كتاب التجارة

1  في بعض الموضوعات والأعمال التي يمنع التكسب بها أو يجوز

المسألة 1

لا يجوز للانسان التكسب بالخمر ولا في باقي المسكرات ، ولا يجوز له بيع البول ولا الغائط النجسين ، ولا سائر الاعيان النجسة للاستعمال المحرم ، ولا يجوز له بيعها كذلك إذا لم تكن لها منفعة يعتد بها عند العقلاء ، أو لم تكن منفعتها محللة في الشريعة ، والظاهر جواز بيعها إذا كانت لها منفعة محللة يعتد بها عند العقلاء وغير مشروطة بالطهارة شرعا وقصدت من بيعها المنفعة المذكورة ، فيجوز له بيع الدم للتزريق وبيع العذرة للتسميد .


المسألة 2

كما يحرم على الانسان بيع الميتة فكذلك يحرم عليه بيع أجزائها النجسة وهي الاجزاء التي تحلها الحياة في حال الحياة فيشملها الحكم بالتحريم بعد الموت ، بل الاحوط له لزوما اجتناب بيع الميتة وأجزائها النجسة وان وجدت لها منفعة محللة ، وكذلك الخنزير والكلب البريان ، فالاحوط للانسان لزوما اجتناب بيعها وان وجدت لها منفعة محللة ، ويستثنى من الكلاب كلب الصيد فيجوز بيعه والمعاوضة عليه كما سيأتي ان شاء الله .


المسألة 3

يحرم على الانسان التكسب بالمذكورات في المسألتين السابقتين سواء وقعت ثمنا أم مثمنا في البيع ، أم أجرة في اجارة ، أم عوضا في صلح ، أم مهرا في تزويج ، أم فدية في خلع ، أم عوضا في أي معاملة من المعاملات ، بل تحرم هبتها والصلح عنها بلا عوض .


المسألة 4

قد ذكرنا في فصل النجاسات من كتاب الطهارة : ان عصير العنب إذا نش وغلى بغير النار حكم بنجاسته على الاحوط ، ثم لا يطهر الا بانقلابه خلا ، ولا ينجس إذا غلى بالنار ، وكذلك الحكم في عصير الزبيب على الاحوط ايضا ، وقد ذكرنا ذلك مفصلا . والعصير المذكور في حال نجاسته مستثنى من الحكم المتقدم ذكره في بيع أعيان النجاسة ، فيجوز بيعه قبل أن ينقلب خلا ، سواء كان عصير عنب أم زبيب . ويستثنى من ذلك ايضا الكافر ، فيجوز بيعه وشراؤه والمعاوضة عليه إذا كان مملوكا ، سواء كان كافرا أصليا أم مرتدا مليا أم فطريا ، ويستثنى من ذلك كلب الصيد كما تقدم في المسألة الثانية ، وفي الحاق كلب الماشية وكلب الزرع وكلب البستان وكلب الدار في الحكم بكلب الصيد اشكال ، نعم تجوز اجارتها واعارتها بلا ريب .

المسألة 5

يجوز للمكلف بيع الاجزاء التي لا تحلها الحياة من الحيوان الطاهر في حال حياته كشعر الحيوان وصوفه ووبره وقد تقدم ذكرها في مبحث النجاسات من كتاب الطهارة ، فإذا مات الحيوان لم يحرم على مالكه بيع تلك الاجزاء والتكسب بأثمانها إذا كانت لها منفعة محللة تعد بها عند العقلاء مالا . ويجوز له بيع الميتة الطاهرة كالميتة من السمك والجراد وسائر الحيوان الذي ليس له نفس سائلة ، فيجوز بيع ميتته إذا كانت لها منفعة محللة معتد بها عند العقلاء وتجوز المعاوضة عليها ، نعم الاحوط له الاجتناب إذا علم ان المشتري ممن يأكلها .


المسألة 6

الارواث والابعار المحكومة بالطهارة شرعا ، وهي التي تكون من الحيوان الذي يؤكل لحمه أو تكون من الحيوان الذي ليس له نفس سائلة ، فالظاهر ان لها منفعة محللة معتدا بها بين الناس كالتسميد وشبهه وبهذه المنافع المقصودة تكون أموالا ولذلك فيجوز للمكلف بيعها والمعاوضة عليها ، وأما الابوال الطاهرة فالظاهر أنها مما ليس له منفعة محللة مقصودة ، ولذلك فلا يجوز لها بيعها والتكسب بها ، فانها لا تعد أموالا .


المسألة 7

يجوز للانسان ان ينتفع بالاعيان النجسة في جهات غير محرمة شرعا ، ولا مشروطة بالطهارة ، فيجعل جلود الميتة مثلا ظروفا للقذارات أو لحمل النجاسات ، ويطلي بدهن الميتة وشحمها بعض الاخشاب والسفن مع التوقي عن سراية نجاستها ، ويدفن بعض العذرات والميتات النجسة في أصول الشجر والزرع للتسميد ونحو ذلك .


المسألة 8

لصاحب اليد على الاعيان النجسة حق اختصاص بها ، فمالك الحيوان إذا مات حيوانه يبقى له حق اختصاص به ، ومالك العنب إذا تحول عنبه خمرا يبقى له حق اختصاص بالخمر ، وواضع اليد على بعض النجاسات إذا وضعها بقصد الحيازة يكون له نحو استيلاء عليه ، ويكون له بتبع ذلك حق اختصاص به ، وهذا الحق لا يزول حتى يرفع يده عن تلك العين ، وهذا الحق قابل للانتقال ، فإذا مات صاحب اليد انتقل الحق إلى وارثه من بعده ، ولذلك فيجوز لغير صاحب اليد ان يبذل له شيئا من المال ليرفع يده عن العين النجسة التي اختص بها ، فيحوزها لنفسه من بعده ، وهذا ليس من التعويض عن العين النجسة ولا من التعويض عن حقه فيها ، بل من التعويض عن رفع اليد عن الحق


المسألة 9

يجوز بيع الاعيان المتنجسة إذا كانت قابلة للتطهير ، ولابد من اعلام المشتري بنجاستها ليطهرها قبل الانتفاع بها ، ويجوز بيع الاعيان المتنجسة غير القابلة للتطهير إذا كانت لها منافع محللة مقصودة وكانت منافعها غير متوقفة على طهارتها ، كالدهن المتنجس ينتفع به بالاسراج وطلي السفن ، وكالصابون المتنجس تنظف به الثياب والاشياء ، ثم
تطهر بعد التنظيف ، وكالصبغ المتنجس تصبغ به الاشياء ويتوقى من ملاقاتها أو تطهر بعد الصبغ ، ويجب اعلام المشتري بنجاستها . ولا يجوز بيعها ولا المعاوضة عليها إذا لم تكن لها منفعة محللة مقصودة ، أو كانت منفعتها المقصودة مشروطة بالطهارة ، وهي غير قابلة للتطهير حسب الغرض ، ولا تخرج بذلك عن ملك صاحبها .


المسألة 10

يجوز بيع السباع وشراؤها ، كالاسد والنمر والفهد والذئب إذا كانت لها منفعة محللة في الشريعة يعتد بها عند العقلاء ، ويجوز بيع الهرة ويحل ثمنها ، ويجوز بيع المسوخ والحشرات إذا وجدت لها مثل تلك المنفعة ، فيجوز بيع الفيل لينتفع بالحمل عليه وبعظمه بعد الموت أو التذكية ، ويجوز بيع الحشرات مع وجود المنفعة المذكورة ، كدود القز ونحل العسل والعلق الذى يمص الدم ونحو ذلك . والاحوط ترك بيع القرد من المسوخ ، ولا يجوز بيع ما لا منفعة له أو كانت منفعته غير محللة .


المسألة 11

لا يجوز التكسب بما يكون آلة للحرام بحيث يعد عرفا منها ويكون ذلك هو المقصود الغالب من اقتنائه كالعود والمزامير والبرابط ، وآلات العزف المعروفة وغير ذلك ، وآلات القمار كالنرد والشطرنج وأوراق المقامرة ، والاصنام والصلبان ، وكالاسطوانات الغنائية والاشرطة التي يسجل عليها الغناء والانغام المحرمة . ويجوز بيع آلالات المشتركة ، والتي يشيع استعمالها في المحلل والمحرم على السواء بحيث ينتفي في انظار أهل العرف انها آلات حرام على الخصوص ، كالراديو ، وصندوق حبس الصوت ويجوز اقتناؤها للاستعمال في الاشياء المباحة والراجحة كاستماع الاخبار والقرآن ، والمناهج المباحة والنافعة المجدية . واما التلفزيون فالحكم فيه يدور مدار صدق الاسم ، فان عد في نظر أهل العرف من آلات اللهو والحرام على الخصوص حرم بيعه وحرم استعماله ، وإذا شاعت فوائده المحللة وكثرت منافعه ومناهجه المجدية والراجحة حتى أصبح في نظر أهل العرف من الاجهزة المشتركة العامة وغير معدود من آلات اللهو والحرام على الخصوص ، جاز بيعه واقتناؤه واستعماله في الاشياء المباحة واختصت الحرمة باستعماله في النواحي المحرمة .


المسألة 12

يجوز بيع آلالات المسجلة للصوت كما يجوز استعمالها في ما يباح وما يحسن ويرجح ، ويجوز بيع الآلات المكبرة للصوت ، ويجوز بل يحسن استعمالها في الامور الراجحة ، كاعلان الصوت في الاذان ، وتبليغ الصوت في خطبة الخطيب ، وموعظة الواعظ وقراءة القارئ ونشر الحقائق الصحيحة .


المسألة 13

يحرم عمل آلات اللهو وآلات الحرام المتقدم ذكرها ، ويحرم اصلاحها إذا فسدت أو تعيبت ، ويحرم التكسب بذلك وأخذ الاجرة أو الجعالة عليه ، بل يجب افسادها واعدامها مع الامكان وتغيير هيئتها على الاقل ، وله أن يبيع مادتها بعد التغيير من نحاس أو حديد أو معدن آخر ، وله ان يبيع المادة قبل التغيير والافساد إذا اشترط على المشتري تغييرها أو وثق بأنه يغيرها وان لم يشترط ذلك عليه ، ويشكل جواز البيع بغير ذلك .


المسألة 14

الاحوط لزوما للمكلف ان يجتنب الانتفاع مطلقا بأواني الذهب والفضة في الحوائج وان لم يكن الانتفاع من أنواع الاستعمال المتعارفة ، وان لا يقتنيها مع قصد أن يجعلها متاعا معدا للانتفاع به وان لم يستعملها بالفعل بل جعلها على الرفوف للزينة مثلا ، فيجتنب بيعها وشراءها لهذه الغاية على الاحوط ، وان يجتنب الاجارة لصياغتها لهذه الغاية ويجتنب أخذ الاجرة عليها . ويجوز له أن يقتنيها لغير ذلك من الغايات كما إذا قصد بذلك حفظهاأو حفظ ماليتها بهذه الصورة ، فيجوز له بيعها وشراؤها لهذه الغاية ، وتجوز الاجارة لصياغتها لذلك ويجوز أخذ الاجرة عليها


المسألة 15

لا تجوز المعاملة في الدراهم الزائفة التي يضعها بعض الناس لغش الناس وسلب أموالهم ، سواء كان زيفها في أصل المعدن الذي تختلف به عن العملة الصحيحة المتداولة في البلاد ، أم كان في خلطها بمعدن آخر تكون به مزيفة مغشوشة ، فلا يجوز جعلها عوضا ولا معوضا في المعاملات إذا كان الشخص الذي تدفع إليه جاهلا بأمرها ، واما إذا كان عالما ومطلعا على الحقيقة فلا يصدق معه الغش لظهور الامر لديه ، فإذا أقدم على المعاملة مع ذلك فلا تحريم من هذه الناحية وهو واضح .


المسألة 16

لا يجوز بيع العنب أو التمر مثلا ليعمل خمرا ، وكذلك غيرهما من الاشياء التي يتخذ منها الخمر ، فلا يجوز بيعها لهذه الغاية ، ولا تصح المعاملة عليها ، ولا يصح بيع الخشب أو غيره من المواد ليصنع صنما أو آلة لهو أو آلة حرام آخر ، بأن يذكر المتعاملان هذه الغاية في عقد البيع ، أو يتواطئا على ذلك بينهما ويجريا العقد على ما تواطئا عليه ، ولا يجوز اجارة المنزل أو الدكان أو المحل ليباع فيه الخمر أو يحرز فيه ، أو ليكون موضعا للبغاء أو غيره من المحرمات على النحو المتقدم من بناء العقد على الغاية المحرمة ولو بالتواطؤ عليها ، وتبطل الاجارة بذلك ، ولا يجوز اجارة الدابة أو السفينة أو السيارة لحمل الخمر على النحو المتقدم ، وتبطل الاجارة بذلك ، فلا يحل الثمن ولا الاجرة بذلك ولا العوض إذا كانت المعاملة بعنوان الجعالة أو الصلح . وإذا باع العنب أو التمر ممن يعلم انه يعمله خمرا ، أو باع الخشب ممن يعلم انه يصنعه آلة حرام ، أو آجر المنزل أو المحل ممن يعلم انه يتخذه محرزا للخمر أو موضعا لمحرم آخر ، أو آجر السفينة أو السيارة لمن يعلم انه يحمل فيها خمرا ولم يتواطئا على ذلك ولم يذكراه في ضمن العقد ، فهو موضع اشكال فلا يترك فيه الاحتياط .


المسألة 17

المدار في كون الشئ مالا في نظر أهل العرف هو أن تكون لذلك الشئ فائدة يرغب فيها عامة العقلاء ، ويتنافسون من أجل تلك الفائدة على اقتنائه وبذل المال بأزائه ، والفائدة المذكورة المرغوب فيها قد تكون مطلقة تشمل حال الاختيار وحال الاضطرار كأصناف المأكولات والمشروبات والملبوسات ، وقد تختص بحال الاضطرار كالعقاقير والادوية والمستحضرات التى يطلبها الناس في أوقات المرض والعلاج خاصة ، فإذا كانت الحاجة إليها عامة منتشرة بين الناس في حال اضطرارهم كانت باعثا لهم على التنافس وبذل المال للحصول على ذلك الشئ وان كانت الاستفادة منه خاصة في حال الاضطرار ، وبملاحظة هذه الرغبة والتنافس يكون ذلك الشئ مالا في نظرهم ، وإذا كانت تلك الفائدة محللة في شريعة الاسلام جاز بيع الشئ وشراؤه وصح التكسب به في الشريعة الاسلامية كما تكرر في المسائل المتقدمة .


المسألة 18

الاحوط لزوما عدم جواز بيع المصحف الشريف على الكافر وعدم تمكينه منه ، ويحرم بلا ريب إذا كان موجبا للزراية والهزء به والاستهانة بشأنه والهتك لحرمته ، ويجوز بيعه عليه وتمكينه منه إذا كان ذلك وسيلة لهدايته ، أو سببا لتعظيم أمره عنده أو عند بعض المنصفين من ذوي نحلته .


المسألة 19

يحرم تصوير كل ذي روح سواء كان انسانا أم حيوانا ، وسواء كانت الصورة مجسمة أم غير مجسمة ، ومنقوشة أم محفورة أم مطرزة . ويستثنى من ذلك تصوير بعض الاجزاء فقط كتصوير الرأس وحده ، أو الرجل أو اليد خاصة فلا يحرم ذلك ، الا إذا عد تصويرا للانسان أو الحيوان ولكنه ناقص بعض الاجزاء ، كما إذا صور انسانا أو حيوانا مقطوع الرأس ، فلا يترك الاحتياط باجتنابه . ويحرم إذا صور انسانا أو حيوانا مقطوع اليد أو مقطوع الرجل ويحرم إذا كانت الصورة كاملة ولكنه على هيئة لا يستبين منه بعض اجزائه ، كما إذا صور انسانا ملتفتا ، فلا يستبين منه بعض اجزاء وجهه ، أو صوره راكعا أو ساجدا أو جالسا ، أو واضعا يديه خلف ظهره ، فلا يستبين منه بعض اجزائه في الصورة ، فيحرم جميع ذلك ويحرم أخذ الاجرة عليه . ويجوز التصوير بالآلة الفوتوغرافية الشائعة ، فانها من حبس الظل وليست من التصوير المحرم . ويجوز تصوير غير ذوات الارواح كالشجر والازهار والثمار والنخيل سواء كانت مجسمة أم غير مجسمة ويحل أخذ الاجرة عليه


المسألة 20

يجوز اقتناء الصور سواء كانت من ذوات الروح أم من غيرها وسواء كانت مجسمة أم منقوشة أم مطرزة أم محفورة ، نعم يكره اقتناؤها ، والكراهة في الجميع على حد سواء فليست في الصور المجسمة اشد منها في غيرها .


المسألة 21

تحرم اعانة الظالين في ظلمهم ، وتحرم اعانة كل فاعل للحرام في فعله الحرام وان لم يكن في عداد الظالمين عرفا . اعانة الظالمين في ظلمهم ، وتحرم اعانة كل فاعل للحرام في يكن في عداد الظالمين عرفا . واما اعانة الظالمين في افعالهم المباحة أو في طاعاتهم فهي غير محرمة ، الا إذا عد في اعوان الظلمة والمنتسبين إليهم أو كان ذلك موجبا لقوة شوكتهم وتمكينهم من الظلم .


المسألة 22

يحرم اللعب بالآلات المعدة للقمار كالنرد والشطرنج والطاولي ، وأوراق المقامرة ، ونحوها من الاشياء الخاصة المعدة لذلك ، سواء كان اللعب بها مع الرهن أم بدونه ، ولا يحل أخذ الرهن عليها ، سواء كان الرهن من المغلوب من المتقامرين للغالب أم من شخص آخر أجنبي عنهما وسواء كان المتراهنان هما المتقامران أم غيرهما ، كما إذا تقامر شخصان بمحضر شخصين آخرين ، فتراهن الشخصان المشاهدان للمقامرة وقال أحدهما للآخر : ان غلب زيد في المقامرة فلك من مالي كذا دينارا ، وان غلب عمرو فلي من مالك كذا دينارا ، واتفقا على ذلك بينهما ، فلا يجوز ذلك في جميع الصور ولا يحل أخذ الرهن . ويحرم اللعب بغير الآلات المعدة للقمار إذا كان اللعب من الرهن كالمصارعة وصعود القمم الشاهقة وتسلق الابنية العالية وحمل الحجارة الثقيلة ودخول الامكنة المظلمة أو المخوفة ، وشبه ذلك ، ولا يحل أخذ الرهن عليها ، ويجوز ذلك إذا كان بغير رهن ، والاحوط استحبابا تركه .


المسألة 23

لا يجوز الاحتفاظ بكتب الضلال واستنساخها وقرائتها إذا لم تكن له غاية صحيحة في ذلك ، وخصوصا مع احتمال عروض الضلال بقراءتها له أو لغيره عن طريق الحق ، وخصوصا للعامة من الناس وضعفاء المعرفة الذين لا يملكون النظرة القويمة السديدة في أمر العقيدة ، ويضاف إلى ذلك مداخل الشيطان ، ومنافذه ووسائله التي لا تنضبط ولا تنحصر ، والتي يمهد بعضها لبعض ، ويأخذ بعضها بيد بعض ، وقد تأتي على البناء من القواعد ، وأدنى ما يؤمل منها ان تثير الشكوك ، وتلبد الجو . وكتب الضلال مختلفة المواضيع ، وكتابها متنوعو الاساليب ، والكثرة منهم يملكون من المباهتة والمراوغة اكثر مما يملكون من النقد النزيه ، وقد لا يمكلون من هذا شيئا ، فيجب على القارئ التوقي من المزال جهد المستطاع ، ومن أهم ما يقيه تجنب الكتب المضلة وقد تخادعه النفس أو يخادعه الشيطان فيدعي لنفسه القدرة وهو لا يقدر ، ليوقعاه في مالا يحمد أو ليكون ما يفسده اكثر مما يصلحه ، فيجب التنبه قبل الوقوع في الشبهة والظلمة . ويجوز الاحتفاظ بهذه الكتب لمن أمن ذلك ، وكانت له النظرة الصائبة التي يفرق بها بين الحسن والقبيح والخطأ والصواب ، ويحسن بل يجب الاحتفاظ بها لم زوده الله بالهدى الكامل ، وآتاه النور المشع الذى يكشف الظلمة ، والذي يستطيع به احقاق الحق وابطال الباطل ، وملكه زمام القول ليبين من تلك الكتب مواضع الزيف ويوضح للقارئين والمسترشدين معالم الحق .


المسألة 24

الغناء هو مد الصوت وتلحينه على الكيفيات اللهوية المعروفة في مجالس اللهو وعند أهله سواء صحبه شئ من آلات الطرب أم لا ، ويميزه أهل العرف ، فما صدق عليه بين أهل العرف انه غناء فهو منه . ولا ريب في حرمته وحرمة الاستماع إليه وحرمة التكسب به وعدم حلية أخذ الاجرة والعوض عليه ولا فرق في حرمته بين ان يقع في أغاني عامية أو شعر عربي أو غير عربي أو في قراءة قرآن أو تلاوة دعاء أو خطبة أو في مراثي أهل البيت عليهم السلام أو غير ذلك ، ويتضاعف العقاب عليه إذا وقع في عبادة يراد بها طاعة الله سبحانه . ويستثنى من ذلك حداء الحادي فلا تحريم فيه ، وغناء النساء في محافل العرس ، بشرط أن لا يصحبه شئ من المحرمات الاخرى كالضرب بالطبل والصنج أو على المعازف وكالرقص والحركات الخليعة والتكلم في الغناء بالكلام الباطل ، ودخول الرجال على النساء وسماعهم لاصواتهن على نحو يثير الشهوة وينشر الفساد ، فإذا صحبه شئ من ذلك كان حراما .


المسألة 25

السحر هو صرف الشئ عن وجهه الصحيح على سبيل الخدعة والتمويه ، فيلبس الباطل لباس الحق ، ويوجب الوقوع في الوهم بالغلبة على البصر أو السمع أو غيرهما من الحواس ، وقد يؤثر في بدن المسحور وقلبه أو عقله أو في عواطفه ، فيؤثر فيه الحب أو البغض ويمنعه ويصده عن بعض المحبوبات والمشتهيات ، ويحبسه عن الوصول إلى زوجته ويفرق به بينهما وغير ذلك من الآثار المختلفة . ولا ريب في حرمة عمله وحرمة تعلمه وتعليمه وحرمة التكسب به ، وفي أحاديث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وأهل البيت عليهم السلام ما يدل على شدة تحريمه والمؤخذة عليه حتى أطلق عليه الكفر وشبه بالشرك ، وعن أمير المؤمنين علي عليه السلام : من تعلم شيئا من السحر قليلا أو كثيرا فقد كفر وكان آخر عهده بربه ، وحده أن يقتل الا أن يتوب . وأما تسخير الملائكة أو الجن ، واحضار الارواح وتسخيرها ، ففي عده من السحر اشكال ، ويحرم منه ما كان مضرا بمن يحرم الاضرار به


المسألة 26

الشعوذة هي اراءة غير الواقع واقعا لخفة اليد والحركة السريعة التي تخرج بسرعتها عن المعتاد ، ونظيرها - وليس منها - أن يدير الانسان النار بيده بسرعة فيري الاخرين بعمله ذلك دائرة متصلة من النار ، مع انها ليست بدائرة ولا متصلة ، ولكنها وهم متصل ، وأقول ان هذا المثال نظير الشعوذة وليس منها فالحركة المذكورة ليست خارجة عن المعتاد . والشعوذة ليست من السحر ، والاحوط لزوم اجتنابها واجتناب التكسب بها مطلقا ، وخصوصا إذا هي أضرت بمؤمن ، أو ترتب عليها عنوان محرم آخر .


المسألة 27

القيافة هي أن يستند القائف إلى علامات خاصة ومشابهات بين الطفل والرجل في بعض الملامح أو في أجزاء خاصة من البدن ، فيلحقه به في النسب أو يحكم بأنه أجنبي عنه على خلاف الموازين التي وضعتها الشريعة الاسلامية لالحاق الولد بأبيه ، ولا ريب في تحريمها وعدم جواز التكسب بها .


المسألة 28

الكهانة هي أن يخبر الكاهن ببعض حوادث تحصل في مستقبل الزمان أو ببعض المغيبات عنه في الزمن الحاضر ، ويزعم أنه يتلقى هذه الانباء عن الجان ، وهي من المحرمات في الدين . والظاهر انه لا حرمة في أن يخبر ببعض الامور المغيبة عنه ويستند في اخباره بها إلى مقدمات وامارات خفية يستدل بها على ذلك إذا اعتقد صحتها أو حصل له الاطمئنان منها .


المسألة 29

التنجيم هو أن يخبر المنجم عن حوادث الكون وما يجد فيه من جدب
وخصب ورخص وغلاء وحر وبرد وكثرة مطر وقلة ، بل وحرب وسلم وصحة وسقم وانتشار أمراض وما يشبه ذلك ويستند في اخباره بهذا إلى حركة الافلاك وأوضاع الكواكب والنجوم بعضها مع بعض وهو يعتقد ان هذه الحركات والاوضاع مؤثرة في الكون وفي تسيير حوادثه . وهو من المحرمات إذا اعتقد القائل بذلك اعتقادا يتنافى مع مقررات الاسلام . واما الخسوف والكسوف ومسير الكواكب وتقارنها وانفصالها وتولد الاهلة وما اشبه ذلك فلها مقادير معينة في الحساب وقواعد رتيبة مضبوطة لا تخطئ ، ولكن قد يخطئ الحاسب في ملاحظتها ، فتختلف عما يقول .


المسألة 30

لا ريب في حرمة الغش في المعاملة وقد تكثرت الادلة الواردة في تحريمه وفي الوعيد على ارتكابه ، ففي الحديث عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم : ومن غش مسلما في بيع أو في شراء فليس منا ويحشر مع اليهود يوم القيامة ، لانه من غش الناس فليس بمسلم ، إلى ان قال صلى الله عليه وآله وسلم : ألا ومن غشنا فليس منا ، قالها ثلاث مرات ، ومن غش أخاه المسلم نزع الله بركة رزقه وأفسد عليه معيشته ووكله إلى نفسه . ومعنى الغش ظاهر لا خفاء فيه ، وله مراتب متفاوتة ، فمنه خلط الشئ المرغوب فيه بغير المرغوب والجيد بالردي ، فيبدو الجميع مرغوبا فيه وجيدا ، ومنه تزييف صفحة الشئ الموجودة فيه وهي قبيحة ليظهر للرائي بصورة حسنة ، ومنه طلاء النحاس أو الحديد بماء الذهب أو بماء الفضة فيتوهم المشتري انه ذهب أو فضة ، ومنه اخفاء العيب في الشئ المعيب حتى يراه الرائي صحيحا ، ومنه غير ذلك ، وجميعه محرم ومعاقب عليه في الاسلام .

المسألة 31

الغش محرم ومعاقب عليه كما تقدم ، ولكن المعاملة التي وقع فيها الغش لا تكون باطلة ، وانما يكون للمغشوش من المتعاقدين خيار فسخ المعاملة بعد الاطلاع على أن صاحبه قد غشه فيها ، وإذا كان البيع قد وقع على الكلي وكان الغش في الفرد الذي دفعه البائع إلى المشتري ، صح البيع ، وكان للمشتري على البائع ان يبدل الفرد المغشوش الذي دفعه إليه بفرد آخر لا غش فيه ، ومثال ذلك ما إذا باعه منا من الحنطة أو من الارز في الذمة ، ودفع إليه عند التسليم منا مغشوشا من الجنس الذي باعه ، فعليه أن يبدل المن الذي دفعه إليه بمن من الجنس سليم من الغش . وإذا باعه حديدا مموها بماء الذهب على انه ذهب ، أو حديدا مموها بماء الفضة على انه فضة ، كان البيع في هذه الصورة باطلا لاختلاف الجنس الذي وقع عليه البيع عن الجنس المقصود ووجب على البايع رد الثمن إلى المشتري ، وكذلك الحكم في كل بيع يكون الغش فيه موجبا لاختلاف الجنس .


المسألة 32

يحرم النجش ، ففي الحديث عن ابي عبد الله عليه السلام عن الرسول صلى الله عليه وآله انه عد الناجش والمنجوش من الملعونين على لسان محمد صلى الله عليه وآله ، والنجش هو أن يزيد الانسان في ثمن الشئ وهو لا يريد أن يشتريه ، وانما يريد أن يسمعه غيره فيزيد في الثمن على زيادته . ولا فرق في تحريم النجش بين أن يكون الناجش قد تواطأ مع البايع على ذلك أم لا .


المسألة 33

لا يجوز للمكلف أن يؤجر نفسه على الاتيان بالواجبات العبادية التي تجب عليه وجوبا عينيا ، ولا يحل له أخذ الاجرة عليها ، فان الظاهر من ادلة هذه الواجبات ان الشارع قد اعتبر فيها أن يأتي المكلف بها مجانا دون عوض . وكذلك الحكم في الواجبات العبادية الكفائية ، والمستحبات التى اعتبر الشارع فيها المجانية أيضا ، فلا تصح الاجارة ولا يحل أخذ الاجرة للمكلف على الصلاة اليومية الواجبة عليه ، ولا نوافلها ولا على صيام شهر رمضان ولا على سائر الواجبات والمستحبات العينية ، ولاعلى تغسيل الموتى وتكفينهم والصلاة عليهم ولا على الاذان ونحوه ، فان المجانية التي اعتبرها الشارع في امتثال هذه الواجبات والمستحبات تمنع من جواز الاجارة عليها ومن حصة أخذ الاجرة على الاتيان بها . وكذلك الحكم على الاقوى في تعليم العقائد الواجبة في الاسلام ، وتعليم الاحكام في شريعته مما هو محل الابتلاء للمكلفين ، والاحوط ذلك أيضا في الاحكام التى لا تكون محل الابتلاء . وتجوز الاجارة ويحل أخذ الاجرة على الواجبات غير العبادية كدفن الميت ، وكمعالجة الطبيب للمرضى وعلى الواجبات التى يتوقف عليها نظام الحياة كتعليم علم الطب والزراعة وغيرهما . وتجوز الاجارة على تعليم القرآن والقراءة والكتابة ويحل أخذ الاجرة والجعل عليها . وتجوز الاجارة للنيابة عن الاموات في الاتيان بما وجب عليهم من واجبات ومستحبات إذا كانت مما تشرع فيه النيابة ويحل أخذ الاجرة على ذلك ، وسيأتي تفصيله في كتاب الاجارة ان شاء الله تعالى . وتصح الاجارة عن الحي في خصوص حج الاسلام إذا وجب عليه وعجز عن ادائه ، فتصح النيابة عنه في الحج ويحل له أخذ الاجرة على ذلك ، وتفصيل الحكم فيه في كتاب الحج ، فليراجع


المسألة 34

ما لا تجوز الاجارة على الاتيان به ولا يحل للمكلف أخذ الاجرة عليه من الواجبات العبادية والمستحبات التي اعتبر الشارع في امتثال الامر بها أن يأتي المكلف بها مجانا دون عوض ، فكذلك الحكم في أخذ الجعالة عليها ، فلا تجوز الجعالة على الاتيان بهذا النوع من الاعمال الواجبة ولا يستحق العامل به عوضا على الجاعل ، لما ذكرناه من اعتبار المجانية فيها شرعا .


المسألة 35

يحرم نوح النائحة على الميت إذا كان نوحها بالباطل ، وهو أن تثني على الميت بالكذب وتذكر له من الصفات والافعال الحميدة ما ليست له ،وتنزهه عن بعض الصفات والافعال غير المحمودة ، وهي فيه ، ولا يحل لها أخذ الاجرة أو الجعل على ذلك . ويجوز لها أن تنوح بالحق فتذكر للميت من الصفات والممادح ما هو له أهل ، ويحل لها أخذ الاجرة والجعل على ذلك


المسألة 36

يحرم هجو المؤمن سواء كان ذكرا أم أنثى ، والهجو هو ذمه وذكر ما به استنقاصه وعيبه من الصفات والاعمال والنسب الدنئ وشبه ذلك ، سواء كان في الشعر أم النثر . ويجوز هجو المخالف للحق ، ويجوز هجو الفاسق المبتدع لئلا يؤخذ ببدعته كما في بعض النصوص . ولا يجوز هجاء الفاسق غير المبتدع وان كان متجاهرا في فسقه .


المسألة 37

يحرم الفحش من القول ، وهو ما يستقبح ذكره من الكلام البذئ ، وهو على نحوين : القسم الاول : ما يستقبح ذكره مع كل أحد حتى مع الزوجة ، وهو محرم حتى مع الزوجة كذلك ، كما إذا شبه زوجته بالبغايا وعاملات السوء ، فيحرم ذلك وان كان بقصد المزاح والتفكه معها . القسم الثاني : ما يستقبح التصريح به مع الاجانب ولا يقبح مع الزوجة ، كما إذا ذكر بعض الاعمال الخاصة بينه وبينها ، فيجوز له ذلك ولا يقبح معها ، ويحرم مع غيرها .


المسألة 38

يحرم على الانسان ان يدفع الرشوة إلى القاضي ليحكم له ، سواء كان قضاؤه له بحق أم بباطل ، ويحرم على القاضي ان يأخذ الرشوة على الحكم سواء كان حكمه في الواقعة بحق ام بباطل ، وقد تكرر في النصوص قول الامام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام : وأما الرشا في الحكم فان ذلك هو الكفر بالله العظيم جل اسمه وبرسوله صلى الله عليه وآله ، وعن أمير المؤمنين عليه السلام : ايما وال احتجب من حوائج الناس احتجب الله عنه يوم القيامة وعن حوائجه ، وان أخذ هدية كان غلولا ، وان أخذ الرشوة فهو مشرك . ويجوز للمظلوم أن يدفع الرشوة لظالمه ليستنقذ حقه منه ، ويحرم على الظالم أخذها .


المسألة 39

يحرم على الرجال لبس الذهب من خاتم وغيره ، وتبطل صلاة الرجل بلبسه ، ويحرم عليه التزين به كالسن من الذهب يجعله في مقدم الاسنان ، وأزرار الذهب توضع للقميص ، ولا تبطل الصلاة بذلك ، وإذا لبس الذهب وتزين به فهو أشد تحريما ، وأشد من ذلك أن يكون الذهب الذي لبسه وتزين به من مختصات النساء


المسألة 40

يحرم على المكلف الكذب ، وقد تكثرت الادلة في تحريمه والوعيد على ارتكابه ، والكذب المحرم على الانسان هو أن يخبر عامدا بما يخالف الواقع ، وهو قاصد لذلك ، سواء كان جادا في كذبه أم هازلا ، ويتأكد التحريم ويعظم العقاب عليه إذا كان مع الاستصغار للخطيئة ، والتهاون بحرمات الله سبحانه ، ويتأكد التحريم كذلك إذا كان في شهر رمضان وخصوصا للصائم فيه كما هو الشأن في غيره من المحرمات .


المسألة 41

قد يتكلم الانسان بالخبر الكاذب ، وهو لا يقصد الاخبار به عن الواقع ، وانما يقصد التكلم بصورة الخبر فقط من غير قصد للحكاية ، والذي يدعوه الى ذلك هو الهزل والمزاح فلا يكون ذلك محرما بل ولا يكون كذبا لعدم الحكاية ، بل يكون هزلا . وقد يقصد التورية فلا يكون كاذبا ولا يكون اخباره محرما كذلك ، بل يكون موريا . والتورية في الكلام هي أن يكون للفظ معنيان ، احدهما ما هو ظاهر فيه عند متعارف الناس ، والثاني ما هو غير ظاهر فيه ، ولكنه معنى من معانيه ، فإذا تكلم الانسان باللفظ وقصد المعنى غير الظاهر كان موريا في كلامه . ومثال ذلك أن يقول كساني عبد الله في هذا اليوم لباسا ، ولم يكن عبد الله قد اعطاه شيئا من الثياب ، وانما قصد انه أعطاه زوجة ، بملاحظة قول الله سبحانه هن لباس لكم وانتم لباس لهن ، أو يقول عن رجل أعمى : لقد فتحت في هذا اليوم عين فلان ، وهو يريد ان عين الماء التي يملكها ذلك الرجل قد نبع ماؤها .


المسألة 42

يستثنى من حرمة الكذب : ان يكذب الرجل ليدفع بذلك ظلما أو ضررا عن نفسه أو عن مؤمن آخر ، ويجوز له أن يحلف على ذلك . وان يكذب لاصلاح ذات البين بين المؤمنين المتخاصمين ، وإذا أمكن له أن يؤدي ذلك بالتورية في خبره فالاحوط استحبابا له ذلك ، ولكن لا يتعين عليه ذلك . ويجوز للرجل أن يعد أهله بشئ وهو لا يريد أن يفي لهم بوعده ، وان كان الاحوط استحبابا له ان يجتنب ذلك ، وخصوصا لذي الاطفال والابناء الذين يريد أن يعودهم على الخلق الرفيع . والوفاء بالوعد فضيلة من فضائل الاخلاق ، ولا ينبغي للمؤمن أن يتهاون بها ويتأكد ذلك مع غير أهله ، فلا ينبغي أن يكذب بوعده ، أو يعد وهو لا يريد الوفاء .


المسألة 43

يحرم على الانسان أن يتولى المناصب والاعمال والوظائف من قبل السلطان الجائر وان كان الانسان تام الكفاءة لذلك العمل ، وكان العمل في نفسه غير مخالف للشرع فالتحريم فيه انما هو لتوليه من قبل الجائر ، واما الاعمال غير المشروعة فيكون تحريمها من كلتا الناحيتين ، واما المظالم فالتولي فيها من قبله يكون التحريم فيه متعدد الجوانب وكل ذلك واضح لاخفاء فيه في الاسلام .ويستثنى من ذلك ان يتولى الانسان الولاية والمنصب من قبله في الامور المشروعة التي لا مخالفة فيها لاحكام الدين وهو يقصد أن يقوم في وظيفته بمصالح اخوانه المسلمين والمؤمنين ويحفظ بها شؤونهم ويرد بذلك العادية والظلم عنهم ، فيجوز له الدخول في هذه الاعمال بهذا القصد ، بل يحسن ويحمد منه ، فقد ورد عن الامام جعفر بن محمد عليه السلام كفارة عمل السلطان قضاء حوائج الاخوان . وروي عن الامام أبي الحسن الرضا عليه السلام : ان لله تعالى بابواب الظالمين من نور الله به البرهان ومكن له في البلاد ، ليدفع بهم عن اوليائه ويصلح الله بهم أمور المسلمين ، إليهم يلجأ المؤمن من الضرر واليهم يفزع ذو الحاجة من شيعتنا ، وبهم يؤمن الله روعة المؤمن في دار الظلم ، اولئك هم المؤمنون حقا ، إلى آخر الحديث . ويستثنى من ذلك ما إذا أجبره الظالم على الدخول في العمل ، بحيث يخشى مع عدم اجابته على نفسه أو على أهله واقاربه واخوانه ممن يهمه أمرهم ، فيجوز له ذلك ، إذا لم تكن فيه اراقة دماء محترمة أو هتك أعراض قوم مسلمين أو نهب أموالهم وايقاع الخوف والحرج عليهم واشباه ذلك .


المسألة 44

يجوز للانسان أن يأخذ الجائز أو الهدية التي يدفعها إليه السلطان كما يجوز له أن يأخذ منه أو من وكيله ثمن الشئ الذي يشتريه السلطان منه ويدفع إليه ثمنه من الاموال التي بيده ، وان كان يعلم على وجه الاجمال أن بعض الاموال التي بيده من الحرام ، فلا يمنع هذا العلم الاجمالي من قبول جوائزه وهداياه والاعواض التي يدفعها في معاملاته من بيوع واجارات ومصالحات وضمانات أو تعهدات يجريها السلطان باختياره ثم يدفع اعواضها أو يدفعها وكيله باذنه . الا إذا علم المدفوع إليه ان المال الذي دفع إليه بعينه مغصوب ، فيجب رده إلى مالكه إذا عرفه بعينه ، وإذا تردد مالك ذلك المال بين جماعة محصورين في العدد وجب عليه استرضاؤهم جميعا إذا أمكن ، فان لم يمكن ذلك رجع في تعيين المالك إلى القرعة .وإذا تردد بين جماعة غير محصورين ، فان لم ييأس من معرفة المالك منهم بعينه وجب عليه الفحص عنه ، وإذا يئس من معرفته تصدق بالمال عن مالكه ، ويستأذن الحاكم الشرعي بذلك على الاحوط .


المسألة 45

ذكرنا في رسالتنا في المسائل المستحدثة بعض الاحكام التي تتعلق في معاملة البنوك والتأمين وأوراق اليانصيب ، وغير ذلك من الموضوعات المستجدة ، فليرجع إليها من اراد الاطلاع عليها .


المسألة 46

الارض الخراجية هي الارض التي فتحها المسلمون عنوة وكانت عامرة حال الفتح وهي ملك للمسلمين عامة ، ولذلك فلا يجوز بيعها كما سيأتي بيانه في فصل شرائط العوضين . فإذا دفعها السلطان إلى بعض المسلمين ليزرعها وينتفع من ثمارها وحاصلاتها وجعل عليها ضريبة خاصة كالخراج ، وهو الضريبة التي تجعل على النقد الحاصل من نتاج الارض ، أو المقاسمة وهي الضريبة التي تجعل على السهم من الارض المذكورة كالنصف منها أو الثلث ، ويقبض ولي المسلمين هذه الضرائب ليصرفها في مصالحهم . فإذا كان السلطان القائم بذلك مخالفا للشيعة في المذهب وكانت سلطنته باسم الخلافة العامة على المسلمين ، أو باسم التولي الشرعي للامور العامة على المسلمين كان تصرفه نافذا في ذلك ، فإذا أخذ الضريبة من صاحب الارض جاز شراء ما يأخذه منها وجاز التصرف فيه باذن السلطان المذكور ، وإذا حولت حكومة هذا السلطان أحدا على صاحب الارض ان يأخذ منه الضريبة المجعولة عليه ودفعها إليه جاز للمحول ان يأخذ منه وبرئت ذمة صاحب الارض بالدفع إليه . وكذلك الحكم في ما يأخذه هذا السلطان باسم الزكاة على مالكي العلات والنقدين والانعام ، فان ذممهم تبرأ من الزكاة الواجبة عليهم بالدفع إليه أو إلى عماله المنصوبين لذلك ، ويجوز للآخرين شراء أعيان الزكاة منهم إذا أرادوا بيعها .وإذا كان السلطان مسلما ولم تكن سلطنته باسم الخلافة الاسلامية أو باسم التولي الشرعي لامور المسلمين العامة ، فيشكل جريان الاحكام المذكورة على تصرفاته ، فلا يترك الاحتياط فيها ، سواء كان السلطان شيعيا أم مخالفا لهم في المذهب ، وكذلك إذا كان غير مسلم .


المسألة 47

يجوز للرجل أن يتقبل من السلطان المتولي لامور المسلمين بعض الاراضي الخراجية بشئ معين فيزرعها أو يغرسها أو يؤجرها لآخرين ، لينتفعوا بها بالزراعة والغرس وإذا أراد الزيادة في الاجرة عما تقبلها به ، فلا يترك الاحتياط بأن يحفر في الارض نهرا أو يحدث فيها شيئا يعين المستأجر به ، وسيأتي بيان الحكم في كتاب الاجارة .


المسألة 48

لا يجوز للرجل حلق اللحية على الاقوى ، ويحرم أخذ الاجرة أو الجعالة على حلقها ، الا إذا أصبح حلق اللحية ضرورة يضطر إليها الرجل لبعض الامور التي تحتم ذلك عليه ، فيجوز له حلقها حين ذاك ، ويصح أخذ الاجرة والجعالة عليه


المسألة 49

لا يجوز للانسان الاحتكار ، وهو أن يحبس الطعام وشبهه عنده ويمتنع عن بيعه يتربص به الغلاء وارتفاع القيمة مع حاجة اهل البلد إليه وعدم وجود من يبذل ذلك لهم ، وفي الحديث عنه صلى الله عليه وآله : الجالب مرزوق والمحتكر ملعون ، وعنه صلى الله عليه وآله لا يحتكر الطعام الا خاطئ . وقد ذهب جمع من الاصحاب إلى اختصاص الاحتكار بالحنطة والشعير والتمر والزبيب والسمن وهو القول المشهور ، وألحق بها آخرون : الزيت والملح ، ولا يترك الاحتياط بالحاق كل ما تكون الحاجة إليه عامة من أهل البلد المسلمين من الاطعمة والملابس ونحوها . فإذا احتكر الانسان بعض ذلك مع الشروط المتقدمة أجبر على البيع ولا يحدد له السعر الذي يبيع فيه ، وإذا أجحف في الثمن الذي يطلبه في بيعه على العامة أجبر على النزول من ذلك السعر ، ولا يحدد عليه أيضا . وهكذا . ولا يختص هذا الحكم بما إذا كان المحتكر واحدا ، بل يجري في ما إذا كانوا عدة من الناس ، فإذا حبسوا الحاجة لديهم مع اضطرار عامة الناس إليها وعدم وجود من يبذلها لهم جرى فيهم الحكم المذكور سواء كانوا متواطئين على الاحتكار ليرتفع السعر أم حصل ذلك منهم اتفاقا .


المسألة 50

ليس من الاحتكار أن يحبس الانسان الطعام عنده ينتظر به الغلاء ، إذا وجد في البلد من يبذل تلك الحاجة للناس بقدر كفايتهم ، وإذا انتهى ما عند الباذل من الطعام ولم يف بحاجة الناس تحقق الاحتكار حين ذاك وجرت عليه أحكامه . وليس من الاحتكار ان يحبس أحد عنده الطعام ينتظر به الغلاء إذا لم تكن للناس حاجة إلى طعامه لانهم قد خزنوا لانفسهم منه ما يكفيهم ، أو لوجود المزارع لديهم وهي قريبة الانتاج ، أو لوجود ما يعوض عنه من المنتوجات الاخرى بحيث أصبح غير ضروري لهم . وليس من الاحتكار ان يحبس الطعام وهو لا ينتظر به الغلاء ، بل ليصرفه إلى بعض عملائه الخاصين عند حاجتهم ولو بالسعر المقبول ، فلا يكون فعله حراما ولا مكروها .


المسألة 51

إذا دفع الانسان إلى غيره مالا ليتولى صرفه على فريق خاص من الناس وكان الرجل الذي دفع إليه المال من ذلك الفريق ، ومثاله ما إذا أعطى زيدا مبلغا معينا من المال ليقسمه على فقراء أهل بلده ، أو على الهاشميين منهم أو على أرحامه وكان زيد من هذا الفريق الذين أمره بقسمه المال عليهم . فان دلت القرائن العامة أو الخاصة من عادة ونحوها على الاذن في أن يأخذ من المال كغيره من افراد ذلك الفريق أو كان للفظه اطلاق وظهور يدل على ذلك صح للرجل أن يأخذ من المال بقدر ما دل عليه الاذن في الاخذ ، وان لم تدل القرائن على تعيين قدر معين له أخذ منه أقل ما يحتمل ، وهو القدر المتيقن مما أذن فيه ، وان لم تدل القرائن على الاذن في الاخذ لم يجز له ان يأخذ منه شيئا . وإذا كان الرجل فقيرا فدفع إليه انسان مبلغا من مال الزكاة ليصرفه في مصارف الزكاة من الفقراء وغيرهم ، أو كان هاشميا محتاجا ، فدفع إليه مبلغا من الخمس ليدفعه إلى الهاشميين المحتاجين ، فان علم ولو من القرائن أن وكالته شاملة للدفع إلى نفسه ، صح له أن يأخذ منه بمقدار ما يعطي غيره وان لم يعلم ذلك لم يجز له أن يأخذ منه شيئا . وكذلك الحكم في الصرف من ذلك المال على عياله ، فلا يجوز له أن يصرف عليهم منه شيئا الا إذا علم بأن وكالته في صرف المال شاملة لذلك .


المسألة 52

يكره للانسان أن يتخذ بيع الصرف حرفة له ، وقد ورد في ذلك انه لا يسلم من الربا ، ولعل المراد انه لا يسلم ولو من حب الربا ليتوفر بذلك ماله ، فيهون عليه أمر هذا المحرم العظيم ، ولا يكره أن يتولى بيع الصرف في بعض الاوقات مع التحفظ عن الوقوع في مالا يحمد ، ويكره كذلك أن يتخذ بيع الاكفان حرفة له ، وقد علل ذلك في النصوص بأنه لا يسلم من أن يسره الوباء وكثرة الموتى ، ولا يكره أن يبيع الكفن في بعض الاحيان . ويكره أن يحترف ببيع الطعام ، فانه لا يسلم من الاحتكار وحب الغلاء ، ولعل المراد انه لا يسلم ولو من حب الاحتكار فيهون عليه أمر المحرم . ويكره أن يكون نخاسا ، وهو الذي يتخذ بيع العبيد والاماء صنعة له ، وقد ورد ان شر الناس من باع الناس . ويكره أن يكون جزارا وهو الذي يتخذ ذبح الحيوان ونحر الابل حرفة له ، وقد ورد ان هذه الحرفة تورث قسوة القلب وسلب الرحمة . ويكره أن يكون حجاما ، وتتأكد الكراهة في هذه الحرفة إذا كان يشترط الاجرة على عمله ، ويكره التكسب بضراب الفحل ، سواء آجر الفحل لذلك وضبط ضرابه بالمرة والمرات أو المدة ، أم لم يؤجره ولكنه قصد العوض ، ولا كراهة في ما إذا لم يقصد العوض بضراب الفحل إذا اعطي شيئا بعنوان الهدية ونحوها .


المسألة 53

يجب على من يباشر اي نوع من أنواع التجارة أو يحترف اي وجه من وجوه التكسب أن يتعلم الاحكام الشرعية التي تتعلق بنوع تجارته أو في وجه تكسبه ، حتى يعرف الصحيح من غير الصحيح ويميز المحلل من المحرم ، وليرتب الاثار كما أمر الله تعالى وكما شرع . والمعاملة التي يريد الانسان أن يقوم بها قد تكون مما اشتبه الحكم فيه من حيث الحل والحرمة لا من حيث الصحة والفساد ، كما في كل مورد يكون الشك فيه في أن المعاملة ربوية فتحرم أم هي غير ربوية فلا تحرم ، بناءا على ما هو الاحوط فيها لزوما ، وفي هذه الصورة يجب على المكلف اجتناب المعاملة حتى يتعلم الحكم فيها أو يحتاط إذا كان الاحتياط ممكنا . وقد تكون المعاملة مما يدور الامر فيه بين الصحة والفساد ، فيجب فيها كذلك معرفة الحكم المتعلق بها عن اجتهاد أو تقليد أو احتياط ، ليميز ما هو صحيح عما هو فاسد ، وليرتب الآثار كما تقدم ذكره ، ولا يلزم أن يكون التعلم قبل ايقاع المعاملة ، بل يجوز له أن يوقعها أولا ، ثم يسأل عن حكمها ، فإذا علم بصحتها رتب آثار الصحة والنفوذ عليها ، وان علم بفسادها لم يرتب عليها أي أثر .


المسألة 54

قد ذكرت للتكسب والتجارة آداب كثيرة ، منها ما يستحب ومنها ما يكره ، فمن الآداب المستحبة أن يجمل الرجل في طلب الرزق ، والمراد التوسط فيه ، وقد روي عن الامام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام : ليكن طلبك المعيشة فوق كسب المضيع ودون طلب الحريص . وعن الرسول صلى الله عليه وآله : الا ان الروح الامين نفث في روعي ان لا تموت نفس حتى تستكمل رزقها ، فاتقوا الله عز وجل وأجملوا في الطلب ، ولا يحملنكم استبطاء شئ من الرزق أن تطلبوه بشئ من معصية الله جل وعز ، فان الله تبارك وتعالى قسم الارزاق بين خلقه حلالا ولم يقسمها حراما ، فمن اتقى الله عز وجل وصبر آتاه الله رزقه من حله ، ومن هتك حجاب الستر وعجل فأخذه من غير حله قص به من رزقه الحلال وحوسب عليه يوم القيامة . ويستحب للمكتسب والتاجر أن يسوي بين المبتاعين منه في السعر الذي يبيع به السلعة فلا يفرق بين صغير وكبير ، وغني وفقير ، ومماكس وغيره ، والمماكس الذي يجادل البايع في ثمن ما يشتريه ، فلا يفاوت التاجر ما بين العملاء في الثمن الذي يأخذه منهم . ولا بأس في أن يخص أهل التقوى وأهل الفضل فيميزهم في المعاملة معهم على من سواهم . ويستحب له أن يقيل من يطلب الاقالة منه في بيع أو شراء ، فقد روي عن ابي عبد الله عليه السلام : ايما عبد أقال مسلما في بيع أقاله الله عثرته يوم القيامة . ويستحب له أن يأخذ لنفسه ناقصا ويعطي راجحا ، فعن أمير المؤمنين عليه السلام : ان ذلك أعظم للبركة . ويستحب ان يكون سهل البيع والشراء في معاملته مع الناس ، سهل القضاء في ديونه التي عليه للناس سهل الاقتضاء في ديونه التي تكون له عليهم ، فعن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم : ان الله تبارك وتعالى يحب العبد يكون سهل البيع ، سهل الشراء ، سهل القضاء ، سهل الاقتضاء .


المسألة 55

ومن الآداب المكروهة في ذلك ان يمدح البائع السلعة التي يريد بيعها وأن يذم المشتري السلعة التي يريد أن يشتريها . ويكره للانسان الحلف على البيع والشراء ، فعن الامام ابي الحسن موسى عليه السلام : ثلاثة لا ينظر الله إليهم أحدهم رجل اتخذ الله بضاعة ، لا يشتري الا بيمين ولا يبيع الا بيمين ، وعن الامام الصادق عليه السلام : ان الله تبارك وتعالى يبغض المنفق سلعته بالايمان . ويكره له أن يربح على المؤمن ، الا إذا اشترى بأكثر من مائة درهم ، فلا يكره أن يربح منه قوت يومه ، أو يكون شراء المؤمن للتجارة لا للقوت وشبهه ، فلا يكره الربح عليه حين ذاك ويكره للرجل أن يربح على من وعده بالاحسان إليه . ويكره له السوم من طلوع الفجر إلى ان تطلع الشمس . ويكره له أن يكون أول الناس دخولا إلى السوق وآخرهم خروجا منه ، وقد يكون ذلك كناية عن كراهة الانهماك في طلب الدنيا والانغماس في حبها ، ويرشد إلى ذلك ما في هذه النصوص من جعل الاسواق مقابل المساجد ، وان أحب الناس إلى الله أولهم دخولا إليها وآخرهم خروجا منها ، والمراد منها الانصراف عن الدنيا وابتغاء رضى الله والدار الآخرة بعمله ذلك ، وعلى هذا فلا تشمل الكراهة مالو اتفق ذلك في بعض الاحيان فكان أول من دخل السوق وكان آخر من خرج منه من غير حرص على طلب الدنيا وحبها . وتكره معاملة الادنين ، وقد فسر المراد منهم بالسفلة الذين لا يبالون بما قالوا ولا بما قيل لهم ، والذين لا يسرهم الاحسان ولا تسوءهم الاساءة ، والذين يحاسبون على الشئ الدنئ . وتكره مبايعة ذوي العاهات ، ففي الحديث انهم اظلم شئ . وتكره مبايعة المحارفين ، وهم المحرومون الذين أدبرت عنهم الدنيا ، ففي الرواية : لا تشتر من محارف ، فان صفقته لا بركة فيها . وتكره مبايعة من لم ينشأ في الخير ، وهو مستحدث النعمة ، الذي لم يكن ثم كان . ويكره للانسان أن يطلب التنقيص من ثمن السلعة بعد ان اشتراها من صاحبه وتم العقد عليها . ويكره له أن يتعرض لكيل المكيل أو وزن الموزون أو عد المعدود أو لحساب المساحة في المبيع وهو لا يحسن ذلك ، فانه مظنة الوقوع في الخطأ .والمشهور أنه يكره للانسان أن يدخل في سوم أخيه المؤمن ، وقيل بتحريم ذلك ، والاحوط فيه الترك . والدخول في سوم المؤمن ، هو أن يبذل المؤمن للسلعة ثمنا ليشتريها من صاحبها ويرجا أن تتم المعاملة بينهما ، فيبذل الرجل الآخر للبايع زيادة على ذلك الثمن ليشتري السلعة لنفسه أو لآخر . ومثله أن يبذل البايع المؤمن مبيعا ليشتريه المشتري منه ، فيبذل الرجل الآخر للمشتري مبيعا غيره . ولا يعم الحكم ما إذا انصرف أحد المتبايعين عن المعاملة ، ولا يعم ما إذا كان البيع مبنيا على المزايدة فلا تكون الزيادة دخولا في السوم في كلتا الصورتين . ويكره أن يتوكل حاضر لباد في المعاملة له أو معه ، والمراد أن يكون بعض أهل البلد الحاضرين العارفين بسعر الشئ فيه وكيلا عن بعض أهل البوادي والارياف والقرى القادمين إلى البلد ، فيتولى البيع عنهم أو الشراء لهم في البلد . ويكره تلقي الركبان والقوافل الذين يقدمون إلى البلد ويجلبون إليه بعض السلع والمتاع لبيعها فيه أو ليشتروا من البلد بعض حاجاتهم ، فيكره للحاضر في البلد أن يستقبلهم في خارج البلد للشراء منهم أو البيع عليهم قبل أن يصلوا إلى البلد . وتلقي الركبان انما يتحقق بالخروج من البلد بقصد ذلك ، فإذا خرج الرجل من البلد لا بقصد ذلك بل لغاية أخرى ، واتفق مع الركب فباع عليهم أو اشترى منهم ، فلا كراهة في ذلك ، ولا كراهة إذا خرج إليهم مقدار أربعة فراسخ أو اكثر من ذلك فباع عليهم أو اشترى ، فان ذلك من السفر إلى التجارة لا من تلقي الركبان . ولا تختص الكراهة بالتلقي للبيع والشراء منهم بل تعم المعاملات الاخرى كالاجارة والصلح وغيرهما من المعاوضات فيكره تلقي الركبان القادمين للبلد لذلك إذا استقبلهم وأجرى معهم المعاملات التي يطلبونها قبل أن يصلوا إلى البلد .