الفصل الرابع عشر

في محرّمات الإحرام وكفاراتها

المسألة  630: محرمات الإحرام: هي الأمور التي تحرّمها شريعة الإسلام على الشخص بسبب إحرامه بأحد المناسك ، والكفارات هي الواجبات المقدّرة التي تفرضها الشريعة عليه إذا ارتكب أحد المنهيّات المذكورة وهو محرم قبل أن يحلّ شرعاً من ذلك النسك الذي أحرم له.

فإذا أراد الشخص أن يؤدي نسكا معيّناً من حج أو عمرة ، وعزم في قلبه أن يحرم لله بترك جميع ما نهاه عنه من ذلك ليأتي بالنسك المعيّن، والتزم بما قصده في ضميره التزاماً ثابتاً ، كان هذا العزم والالتزام النفساني منه إيقاعا للإحرام وسبباً لإنشائه . فإذا لبس ثياب الإحرام وتمّت نيّته للإحرام وللنسك متقرباً بهما إلى الله -تعالى-، ثم عقد إحرامه بالتلبية أو بالإشعار أو التقليد -إذا كان قارنا-، حرم عليه أن يفعل شيئا من المنهيّات، وإذا فعله كذلك لزمته الكفارة المعينة لذلك الفعل، إذا كان مما فيه الكفارة شرعاً.

المسألة 631 : المحرمات التي يجب على المكلف اجتنابها في حال إحرامه خمسة وعشرون أمراً، وهي على وجه الإجمال: (1) صيد البر.(2) الجماع (3) التقبيل. (4) اللمس بشهوة. (5) النظر إلى الزوجة أو إلى الأجنبية بشهوة وبغير شهوة. (6) الاستمناء. (7) عقد النكاح. (8) لبس المخيط -إذا كان المحرم رجلاً-. (9) لبس الخفّ والجورب -إذا كان اللابس رجلا-. (10) استعمال الطيب. (11) التزين. (12) الاكتحال. (13) الادّهان. (14) النظر في المرآة. (15) إزالة الشعر عن البدن، (16) الفسوق.  (17) الجدال. (18) قتل القمل وحشرات الجسد. (19) التظليل للرجال. (20) ستر الرأس للرجال، ومنه الارتماس في الماء وشبهه. (21) ستر المرأة وجهها (22) تقليم الاظفار، (23) إخراج الدم من البدن، (24) قلع الضرس (25) حمل السلاح، وتفصيل هذا المجمل يأتي في بقية مسائل هذا الفصل -إن شاء الله تعالى-.

المسألة 632 : الأول من محرّمات الإحرام : صيد البر ، كما يقول سبحانه : (حرّم عليكم صيد البر ما دمتم حرماً)، والمراد بصيد البر هو كل ما يبيض ويفرّخ أو يتوالد في البرّ من الحيوان والطير، ويختصّ التحريم به فلا يعمّ صيد البحر، وهو ما يبيض ويفرخ أو يتوالد في الماء وان كان ماء نهر، أو جدول صغير أو ساقية، ولا يعمّ الحيوان الأهلي وإن توحش.

فيحرم على المحرم اصطياد صيد البرّ ، ويحرم عليه ذبحه وإن كان صائده غيره، محلاً أو محرماً، ويحرم عليه أكله، وإن كان الصائد والذابح محلاً، ويحرم عليه إمساك الصيد وإن أمسكه لغيره، ويحرم عليه أن يعين أحداً على صيده، فيشترك معه في أخذه، أو يدفع له الآلة ، أو ينصبها له ، أو يدله على مكمنه، أو يشير إليه ولو بإشارة خفيه، -وإن كان الصائد محلاً- ويحرم عليه أن يغلق الباب عليه ليموت، أو ليصطاده الصائد أو ليصطاده هو بعد أن يحلّ من إحرامه، ويحرم عليه أن يحرّض عليه كلباً أو طيراً أو حيواناً صيوداً، لنفسه أو لغيره وإن كان محلاً، سواء كان الصيد في الحلّ أم في الحرم في جميع الفروض التي ذكرناها.

المسألة 633 : الجراد من صيد البرّ، فلا يحلّ للمحرم صيده ، ولا إمساكه، ولا أكله، ولا الإعانة على صيده، ولا الإغلاق عليه ، وكذلك الدبا المحرّم، وهو الجراد غير الطائر.

المسألة 634: لا يحرم على المحرم صيد البحر من السمك وغيره، فيجوز له اصطياده وبيعه وشراؤه وأكله -إذا كان محلّلاً-، ويجوز له كذلك بيعه وشراؤه وان كان محرّماً إذا كانت له منافع محلّله .

ولا يحرم عليه ذبح الحيوان الأهلي من الأنعام والدواجن والدجاج الحبشي، ويجوز له أكلها إذا ذكيّت، سواء كان الذابح لها محرماً أم محلاً.

المسألة 635: الفراخ والبيوض تابعة للأصل الذي تولّدت منه في الحكم، فيحرم على المحرم صيد فراخ صيد البرّ، وذبحها وأكلها، ويحرم عليه أكل بيضه، وأخذ، للبيع والإحضان ونحو ذلك وتلزمه أحكامها، ويجوز له اصطياد فراخ صيد البحر وبيوضه، ويحلّ له كله إذا كان أصله محللاً، وكذلك فراخ الحيوانات الأهلية وبيوضها فلا تحرم على المحرم.

المسألة 636:  إذا اصطاد المحرم صيد البر فقتله بالآلة أو بالكلب المعلم حرم أكله عليه، وعلى غيره وان كـان محلاً ، سواء اصطاده في الحلّ أم في الحـرم ، وكذلك إذا ذبحه المُحرم وإن كان صائده محـلاً ، والأحوط جريان أحكام الميتة عليه ، فلا يصلى في جلده وان يتطهّر من جلده واجزائه التي تحلّها الحياة إذا باشرها برطوبة، بل الأحوط دفنه كما أمرت به النصوص.

ومثلـه الحكم في صيد الحرم إذا أصابه الصائد فقتله بالآلة ، أو قتله كلبه المعلّم ، أو ذبحه وان كـان الصائد أو الذابح محلاً، فلا يجوز أكله لمُحرمٍ ولا لمحلّ، ويجري فيه الاحتياط المتقدم.

المسألة 637: إذا استولى المحرم على صيد البر وهو في الحل فأخذه حيّاً أثم بذلك ولزمته كفارة الصيد ووجب عليه إطلاقه كما سيأتي، وإذا أخده منه محل فذكّاه قبل أن يطلقه المحرم جاز للمحلّ أكله على الأقوى، ولم تسقط الكفارة عن الصائد المحرم، ويحل أكله لغيره من المحلّين ولا يحلّ للمحرمين .

المسألة 638: إذا أشار المحرم نحو الصيد إشارة خفية أو واضحة تعرّف غيره بموضعه ، أو دلّه عليه -ولو بالتحريض المفهم والحركات المشعرة بوجوده ونحو ذلك من الأفعال وان كانت خفية الدلالة -فانتبه الغير إلى ذلك فأخذ الصيد أو قتله كان ذلك من الاستحلال المحرّم على المحرم، ولزمه الفداء به.

وإذا لم يترتب على إشارة المحرم وتحريضه أثر، فلم يقتل الصيد، ولم يصبه الصائد، أو لم يُدركه أو لم يلتفت إلى الإشارة أو الدلالة التي أبداها المحرم، أو لم يعتنِ بها، فالظاهر عدم تحريم ذلك الفعل، وعدم لزوم الكفارة به على المحرم، ويستحقّ به عقاب المتجرّي إذا قصد بفعله ذلك.

المسألة 639 : إذا استولى المكلف على بعض صيد البر قبل أن يُحرم فأخذه حيّا ثم أحرم بعد ذلك بالحج أو العمرة، والصيد لا يزال في حيازته، فالأحوط له أن يخرج ذلك الصيد بعد الإحرام عن ملكه، والظاهر عدم وجوب الكفارة عليه بمجرّد ذلك ، فإذا أدخله الحرم وجب عليه أن يخلي سبيله ، وإذا هو لم يخلّ سبيله ومات الصيد بعد إدخاله الحرم، أو ذبحه أحد وجب عليه الفداء، وإذا بقى الصيد حياً بعد دخوله الحرم ولم يخلّ سبيله ففي خروجه عن ملك الرجل إشكال ، وكذلك الحكم إذا ملك الصيد قبل الإحرام ببيعٍ أو إرث او غيرهما من أسباب الملك.

المسألة 640: إذا أحرم الرجل وكان -في حال إحرامه -يملك بعض الصيد من الوحوش أو الطيور وهي نائية عنه قد خلّفها في منزله، أو في مكان آخر ، لم يخرج ذلك الصيد عن ملكه بمجرّد إحرامه ، ولا يجب عليه تخلية سبيله، ولا تلزمه الكفارة بسببه .

نعم ، يشكل بل يمنع أن تكون له آلة صيد منصوبة عند أهله أو عند وكيله فيصطادون بها بالوكالة عنه وهو محرم ، وكذلك إذا تجدّد له ملك الصيد ببيع أو هبة أو نحوهما بعد ما أحرم وقبل ان يحلّ على الاحوط إن لم يكن المنع هو الأقوى .

المسألة 641 : لا يجوز للمحرم قتل السباع من الوحوش والطير في الحلّ ولا في الحرم، الا إذا أرادته وخاف منها على نفسه، فيجوز له قتلها عند ذلك ، ويجوز له قتلها أيضا إذا آذت حمام الحرم، ولا فرق في الحكم بين الأسد وغيره من السباع ، ولا تجب عليه الكفارت إذا قتل شيئا منها غير الأسد، سواء جاز له قتلها أم لم يجز ، وسيأتي بيان الكفارة في قتل الأسد في المسألة الستمائة والثامنة والخمسين .

المسألة 642 : يجوز للمحرم أن يقتل الأفعى وهي الحية الخبيثة ، والأفعوان وهو الذكر من الافاعي . ويجوز له ان يقتل كل حية سوء ، بل وكل حية ، ولا سيما إذا قصدته بالأذى، ويجوز لـه قتل العقرب والفأرة من غير فرق -في جميع ذلك -بين أن يكون في الحل أو في الحرم ، ولا تلزمه كفارة في قتل شيء منها، ويجوز له أن يرمي الغراب والحدأة ولا كفارة عليه إذا قتلهما بذلك، ولا فرق بين الغراب الأبقع وغيره ، والحداة طائر من الجوارح.

المسألة 643: إذا شك في حيوان انه من صيد البرّ أو من صيد البحر ولم يعلم حاله ، فالاحوط للمحرم الاجتناب عن صيده وأكله.

المسألة 644: إذا ولد حيوان بين جنسين أحدهما من صيد البر والثاني من غيره مما يجوز للمحرم صيده وأكله، فإن كان الحيوان المتولّد منهما -في صورته النوعية- تابعاً لأحد الجنسين، بحيث يصدق على الحيوان المتولد اسم ذلك الجنس لحقه حكم ذلك الجنس، فيحرم إذا كان تابعاً في صورته وفي اسمه لصيد البرّ، ويحلّ إذا كان تابعا لغيره ، وإذا لم يلحق بأحدهما في الصورة والاسم، وشكّ في حكمه، فالأحوط الاجتناب عنه بل لا يخلو عن قوة .

المسألة 645 : إذا قتل المحرم نعامة، أو أكل من لحمها وهو في الحل بعد انعقاد إحرامه وجب عليه أن ينحر بدنة، ولا يجزيه غيرها مع القدرة، فإذا عجز عن نحر البدنة -لعدم وجودها مثلاً - وجب عليه أن يفض ثمن البدنة على البُرّ أو غيره من الأطعمة التي يجزي دفعها في الكفارة ، وقد ذكرناها في المسألة السبعين من كتاب الكفارات، وأطعم به ستين مسكيناً ودفع لكل مسكين مداً، والأحوط استحباباً أن يدفع لكل مسكين مدّين مع الكفاية، وإذا زاد ثمن البدنة عن اطعام ستين مسكيناً لم يجب عليه التصدّق بالزائد وإذا نقص ثمنها عن إطعام الستّين تصدّق على العدد الذي يفي الثمن به، ولم يجب عليه أن يتمّ ما نقص.

وإذا عجز عن الإطعام كذلك كفاه -على الأقوى- ان يصوم بدل ذلك ثمانية عشر يوماً، والأحوط استحباباً ان يصوم من الأيام بمقدار عدد المساكين الذين يتسع الثمن لإطعامهم -لو كان الإطعام مقدوراً- سواء بلغ ستين مسكيناً أم لم يبلغ، فإن عجز عن ذلك صام ثمانية عشر يوماً، وسيأتي الحكم فيما إذا قتل المحرم النعامة او أكل من لحمها في الحرم.

المسألة 646: إذا اصطاد المحرم بقرة وحشية فقتلها أو أكل من لحمها وهو في الحلّ بعد إحرامه، وجب عليه أن يذبح في كفارته عن ذلك بقرة أهلية، وإن لم يجد البقرة وجب عليه أن يفضّ ثمن البقرة على البُرّ أو غيره من الأطعمة المجزية في الكفارة، ويطعم به ثلاثين مسكيناً -على الوجه الذي بيّناه في المسألة المتقدمة-، وإذا زاد ثمن البقرة على إطعام ثلاثين مسكيناً لم يجب عليه التصدّق بما زاد وكان له، وإذا قصر ثمنها عن الوفاء بإطعام ثلاثين مسكيناً لم يجب عليه أن يتمّ ما نقص من العدد، وإذا لم يمكنه الإطعام كذلك، أجزأه أن يصوم بدل ذلك تسعة أيام ، والأحوط -استحباباً كما تقدم -بأن يصوم أياماً بمقدار العدد الذي يتّسع الثمن لإطعامه من المساكين سواء بلغ ثلاثين أم لا ، وإذا عجز عن صيام ذلك صام تسعة أيام، ويلاحظ ما يأتي إذا قتل البقرة أو أكل من لحمها في الحرم.

المسألة 647: إذا أصاب المحرم -بعد انعقاد إحرامه- حمار وحش فقتله وهو في الحل، أو أكل من لحمه، تخيّر على الأقوى -في كفّارته- بين أن ينحر بدنة وأن يذبح بقرة أهلية ، ولا يكفيه غيرهما مع القدرة عليهما، أو على إحداهما ، فإن هو لم يجد بدنة ولا بقرة ، فضّ ثمن البقرة على البُر او على طعام غيره مما يجزي في الكفارت ، وأطعم به ثلاثين مسكينا على نهج ما بيناه في بقرة الوحش وكفاه ذلك، ويجري فيه جميع القول المتقدم ، فاذا عجز عن إطعام المساكين صام تسعة ايام والاحوط استحبابا ان يصوم بعدد المساكين التي يتسع لها ثمن البقرة اياما سواء بلغت ثلاثين ام لا ، فان عجز عن ذلك صام تسعة أيام -كما قلنا في نظيره-.

ويجوز له إذا لم يجد البدنة ولا البقرة ان يفضّ ثمن البدنة على البر ويطعم به ستين مسكينا أو ما بلغ -على نهج ما تقدم في كفارة النعامة-، وإذا لم يمكنه الإطعام صام بقدر عدد المساكين اياماً، فاذا لم يقدر على ذلك صام ثمانية عشر يوماً ، وهذا هو الأحوط استحباباً

المسالة 648: إذا قتل المحرم ظبياً وهو في الحل، او اكل من لحمه أو قتل ثعلباً او أرنباً وجب عليه ان يذبح عن كل واحد من المذكورات شاة ، فان لم يجدها لزمه ان يفض ثمن الشاة على الطعام ويطعم به عشرة مساكين، لكل مسكين مد ، ويجري فيها الكلام المتقدم في نظائرها، وان لم يمكنه الإطعام صام ثلاثة ايام والاحوط استحباباً ان يصوم بعدد المساكين اياماً سواء بلغت عشرة أيام أم لا ، فان عجزعن ذلك صام ثلاثة ايام .

المسألة 649: إذا كسـر المحرم بيضة نعامة ، فإن كان الفرخ قد تحرّك في البيضة وجب عليه أن ينحر عنها بكراً من الإبل، وإن لم يتحرك فيها الفرخ –بعد-، أو لم يكن فيها فرخ أرسل فحلاً من الإبل على أنثى صالحة للحمل منها، وكان النتاج هدياً للبيت، وإذا تعدّد البيض المكسور لزمه لكل بيضة منها مثل ذلك، وإذا لم ينتج الإرسال شيئاً فلا شيء عليه، وإذا لم يقدر على ذلك وجب عليه أن يذبح عن كل بيضة شاة ، فإن عجز عنها أطعم عن كل بيضة عشرة مساكين ، وان لم يقدر على الإطعام صام عنها ثلاثة أيام.

المسألة 650 : إذا كسر المحرم بيض القطا وهو في الحل جرى فيه نظير الحكم الذي ذكرناه في بيض النعام، فإن كان الفرخ قد تحرّك في البيضة التي كسرها وجب عليه أن يذبح بكراً من صغار الغنم كفارة عنها ، وإذا لم يكن في البيضة المكسورة فرخ ، أو كان فيها فرخ ولم يتحرك –بعد-، أرسل فحلاً من الغنم على أنثى صالحة للحمل منها ، وكان نتاج ذلك هدياً للبيت كفارة عن ذلك ، وإذا تعدّد البيض الذي كسره لزمه لكل بيضة كسرها مثل ذلك.

المسألة 651 : يجب على المحرم -بعد انعقاد إحرامه -في أكل الصيد مثل ما يجب عليه في قتله، وإن كان الصائد غيره ، فإذا قتل الصيد في الحلّ ثم أكل من لحمه وجبت عليه كفارتان تامّتان، ولا تكفي كفارة واحدة عنهما.

المسألة 652: إذا قتل المحرم الصيد وهو في الحلّ، أو أكل من لحمه، وجبت عليه الكفارة، كما بيّنا بعضه فيما سبق، وسنذكر بعضه فيما يأتي، وإذا قتل المحلّ الصيد وهو في الحرم، أو أكل من لحمه وجبت عليه قيمة ذلك الصيد ، فإذا قتل المحرم الصيد وهو في الحرم، أو أكل من لحمه وجب عليه الأمران معاً، وان بلغ بدنة أو زاد عليها -على الأحوط-.

المسألة 653 : إذا قتل المحرم حمامة أو شبهها من الطير الوحشيّ أو الأهلي، -وكان المحرم في الحلّ- وجب عليه في قتلها أن يذبح شاة ، وإذا قتل فرخا من فراخها -وهو في الحلّ- وجب عليه أن يذبح حَمَلاً أو جدياً، والحَمَل -بفتح الحاء والميم-: هو الضان الصغير في سنته الأولى، والأحوط أن لا يقلّ عمره عن ستة أشهر، والجدي: هو الصغير من أولاد المعزى .

وإذا كسر بيضة من بيضها وكان الفرخ قد تحرّك في البيضة كان حكمها حكم الفرخ، فعليه أن يذبح حملاً أو جدياً، وإذا كسر منها بيضة لا فرخ فيها، أو قبل أن يتحرك الفرخ فيها وهو في الحل فالأحوط له أن يدفع أكثر الأمرين، من الدرهم وقيمة البيضة.

المسألة 654: إذا قتل محلّ حمامة -أو ما يشبهها من الطير -وهو في الحرم لزمه- على الأحوط -أن يكفّر بدفع أكثر الأمرين: قيمة الحمامة والدرهم، وإذا قتل فرخاً من فراخها دفع أكثر الأمرين: قيمة الفرخ ونصف درهم، وكذلك إذا كسر بيضة من بيضها قد تحرّك فيها الفرخ، وإذا كسرها قبل أن يتحرك الفرخ فيها دفع أكثر الأمرين من قيمة البيضة وربع درهم.

وإذا قتل المحرم -وهو في الحرم- حمامة او فرخها أو كسر بيضة من بيضها وجب عليه أن يدفع كفارة المحرم في الحلّ وجزاء المحلّ في الحرم، فإذا قتل حمامة أو شبهها وجب عليه أن يذبح شاة وأن يدفع معها أكثر الأمرين وهما قيمة الحمامة ودرهم ، وإذا قتل فرخا من فراخها أو كسر بيضة تحرّك فيها الفرخ وجب عليه أن يذبح حَمَلاً أو جدياً، وأن يدفع معه الأكثر من قيمة الفرخ ونصف درهم ، وإذا كسر بيضة لم يتحرك فيها فرخ وجب عليه أن يدفع الأكثر من قيمة البيضة ودرهم ، وأن يدفع مع ذلك أكثر الأمرين أيضاً من قيمة البيضة وربع درهم.

المسألة 655: إذا قتل المحرم -وهو في الحلّ- قطاة أو حجلة أو درّاجة أو إحدى نظائرها، وجب عليه أن يذبح عن الواحدة منها حملاً قد فطم من اللبن ورعى من الشجر، وإذا قتل إحداها محلّ وهو  في الحرم وجب عليه أن يكفّر بدفع قيمة ما قتله، وإذا قتلها محرم وهو في الحرم وجب عليه أن يكفّر بكلا الأمرين.

المسألة 656: يجب على المحرم إذا قتل وهو في الحلّ عصفوراً أو قنبرة أو صعوة أن يكفر عنه بدفع مدّ من الطعام، ويجب عليه إذا قتل جرادة أن يدفع عنها تمرة، وإذا قتل أكثر من جرادة واحدة وجب عليه أن يتصدّق بكفّ من طعام ، وإذا قتل جراداً كثيراً وجب عليه أن يكفّر عنه بدم شاة ، ويجب عليه التحرّز عنه إذا كان في طريقه ، فإذا لم يمكنه الاحتراز عنه، فلا إثم عليه ولا كفارة في قتله.

المسألة 657: يجب على المحرم إذا قتل ضبّاً أو قنفذاً أو يربوعاً، أو ما أشبهها، أن يكفّر عن قتله بدم جدي، ويجب عليه في قتل العظاية أن يكفّر عنها بكفّ من الطعام ، والعظاية: حشرة من كبار الوزغ ، ويجب عليه –كذلك- في القملة يلقيها عن جسده أن يتصدق عنها بكف من طعام، ويجب عليه إذا قتل زنبوراً متعمداً، أن يتصدق بشيء من الطعام ، ولا شيء عليه إذا قتله دفعاً لإيذائه.

المسألة 658:  إذا قتل المحرم أسداً وهو في الحرم فالأحوط له أن يكفّر عن قتله بذبح كبش، بل الأحوط له ذلك إذا قتله وهو في الحلّ ، وإذا خاف من الأسد على نفسه جاز له قتله، بل وجب إذا لم يمكن دفعه إلا بالقتل، ولا إثم عليه ولا كفارة في قتله، سواء كان في الحلّ أم في الحرم .

المسألة 659: إنما يثبت الفداء والكفارة على المحرم بقتل الصيد ، سواء باشر قتله بنفسه أم كان سبباً في قتله بدلالة أو إشارة أو إعانة على الأقوى في بعض الصور، وعلى الأحوط لزوماً في جميعها ، ويثبت الفداء والكفارة كذلك بأكله من الصيد وإن كان الصائد أو الذابح غيره -كما قلنا في المسالة الستمائة والحادية والخمسين-، ولا تثبت الكفارة عليه بنفس أخذه للصيد إذا لم يقتله، أو يأكل من لحمه، أو يوجب له جرحاً أو كسراً، ومثال ذلك: أن يستولي على الحيوان أو الطير ثم يطلقه سوياً غير مصاب بجرح ولا كسر في بعض أعضائه فلا كفارة عليه وان كان آثماً بصيده، ولا تثبت الكفارة بالدلالة على الصيد أو الإشارة إليه إذا لم يقتل الصيد بسبب إشارته ودلالته ولم يجرح أو يكسر بعض أعضائه، وان كان آثـماً في جميع ذلك –كما قلنا في المسالة الستمائة والثانية والثلاثين-.

المسألة 660: تلزم الكفارة على المحرم إذا قتل الصيد، سواء وقع منه عامداً أم ساهياً أم جاهلاً، وتجب عليه الكفارة كذلك إذا أكل من الصيد في جميع الصّور المذكورة، ولا إثم عليه في غير صورة العمد، والظاهر شمول الحكم للدلالة والإشارة ونحوهما إذا كانت سبباً للقتل، وان وقعت منه خطأً أو سهواً أو جهلاً، فتلزمه الكفارة بذلك، ولا تختص بصورة العمد -كما في غير الصيد من محرمات الإحرام-.

المسألة 161 : إذا فعل المحرم ما يوجب عليه كفارة الصيد اكثر من مرة واحدة وهو في إحرام واحد ، ومثال ذلك : أن يقتل في مدة إحرامه أكثر من صيد واحد، سواء كان الصيد من جنس واحد أم من أجناس مختلفة، أو يأكل من لحم الصيد البرّي أكثر من مرة واحدة ، أو يدلّ على الصيد أو يشير إليه ، ويتحقق قتل الصيد بسبب دلالته أو إشارته أكثر من مرة ، أو يقتل صيداً ويأكل من صيد آخر ويدل على صيد ثالث.

فإن فعل ذلك ساهياً أو ناسياً للإحرام، أو جاهلاً بالموضوع، أو مخطئاً، تعددت عليه الكفارة، ووجبت عليه بعدد ما صدر عنه من أفعال توجب الكفارة، ولا يسقط عنه شيء منها، وكذلك إذا فعل ذلك عامداً وكان كل فعل في إحرام، ومثال ذلك: أن يقتل صيداً عامداً أو يدلّ عليه وهو في إحرام عمرة التمتع، ويأكل من لحم الصيد وهو في إحرام حج التمتع ، فتجب عليه الكفارة في كل واحد من الفعلين وان كان عامداً فيهما ، وإذا ارتكب موجب الكفارة عامداً أكثر من مرة واحدة وهو في إحرام واحد، وجبت عليه الكفارة في ارتكابه الأول، ولا كفـارة عليه في ارتكابه للمرة الثانية إذا كان عامداً كذلك وكان موضعاً لاستحقاق نقمة الله منه ، كما دلّت عليه الآية الكريمة: (ومن عاد فينتقم الله منه والله عزيز ذو انتقام ) .

المسألة 662: يشكل الحكم في المحرم إذا تكرّر منه ما يوجب كفارة الصيد وهو جاهل بالحكم الشرعي، فهل يعدّ مخطئاً، فتتكرر عليه الكفارة في كلّ ما فعل، أو يلحق بالعامد فتجب عليه الكفارة في المرة الأولى ولا تجب عليه فيما بعدها ؟ والاحتياط له يكون بالتوبة عن فعله وتكرار الكفارة.

ولا يجري التفصيل المذكور في المكّلف المحلّ إذا تكرّر منه الصيّد في الحرم أكثر من مرة ، فتجب عليه الكفارة في كل مرة سواء كان مخطئاً في فعله أم متعمداً، ولا فرق في الأحكام المذكورة في هذه المسألة وسابقتها بين أن يتخلّل التكفير بين موجبات الكفارة وعدمه.

المسألة 663: إذا اشترك محرمان أو أكثر في قتل صيد واحد ، أو في الأكل من لحمه، أو في الدلالة على موضعه، أو في الإشارة إليه، فقتله الشخص الذي حرّضوه بسبب دلالتهم أو إشارتهم أو تحريضهم وجبت على كل واحد منهم كفارة تامة لذلك الصيد .

وإذا اشترك المحرم وغير المحرم في قتل الصيد أو في أكله أو الدلالة عليه لزم كلّ واحدٍ حكمه، فتلزم الكفارة على المحرم، ولا كفارة على المحلّ إلا إذا كان المقتول من صيد الحرم، فتلزمه كفارته -كما ذكرنا في المسألة الستمائة والثانية والخمسين- .

المسألة 664 : إذا قتل المحرم حمامة من حمام الحرم لزمه أن يكفّر عنها بذبح شاة -كما قلنا في المسألة الستمائة والرابعة والخمسين- وان يدفع مع الكفارة أكثر الأمرين من قيمة الحمامة والدرّهم ، فيذبح الشاة في موضع الذبح وسيأتي بيانه ، ويتخيّر فيما يدفعه من القيمة أو الدرهم بين أن يشتري به علفاً لحمام الحرم، وأن يتصدق به في الحرم ، وإذا قتل فرخاً من فراخها، أو كسر بيضة قد تحرّك فيها الفرخ من بيضها جرى فيه مثل ذلك، فيذبح الحمل والجدي في موضع الذبح ، ويتخيّر في قيمة الفرخ أو نصف الدرهم بين ما ذكرنا ، ويجري التخيير كذلك في قيمة البيضة إذا كسرها قبل أن يتحرك الفرخ ، ومثله حكم المحلّ إذا قتلها ، أو قتل الفرخ ، أو كسر البيضة.

المسألة 665: إذا كان الصيد الذي أصابه المحرم مملوكاً لأحد وجب عليه أن يدفع الكفارة المقدّرة في الشريعة لذلك الصيد إلى الفقراء، وضمن للمالك قيمة الصيد إذا قتله ، وأرشه إذا أصابه بجرح أو كسر أو نقص في بعض أعضائه .

المسألة 666 : إذا رمى المحرم صيداً فقتل برميته صيدين وجبت عليه بذلك كفارتان تامتان، سواء كان عامداً في ضربه للأول أم مخطئاً، وإذا تعمد في رميته قتلهما معاً وجبت عليه الكفارتان كذلك، ولم تسقط عنه كفارة الثاني بسبب تعمده قتلهما.

المسألة 667: إذا وجبت الكفارة على المحرم بسبب الصيد، وكان إحرامه بحج التمتع ، أو بحح القِران ، أو بحج الإفراد وجب عليه أن يذبح الفداء أو ينحره بمنى، ويتخيّر في أي موضع يشاء منها، وإذا كان إحرامه بعمرة التمتع، أو بعمرة مفردة  وجب عليه أن يذبح الفداء أو ينحره بمكـة ، ويتخيّر في أي موضع يشاء منها ، ولا يشمل الجواز المواضع والمحلات الجديدة من مكة -على الأحوط بل الأقوى-، ولا يجوز له التأخير عن منى في الحج، ولا التأخير عن مكة في العمرة، ولا يكفيه أن يذبح الفداء قبلهما، كما إذا أراد أن يذبحه في موضع إصابته للصيد.

المسألة 668 : إذا فعل المحرم ما تلزمه بسببه كفارة الصيد تعلّق به وجوب الفداء من ذلك الموضع، ولا يجب عليه شراء الفداء من الموضع، وبجوز له تأخير شرائه حتى يصل إلى موضع النحر في مكة أو منى ، إلا إذا علم بأن الفداء لا يوجد فيهما، فيلزمه الشراء من حيث يمكن.

المسألة 669 : إذا وجب على المكلف نحر بدنة لصيد النعامة، أو وجب عليه ذبح بقرة لبقرة الوحش أو حماره، أو وجب عليه ذبح شاة لصيد الظبي ونحوه، ولم يجد الفداء في مكة أو منى، لم ينتقل حكمه إلى التصدق أو الصيام -كما فصّلناه في المسالة الستمائة والخامسة والأربعين والمسائل التي تليها- حتى يعلم أو يطمئن بعدم وجود الفداء في موضع النحر والأماكن الممكنة الأخرى، فيجب شراؤه وتحصيله منها إذا كان ذلك ممكناً ، ولم يلزم منه عسر ولا حرج ، فإذا لم يجد الفداء، أو كان نقله موجباً للعسر أو الحرج انتقل إلى البدل من الصدقة ثم الصيام.

المسألة 670 : إذا وجبت علـى المحرم كفارةٌ لغير الصيد من تظليل ونحوه ، فالأحوط له أن يذبح الفداء بمنى إذا فعل مـوجب الكفارة وهو في إحرام الحج، وأن يذبحه في مكة إذا فعله في إحرام العمرة ، ويجوز للمعتمر أن يؤخر ذبحه إلى منى وإن كان في عمرة مفردة ، بل الظاهـر أنه يجوز له أن يذبحه حيث يـشاء ، فله أن يؤخر ذبحه حتى يرجع إلى أهله ، ومصرف الفداء بعد ذبحه أو نحره هم المساكين، فلا يكفي صرفه لغيرهم ، سواء كان كفارة صيد أم غيره .

المسألة 671 : إذا اصطاد الرجل حيوانا بريّاً وهو محل قبل أن يحرم ، فذكّاه وبقي لحمه المذكّى حتى أحرم لم يجز له أن يأكل منه بعد إحرامه وقبل أن يحلّ، ويجوز أكله للمحلين، وإذا بقي منه شيء حتى أحل من إحرامه جاز له أكله .

المسألة 672 : إذا وجبت الكفارة على المحرم في عمرة التمتع ، جاز له أن يؤخر ذبح الفداء حتى يتمّ حج التمتع ، وإذا وجبت عليه وهو محرم بحج أو بعمرةٍ مفردة وعزم من بعد إحلاله من نسكه أن يحرم بنسك أخر فيجوز له أن يؤخر الفداء حتى يتمّ نسكه الثاني.

المسألة 673: الثاني من محرمات الإحرام : الجماع؛ يحرم الوطء على المحرم بعد أن ينعقد إحرامه في قُبُل أو دُبُر ، سواء أنزل في وطئه أم لم ينـزل ، وسواء كان إحرامه في حج أم في عمرة تمتع، أم في عمرة مفردة، حتى يحلّ من إحرامه إحلالاً تاماً، والتحلّل الكامل في إحرام الحج واحرام العمرة المفردة من هذا الحرم لا يكون إلا بعد الاتيان بطواف النساء وصلاة ركعتيه على ما سيأتي بيانه- فلا يجوز الجماع لمن احرم بالحج  أو بالعمرة المفردة قبل الاتيان بهما.

المسألة 674 : إذا جامع الرجل زوجته وهو محرم بعمرة التمتع ، وهو يعلم بإحرامه وبأن الجماع محرّم عليه حال الإحرام ، فان فعل ذلك قبل طواف العمرة، أو قبل السعي لها، أو في أثناء السعي وقبل أن يتمه، وجب عليه أن ينحر بدنة ، ويشكل الحكم بفساد عمرته بذلك، فيلزمه -على الاحوط- أن يتمّ عمرته ثم يعيدها من الميقات، ويأتي بحج التمتع بعدها ، وهذا مع سعة الوقت لذلك ، وإذا لم يتّسع الوقت لإعادة العمرة فعليه -على الأحوط- أن يتمّها ويأتي بالحج بعدها. ثم يقضي الحج في السنة المقبلة ، وأحوط من ذلك أن يأتي بعمرة مفردة بعد الحج في سنته الأولى، ويلحق الزنا ووطء الأمة المملوكة بجماع الزوجة في الحكم المذكور -على الاحوط-.

وإن فعل ذلك بعد أن أتم السعي في عمرته وقبل التقصير وجب عليه إتمام العمرة والحج بعدها، ووجب عليه التكفير بأن ينحر جَزوراً أو يذبح بقرة أو يذبح شاة مخيّراً بين الثلاثة، والأحوط أن ينحر بدنة إذا كان موسراً، ويذبح بقرة إذا كان متوسط الحال، ويذبح شاة إذا كان معسراً.

المسألة 675 : إذا جامع الرجل زوجته وهو محرم بعمرة مفردة ، وكان جماعه إياها قبل الطواف أو في أثنائه، أو قبل السعي أو في أثنائه وقبل أن يتمه، فسدت عمرته ، ولا يترك الاحتياط بان يتمّ عمرته وان كانت فاسدة، ووجب عليه أن ينحر بدنة كفارة لفعله ، ووجب عليه أن يقيم في مكة حتى ينقضي الشهر الذي افسد فيه عمرته . ثم يخرج بعد انقضائه إلى أحد المواقيت ويحرم منه بعمرة مفردة ، وقد تقدم ذكر هذا في المسالة الأربعمائة والخامسة عشرة .

واذا جامع زوجته في إحرام العمرة المفردة بعد أن أتم السعي وقبل التقصير ، أو بعد التقصير وقبل أن يتم طواف النساء أثم بذلك ولم تفسد عمرته ، ووجب عليه إتمامها ، ولزمه -على الأحوط- أن يكفّر عن فعله ببدنة ، ويلحق الزنا بجماع الزوجة في الأحكام المذكورة على الاحوط ، وكذلك وطء المولى لأمته المملوكة.

المسألة 676: إذا جامع الرجل زوجته وهما محرمان معاً بعمرة التمتع أو بعمرة مفردة ، وجبت على الرجل الكفارة ، على الوجه الذي تقدم بيانه . ولزمته الأحكام الآنف ذكرها في المسألتين السابقتين ، ووجبت الكفارة المذكورة على الزوجة أيضاً إذا كانت مطاوعة للزوج، وعالمة بالإحرام وبالحكم ، ولزمتها بقية الأحكام على الاحوط، وإذا أحل الرجل من إحرامه وجامع زوجته وهي لا تزال محرمة وجبت عليها الكفارة ، وغرمها لها الزوج سواء كانت مطاوعة له أم مُكرَهة.

المسألة 677: إذا جامع الرجل امرأته وهو محرم بحج التمتع أو بحج القران أو حج الإفراد، فللمسألة صور مختلفة تجب ملاحظتها وتطبيق أحكامها .

الصورة الأولى: أن يكون جماعه لزوجته قبل وقوفه بالمشعر الحرام ، سواء كان قبل وقوفه بعرفات أم بعده أم في أثنائه، ويجب عليه في هذه الفروض كلّها أن يتم حجه إلى نهاية أعماله، فلا يجوز له قطعها ولا إبطالها، وأن ينحر بدنة كفارة لما ارتكب ، وأن يعيد حجه في العام المقبل، ولا فرق في لزوم الأحكام المذكورة بين أن يكون الحج الذي أوقع فيه ذلك الفعل فريضة أو نافلة، وواجباً عليه أو بالنيابة عن غيره، ولا فرق بين أن يكون جماعه لزوجته قبلاً أو دبراً، وان لم ينـزل في جماعه أو أنزل في الخارج بعد تحقق الدخول، وهذا إذا كانت الزوجة في حال وطئه لها محلّه غير محرمة.

المسألة 678: الصورة الثانية: أن يكون جماعه لزوجته قبل وقوفه بالمزدلفة ، كما ذكرناه في الفروض المتقدمة ، وتكون المرأة في حال جماعه لها محرمة بالحج أيضاً، ويجب على كلٍ من الرجل والمرأة في هذه الصورة جميع الأحكام التي بيّناها إذا كانت المرأة مطاوعة له في فعله ، ويجب الإفتراق بينهما من الموضع الذي وقعت فيه معصيتهما إلى أن يفرغا من مناسك الحج -على الأحوط- ، وإذا كانت المعصية قد وقعت منهما في أثناء الطريق، وكان رجوعهما من الحجّ في طريق ذهابهما فالأحوط لهما أن يفترقا حتى يصلا إلى موضع وقوع المعصية من الطريق، ويراد من وجوب الافتراق بينهما أن لا يجتمعا منفردين إلا ومعهما غيرهما ممن يكون وجوده معهما مفرّقا بينهما عرفاً، فلا اعتبار بالطّفل أو الشخص الذي لا يعدّ وجوده مفرّقاً بينهما ، وإذا أتيا بحجة الإعادة في السنة المقبلة وجب عليهما الافتراق كذلك من محل وقوع المعصمية إلى أن يفرغا من مناسك حجهما ، وإذا كان الرجل قد أكره المرأة فجامعها من غير رضاها لم تترتب عليها الأحكام المتقدمة ، ووجب عليه أن يدفع كفارته وكفارتها معا ولا شيء على المرأة ، وجرت الأحكام عليه خاصة .

المسألة 679: المصورة الثالثة : أن يكون الرجل محرما بالحج ، وتكون  المرأة محرمة بعمرة التمتع أو بعمرة مفردة، ويجامعها كما في الفروض السابقة ، وهما معاً عالمان بالإحرام وبالتحريم ، والمرأة راضية غير مكرهة ، فتثبت للرجل جميع أحكام الجماع في إحرام الحج التي ذكرناها ، وتثبت للمرأة أحكام الجماع في إحرام عمرة التمتع أو في العمرة المفردة ، وقد ذكرناها في المسالة الستمائة والرابعة والسبعين وما بعدها .

وإذا أكرهها على الفعل فجامعها وهي غير مطيعة لم تبطل متعتها ولا عمرتها بذلك، وكانت كفارتها على الزوج -على الأحوط-، ولا شيء على المرأة منها .

المسألة 680: الصورة الرابعة : أن يجامع المحرم بالحج زوجته بعد الوقوف في المشعر الحرام ، فإن كان جماعه إياها قبل أن يطوف طواف النساء وجب عليه أن ينحر بدنة كفارة لما فعل ، وان يتمّ أعمال حجه ، ولا تجب عليه إعادة الحج ، وكذلك إذا طاف ثلاثة أشواط من طواف النساء أو اقل ، ويجب على المرأة مثل ذلك إذا كانت مطاوعة غير مكرهة ، ولا شيء عليها إذا أكرهها عليه ، وان كان جماعه بعد أن أتم خمسة أشواط من طواف النساء أو أكثر فلا كفارة عليه ، وإذا كان قد أتم منه أربعة أشواط ففي لزوم الكفارة عليه إشكال ، ولابد فيه من مراعاة الاحتياط.

وإذا جامع زوجته بعد أن طاف طواف الحج وقبل أن يطوف طواف النساء فعليه أن ينحر بدنة إن كان موسراً، وان يذبح بقرة إن كان متوسطاً، ويكفيه أن يذبح شاة إذا كان معسراً.

المسألة 681 : إذا جامع الرجل زوجته وهو محرم بالحج أو بالعمرة ، وكان جاهلاً بتحريم ذلك عليه ، أو كان ناسياً للإحرام لم تجب عليه الكفارة لفعله ، وكذلك الحكم في باقي الكفارات التي يأتي بيانها، فلا تجب على المحرم إذا ارتكب ما يوجبها وهو جاهل بالحكم أو ناس للإحرام ، وهذا في غير كفارات الصيد وقد سبق ذكر هذا في المسالة الستمائة والستين ، وحكم المرأة في ذلك حكم الرجل. فلا كفارة عليها مع الجهل أو النسيان في غير الصيد ، ولهذا الحكم مستثنيات يأتي ذكرها في مواردها -إن شاء الله تعالى-.

المسألة 682: الثالث من محرمات الإحرام : تقبيل الزوجة، فإذا انعقد إحرام المحرم بحج أو بعمرة حرم عليه أن يقبّل زوجته بشهوة ، بل الظاهر تحريم ذلك بغير شهوة ، وإذا قبّلها بشهوة وجب عليه أن يكفّر بنحر بدنة، سواء خرج منه المني أم لم يخرج -على الاحوط-، وإذا قبّلها بغير شهوة وجب عليه أن يكفّر عن ذلك بذبح شاة.

ومن اشد الأمور تحريماً وأكثرها قبحاً بل وتناقضاً: أن يرتكب المرء هذه الجريمة وشبهها مع من لا حقّ له فيه، فيقبّل امرأة أجنبية عنه، أو ذكراً مثله . بشهوة خسيسة وشبهها، أن يرتكب المرء مثل هذه الجرأة المنكرة، ولا سيما في هذه المواقف التي يطلب العبد فيها مزيد القرب من ربّه العظيم، وهو يؤم بيته الكريم للوفادة عليه، والوقوف ببابه، والنزول بفنائه والاستجابة لأمره!! … ولا حول ولا قوة إلا بالله ... وعلى أي حال، فإذا حدث للمحرم مثل هذه الخسائس ، فلابد من دفع الكفارة على الاحوط، وهي ما تقدم ذكره.

المسألة 683: الرابع من محرمات الإحرام: ان يلمس المحرم زوجته بشهوة،  فلا يحل له أن يلمسها كذلك بعد انعقاد إحرامه ، وإذا لمسها بشهوة وجب عليه أن يكفّر بذبح شاة من غير فرق بين أعضائها الملموسة ، وكذا إذا حملها أو أنزلها من المحمل بشهوة ، سواء أمنى أم لم يمنِ، وإذا لمسها أو أركبها أو أنزلها بغير شهوة فلا شيء عليه.

المسألة 684 : الخامس من محرمات الإحرام: أن  ينظر المحرم إلى امرأة بشهوة، فلا يحلّ له ذلك -على الأحوط- بعد انعقاد إحرامه، وإذا نظر إلى زوجته بشهوة بعد الإحرام فأمنى وجب عليه أن ينحر بدنة ، وإذا نظر إليها بشهوة ولم يمن أثم بذلك ولم تجب عليه الكفارة، وكذلك إذا نظر إلى زوجته بغير شهوة فأمنى . فلا كفارة عليه ، وهذا فرض في غاية الندرة، فإن الإمناء مع عدم قصد الشهوة مما يتعذّر عادة، ولكنه قد يتفق لبعض الناس .

المسألة 685: إذا نظر المحرم إلى امرأة أجنبية عنه فأمنى وجبت عليه الكفارة ، وكفارته أن ينحر بدنة إذا كان ذا يَسار ، وان يذبح بقرة إذا كان متوسط الحال، وان يذبح شاة إذا كان فقيراً، وإذا نظر إليها بشهوة ولم يمن أثم بفعله. ولم تجب عليه كفارة، فليتق الله ولا يعد إلى مثل فعله.

المسألة 686: السادس من محرمات الإحرام: الاستمناء، فإذا عبث الرجل بذكره حتى أمنى وهو عالم عامد في فعله ، وكان ذلك منه في أثناء إحرامه وجب عليه ما يجب على من يجامع أهله وهو محرم ، فإذا وقع ذلك منه في إحرام الحج وقبل الوقوف بالمشعر الحرام وجب عليه أن يتمّ أعمال حجه فلا يقطعها، وأن ينحر بدنة كفارة لفعله، وأن يعيد حجه في العام المقبل ، وإذا كان ذلك بعد وقوفه بالمشعر لزمته البدنة وإتمام الحج، ولم تجب عليه إعادته، وإذا فعل ذلك وهو في إحرام العمرة المفرد قبل السعي فعليه أن يتم عمرته وأن ينحر بدنة ، ويقيم في مكة حتى ينقضي الشهر الذي افسد فيه عمرته ثم يخرج إلى أحد المواقيت فيحرم منه بعمرة مفردة ، واذا حصل ذلك وهو في إحرام عمرة التمتع لزمه ان ينحر بدنة وعليه ان يحتاط بالاحكام التي ذكرناها لمن جامع في عمرة التمتع في المسألة الستمائة والرابعة والسبعين .

واذا عبث مع زوجته حتى أمنى عامداً لزمته البدنة ، ولم تجب عليه اعادة الحج حتى إذا كان ذلك قبل الوقوف بالمشعر ، وكذلك حكمه إذا استمنى بالنظر أو التخيل ، فتجب عليه البدنة ولا تلزمه الاعادة .

المسألة 687: السابع من محرمات الإحرام : عقد النكاح ، فلا يجوز للشخص بعد أن ينعقد إحرامه بحج أو بعمرة أن يعقد لنفسه عقد النكاح ، أو يعقد لغيره بالوكالة عنه ، أو بالولاية عليه أو فضولاً، ولا يجوز أن يعقد له غيره بالوكالة عنه ، أو بالولاية عليه ، أو فضولاً، سواء كان موجبا في جميع الفروض أم قابلاً، وسواء كان عقد النكاح دائما أم منقطعا ، وسواء كان الغير الذي يزوجه المحرم أو يعقد للمحرم محلاً أم محرماً، وإذا اجرى عقد النكاح في جميع هذه الصور المذكورة كان باطلاً، وقد فصلنا هذه الاحكام في كتاب النكاح في البحث عن السبب السادس من أسباب تحريم النكاح ، فليلاحظ ذلك في المسالة المائتين والثانية والخمسين إلى المسالة المائتين والثانية والستين.

المسألة 688: الاحوط للمحرم ان لا يكون شاهداً في عقد نكاح ولو بين محلّين ، واحوط من ذلك أن لا يؤدي في حال إحرامه شهادة عنده قد تحمّلها على عقد وهو محل ، وأن لا يخطب امرأة يريد الزواج بها بعد أن يحل من إحرامه.

ويجوز للمحرم في حال إحرامه أن يرجع بامرأة قد طلقها ، ويجوز له أن يشتري أمة وان كان شراؤه للأمة بقصد أن يستمتع بها بعد أن يحلّ من إحرامه ، والاحوط له ترك شرائها إذا قصد ان يستمتع بالأمة في حال إحرامه.

المسألة 689: إذ ا عقد المحرم ، لرجل محرم ، على امرأة محرمة عقد النكاح بينهما ، ودخل الرجل بالمرأة ، وكان العاقد والزوج والمرأة يعلمون جميعا بأنهم محرمون ، وبان التزويج في مثل هذه الحالة محرّم عليهم ، وجب على كل واحد من العاقد والزوج والزوجة أن ينحر بدنة كفارة لفعله.

وكذلك إذا عقد المحرم ، لرجل محرم عقد النكاح على امرأة محلة غير محرمة ، ودخل الزوج بها وكان جميعهم يعلمون بإحرام العاقد والزوج وان ذلك مما يحرم عليهم ، فيجب على كل واحد التكفير بنحر بدنة حتى على المرأة المحلة ، ومثله ما إذا عقد المحل لرجل محرم على امرأة محرمة ، أو على امرأة محلة ودخل الزوج بها ، وكان الجميع يعلم بالإحرام وبالحرمة ، فتجب الكفارة المذكورة حتى على العاقد المحل ، وحتى على المرأة إذا كانت محلة ، مع علمها بإحرام الزوج وبحرمة التزويج ، وإذا كانت المرأة محلة ولا تعلم بالإحرام ، أو لا تعلم بحرمة ذلك عليها لم تجب عليها الكفارة.

المسألة 690: الثامن من محرمات الإحرام : لبس المخيط إذا كان المحرم رجلاً، وقد ذكر في الأحاديث تحريم لبس القميص عليه ، وتحريم لبس القباء والسروال ، والثوب الذي تكون له أزرار والثوب الذي يتدرعه ، ولا ريب أن التحريم لا يختص بذلك ، فقد ورد في النصوص المعتمدة أن الرسول (ص) لما نزل الشجرة في خروجه إلى حجة الوداع أمر الناس بالغسل والتجرّد في إزار ورداء ، أو إزار وعمامة يضعها على عاتقه لمن لم يكن له رداء ، وجاء في صحيحة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (ع): (ان المحرم يقول عند عقد إحرامه: أحرم لك شعري وبشري من النساء والطيب والثياب)، وورد مثله في صحاح كثيرة أخرى ، والأحوط له أن يجتنب لبس كل ثوب مخيط، أو ما يشبه المخيط كالثياب الملبّدة التي تكون بصورة الثياب المخيطة، والثياب التي تنسج كاملة بصورة المخيط وهي غير مخيطة.

المسألة 691 : يجوز للمحرم أن يلبس المنطقة أو الهميان الذي يحفظ فيه نفقته، فيتوشّح به أو يشدّه على بطنه أو على ظهره وان كان مخيطاً، ويجوز له أن يلبس الحزام الذي يحتاج إليه المبتلى بالفتق لمنع نزول الأمعاء أو الرّيح إلى الأنثيين . ويجوز له أن يلبس الحزام الذي يضطر إليه المبتلى بالتهاب فقرات الظهر أو العنق ، وان كان مخيطاً.

المسألة 692 : الظاهر أنه يجوز للمحرم أن يفترش الفراش المخيط للاضطجاع أو الجلوس عليه، ويجوز له أن يتدثّر به أو يلتحف للنوم إذا لم يغطِّ به رأسه، وإن كان الأحوط اجتناب ذلك، وقد ذكرنا في المسألة الخمسمائة والثالثة والثمانين حكم عقد ثوبي الإحرام وما يتعلق بذلك فلتراجع.

المسألة 693 : يجوز للنساء المحرمات أن يلبسن المخيط من أي نوع كان، وتلاحظ المسالة الخمسمائة والخامسة والثمانون وما بعدها، ويستثنى من ذلك القفازان فلا يجوز للنساء لبسهما، والقفاز شيء تلبسه المرأة يغطّي أصابعها وكفّها وقد تكون له أزرار تزرّ على ساعديها وقد يحشى بقطن وشبهه.

المسألة 694 : إذا لبس المحرم شيئا من المخيط وهو عالم عامد بفعله ، وجب عليه أن يكفّر عن ذلك بذبح شاة ، -وان كان مضطراً إلى ذلك على الأحوط- ، وإذا لبس أكثر من ثوب مخيط واحد تعددت عليه الكفارة بعدد الثياب ، وكذلك الحكم إذا لبس ثوباً لا يجوز له لبسه من غير المخيط، فتجب عليه الكفارة المذكورة ، وإذا لبس أكثر من واحد تعددت الكفارة بعدده .

المسألة 695: التاسع من محرمات الإحرام : أن يلبس الرجل المحرم خفّاً أو جورباً، فلا يجوز له لبسهما ، والأحوط له لزوماً أن يجتنب لبس غيرهما مما يستر جميع ظهر القدم، وإذا لم يجد نعلاً عربيّا واحتاج إلى لبس الخف جاز له ذلك ، ولزمه -على الأحوط- أن يشقّ ظهر الخف.

المسألة 696 : يجوز للمحرم أن يغطي ظهر قدمه، كما يتعارف عادة عند الجلوس على القدمين، وأن يلقي عليه طرف الإزار أو الغطاء في حال الجلوس أو النوم أو المشي.

المسألة 697 : إذا لبس الرجل المحرم خفّاً أو جورباً وكان عالماً عامداً في فعله ، فالاحوط له أن يكفّر عنه بذبح شاة.

المسألة 698 : العاشر من محرمات الإحرام: استعمال الطيب: فيحرم على المحرم -بعد انعقاد إحرامه- شم المسك والعود والعنبر والكافور والورس والزعفران ، وأكلها وسائر أنحاء استعمالها، وتحرم العطور والخلاصات والحبوب والادقّة والصابون المستحضرة منها أو التي تدخل في تركيبها، ويحرم لبس الثياب التي يكون عليها أثرها ورائحتها، ويحرم عليه -على الأحوط- استعمال جميع أقسام الطيب الأخرى في شتى أصنافه وخلاصاته ومشتقاته.

وإذا اضطر المحرم إلى أكل ما فيه طيب لبعض الضرورات التي حتمت عليه ذلك ، أو اضطر إلى لبسه مع وجود اثر الطيب فيه، وجب عليه أن يسدّ أنفه عن شمه، وكذلك إذا جلس عند بائع الطيب أو مرّ به فيجب عليه سدّ أنفه.

المسألة 699 : يجوز للمحرم وهو يسعى بين الصفا والمروة أن يشم رائحة الطيب التي تأتي إليه من سوق العطارين، ولا يجب عليه أن يسد أنفه عنها، ويختصّ ذلك بحال السعي فيجب سدّ الأنف في الحالات الأخرى، ويجوز له شم خَلوق الكعبة وهو العطر الخاصّ بها، ولا يختص ذلك في حال. ويجوز للمحرم أكل السفرجل والتفاح والأترج وغيرها من الفواكه الطيبة الرائحة وان يشم رائحتها عند أكلها ، والأولى له أن لا يستشمها في حال الأكل .

المسألة 700 : إذا استعمل المحرم الطيب عامداً فالاحوط له التكفير عن ذلك بدم شاة، من غير فرق بين أنحاء استعماله ، وكذلك إذا اضطر إلى استعمال الطيب فالاحوط له التكفير ، ولا إثم عليه في هذه الحال .

المسألة 701: الاحوط إلحاق الهيل والقرنفل بالزعفران في الحكم، فلا يضعها المحرم في القهوة أو في المطعومات أو المشروبات في حال إحرامه، وإذا استعملها كفّر عن استعمالها -على الأحوط-.

المسألة 702 : لا يجوز للمحرم أن يمسك أنفه عن الروائح المنتنة ، ويجوز له أن يعدل عنها إلى طريق آخر ، وأن يسرع في مشيته إذا مرّ بها، وإذا مرّ بها فامسك أنفه عنها أثم بذلك ولا كفارة عليه.

المسألة 703: الحادي عشر من محرمات الإحرام: التزيّن: فلا يجوز للمحرم أن يلبس الخاتم إذا قصد به الزينة أو ينظم شعره تنظيماً مخصوصاً بقصد الزينة، أو بما يعدّ زينة في نظر أهل العرف، أو يلبس في إحرامه ثياباً ذات ألوان زاهية تعدّ زينة، أو يقصد بها ذلك، وقد سبق الحكم بتحريم استعمال المحرم الحنّاء والخضاب إذا عدّ زينة في نظر الناس وإن لم يقصد به الزينة، ولا يحرم عليه لبس الخاتم إذا قصد به الاستحباب الشرعي، فالمدار في حكم الخاتم على قصد المكلّف المحرم من لبسه، ويحرم على المرأة -بعد إحرامها- أن تلبس الحلي للتزين به، ويجوز لها أن تبقي على نفسها منه ما كانت قد اعتادت على لبسه قبل أن تحرم، ويجب عليها أن لا تظهر ذلك -بعد الإحرام- لزوجها ولمحارمها من الرجال، فضلاً عن الأجانب.

المسألة 704: إذا ارتكب المحرم بعض تلك الأمور عالماً عامداً، فلا يترك الإحتياط بأن يكفّر عنه بدم شاة.

المسألة 705: الثاني عشر من محرمات الإحرام: الاكتحال -على التفصيل الآتي-، فلا يجوز للرجل المحرم ، ولا للمرأة المحرمة أن يكتحلا بالسواد، فانه من الزينة -كما في الصحاح-، سواء قصدا به التزين أم لا، ولا يجوز لهما الاكتحال بغير السواد إذا عدّ زينة في نظر أهل العرف، سواء قصدا به التزيّن أم لا، ويجوز لهما الاكتحال بغير السّواد إذا لم يكن زينة ولم يكن فيه طيب.

وإذا اكتحل المحرم أو المحرمة ، بما يعد زينة لزمتهما الكفارة بدم شاة على الاحوط كما تقدم ، وإذا اكتحل بما فيه طيب، ولا يعدّ زينة لزمته كفارة الطيب على الاحوط، كما ذكرناها في المسالة السبعمائة، وإذا اضطر إلى الكحل بما يعد زينة، أو بما فيه طيب كفّر ولا إثم عليه.

المسألة 706 : الثالث عشر من محرمات الإحرام: الادّهان: فلا يجوز للرجل ولا للمرأة أن يدّهنا بعد إحرامهما ، سواء كان الدهن مما له رائحة طيبة أم لا، وسواء دهن جميع بدنه أم بعضه ، ويجوز لهما ذلك لعلاج أو ضرورة.

فإذا ادّهن -وكان عالماً عامداً في فعله- كفّر عنه بذبح شاة -على الاحوط-، وإذا فعله جاهلاً كفّر بإطعام فقير على الأحوط كذلك ، ولا تسقط الكفارة عنه بالاضطرار.

المسألة 707 : الرابع عشر من محرمات الإحرام: النظر في المرآة، فلا يجوز للرجل ولا للمرأة -بعد إحرامهما- أن ينظرا في المرآة الحاكية لصورتهما، سواء قصدا بنظرهما فيها الزينة أم لا، وإذا نظرا فيها استحب لهما أن يجدّدا التلبية، والظاهر أن المراد بالنظر المحرّم أن ينظر الرّجل إلى صورته في المرآة، أو إلى ملابسه أو بعض شؤونه مما يعدّ النظر إليه في المرآة زينة أو تزيناً في نظر العرف، ولذلك فلا يمنع من نظر السائق المحرم فيها لرؤية شبح ما خلفه من السيارات، ولا يمنع من نظر الرجل فيها لرؤية بعض المناظر الأخرى التي لا تتعلق به، ويختص الحكم بالتحريم بالنظر في المرآة، فلا يحرم عليه أن ينظر فيما يشبه المرآة من الأجسام الحاكية للصورة كالماء الصافي، والفضة المصقولة، والأجسام الصقيلة الأخرى.

المسألة 708: إذا نظر المحرم في المرآة -كما ذكرنا- وهو عالم عامد فعليه أن يكفّر عن ذلك بدم شاة على الأحوط.

المسألة 709 : يجوز للرجل المحرم وللمرأة المحرمة أن يلبسا النظارة في حال إحرامهما، إلا إذا عدّ ذلك من الزينة، فيجب عليهما اجتنابه وتلزمهما كفارة التزيّن بارتكابه على الأحوط، وهي دم شاة كما تقدم.

المسألة 710: الخامس عشر من محرمات الإحرام: إزالة الشعر عن البدن: فلا يجوز للرجل -بعد انعقاد إحرامه -أن يزيل جميع شعر بدنه، أو يزيل شيئا منه- وان كان قليلاً -بحلقٍ أو نتفٍ أو غيرهما من وسائل إزالة الشعر، ويحرم عليه إزالة الشعر عن بدن غيره، سواء كان الغير محرماً أم محلاً، وكبيراً أم صغيراً، ومعذوراً أم غير معذور، وكذلك حكم المرأة المحرمة .

المسألة 711 : يجوز للمحرم أن يزيل شعر جسده أو بعضه إذا لزم من بقائه ضرر لا يتحمل عادة، ومن أمثلة ذلك أن يكثر القمل والهوامّ في جسده فيضرّه ذلك، ويتوقف دفعه على إزالة شعر رأسه، أو إزالة شعر بدنه ، فيجوز له ذلك وتقدّر الضرورة بقدرها، ولا يجوز له التعدّي عن مقدار الضرورة ، ومن امثلة ذلك: ان تحدث في بدنه قروح أو جروح أو دمامل ويحتاج إلى إزالة الشعر عن مواضعها للعلاج، فيباح له ذلك بمقدار الضرورة، ومن أمثلة ذلك: أن يصيب المحرم -بسبب بقاء شعر رأسه- صداع أو حرارة شديدة، فيحتاج إلى إزالته عنه لرفع هذه العوارض ويباح له ذلك ، وتلاحظ المسألة الآتية.

ويجوز للمحرم أن يسبغ الوضوء والغسل وان لزم من ذلك أن يسقط منه بعض شعر وجهه أو رأسه أو جسده بسبب الغسل، فإن تحريم ذلك عليه يستلزم وقوعه في الحرج عند أداء وظائفه الشرعية ، ويشترط -في جواز ذلك -أن لا يبالغ في تخليله الشعر وغسله أكثر مما يتعارف، وكذلك الحكم في غسل بعض الأعضاء من بدنه لتطهيرها عند التنجس.

المسألة 712: إذا حلق المحرم شعر رأسه أو أزال شعره بغير الحلق، وهو عالم عامد ، من غير ضرورة دعته إلى ذلك، تعيّن عليه -على الاحوط- أن يكفّر عنه بذبح شاة، بل لا يخلو تعيّن ذلك عليه عن قوة، وإذا أزال شعر رأسه لضرورة حتمت عليه ذلك تخيّر بين أن يذبح شاة، وأن يصوم ثلاثة أيام، وأن يُطعم ستة مساكين، يدفع لكلّ مسكين منهم مدّين من الطعام، وإذا نتف شعر إبطيه كفّر بذبح شاة، وكذلك إذا نتف أحدهما على الاحوط.

وإذا مسّ رأسه أو لحيته فسقط من شعره شيء –بمسّه- تصدق عن ذلك بكفّ من الطعام -على الاحوط- يدفعه لمسكين، وإذا كان ذلك في وضوء أو غسل أو تطهير فلا شيء عليه، وإذا خلل شعره في وضوئه أو غسله أو طهارته أكثر مما يتعارف فسقط منه الشعر تعيّن عليه الفداء على الأحوط.

المسألة 713 : إذا حلق المحرم شعر غيره، أو أزاله بغير الحلق ، أثم بفعله ولم تجب الكفارة عليه، سواء كان الغير مُحرما أم محلاً، ويجب الفداء على ذلك الغير إذا كان محرما .

المسألة 714 : يجوز للمحرم أن يحك رأسه أو جلده بأصابعه وأظافره ما لم يُدْمِه ، أو يعلم بسقوط الشعر به، وإذا حكّه أو مسّه فسقط بذلك بعض الشعر تصدّق بكفّ من الطعام كما تقدم .

المسألة 715: السادس عشر من محرمات الإحرام: الفسوق -كما ذكر في الآية الكريمة- والمراد به الكذب والسبّ، ولا ريب في حرمتهما على المحرم وغيره ، فيكون تحريمهما في حال الإحرام أشدّ وآكد ، وقد ذكر بعض النصوص معهما المفاخرة، ولعل المراد بها إظهار الفخر على النّاس الآخرين كذباً وافتراءاً، أو ما يستلزم الإهانة والشتم للآخرين، فتكون من المحرّم ، وتحريم هذه الأمور -وغيرها من القبائح- شامل للمحرم وغيرة كما ذكرنا، فيكون مؤكداً في حال الإحرام، ولا تجب على المحرم -في ارتكابها- كفارة، ولا يفسد بها إحرامه بل يتضاعف عليه بها العقاب، ويشتد استحقاقه للعذاب، ويحرم عليه أيضاً البذاء، والتكلم باللفظ القبيح، ويجب عليه الاستغفار منها جميعاً.

المسألة 716 : السابع عشر من محرمات الإحرام: الجدال -كما في الآية الكريمة- وقد فُسّر في الأحاديث الواردة في تفسيرها بأن يقول المحرم: (لا والله ، وبلى والله)، فيحرم عليه أن يقول ذلك عند المخاصمة ، بل الأحوط تركه حتى مع عدم المخاصمة، والظاهر أن كلمتي (لا) و (بلى) لا دخل لهما في صيغة الجدال المحرّم، فالمراد بها أن يحلف بقوله: (والله) على نفي شيء أو على إثباته ، والأحوط أن يجتنب المحرم مطلق اليمين، وان لم يكن بالصيغة المذكورة.

المسألة 717 : قد يضطر المحرم إلى إثبات حق له على أحد ، أو إلى نفي دعوى باطلة يدّعيها عليه أحد، فإذا كان هذا الاضطرار مما يرتفع معه التكليف بحرمة اليمين جاز له أن يحلف لإثبات حقه، أو على نفي دعوى المبطل، ولم يؤثم بذلك، ويشكل الحكم بسقوط الكفارة عنه إذا حلف لذلك، بل الظاهر لزوم الكفارة وعدم سقوطها عنه.

وقد يدور الحديث بين المحرم وصديق له في مقام المجاملة، فيريد الصديق أن يتبرّع له بشيء -مثلاً- أو يقوم له بعمل، فيقول المحرم له: لا والله لا تفعل هذا الشيء، أو يقول له الصديق وهو محرم كذلك: بلى والله أفعله، فيجوز هذا الحوار لهما ولا يكون من الجدال المحرّم عليهما، وهو ناشئ عن المحبة والوئام بينهما لا من التنافر والخصام.

المسألة 718 : إذا جادل المحرم أحداً -وكان صادقاً في جداله وحلفه- أثم حتى في المرّة الأولى، ووجب عليه الإستغفار، وكذلك في المرّة الثانية ولا تجب عليه فيهما كفارة، فإذا جادل في المرة الثالثة -وهو صادق- وجب عليه أن يكفّر بذبح شاة، سواء كان جداله متوالياً وفي مقام واحد أم متفرقاً، وسواء كان مع شخص واحد أم مع متعدّدين، وإذا زاد في جداله على ثلاث مرات -وهو صادق- فعليه في كلّ مرة منها دم شاة، من غير فرق بين الرابعة والخامسة وغيرها، سواء كفّر لما قبلها أم لا ، فلا تتداخل كفاراته .

وإذا جادل غيره -وكان كاذباً في حلفه- أثم بكذبه وبجداله وحلفه على الكذب، ووجب عليه في المرة الأولى أن يكفّر بدم شاة، فإذا جادل مرة ثانية كاذباً وجب عليه أن يكفّر بشاة أخرى ، فإذا جادل كاذباً مرة ثالثة وجب عليه أن يكفّر بدم بقرة سواء كفّر للأوليين أم لم يكفّر، ولا تتداخل كفاراته ، وإذا جادل كاذبا مرة رابعة أو خامسة لزمه في كل مرة منها بقرة أخرى غير السابقة عليها ، من غير تداخل ، وهكذا.

المسألة 719 : إذا جادل المحرم صادقاً ثم جادل كاذباً أو بالعكس ، لزمه حكمهما الذي تقدم بيانه ، فلا شيء عليه في المرة الأولى صادقاً ولا في الثانية ، وتجب عليه الشاة في المرة الثالثة وما بعدها ، سواء تقدم جداله الصادق أم تأخر أم تفرّق، وتجب عليه الشاة في المرة الأولى والثانية كاذباً، وتجب عليه البقرة في المرة الثالثة والرابعة وما بعدهما، سواء تقدم جداله الكاذب أم تأخر .

المسألة 720 : الثامن عشر من محرمات الإحرام : قتل الهوام، والحشرات التي تتكون في جسد المحرم، أو في رأسه، من قمل ونحوه، فلا يجوز للمحرم قتل القمل الذي يتكون فيه، بل ولا ما ينتقل إليه من غيره إذا اتّفق ، ولا يجوز له إلقاء القمل عن جسده، ويجوز له أن يحوّل القملة من موضع إلى موضع آخر من جسده لا تكون فيه معرضاً للسقوط، فإذا قتلها أو ألقاها من جسده أثم بذلك، ولم تجب عليه كفارة ، والاحوط –استحبابا- أن يتصدّق عنه بكف من الطعام .

ويجوز له أن يلقي عن جسده الحشرات والدواب الأخرى التي  تعلق به ، كالقراد والحَلَم ونحوهما ، (والحلمة دودة تقع على الجلد فتأكله)، ويجوز له قتل البرغوث والبقّ إذا آذاه ، والاحوط الاجتناب عنه إذا لم يضرّه ، وخصوصا للمحرم في الحرم.

المسألة 721: التاسع عشر من محرمات الإحرام: التظليل للرجال ، فلا يجوز للرجل -بعد انعقاد إحرامه- أن يتظلل في حال مسيره ، سواء كان راكبا أم راجلاً، وسواء كان في أثناء الطريق أم في شوارع بلد ، حتى في شوارع مكة ومحلاتها ، وحتى في المشاعر وفي أثناء إتيانه بالمناسك والأعمال إذا كان قبل أن يحلّ من إحرامه.

والمحرّم على الرجل أن يتظلل -في حال مسيره- بظل يتنقل وغير مستقر ، فيستظل بسقف سيارة أو محمل أو هودج يركبه في سفره أو في تنقلّه ، أو سقف طائرة أو غيرها من وسائل النقل المسقوفة، حتى في مثل البواخر والسفن البحرية والقطارات التي تشبه البيوت والمنازل، فلا يجوز للرجل المحرم أن يتظلل بسقوفها في أثناء المسير، ولا يجوز له أن يسير وعلى رأسه مظلة، ويجوز له أن يسير في ظل الأشياء الثابتة، كالبيوت والجدران والاشجار والانفاق والأسواق المسقوفة.

ويجوز للرجل أن ينشىء إحرامه تحت السقف من مسجد الشجرة وغيره من المساجد التي تبنى في مواقيت الإحرام ، بل ويجوز له أن ينشىء إحرامه في الخيام التي يبنيها الحجاج لأنفسهم في المواقيت ، وفي بيوت مكة في إحرام حج التمتع.

المسألة 722: لا يجوز للمحرم أن يستظلّ في أثناء مسيره وتنقّله بظل غير ثابت -كما وصفنا- وإن كان الظل يقع عليه من أحد جانبيه، ومثال ذلك أن تكون الشمس مائلة عن سمت رأسه إلى أحد الجانبين فيجعل المظلة أو السقف مائلا كذلك ويستظل بهما، فلا يجوز له ذلك .

المسألة 723: يجوز للمحرم -الماشي مع قطار الإبل وشبهه- أن يمشي في ظلال المحامل فيستظل بظلها وهي سائرة ولا يحرم عليه ذلك ، والفارق بين هذا وبين ما تقدم هو النص .

المسألة 724: إذا نزل المحرم في منزل جاز له أن يستظلّ في المنزل بسقف بيت أو جدار أو خيمة ، بل يجوز له أن يجعل على نفسه مظلة يتفيأ ظلها وهو جالس أو نائم أو واقف مستقرّ ، ولا يجوز له ذلك وهو يمشي في المنزل لبعض حاجاته ، وإذا وقفت السيارة في موضع جاز للمحرم أن يستظل بسقفها وان ينام تحته مادامت واقفة ، وكذلك السفينة ووسائل النقل الأخرى.

المسألة 725 : تختص حرمة التظليل بالرجال المحرمين في حال الاختيار ، فيجوز التظليل اختياراً للنساء المحرمات وللصبيان المحرمين ، ويجوز التظليل للرجل المحرم إذا اضطرّ إلى استعمال الظل لسبب من الأسباب ولو للتقية ونحوها، وإذا كان له عذر ثابت يخاف معه على نفسه ضرر الحر أو البرد ضررا لا يتحمّل عادة، أو كان عدم التظليل له موجباً للعسر والحرج.

المسألة 726: إذا استظل الرجل المحرم وهو عالم عامد من غير عذر أثم بفعله، ووجب عليه أن يكفّر عنه بدم شاة يذبحها في مكة إذا كان تظليله في إحرام العمرة ، ويذبحها في منى إذا كان في إحرام الحج ، وإذا تكرر منه التظليل كفته كفارة واحدة في الإحرام الواحد ، فإذا استظل مرارا في إحرام العمرة أو في إحرام الحج كفر عن جمبع تظليله بشاة واحدة ، وإذا استظل مرة واحدة أو مراراً متعددة في إحرام العمرة، ثم استظل مرة أو مراراً في إحرام الحج كفر بشاة عن إحرام العمرة وبشاة أخرى عن إحرام الحج.

المسألة 727: إنما يحتاج الإنسان إلى الظل بحسب العادة الجارية بين الناس ، للتوقي به من حر الشمس، أو للتستر من حر الجو، وان لم تكن الشمس طالعة، أو للتوقي من البرد أو من المطر ، وقد يحتاج إليه للوقاية عن الريح إذا كانت عاصفة ، فإذا لم تكن الشمس طالعة ولم يكن في الجو ما يوجب التوقيّ من حرّ أو برد أو مطر أو ريح ، لم يكن للتظليل أي أثر ، بل لا يعدّ الكون تحت السقف تظليلا في نظر الناس العقلاء ، فإذا اتفق للمحرم مثل ذلك كما إذا احرم في ليلة هادئة من جميع ذلك، أو أحرم في نهار هادئ كذلك ولا موجب فيه للظل من شمس وغيرها لم يحرم عليه الركوب في السيارة المسقوفة أو في المحمل أو الهودج المسقوفين فإنه ليس من التظليل، وإذا اتفقت له سرعة في الريح -بسبب سرعة مسير السيارة وهو تحت سقفها- أمكن له فتح منافذ السيارة، فلا تكون مظللة له عن الريح، ولا يحرم عليه ركوبها ولا تجب عليه كفارة.

المسألة 728 : من الوصف الذي فصّلناه في المسالة المتقدمة يتضح أمر ركوب المحرم في المصعد الكهربائي ، فإذا كان الموضع الذي جعل فيه المصعد الكهربائي من العمارة مستوراً عن الشمس وعن الحر والبرد والمطر ، ولو بسبب تعدّد طبقات العمارة وكثرتها، وضيق الموضع الذي نصب المصعد فيه من العمارة ، فلا تتسلط الشمس ولا المطر على نفس المصعد،لم يكن الوقوف في المصعد وقوفاً في مظلة ، ولا الكون فيه كوناً تحت ظل، فيجوز للمحرم الوقوف والصعود والهبوط فيه ، وإذا كان الموضع بارزاً للشمس وللحر والبرد، وصدق على الواقف في المصعد أنه متظلل بسقفه عن الشمس، أو عن الحر أو البرد، أو عن المطر في أوقات المطر، لم يجز للمحرم الوقوف فيه في تلك الساعات، ولزمته الكفارة إذا وقف واستظلّ به.

المسألة 729 : إذا وقف المحرم في اثناء مسيره لمخاطبة أحد مثلا، أو جلس لقضاء حاجة أو وقفت سيارته في الطريق لازدحام المارة أو لأخذ الوقود أو لخلل أصاب السيارة جاز له التظلل بسقف السيارة أو بغيره في أثناء وقوفه .

المسألة 730: لا يضر في السيارة المكشوف سقفها أن توجد في أعلاها روابط من حديد أو من خشب تشدّ أحد الجانبين بالأخر ، وتكون على رؤوس الجالسين فيها إذا كانت صغيرة الحجم ومتباعدة فلا يكون وجودها على رؤوس المحرمين الجالسين فيها من التظليل الممنوع على المحرم ، وكذلك المحمل والهودج والقبّة إذا رفعت السقوف عنها وبقيت بعض الأخشاب الصغيرة الحجم تشدّ أحد جناحي المحمل بالآخر، فلا يكون من الظل الممنوع.

المسألة 731:  إذا أحرم سائق السيارة ، وكانت سياقته إياها تحتم عليه الاستظلال فيها، فإن أمكن له أن يوكل أمر السيارة إلى أحد مأمون يطمئن إليه، ولا يخشى -مع تسليمها إليه- تلف السيارة أو تضرّرها وجب عليه ذلك ، ولم تجز له سياقتها والتظلل فيها، ولا يكون معذوراً في ذلك ، وإذا لم يجد من يطمئن إليه، وخشي عليها التلف أو الضرر الذي لا يتحمّل عادة ، أو لزم منه الحرج والمشقة جاز له تولّي قيادتها والاستظلال بها، فإذا ركبها وجبت عليه الكفارة ، وكذلك إذا كان معه في سيارته نساء محرمات ، وخشي التعدّي عليهن بما لا يتحمّل إذا سلّم سيارته إلى سائق آخر ، أو كان معه رجال يحترمهم ويخشى العدوان عليهم ، ونظير ذلك ما إذا أحرم الرجل ومعه نساء محرمات لا يتمكن من تركهن، ولا يتمكن من إركابهن في سيارة مكشوفة ، فيجوز له أن يركب معهن في سيارة مظللة ، ويجب عليه الفداء للتظليل.

المسألة 732: لا تحريم ولا كفارة على المحرم إذا قسره متغلب من الناس فظلله بمظلة، أو حبسه تحت الظل من غير اختياره ، وكذلك إذا غطّى رأسه أو قهره على بعض محرمات الإحرام الأخرى، ولا خيرة له في ذلك ، فلا تحريم على المحرم فيه ولا كفارة.

المسألة 733 : العشرون من محرمات الإحرام: ستر الرأس للرجال ، ويراد بالرأس هنا ما يقابل الوجه والرقبة، فهو من أول منابت الشعر من أعلى الجبهة والجبين إلى نهايتها مما يتّصل بالعنق، وان لم ينبت فيه شعر بالفعل، ويلحق به الأذنان في الحكم ، فلا يجوز للمحرم أن يغطي جميع رأسه، أو يغطي بعضه ، أو يغطي أذنيه، بساتر يصيب البشرة من عمامة أو قلنسوة أو كوفية أو ثوب يتقنّع به ، أو حنّاء أو طين، أو ما يشبه ذلك من أدوية وغيرها ، ولا يجوز له أن يحمل على رأسه شيئا يغطيه ، أو يغطّي بعضه ، من طبق أو فِراش أو رزمة ثياب، ونحو ذلك.

المسألة 734: لا يجوز للمحرم أن يرمس رأسه في الماء ، والأحوط له أن لا يرمس بعض رأسه في الماء ، وان لا يرمس رأسه ولا بعض رأسه في غير الماء من المائعات ، بل الأحوط للمرأة كذلك أن لا ترمس جميع رأسها في الماء خاصة .

المسألة 735: يجوز للمحرم أن يعصّب رأسه بعصابة أو منديل، إذا أصابه صداع أو غيره ، أو أصابته شجّة أو قرحة في رأسه فاحتاج إلى شدّها وتضميدها ، ويجوز له أن يغطّي رأسه بيده، أو ببعض جسده عن حر الشمس ونحوه .

ويجوز له أن ينام على فراش أو وسادة ، وان لزم من وضع رأسه عليها ستر رأسه، أو ستر بعض رأسه بهما ، ولا يجوز له أن يخمّر رأسه أو يغطيه بغير ذلك عند النوم.

المسألة 736: يجوز للمحرم أن يلبس نظارة يضطرّ إلى لبسها إذا لم تعدّ من الزينة في نظر أهل العرف -كما قلنا في المسالة السبعمائة والتاسعة- أما ستر بعض الرأس بها بمقدار يديها فلا يعتبر من التغطية المحرمة ، وإذا صب المحرم على رأسه ماءً في أثناء إحرامه جاز له أن يمسحه بيده ، ولا يعد مسحه بيديه من التغطية المحرمة .

المسألة 737: إذا غطى المحرم رأسه فالأحوط له أن يكفّر عن ذلك بدم شاة ، ولا ينبغي ترك هذا الاحتياط حتى مع الضرورة.

المسألة 738: الحادي والعشرون من محرمات الإحرام : أن تغطي المرأة وجهها، فلا يجوز للمرأة -بعد انعقاد إحرامها- أن تستر جميع وجهها ولا بعضه بساتر يصيب البشرة ، من برقع أو ثوب أو نقاب أو غير ذلك ، ويجوز لها النوم عليه أو على بعضه ، ويجوز لها بل يجب عليها -في حال الصلاة- أن تستر من أطراف وجها ما يكون مقدمة لستر الشعر والبدن الواجب عليها في الصلاة ، فإذا فرغت من صلاتها أزالت ذلك .

المسألة 739 : إذا أرادت المحرمة ستر وجهها عن الاجانب من الرجال اسدلت القناع أو الخمار من فوق وجهها إلى طرف أنفها أو ذقنها ورفعته بيدها أو بغير ذلك حتى لا يصيب بشرة الوجه على الاحوط.

المسألة 740 : إذا سترت المرأة وجهها ، أو سترت بعضه بساتر يصيب البشرة -وهي عامدة- كفّرت عن ذلك بدم شاة، على الأحوط.

المسألة 741 : الثاني والعشرون من محرّمات الإحرام : تقليم الاظفار ، فلا يجوز للرجل ولا للمرأة -إذا انعقد إحرامهما- أن يقلّما أظافر يديهما أو رجليهما، أو يقلّما شيئاً منها ولو ظفراً واحداً أو بعض ظفر، إلا إذا انكسر الظفر، فيكون بقاؤه كذلك موجباً للأذية والعسر والحرج عليه ، فيجوز له تقليم ذلك الظفر ، أو احتاج إلى تقليم الظفر لعلاج قرحة في الاصبع مثلاً ، فيجوز له تقليمه، وعليه الفداء في الصورتين.

المسألة 742 : إذا قلّم المحرم بعض أظفار يديه أو بعض أظفار رجليه -وكان عالماً عامداً في فعله- وجب عليه أن يكفّر عن كل ظفر منها بمدّ من الطعام، فيتصدق بعدد الأظفار التي قلمها أمداداً ، فإذا قلّم جميع أظافر يديه وجب عليه أن يكفّر عنها بدم شاة ، ولم تكفه الصدقة بعشرة أمداد ، وإذا قلّم أظافر رجليه كلّها وجب عليه أن يكفّر عنها بدم شاة كذلك ، وإذا قلّم جميع اظافر يديه واظافر رجليه وكان ذلك في مجلس واحد أجزاه أن يكفّر عن جميعها بشاة واحدة ، وإذا قلّم جميعها في مجلسين وجب عليه أن يكفّر عنها بشاتين ، ولم تكفه واحدة ، ولا فرق بين المحرم والمحرمة في جميع ذلك .

المسألة 743 : إذا أفتى شخص للمحرم أو للمحرمة بجواز تقليم الظفر فقلّمه -اعتماداً على قوله- وأدمى أصبعه وجب على المفتي أن يكفّر بدم شاة .

المسألة 744 : الثالث والعشرون من محرمات الإحرام : إخراج الدم من الجسد : وقد ذهب إلى تحريمه على المحرم جماعة من الأصحاب ، واجتنابه أحوط مع عدم الضرورة ، سواء كان بحجامة أم بحكّ جسده حتى يدميه ، أم بسواكٍ كذلك ، ويجوز له مع الضرورة ، وإذا أدمى جسده بشيء من ذلك أو بغيره وهو غير مضطرّ إليه فالأحوط له أن يكفّر عن فعله بدم شاة .

المسألة 745: الرابع والعشرون من محرمات الإحرام : قلع الضرس، وقد ذهب إليه جماعة كذلك وان لم يخرج بقلعه دم ، وهو مشكل ، بل الظاهر عدم حرمته ، وإذا قلع المحرم ضرسه لغير ضرورة وخرج معه دم كفّر عنه بدم شاة على الأحوط –للإدماء- كما تقدم بيانه في المسألة السابقة .

المسألة 746 : الخامس والعشرون من محرمات الإحرام : لبس السلاح ، فلا يجوز للمحرم ذلك بعد انعقاد إحرامه، إذا كان ما يلبسه مما يعدّ سلاحا كالسيف والخنجر والبندقية والمسدس وغيرها من أنواع السلاح ، والاحوط اجتناب الدّرع والترس والمغفر وشبهها من الآلات التي تعدّ للوقاية ، ولا يحرم عليه أن يوجد السلاح معه في سيّارته ، أو على بعض أبله ودوابّه إذا لم يكن لابساً له ومتسلّحاً به ، وهذا كله إذا كان مختاراً، وإذا اضطر إلى لبس السلاح وخشي العدو أو السارق جاز له لبسه .

المسألة 747 : إذا لبس المحرم السلاح بعد إحرامه -وهو مختار عامد من غير ضرورة تبيح له ذلك- فعليه أن يكفّر عنه بذبح شاة -على الاحوط-.

المسألة 748 : يحرم على المحرم وعلى غير المحرم أن يقطع أو يقلع كل ما ينبت في الحرم من شجر ونبات ، ما عدا الأذخر والنخيل وشجر الفاكهة فلا يمنع من أخذها ، ولا يعمّ الحكم بالتحريم الكمأة فيجوز أخذها فإنها لا تعدّ نباتا ، ويجوز له أن يترك دوابّه وإبله ترعى في أرض الحرم وتأكل من حشائشه وأعشابه ، ولا يجوز له الإحتشاش لها.

ويجوز لصاحب المنزل أو الدار أو المضرب المملوكات له أن يقلع الشجر والنبات الذي يغرسه هو فيها وان يقطعه ، ويجوز له أن يقطع أو يقلع ما ينبت ويتجدّد فيها من ذلك بعد اتّخاذها منـزلاً، ولا يعـمّ الحكم بالجواز الشجر والنبات الموجود فيها قبل ذلك، ويختص الحكم بذلك -على الأحوط-، فلا يعم الملك إذا لم يكن منزلاً أو داراً أو مضرباً .

المسألة 749 : إذا تكرر من الإنسان المحرم أو غير المحرم فعل ما يوجب الكفارة عليه تكرّر وجوب الكفارة بعدد ما ارتكب ، ولا تتداخل الكفارات، ولا يسقط بعضها عنه ، ولا فرق بين الجماع واستعمال الطيب، ولبس ما لا يحلّ للمحرم، وبقية محرّمات الإحرام وموجبات الكفارة التي تقدم ذكرها ، ويستثنى من ذلك كفارة الصيد إذا كان المحرم عامداً، وقد ذكرنا هذا مبيّناً في المسالة الستمائة والحادية والستين ، وتستثنى من ذلك كفارة التظليل إذا تكرر فعله من المحرم وكان في إحرام واحد فلا تتكرر كفارته ، وقد ذكرنا هذا في المسألة السبعمائة والسادسة والعشرين ، ولا يترك الاحتياط بتكرّر الكفارة في تغطية الرأس إذا تكررت من المحرم وان كان في إحرام واحد، فلا يكون حكمها كحكم التظليل.

المسألة 750: لا تجب الكفارة على المكلف إذا فعل ما يوجب الكفارة ناسياً أو جاهلاً ، وان كان جهله عن تقصير الا في كفارة الصيد ، وقد ذكرنا هذا في المسالة الستمائة والستين وما بعدها، وتستثنى من الحكم في مسألتنا هذه موارد تجب فيها الكفارة على الناسي وغيره ، وسيأتي ذكر هذه الموارد فى مواضعها من الكتاب .

ولا تجب الكفارة على الصبي ولا على المجنون المحرمين فيما عدا الصيد، وان كانا مميّزين ، وقد ذكرنا هذا في المسألة الرابعة والعشرين وما بعدها، وبيّنا فيها حكم كفارة الصيد عليهما وانها تجب في مالهما أو في مال الوليّ ، فلتراجع .

المسألة 751: لا يشترط في الشاة التي تجب في الكفارة ما يشترط في هدي التمتع من الشروط، فيجزي المكلف ذبحها وإن كانت غير تامة أو مهزولة سواء كانت ذكراً أم أنثى ، ويشكل إجزاء المعز عن الضأن.