولا حق فيه لاحد سواه . ( الصورة الثانية ) : أن يكون البائع الفضولي قد قبض المال المبيع من مالكه ولم يدفعه إلى المشتري ، ولا ريب في انه يجوز لمالك المال ان يرجع على البائع الفضولي بماله فيأخذ منه عين ماله إذا كانت موجودة ، ويرجع عليه ببدلها إذا كانت تالفة فيأخذ منه مثلها إذا كانت العين مثلية ، وقيمتهما إذا كانت قيمية . وسيأتي بيان الميزان في ذلك .
( الصورة الثالثة ) : أن يكون البايع الفضولي قد قبض المال المبيع ودفعه إلى المشتري ، فإذا كانت عين المال لا تزال موجودة تخير المالك بين أن يطالب البايع الفضولي بردها إليه وأن يطالب بها المشتري وإذا كانت عين المال تالفة جاز له أن يرجع ببدلها من المثل أو القيمة على أيهما شاء ، وكذلك الحكم إذا تعددت الايدي التي استولت على المال وتعاقبت ، فللمالك أن يرجع بالبدل على أيهم أراد . وإذا رجع المالك بالبدل على صاحب اليد السابقة على ماله كان لهذا أن يرجع بما غرمه للمالك على صاحب اليد اللاحقة ، إذا لم يكن هذا اللاحق مغرورا من قبله ، وإذا كان مغرورا منه لم يرجع عليه ، وإذا رجع على صحاب اليد اللاحقة رجع هذا على لاحقه كذلك إلى ان يستقر الضمان على من تلف عنده المال وإذا رجع المالك على صاحب اليد اللاحقة لم يرجع هذا على السابق عليه الا إذا كان السابق قد غره ، فيرجع عليه . ويجوز للمالك أن يرجع ببدل ماله على أصحاب الايدي جميعهم بالتساوي أو بالتفاوت .


المسألة 96

كما يجوز لمالك المال أن يرجع على البائع الفضولي إذا هو استولى على ماله ، وعلى كل من استولت يده على المال ، فله أن يأخذ عين ماله منه إذا كانت موجودة وله أن يأخذ منه مثلها أو قيمتها إذا كانت العين تالفة كما ذكرنا في المسألة المتقدمة . فكذلك الحكم في منافع ماله التي استوفيت في هذه المدة ، فيجوز له أن يرجع بها على من استوفاها ، وإذا تعددت الايدي التي استولت على المال وتعاقبت كان للمالك الرجوع بعين المال أو ببدلها وبمنافعها المستوفاة على أيهم أراد على نهج ما سبق ، وإذا رجع المالك على صاحب اليد السابقة منهم جاز لهذا أن يرجع على صاحب اليد من بعده بما غرمه للمالك ، حتى يستقر الضمان على من استوفى المنفعة ، الا إذا كان اللاحق مغرورا من السابق ، فإذا كان مغرورا منه فليس له الرجوع عليه . وكذلك الحكم في الزيادات العينية للمال ، التي استولى عليها صاحب اليد بتبع استيلائه على العين كاللبن والصوف والوبر والشعر والبيض وغير ذلك مما تكون له مالية في نظر أهل العرف ، فهي مضمونة كذلك على صاحب اليد العادية . وأما المنافع الفائتة غير المستوفاة ففي ضمانها اشكال ، فلا يترك فيها الاحتياط .


المسألة 97

إذا دفع المشتري الثمن أو بعضه إلى البائع الفضولي ، ولم يجز المالك البيع ، جاز للمشتري ان يأخذ عين ماله من البائع إذا كانت موجودة ، سواء كان عالما بأن البائع فضولي باعه مال غيره أم كان جاهلا بذلك ، وكذلك إذا تلفت عين الثمن وكان المشتري جاهلا مغرورا من البائع فيرجع عليه بمثل الثمن التالف إذا كان مثليا ، وبقيمته إذا كان قيميا ، ويشكل الحكم إذا كان المشتري عالما بالحال ، وان كان الاقوى ان له الرجوع على البائع بمثل الثمن أو قيمته حتى في هذه الصورة .


المسألة 98

المشتري الفضولي كالبائع الفضولي في الاحكام ، فإذا اشترى الانسان بمال غيره فضولا ، لم يصح منه الشراء الا باجازة مالك الثمن ، فان أجاز العقد صح ، والا كان لغوا لا أثر له ، وجرت فيه جميع الاحكام والفروض التي تقدم بيانها في البيع الفضولي ولا ضرورة لتكرارها .


المسألة 99

المراد بالمثلي هو الجنس الذي تتساوى أجزاؤه في القيمة السوقية لان أجزاءه تتقارب في الصفات والخواص التي تكون موضعا للرغبة بين الناس في ذلك الجنس ، كالحنطة ، والارز ، والشعير ، والسمسم ، والعدس ، والماش ، وسائر انواع الحبوب ، والادهان والعقاقير ، والمراد بالقيمي ما يكون بخلاف ذلك من الاجناس تتساوى أجزاء الجنس في القيمة السوقية ، لانها لا تتقارب في الصفات ، كالغنم والبقر والابل ، والخيل والبغال والحمير ، وسائر أنواع الحيوان ، والعبيد والاماء والاشجار والنخيل والارض والدور ، والجواهر الاصلية وانواع المصوغات والمأكولات المعمولة . والظاهر أن من المثلي ما تنتجه المعامل والمصانع الحديثة من أدوات وآلات وأقمشة وأثاث ، بل وأجهزة ووسائل تبريد وتدفئة وانارة وامثال ذلك إذا كانت من اخراج مصانع ومعامل متماثلة الاخراج لتقاربها في الصفات المرغوبة والموجبة لتساويها في القيمة ، فهي مثلية ، وان كان ما تنتجه الايدي والمعامل القديمة من اشباهه مما يعد من القيميات لعدم تساوي الاجزاء في الصفات ، كالمنسوجات القديمة والبسط والفرش .


المسألة 100

إذا تلف الشئ القيمي ، فالمدار في الضمان على قيمته في يوم تلفه على الاقوى ، لا على قيمته في زمان قبضه ولا في زمان الاداء .


المسألة 101

إذا وضع الانسان يده على مال لا يملكه هو ولا يملكه غيره أيضا ، كالزكاة المعزولة قبل أن يدفعها إلى المستحق ، وكمال الوقف الذي جعله الواقف مصرفا يصرف في بعض الجهات العامة أو الخاصة أو على أن يصرف في مصلحة معينة أو غير معينة لشخص أو اشخاص ، كبعض اوقاف الذرية التي توقف كذلك . اقول : إذا وضع الانسان يده على بعض هذه الاموال فاستولى عليها من غير حق ، جاز لولي ذلك المال أن يرجع عليه بما أخذ ، فينتزع المال منه إذا كان موجودا ويرجع عليه بمثله أو قيمته إذا كان تالفا على النهج الآنف ذكره في المسائل المتقدمة ، ويرجع عليه كذلك بالمنافع التي استوفاها ، وبالزيادات العينية التي استولى عليها باستيلائه على العين كما تقدم .


المسألة 102

إذا جمع الانسان بين ما يملكه هو وما يملكه غيره فباعهما معا صفقة واحدة ، صح البيع في المال الذي يملكه هو بحصته من الثمن ، وتوقفت صحة البيع في مال غيره على اجازة مالكه ، فان أجازه صح ، وان لم يجزه كان باطلا ، وكان للمشتري خيار تبعض الصفقة ، فيجوز له أن يفسخ البيع في ما يملكه البائع إذا أراد ذلك . وكذلك الحكم إذا باع الانسان مالا مشتركا بينه وبين غيره ، ولم يجز الشريك البيع في حصته من ذلك المال ، فيصح البيع في حصة البائع من المال بما يخصها من الثمن ، ويبطل في حصة شريكه ، ثم يكون للمشتري خيار تبعض الصفقة ، فيجوز له فسخ البيع في حصة البائع نفسه .


المسألة 103

إذا أريد معرفة ما يخص حصة البائع من الثمن وما يخص حصة المالك الآخر منه في المسألة المتقدمة ، قوم كل واحد من المالين على انفراده عند الثقاة من أهل الخبرة تقويما صحيحا ثم نسبت كل واحدة من القيمتين على انفرادها إلى مجموع القيمتين ، فيكون للحصة الواحدة منهما من الثمن بنسبة قيمتها إلى مجموع القيمتين . ومثال ذلك أن يقوم الخبراء الموثوقون مال البائع خاصة بمائة دينار مثلا ، ويقوموا مال المالك الآخر خاصة بمائتي دينار ، فيكون مجموع القيمتين ثلاثمائة دينار ، ونسبة المائة دينار وهي قيمة مال البائع خاصة إلى مجموع القيمتين هي الثلث منه ، ونسبة المائتين وهي قيمة مال المالك الآخر إلى مجموع القيمتين هي الثلثان منه ، ونتيجة لذلك فتثبت لكل واحد من المالين تلك النسبة نفسها من الثمن . فإذا كان الثمن الذي باع به جميع المال هو اربعمائة وخمسين دينارا كانت الحصة التي تخص مال البائع من الثمن هي مائة وخمسين دينارا وهي ثلث الثمن ، وكانت الحصة التي تخص مال المالك الآخر من الثمن هي ثلاثمائة دينار ، وهي ثلثا الثمن .وإذا كان لاجتماع المالين دخل في زيادة القيمة ونقصها وجب أن يقوم كل واحد من المالين في حال انضمامه إلى الآخر ، ثم تنسب قيمة كل واحد من المالين إلى مجموع قيمتيهما ، ويؤخذ من الثمن بتلك النسبة . فإذا باع الرجل داره وهي تحتوي على ما يصلح للسكنى الداخلية فقط ، وضم إليها بالبيع ملك رجل آخر تكمل به منفعة الدار لانه يشتمل على ما يصلح لمجلس الرجال واستقرار الضيوف منهم ، أو لانه يحتوي على حديقة منزلية وملعب الاطفال مما تزيد به قيمة الدار وقيمة الحديقة معا ، وشبه ذلك ، فلمعرفة نصيب المالين من الثمن يجب اتباع الطريق الآنف ذكره .


المسألة 104

إذا كانت دار أو أرض أو بستان مشتركة بين مالكين على السواء ، فباع أحد الشريكين نصف الدار أو الارض أو البستان ، فظاهر العقد أن المراد بيع نصفه الذي يملكه من المبيع فيحمل عليه وينفذ بيعه ، وإذا دلت القرائن الخاصة على أن المراد بيع النصف الذي يملكه شريكه كان من البيع الفضولي فلا ينفذ الا مع اجازة الشريك ، وإذا دلت القرائن على ان المراد بيع النصف مما يملكه هو ومما يملكه شريكه ، صح البيع في نصف حصته خاصة وكان في نصف حصة شريكه من الفضولي فتتوقف صحته فيه على الاجازة .


المسألة 105

يجوز لاب الصبي غير البالغ ولجده أبي أبيه أن يتصرفا في ماله بالبيع والشراء والاجارة والصلح والمضاربة وأمثال ذلك من المعاملات في ماله وينفذ تصرفهما فيه ، إذا لم تكن في تصرفهما فيه مفسدة ، ويستثنى من ذلك صورة واحدة ، وهي ما إذا كان في تصرفهما تفريط في مصلحة الصغير فلا ينفذ التصرف منهما في هذه الصورة . ومثال ذلك أن يضطر الاب أو الجد إلى بيع مال الصغير ، فلا يجوز لهما في هذه الحال أن يبيعا ماله بثمن المثل إذا أمكن لهما أن يبيعاه بأكثر من ثمن المثل ، ولا يجوز لهما أن يبيعاه بأكثر من ثمن المثل بدرهم مثلا إذا أمكن لهما بيعه بأكثر من ثمن المثل بدرهمين ، ولو في مكان آخر أو في وقت آخر أو عند دلال آخر أو بمراجعة مشتر آخر ، إذا عد ذلك تسامحا في مصلحة الصغير وتفريطا فيها في نظر أهل العرف .


المسألة 106

الاب والجد أبو الاب وان ارتفع بواسطتين أو اكثر وليان شرعيان على الصغير وعلى التصرف في ماله كما تقدم ، وكل واحد منهما ولي مستقل في ولايته سواء وجد معه الآخر أم لم يوجد وسواء أذن له الآخر في التصرف أم لا ، ولا يشترط في ولايتهما على الصغير أن يكون الاب والجد عدلا ، ولا يشترط في صحة تصرفهما في ماله وجود مصلحة في التصرف ، بل يكفي عدم المفسدة ، عدى الصورة التي تقدم ذكرها في المسألة المتقدمة .


المسألة 107

لا تختص ولاية الاب والجد أبي الاب على الصغير بماله فقط ، بل لهما الولاية كذلك عليه نفسه ، فلهما ان يؤجراه للعمل أو للخدمة أو يجعلاه أجيرا في معمل أو دكان مدة معينة ، لهما أن يزوجاه ويتوليا عقد النكاح له ، سواء كان ذكرا أم أنثى ، وكذلك في سائر شؤونه ، ويستثنى من ذلك الطلاق ، فليس لهما ان يطلقا زوجته المعقودة له بالنكاح الدائم ، ولا يطلقها الا هو بعد بلوغه ورشده ، وهل يجوز للاب أو الجد أن يتوليا فسخ عقد النكاح عنه إذا حصل أحد أسبابه ، فيه اشكال ، ولابد في ذلك من مراعاة الاحتياط ، وكذلك الاشكال ولزوم مراعاة الاحتياط في أن يهبا مدة النكاح المنقطع لزوجته المتمتع بها .


المسألة 108

لا ولاية لاحد من الاقارب على مال الصغير ولا في شئ من شؤونه لغير الاب والجد للاب ، سواء كان أما أم جدا لام ، أم أخا كبيرا أم عما ، أم غيرهم ، وإذا تصرف أحد هؤلاء في مال الطفل ، أو في نفسه ، فباع أو اشترى أو آجر أو عقد له عقد نكاح لم يصح ذلك وكان فضوليا لا يصح الا باجازة وليه الشرعي أو اجازة الصغير نفسه بعد بلوغه ورشده ، إذا لم يرد العقد ، على ما تقدم في أحكام العقد الفضولي .


المسألة 109

يجوز للاب وللجد أبي الاب أن ينصب قيما على الصغير بعد وفاته ، فيكون القيم المنصوب من أحدهما وليا شرعيا عند اجتماع الشرائط فيه ، وتنفذ منه جميع التصرفات التي كانت تنفذ من الاب والجد نفسهما في مال الصغير وفي شؤونه ، فيجوز للقيم اجراء المعاملات في مال الطفل من بيع وشراء وصلح ومضاربة وغيرها على نهج ما سبق في ولاية الاب والجد ، ويصح له أن يؤجر الطفل نفسه للعمل أو للخدمة أو لغيرهما على حسب ما تقدم هناك ، ويصح له أن يزوج الطفل إذا نص الموصي على ذلك في وصيته إليه . ويشترط في القيم الذي يجعله الاب أو الجد على الطفل أن يكون رشيدا ، وأن يكون أمينا ، بل يشترط فيه أن يكون عدلا على الاحوط . وهل يصح أن ينصب الاب قيما على ولده الصغير من بعده ، مع وجود الجد أبي الاب ، أو ينصب الجد قيما على اطفال ابنه بعد موته هو مع وجود ابيهم ، فيه اشكال ، والاحوط عدم نصب القيم من أحدهما مع وجود الآخر منهما .


المسألة 110

يشترط وجود المصلحة في تصرف القيم الموصى إليه من الاب أو الجد ، ولا يكفي عدم المفسدة كما في ولاية الاب والجد نفسهما . والميزان في كون تصرف الولي مشتملا على المصلحة كما هو الشرط هنا ، أن يكون كذلك في نظر العقلاء من الناس ، ولا يكفي أن يعتقد الولي نفسه بوجود المصلحة إذا كان العقلاء يجدونه مخالفا لذلك فلا يصح تصرفه في هذه الصورة . وإذا اعتقد هو وجود المصلحة في تصرفه ، فتصرف كما يعتقد ، ثم استبان أن اعتقاده مطابق للواقع كان تصرفه صحيحا ، وان كان مخالفا لنظر العقلاء حين التصرف .


المسألة 111

إذا لم يكن للصغير أب ، ولا جد لاب ، ولا وصي قيم عليه من أحدهما ، فالولاية عليه في التصرف في أمواله واجراء المعاملات فيها ، للحاكم الشرعي ، وهو الفقيه العادل ، والتصرف منوط برأيه ، من جهة لزوم مراعاة المصلحة في ذلك وعدمه ، والاحوط استحبابا أن يقتصر في ذلك على ما يكون في تركه الضرر والفساد .


المسألة 112

إذا فقد الحاكم الشرعي أو تعذر الرجوع إليه في أمر أموال الصغير ، يرجع في ذلك إلى العدول من المؤمنين ، فيجوز لهم التصرف في أموال الطفل واجراء المعاملات فيها ، والاحوط لزوما ان يقتصر في ذلك على ما إذا لزم الضرر من ترك التصرف ، كما إذا خيف التلف على مال الطفل ، فيجوز للمؤمن العادل بيع المال حذرا من ذلك . وإذا تعذر وجود العدول المؤمنين في هذه الحالة رجع الى الثقاة منهم .


المسألة 113

يجوز للمكلف الدخول إلى دار الايتام القاصرين باذن الولي أو القيم المنصوب عليهم وعند تعذر الاستيذان منه ، إذا كان في الدخول إليهم والجلوس على فراشهم والاكل من طعامهم مصلحة لهم ، وان لم يدفع عن ذلك عوضا . وإذا احتاج هو إلى ذلك ، ولا مصلحة لهم في دخوله عليهم وأكله من طعامهم ولا ضرر عليهم بذلك ولم يتمكن من استيذان الولي ، فالاحوط له ان يعوضهم عن ذلك بالقيمة ، والاحوط تركه .


المسألة 114

قد تعرضنا في كتاب الحجر إلى بيان الحكم في الولاية على أموال السفيه والمجنون ، والتصرف فيها ، فليرجع إليها من أراد الاطلاع على ذلك في تعليقنا على كتاب الحجر من وسيلة النجاة ، للفقيه المعظم السيد أبي الحسن الاصبهاني قدس الله سره .