الفصل السادس

في الحج الواجب بالنذر أو بالعهد أو باليمين

المسألة 327: لا ينعقد نذر الصبي غير البالغ للحج ولا لغير الحج، وان كان مميزاً، أو بلغ عشر سنين، بل وان كان مراهقاً ، فلا يجب عليه الوفاء بنذره ولا تلزمه الكفارة إذا خالفه ولم يفِ به ، ولا تترتّب عليه الآثار الأخرى من قضاءٍ وغيره ، وان قلنا بأن عبادات الصبي صحيحة شرعية ، ولا تنعقد يمينه ولا عهده إذا حلف باللّه ليحجنّ أو عاهد الله على ذلك، ولا تلزمه أحكامهما .

ولا ينعقد نذر المجنون ، سواء كان جنونه مطبقاً أم كان ذا أدوار، إذا أوقع النذر أو كان وقت الوفاء به في دور جنونه ، ولا تنعقد يمينه ولا عهده كذلك، ولا تترتب عليهما الآثار والأحكام .

ولا ينعقد النذر ولا اليمين ولا العهد من المُكَره غير المختار في فعله ، ولا من الغافل والهازل والسكران غير القاصد ، وقد بيّنا جميع هذا مفصلاً في كتاب الايمان والنذور والعهود ، فليرجع اليه من أراد المزيد .

المسألة 328: قال جماعة من الاعلام (قدس الله انفسهم): لا ينعقد نذر الكافر إذا نذر لله على نفسه حجاً أو براً أو صدقة ، ونسب ذلك الى القول المشهور ، وذكروا له أدلة لا يمكن الاعتماد عليها في اثبات القول ، والبحث في هذه المسألة قليل الجدوى، فإن الكافر إذا نذر الحج مثلاً، وقلنا بصحة نذره وانعقاده لا يمكنه الوفاء بالنذر في حال كفره لان الحج عبادة لا تصح من الكافر ، وان كان قادراً على الاتيان به بسبب قدرته على الدخول في الاسلام ، وإذا خالف النذر لم يكفه الاتيان بالكفارة في حال كفره ، فإن العتق والصيام والصدقة عبادات لا تصحّ من الكافر ، واذا أسلم سقطت الكفارة وسقط وجوب القضاء عنه بعد اسلامه ، نعم ، إذا أسلم ووقت الوفاء بالنذر لا يزال باقياً أشكل الحكم بسقوط الوفاء عنه بسبب اسلامه ، وقد تقدم الاشكال في دلالة قول الرسول (ص) في الحديث المشهور: (الاسلام يجبّ ما قبله ) على ذلك ولتراجع المسالة المائة والخامسة والسبعون .

المسألة 329: لا يصح نذر العبد المملوك في حج ولا عمرة ولا زيارة ، ولا غير ذلك من الاعمال والنذور إلا باذن سيده ، ولا تصحّ يمينه كذلك ولا عهده بدون إذن ، فإذا نذر لله حجاً أو عمرةً أو غيرهما من القربات ، او حلف بالله او عاهده لياتين بشيء منها ، وكان نذره أو يمينه أو عهده بغير اذن سيده لم ينعقد، ولم تترتب عليه آثار الصحة وتوابعها.

ويشكل الحكم بالصحة أو بعدمها إذا نذر العبد شيئا أو حلف أو عاهد الله عليه بغير اذن سابق من مولاه ثم أجاز المولى فعله ، فلعل النذر والعهد واليمين من الامور التى لا تجري فيها احكام الفضولي.

المسألة 330: لا يشترط -على الأقوى- في صحة يمين الولد ان يأذن له والده باليمين، ولا يشترط في صحة يمين الزوجة أن ياذن لها زوجها، فإذا حلف الولد يمينا ان يحج البيت او يعتمر أو يزور ، أو يفعل شيئا من الاشياء الراجحة انعقدت يمينه ، ووجب عليه الوفاء بها ، على ما أوضحناه في كتاب الايمان والنذور، وان لم ياذن له والده ، وإذا سبق الوالد فنهى ولده عن اليمين ثم حلف الولد لم تنعقد يمينه بعد نهي أبيه عنها ، ولم يجب عليه الوفاء بها ، ولا تجب عليه الكفارة إذا حنث بها ، واذا لم يسبق من الوالد نهي ولا اذن باليمين انعقدت يمين الولد كما ذكرنا ، وجاز للوالد ان يحل يمينه بعد انعقادها ، فإذا حلّها بطلت ولم يجب عليه الوفاء بها ، ولم تلزمه الكفارة إذا خالفها .

ومثله الحكم في الزوجة مع زوجها -على الأقوى- فتنعقد يمين الزوجة إذا حلفت بغير إذنه ، ويجوز له حلّها وابطالها إذا حلفت بغير اذنه ، وإذا سبق الزوج فنهاها عن اليمين لم يصح لها الحلف بعد نهيه .

المسألة 331: ورد في الصحيح عن منصور بن حازم عن أبي عبد الله (ح) قال: قال رسول الله (ص): ( لا يمين للولد مع والده، ولا للملوك مع مولاه، ولا للمرأة مع زوجها ، ولا نذر في معصية، ولا يمين في قطيعة) ، وهذا الصحيح هو مستند الحكم في المسالة الماضية ، وانما وقع الاختلاف بين الفقهاء في الحكم لسبب اختلافهم في تقريب المراد من الحديث ، ومورد الاستدلال هي الجمل الثلاث في أوله .

ولا يجدي شيئاً في توضيح المراد من الحديث، بل ويصح أن نقدر كلمة (وجود) في كل واحدة من الجمل المذكورة -كما يراه جماعة من الاعلام- فيكون حاصل التقدير في الجملة الاولى: لا يمين للولد مع وجود والده، وهكذا في الجملتين بعدها ، فإن نتيجة ذلك أن يمين الولد لا تنعقد مع وجود والده وان أذن له والده في اليمين وكذلك الزوجة والمملوك فلا تنعقد يمينهما مع وجود الزوج والمالك وان أذنا لهما ، وهذا المعنى غير مراد بل هو بيّن البطلان .

ولا يتضح المراد منه الا أن نقدر كلمة (الاّ باذن) في كل جملة من الجمل المذكورة ويكون حاصل التقدير : لا يمين للولد الا مع اذن والده ، ولا للمملوك الا مع اذن مولاه، ولا للزوجة الا مع اذن زوجها ، فيكون -الحديث على هذا- دالاً على قول جماعة من الأكابر ، أو نقدّر كلمة ( منع ) ويكون تقديره ، لا يمين للولد مع منع والده ، ولا للمملوك مع منع مولاه ولا للزوجة مع منع زوجها ، ويكون دالا على القول الذي ارتضيناه ، وقال به فريق من الفقهاء ، وقيل أنه الرأي المشهور بينهم ، ولا ريب في أن التقدير الثاني أقل مؤنة وأقرب الى التفاهم بين أهل اللسان من ألفاظ الحديث الشريف.

وإذا تردد الامر بين التقديرين المذكورين ولم يمكن استيضاح احدهما وجب الاخذ بالمتيقن منهما في تقييد المطلقات من ادلة وجوب الوفاء باليمين ، وتكون النتيجة هي القول المختار أيضا ، وقد أطلنا الكلام في المسالة لما فيه من التنبيه ، والحكم الذي ذكرناه انما يجري في الولد والزوجة وأما المملوك فقد بيّنا حكمه في المسالة الثلاثمائة والتاسعة والعشرين ، وقد دلت عليه الآية الكريمة الواردة في العبد المملوك .

المسألة 332: لا يشترط ني صحة نذر الولد ولا في صحة عهده أن ياذن له ابوه ، فإذا نذر لله حجا أو عمرة أو غيرهما من الاعمال والأمور الراجحة في الدين أو الدنيا ، أو عاهد الله على فعله انعقد نذره وعهده ، ووجب عليه الوفاء به وإن لم ياذن له والده ، واذا نهاه الاب عن النذر أو عن الفعل المنذور لم يجز له النذر بعد سبق نهي أبيه وكذلك الحكم في العهد ، ويشكل الحكم بالحاق الأم بالأب في الاحكام المذكورة، ولا تترك مراعاة الاحتياط في الموارد، وهى مختلفة -كما هو واضح- وإذا نذر الولد أن يفعل شيئا راجحاً، او عاهد الله عليه، ثم نهاه أبوه عنه بعد النذر أو العهد ، ففى صحتها اشكال.

المسالة 333: لا تجري الأحكام المذكورة في الوالد إذا كان كافراً ، فلا اعتبار بنهيه إذا نهى ولده المسلم عن اليمين قبل أن يحلف ، ولا أثر لحلّه إذا حلّ  يمينه بعد الحلف ، ولا اعتبار به إذا كان مجنوناً.

المسألة 334: لا فرق في جريان الأحكام الآنف ذكرها للولد بين أن يكون ذكراً او أنثى في كل من النذر والعـهد واليمين ، وفي شمول الأحكام لولد الولد أو انصرافها عنه اشكال.

المسألة 335: لا فرق في جريان أحكام النذر والعهد واليمين بين الزوجة الدائمة والمتمتع بها ، فلا ينعقد نذرها إذا نذرت بغير اذن زوجها ، ولا تنعقد يمينها إذا سبق الزوج فنهاها قبل أن تحلف، وإذا سبقت هي فحلفت بغير إذنه انعقدت يمينها ولزمها الوفاء بها ، وجاز للزوج حل يمينها ، فإذا حلّها بطلت ولم تجب عليها الكفارة بمخالفتها .

المسألة 336: لا فرق في المملوك بين أن يكون عبداً أو أمة، فتجري فيه الأحكام السابقة في كل من النذر والعهد واليمين ، ولا فرق بين ان يكون المالك له رجلاً أو امرأة وواحداً أو متعدداً وإذا كانت الامة متزوجة جرت عليها أحكام الأمة لسيدها وأحكام الزوجة لزوجها .

المسألة 337: إذا أذن السيد لمملوكه فنذر للّه حجاً أو عمرة أو غيرهما من القربات، أو حلف أو عاهد الله على فعل ذلك انعقد نذره أو يمينه ولزمه الفعل، ولم يجز للسيد أن يرجع باذنه، أو يحلّ نذر العبد أو يمينه بعد الانعقاد ، وإذا باع المولى عبده أو وهبه فانتقل العبد الى مالك آخر ، أو مات المولى فانتقل المملوك الى الوارث لم ينحل بذلك نذر العبد ولا عهده ولا يمينه ، ولم يسقط عنه وجوب الوفاء ، وان لم يأذن المالك الجديد له بفعله.

المسألة 338: إذا اذن الرجل لامرأته فنذرت حجاً أو عمرة او غيرهما، انعقد نذرها ووجب عليها الوفاء به، ولم يجز للزوج أن يرجع باذنه لها، ولا ينحل نذرها برجوعه إذا رجع ، وإذا أذن لها باليمين فحلفت فليس له أن يرجع باذنه او يحلّ اليمين ، وكذلك الحكم في الولد ، فإذا أذن له والده فحلف أن يحج أو يعتمر أو يزور وجب عليه أن يبرّ بيمينه ولم يجز للوالد أن يرجع بإذنه أو يحلّ  يمينه بعد ان انعقدت.

المسألة 339: إذا أقسم الولد يميناً على فعل أمر راجح ولم يسبق له من الوالد اذن فيه ولا منع منه انعقدت يمينه كما قلنا سابقاً، وجاز لأبيه ان يحلّ يمينه ، ويجوز للولد على الأظهر أن يطلب من والده حل تلك اليمين ، فإذا أجابه وحلّ يمينه بطلت وسقط حكمها، وكذلك إذا حلفت الزوجة على شيء من غير اذن ولا منع من زوجها ، فتنعقد يمينها ويجوز للزوج حلّها، ويسوغ للمرأة أن تطلب من الزوج حلّ اليمين وإبطالها .

المسألة 340 : إذا نذرت المرأة وهي خلية لم تتزوج بعدُ : أن تحج البيت أو تعتمر أو تصوم يوماً معيّناً من كل أسبوع انعقد نذرها ، وإذا حلفت على شيء من ذلك انعقدت يمينها، ولزمها البرّ بما نذرته أو حلفت عليه ، فإذا تزوجت بعد ذلك لم يسقط نذرها ولا يمينها وان لم يأذن لها الزوج به ، بل وان منعها منه ، أو كان منافياً لحقه من الاستمتاع ، ولا يحق له أن يمنعها من أدائه.

ومثله ما إذا كانت ذات بعل وأذن لها بعلها، فنذرت أو حلفت باذنه فيلزمها الوفاء بنذرها وحلفها ، واذا فارقها الزوج بموت أو بطلاق وتزوجت غيره لم يسقط الوجوب عنها وجرت الأحكام السابقة، وان لم يأذن لها الزوج الثاني أو منعها من العمل الذي نذرته أو كان منافياً لحقه .

المسألة 341 : إذا نذرت المرأة قبل ان تكون ذات بعل -كما هو المفروض في المسألة السابقة- أو حلفت شملتها أدلة وجوب الوفاء بالنذر أو اليمين من عامّات ومطلقات من غير معارض كما هو المفروض ، ووجب عليها الحج أو الصوم الذي نذرته أو أقسمت عليه ، وإذا تزوجت بعد ذلك ووجبت عليها إطاعة الزوج وتمكينه من استيفاء حقه ، فإنما يجب عليها ذلك في غير زمان الحج المنذور ، وفي غير أيام الصوم المنذورة، فقد ثبت وجوب الحج والصوم عليها شرعاً، ولا طاعة للمخلوق في معصية الخالق ، فيكون وجوب الحج والصوم عليها رافعاً للموضوع في وجوب طاعة الزوج وثبوت حقه .

واذا نذرت المرأة ذلك نذراً مشروطاً بالتزويج ، فقالت : لله علي ان تزوجت زيداً أن أحج البيت، أو أن أصوم يوم الخميس من كل اسبوع أشكل الحكم بانعقاد نذرها أو حلفها ، فإن الحج أو الصوم لا يجب عليها إلا بعد تزويجها بزيد حسب ما اشترطت ، وإذا تزوجت به وجبت عليها طاعة الزوج كذلك فيكون وجوب الوفاء بالنذر ووجوب طاعة الزوج كلاهما في وقت واحد ولا يكون أحدهما رافعا لموضوع الآخر كما في الفرض المتقدم، ولعل الأقرب عدم انعقاد النذر إذا لم يأذن به الزوج ، وخصوصاً إذا منع منه ، وإذا كان الزوج نفسه قد نذر أو حلف أيضاً إن تزوج بها أن يجامعها في كل خميس، كان انعقاد نذر المرأة أشد اشكالاً، وأولى بالحكم بالعدم .

المسألة 342 : قد ينذر الانسان أن يحج البيت من مكان خاص يعيّنه في نذره ، فإذا قصد نذر الفرد الخاص من مطلق الحج ، وهو الحج من ذلك الموضع ، تعيّن عليه العمل بنذره ، وكفاه في صحة نذره رجحان أصل الحج بقصد هذا الفرد منه ، وكذلك إذا كانت للمكان الذي عيّنه مزيّة توجب رجحان العمل المنذور أو مزيد الاخلاص والتقرب فيه ، فينعقد النذر ويجب العمل به ، فإذا حج من موضع آخر لم تبرأ ذمته بذلك حتى يحج من المكان الذي عيّنه ، فإذا حج من ذلك الموضع في سنة ثانية كفاه ذلك في الوفاء بالنذر، ولم تجب عليه الكفارة.

وإذا نذر الحج من مكان معيّن -كما تقدم- في سنة معيّنة لزمه ذلك ، فإن هو حج في تلك السنة من موضع آخر لم يكفه ذلك ووجبت عليه كفارة النذر، ولا تبرأ ذمته إذا حج من ذلك الموضع في سنة أخرى، لأنه غير الحج المنذور، وهذا كله إذا كان نذره للحج من المكان الخاص على احدى الصورتين المذكورتين .

واذا نذر إن وفقه الله للحج أن يجعل حجه من المكان المعيّن ، ولم يكن على إحدى الصورتين الآنف ذكرهما لم ينعقد نذره ، لعدم الرجحان في متعلق النذر ، فإذا حجّ من مكان آخر، أو من بلد آخر كان حجه صحيحاً، ولا كفارة عليه لعدم انعقاد نذره .

المسألة 343 : إذا نذر المكلف أن يحج حجة الاسلام من بلد خاص او من مكان خاص على أحد الوجهين الآنف ذكرهما في المسالة الماضية- انعقد نذره ، ووجب عليه أن ياتي بحجة الاسلام من البلد أو الموضع الذي عيّنه ، فإذا خالف نذره وأتى بحجة الاسلام من موضع آخر صحت حجته ، وبرئت ذمته من الفرض ، ولزمته الكفارة لمخالفة النذر ، والأحوط استحباباً إعادة حجة الاسلام من الموضع المعيّن مع ا لكفارة .

ومثله ما إذا نذر لله حجة مطلقة، ولم يعيّن لابتداء حجته بلداً او مكاناً خاصاً ، ثم نذر ندراً آخر أن يحج حجته المنذورة من مكان معين على احدى الصورتين الآنف ذكرهما ، فينعقد النذران ويجب عليه أن يأتي بحجته المنذورة من ذلك الموضع ، فإذا أتى بالحجة من غير ذلك الموضع صح عمله وبرئت ذمته من النذر الأول ووجبت عليه الكفارة لمخالفة النذر الثاني ، والأحوط اعادة الحج من ذلك الموضع مع الكفارة كما سبق في نظيره .

المسألة 344 : إذا نذر المكلف أن يحج البيت او يعتمر ، ولم يقيد حجته أو عمرته بوقت معيّن، وجب عليه أن يفي بنذره وجوباً مطلقاً كما نذر ، ولذلك فيجوز له تأخير الإمتثال حتى يظنّ عروض الموت له ، أو يظن حدوث بعض العوارض التى يفوت بها الامتثال، وتمنعه من أداء الواجب من مرض أو هرم أو ضعف أو غير ذلك ، فتجب المبادرة إلى الأداء حين ذلك ، ولا يجوز له التأخير إذا استلزم تهاوناً بأمر الله ، أو استخفافاً بحكم الشريعة .

وإذا نذر الحج وعين له سنة خاصة وجب عليه الحج في تلك السنة، ولم يجز له أن يتاخّر عنها ، وإذا ترك الحج فيها من غير عذر كان آثماً عاصياً بذلك، ووجبت عليه الكفارة ، والظاهر عدم وجوب قضاء هذا الحج عنه إذا كان حياً، ولا على وارثه أو وليه إذا كان ميتاً ، وان كان القضاء أحوط فلا ينبغي له تركه.

المسألة 345: إذا نذر الشخص أن يحج البيت نذراً مطلقاً ولم يعيّن لحجته المنذورة وقتاً ، وتمكّن من الوفاء بنذره ولم يمتثل حتى مات ، فالاحوط لزوماً وجوب القضاء عنه بعد موته ، بل هو الاقوى.

والظاهر ان قضاء حجته المنذورة الآنف ذكرها يكون من أصل تركته ، ولا تخرج كفارة مخالفة النذر من أصل التركة وإن وجبت عليه إذا تعمد المخالفة ، فإذا أوصى بها أخرجت من ثلثه ، وإذا لم يوص بها سقطت ولزمته الآثام.

المسألة 346 : إذا نذر الانسان أن يحج البيت ولم يستطع الوفاء بالنذر ، سقط عنه الوجوب ، بل كشف ذلك عن عدم انعقاد نذره من أول الأمر ، فلا يجب على وليه القضاء عنه إذا مات ، سواء كان نذره مطلقاً أم مقيداً بسنة معيّنة .

المسألة 347 : إذا نذر المكلف لله حجاً أو عمرة -أو غيرهما من القربات أو الأمور الراجحة - وعلّق نذره على حصول شيء ، فقال : لله عليّ حج البيت ان شفى الله زيداً من مرضه ، أو إن رجع عليّ من سفره ، ومات الناذر قبل أن يتحقق له الأمر الذي علّق عليه نذره، بطل النذر، ولم يجب قضاء الحج عنه، وان حصل الشرط بعد موته ، فإن الفعل المنذور غير مقدور له بعد الموت ، فلا يكون واجبا عليه، ولذلك فلا يجب القضاء على وليّه ، من غير فرق بين أن يكون النذر من الوجوب المشروط ، أو الواجب المعلق .

المسألة 348: إذا نذر الرجل ان يحج البيت، وتمكّن بعد النذر- من الوفاء به ولم يفِ به ، استقرّ الحج المنذور في ذمته ، فإذا عرض له -بعد التمكن من الأداء واستقرار الوجب في ذمته- مرض أو هرم، أو عذر آخر مستمرّ لا يرجا زواله، ولا يتمكن معه من الإتيان بالحج بنفسه-، لم تجز له الاستنابة عنه في حال حياته ، وقد تقدم في المسالة المائة والسادسة والستين أن جواز الاستنابة عند طروء مثل هذه الحالة يختص بحج الاسلام ، ولا يعم الحج الواجب بالنذر ولا غيره من انواع الحج الواجب ، فإذا مات وجب القضاء عنه من أصل تركته.

وإذا نذر الحج ثم عرض له العذر المانع من الأداء قبل أن يتمكّن من الوفاء بنذره ، أو قبل أن يوجد الشرط الذي علّق عليه نذره ، أو نذر الحج وهو مريض أو معذور بأحد الأعذار المذكورة، لم ينعقد نذره لعدم القدرة ، فلا تجب عليه الاستنابة في حياته ، ولا يجب القضاء عنه بعد وفاته .

المسألة 349 : إذا نذر الرجل أن يبذل نفقة الحج لأحد ليحجّ بها ، وقيد نذره في سنة معيّنة ، فخالف نذره -مع قدرته على الوفاء به- ولم يبذل النفقة للشخص المنذور له حتى انقضى الوقت ، ففي وجوب القضاء عليه إذا كان حيّا ، ووجوب قضاء الوارث عنه إذا كان ميتاً، تأمل واشكال ، ولايترك الاحتياط بالقضاء ، وتجب عليه الكفارة لمخالفة النذر ، وإذا مات فإن كان قد أوصى بها، أخرجت من ثلث التركة ، وإن لم يوص بها سقطت .

المسألة 350: إذا نذر ان يحج أحدا من ماله -كما في الفرض المتقدم- ولم يقيّد ذلك بسنة معيّنة ، فإن تمكّن من الوفاء بنذره ولم يفِ به حتى مات ، وجب على الورثة القضاء عنه من أصل تركته، وإذا هو لم يتمكّن من الوفاء به حتى مات أشكل الحكم بوجوب القضاء عنه، والوجوب أحوط.

ونظير ذلك في الحكم ما إذا نذر أن يدفع الى الفقراء أو الى اليتامى -مثلاً- مبلغاً معيّنا من المال، ومات قبل أن يفي بنذره ، فإن كان قد تمكّن من الوفاء بالنذر في حياته ولم يفِ به حتى مات وجب القضاء عنه من أصل تركته ، وان لم يتمكن من الأداء في حياته فالأحوط القضاء عنه بعد الموت.

المسألة 351: إذا نذر الرجل أن يُحج أحداً من ماله، وعلّق نذره على حصول شرط، ومات الناذر ثم حصل الشرط بعد موته ، فالظاهر عدم وجوب قضاء الولي عنه بعد الموت ، ومثال ذلك؛ أن يقول: لله عليّ إن رزقني الله ولداً ذكراً أن أدفع لزيد نفقة الحج من مالي وأحجّه بها ، ويموت الناذر ثم يولد له ولد ذكر بعد موته، فلا يجب على الوارث ان يدفع لزيد نفقة الحج من التركة قضاء عن الميت ، والرواية التي دلت على القضاء عنه مما ترك غير صالحة للاعتماد عليها في المورد.

المسألة 352 : إذا نذر المكلف المستطيع للحج أن يحج حجة الاسلام انعقد نذره على الظاهر ، وان كانت حجة الاسلام واجبة عليه بالفعل بسبب الاستطاعة ، وأفاد نذره إياها تأكد الوجوب عليه من الناحيتين ، فاذا أتى بالحج مرة واحدة فقد امتثل كلا الأمرين ، وبرئت ذمته من التكليف الواحد المؤكد ، واذا ترك الحج ثم مات ، وجب القضاء عنه من أصل تركته، ولزمت الكفارة لمخالفة النذر ، فإذا أوصى بها أخرجت من الثلث، وان لم يوص بها سقطت.

وإذا نذر أن يحج حجة الاسلام في السنة الاولى من استطاعته، تعيّن عليه ذلك من الناحيتين أيضا ، فإذا ترك الحج في تلك السنة عصى لمخالفته تكليف الحج وتكليف النذر ، وسقط نذره لمخالفته ، وانقضاء وقته ، ولزمته كفارة النذر على الوجه الذي سبق بيانه، ولم يسقط عنه التكليف بحجة الإسلام في العام المقبل.

المسألة 353 : إذا كان المكلف مستطيعا للحج وجبت عليه المبادرة الى الحج في عامه، ولم يجز له التأخير الا لعذر يسوّغ له ذلك ، وقد تقدم ذكر هذا مراراً ، فإذا نذر المكلف المستطيع أن يحج حجة الاسلام في سنة تتأخر عن عام الاستطاعة لم ينعقد نذره ، وكان باطلا لعدم الرجحان ، ووجب عليه ان يبادر للاتيان بحجّ الاسلام.

المسألة 354: إذا نذر المكلف ان يحج حجة الاسلام ، وكان نذره قبل ان يستطيع للحج استطاعة مالية انعقد نذره ، ووجب عليه أن يسعى لتحصيل مقدمة الواجب ، وهي الاستطاعة الشرعية للحج فإذا حصلت له بالكسب ، أو بالهبة من أحد ، أو بالبذل ، وجب عليه ان يؤدي التكليف بالحج والوفاء بالنذر بحجة واحدة كما تقدم ، إلا إذا قصد في نذره أن الاستطاعة شرط في النذر كما هي شرط في وجوب حجة الاسلام-، فلا يجب عليه تحصيلها في هذا الفرض، وإذا كان قد أخر حج الاسلام عن عام الاستطاعة عامداً ووجب عليه أن يحج ولو متسكعاً، ثم نذر أن يأتي بحجة الاسلام انعقد نذره ولزمه ان يحج كذلك ولو متسكعاً بسبب النذر وبسبب التكليف الأصلي بالحج.

المسألة 355 : يشترط في صحة النذر وانعقاده ان يكون الفعل المنذور مقدوراً للناذر في وقت الوفاء ، فلا ينعقد النذر إذا كان متعلّقه غير مقدور له في ذلك الحين ، وقد فصّلنا هذا في كتاب الايمان والنذور ، وتلاحظ المسألة التاسعة والستون وما بعدها من الكتاب المذكور ، ولا فرق في هذا الشرط بين نذر الحج وغيره ، فإذا نذر المكلف لله حجاً أو عمرة -وكان قادراً على الاتيان به في وقت الوفاء- انعقد نذره ووجب عليه الحج أو العمرة ، ولا تعتبر فيه الاستطاعة المالية وغيرها التى اشترطتها الشريعة في وجوب حجة الاسلام ، الا إذا نذر حجة الاسلام كما ذكرنا في المسائل المتقدمة .

المسألة 356: إذا كان الرجل مستطيعاً لحج الاسلام ، ونذر وهو في عام الاستطاعة ان يحج فيه غير حجة الاسلام، لم ينعقد نذره ، لوجوب حجة الاسلام عليه في عام الاستطاعة فلا يكون غيرها مقدوراً للناذر ، الا إذا قيّد نذره بزوال استطاعته للحج، فقال: لله عليّ أن أحج في هذا العام غير حجة الاسلام إذا زالت استطاعتي للحج ، فينعقد نذره ، ويجب عليه عند زوال استطاعته ان يفي بحجة النذر، وإذا لم تزل استطاعته وجب عليه أن يأتي بحجة الاسلام .

المسألة 357 : إذا نذر الرجل ان يحج البيت في ذلك العام ، وكان في حال نذره غير مستطيع لحج الاسلام انعقد نذره ، وإن اتفق أن حدثت له الاستطاعة للحج بعد النذر ، فيحجّ الحجة المنذورة في تلك السنة ، ثم ينتظر إلى العام المقبل ، فإن كانت استطاعته للحج لاتزال باقية، أو زالت ثم تجددت له قبل موسم الحج، وجبت عليه حجة الاسلام ، وإن زالت استطاعته ولم تعد لم تجب عليه الحجة .

وكذلك الحال إذا نذر الحج ، وقيّد نذره بأن يأتي به فوراً ، فيجري فيه جميع ما تقدم من الأحكام .

المسألة 358 : إذا نذر وهو غير مستطيع أن يحجّ البيت ، ولم يعيّن لحجه المنذور سنة خاصة، أو عيّن له سنة متاخّرة عن العام الحاضر ، ثم حصلت له الاستطاعة بعد النذر، وجب عليه ان يأتي بحجة الاسلام في سنة الإستطاعة ، ثم يأتي بحجة النذر بعدها متى شاء، إذا كان نذرها مطلقاً ، وفي السنة التي عيّنها إذا كان النذر معيناً ، وإذا أهمل في هذا الفرض ، فترك حجة الاسلام في عام الاستطاعة عصى وأثم بذلك ، ووجب عليه أن يأتي بها في السنة الثانية إذا كان النذر مطلقاً ، وأخّر حجة النذر عنها ، وإذا كان قد عيّن تلك السنة لحجة النذر أتى بها كما نذر، واخر حجة الاسلام الى ما بعدها.

المسألة 359: إذا نذر الانسان ان يحج البيت ، وقيّد نذره بأن يأتي بالحج فوراً ، وكان غير مستطيع لحجّ الاسلام في حين نذره ثم حصلت له الاستطاعة بعد النذر انعقد نذره -كما قلنا قبل مسألة- ووجب عليه تقديم حجة النذر ، فإذا أهمل وترك حجة النذر في عامه الأول أثم بتأخيرها وعصى ، ووجب عليه أن يأتي بها في السنة الثانية ، وأخّر حجة الاسلام إلى ما بعدها.

وإذا نذر أن يحج في السنة الاولى ثم حصلت له الاستطاعة لحجة الاسلام بعد نذره قدّم حجة النذر -كما ذكرنا في المسألة الثلاثمائة والسابعة والخمسين-، فإذا ترك حجة النذر في السنة المعيّنة لها أثم ، ووجب عليه ان يأتي بحجة الاسلام في السنة الثانية ، وقد بيّنا في المسالة الثلاثمائة والرابعة والاربعين أن النذر الموقت في سنة معيّنة مما لا يجب قضاؤه على الاقوى ، وان كان القضاء أحوط ولا ينبغي تركه .

المسألة 360: إذا نذر المكلف ان يحج البيت الحرام نذراً مطلقاً، وكان في حين نذره مستطيعاً للحج ، أو حصلت له الاستطاعة بعد النذر ، اتبع قصده ، فإن قصد في نذره ما يعمّ حجة الاسلام كفاه في امتثال الواجب عليه أن يأتي بحجة واحدة ، فتكون هي بذاتها حجة الاسلام وحجة النذر ، ولا يكون ذلك من التداخل ، وإن قصد بنذره حجاً غير حجة الاسلام وجب عليه ان يحج حجة الاسلام للاستطاعة ، وان يحج حجة أخرى للنذر ، ويقدّم منهما حجة الاسلام إذا كانت استطاعته لها سابقة على النذر، أو كان النذر موسّعاً في الوقت، وان كان سابقاً على الاستطاعة ، ويقدم حجة النذر إذا كانت مضيّقة في الوقت وكان النذر سابقاً على الاستطاعة.

المسألة 361: إذا نذر المكلف أن يحج البيت ان شفى الله مريضه مثلاً، وكان غير مستطيع للحج في حال نذره، ثم حصلت له الاستطاعة قبل ان يوجد الشرط الذي علق عليه نذره ، قدّم حجة الاسلام على حجة النذر ، وإن كان النذر سابقاً ، لعدم وجوب الوفاء بالنذر قبل حصول شرطه ، ويشكل الحكم بتقديم حجة الاسلام إذا كان نذره مقيّداً بالفور ، وحصل الشرط الذي علّق عليه نذره بعد الاستطاعة وقبل خروج الرفقة ، أو بعد خروجهم وأمكنه أن يفي بالنذر .

المسألة 362: إذا وجبت على المكلف حجة الاسلام وحجة منذورة، واستطاع ان يأتي إما بحجة الاسلام أو بالحجة المنذورة خاصة ، ولم يمكنه الاتيان بهما معاً لبعض الأعذار المانعة ، تعيّن عليه أن يأتي بحجة الاسلام ، لأنها أهم في نظر الشارع، أو هي محتملة الأهمية على الأقل ، وان كان النذر سابقاً على الاستطاعة ، فلا يلتفت إلى السبق واللحوق في هذا المورد، بخلاف الفروض المتقدمة.

وإذا مات المكلف وقد استقرت في ذمته حجة الاسلام وحجة النذر المطلق معاً ، وقصرت تركته عن الوفاء بكلتا الحجتين ، ولم تفِ الا بقضاء إحداهما دون الاخرى ، قدمت حجة الاسلام كذلك، وان كان النذر سابقاً على الاستطاعة ، فلا يلتفت الى السبق واللحوق كما في المورد المتقدم ، وإذا وفت التركة بقضاء الحجتين معاً، وجب إخراجهما من التركة،ولو باستئجار أجيرين للنيابة في قضائهما في عام واحد .

المسألة 363: يجوز للمكلف الذي وجب عليه حج منذور وكان النذر موسّعاً، ان يحج قبل الوفاء به حجاً مندوباً لنفسه أو لغيره ، ويجوز له إذا كان الحج المنذور الذي استقرّ في ذمته مقيّداً بسنة متأخرة ، أن يحج حجاً مندوبا في السنة المتقدمة عليها ، لنفسه أو لغيره كذلك.

المسألة 364: إذا نذر الشخص ان يحجّ البيت بنفسه ، أو يحج أحداً غيره بأن يدفع له نفقة كافية ويحمله على الحج بها ، انعقد نذره وكان في الوفاء مخيراً بين الأمرين المذكورين ، فايـّهما أتى به كان وفاءاً للنذر ، واذا طرأ له عذر مانع عن أحد الأمرين المنذورين فأصبح ذلك الأمر غير مقـدورٍ له ، تعيّن عليه أن يـأتي بالمنذور الآخر المقدور له ، كما هو الحكم في خصال الكفارة المخيّرة، متى عجز عن بعض خصالها وجب عليه أن يأتي بالخصلة المقدورة منها.

واذا مات الناذر قبل أن يفي بنذره الآنف ذكره وجب على وليه أو وصيه ان يقضي ذلك من أصل تركته وجوباً تخييرياً بين الأمرين كما هو الحال في أصل النذر ، فأيهما قضاه عنه أجزأه عن نذره في كلتا الحالتين اللتين تقدّم ذكرهما ، فإذا كان احد المنذورين قد تعذر على الناذر في حياته، وتعيّن عليه أن يأتي بالمنذور الآخر ثم مات ولم يأت به تخير الولي بعد موته في القضاء عنه بين الأمرين ، ولا تتعيّن عليه الخصله التي كانت مقدورة للناذر في حياته.

المسألة 365: إذا علم ولي الميت أن على ميّته حجاً واجباً قد استقر في ذمته ، وتردّد الولي بين أن يكون هو حج الاسلام أو حجاً وجب عليه بالنذر ، وجب عليه قضاء الحج عن الميت من تركته ، ويكفيه في القضاء حج واحد ينوي به ما في ذمة الميت من غير تعيين ، ولا يجب عليه قضاء كفارة النذر عنه .

المسألة 366: تكاثرت الأحاديث الدالة على استحباب المشي على القدم في حج البيت، وتضافرت في الدلالة عليه ، حتى ورد فيه: (ما عُبِدَ الله بشيء أشدّ من المشي ولا أفضل) وروي أنه (ما تقرّب العبد الى الله عز وجل بشيء أحب اليه من المشي إلى بيته الحرام على القدمين) ، و (أن الحجة الواحدة تعدل سبعين حجة)، إلى غير ذلك من الروايات ، ولا ريب في أن المقصود من هذه الأدلة الحث على المشي الذي يكون راجحا في الشريعة ، وهو ما يقصد به الحاج الماشي على قدميه تعظيم الله وإجلاله، وإظهار شدة العبودية له، وكمال الانقطاع اليه ، أو يريد به إعظام شعائر الله، وتقديس شريعته وأحكامه ، أو يريد به إظهار حرمة البيت والمشاعر الكريمة ، أو ينوي به نيل مزيد القرب منه والمثوبة لديه ، فإنّ أفضل الأعمال أحمزها كما في الحديث ، وأشباه هذه الغايات ، فإذا نذر الإنسان ان يمشي على قدميه في حجة الاسلام الواجبة عليه ، أو في حجته المنذورة ، أو في حجه المندوب لإحدى الغايات المذكورة ، انعقد نذره ، ووجب عليه الوفاء به ، وكذلك إذا نذر المشي في الحجّ لأصل رجحان المشي واستحبابه الذي دلّت عليه مطلقات الأحاديث المشار اليها ، فينعقد نذره ويلزمه الوفاء به.

واذا نذر ان يحج ماشياً، فكان نذره لأصل الحج والاتيان به ماشياً انعقد نذره لوجود الرجحان المشترط في كل من الحجّ والمشي وهو واضح .

وقد ورد في الأخبار أيضاً ما ينافي ذلك في بعض الحالات ، فقد روي عن أبي بصير أنه سأل الصادق (ع) عن المشي أفضل أو الركوب ، فقال (ع): (إذا كان الرجل موسراً ، فمشى ليكون اقل لنفقته فالركوب أفضل) ، ومن البيّن أن المشي بهذا القصد لا رجحان فيه اصلاً ، فإذا نذر الانسان المشي لهذه الغاية أشكل الحكم بانعقاد نذره ، بل الوجه عدم الصحة.

المسألة 367: قد يبدو للإنسان ان يحج ماشياً لتكون نفقته اقل من نفقة الحج راكباً كما تقدم في رواية أبي بصير فينذر أن يحج كذلك لهذه الغاية ، وقد ذكرنا أن المشي في مثل هذا الفرض لا رجحان فيه أصلاً ، ويظهر من بعض العلماء ان ذلك من النذر الصحيح ، فان الناذر إنما ينذر فرداً من أفراد العبادة الصحيحة ، فيكفيه في صحة نذره رجحان أصل الحج وان لم يكن القيد الذي قيّد به النذر وهو المشي راجحاً لتلك الغاية التي لاحظها .

ولا ريب في صحة النذر إذا تعلّق بفرد من أفراد العبادة، وكان الفرد من الأفراد المتعارفة لتلك العبادة ، وان لم يشتمل على مزية تزيد على أصل العبادة في الرجحان ، كما إذا نذر المكلف أن يحج راكباً ، او نذر ان يحج مع أول قافلة تسير من البلد، وقد تقدم في المسالة الثلاثمائة والثانية والأربعين وما بعدها حكم ما إذا نذر الانسان ان يحج البيت من مكان خاص يعيّنه في نذره، وما يتفرع على ذلك ويتصل به، ولا اظن ان التعميم للأفراد المرجوحة من العبادة، أو التي لا رجحان فيها أصلاً لبعض الجهات التي توجب النقصان فيها عن الافراد المتعارفة مما يمكن الالتزام به كما يراه ذلك البعض من العلماء فيحكم بانعقاد النذر وبوجوب الوفاء به إذا نذر مثلاً ان يحج وهو مكتوف اليدين بعد الإحرام، في المواقف وعند الاتيان بالأعمال ، أو يلزمه الوفاء إذا نذر ان يحج في سيارة بيضاء أو من نوع وطراز مخصوص ، أو أن يحرم في ثياب من صنع بلد خاص أو معمل معين ، أو يجب عليه الوفاء إذا نذر الصلاة في ساتر يستر العورتين خاصة ، وهكذا ، والظاهر ان أدلة صحة النذر للعبادة لا تشمل ذلك ، فإذا نذر الناذر مثل هذه النذور فلابدّ من الالتزام بالغاء القيد إذا كان نذر الناذر له على نحو تعدّد المطلوب ، وببطلان النذر من أصله إذا كان على وجه وحدة المطلوب.

المسألة 368: إذا نذر الرجل أن يحج البيت راكبا انعقد نذره ، ووجب عليه الوفاء به كما قلنا في المسالة السابقة فلا يجوز له المشي على القدمين في طريق الحج ، وفي الموارد التي يلزمه الركوب فيها كالمسافات ما بين المشاعر وفاءاً بنذره ، ويتبع قصده إذا نذر أن يكون راكباً في حال الوقوفين وعند المسير الى الجمار وفي حال الرمي، وعلى وجه الإجمال يتّبع قصده في تحديد أمكنة الركوب وأزمنته.

المسألة 369: يصح للمكلف أن ينذر المشي في بعض طريقه إلى الحج ، فإذا نذر ان يمشي في كل يوم ساعة او ساعتين مثلاً ، أو فرسخاً أو فرسخين ، أو نذر أن يمشي من الميقات الى مكة ، أو من مكة إلى الموقفين ، أو إلى أن يتم أعمال الحج اتّبع نذره وقصده في جميع ذلك ، ووجب عليه العمل بمقتضى ذلك .

المسألة 370: إذا نذر الإنسان ان يحجّ البيت ماشيا حافي القدمين ، أو نذر أن يمشي إلى البيت حافياً انعقد نذره في كلتا الصورتين على الاقوى ، ووجب عليه الوفاء به ، فلا يكفيه أن يحج راكبا ولا يكفيه أن يمشي وهو منتعل.

المسألة 371: يشترط في صحة نذر الانسان للمشي أو الحفاء أن يكون الناذر قادراً على الوفاء بنذره ، من غير فرق بين صور النذر التي ذكرناها ، فلا ينعقد النذر في شيء منها ، إذا كان الناذر عاجزاً غير قادر على المشي أو الحفاء الذي تعلق به نذره ، ويشترط في صحته ان لا يكون المشي او الحفاء مضرّاً ببدنه، بحيث يكون محرّماً مرجوحاً ، فلا ينعقد نذره إذا أوجب له ذلك .

وإذا نذر المشي أو الحفاء، وكان ذلك يوجب له حرجاً ومشقة شديدة ولكنها لا تبلغ الضرر المحرم ، فإن كان الناذر في حال نذره يعلم بان ما نذره يوجب له الحرج من أول الامر، أو يعلم بأنه يوجب له الحرج بعد ذلك ، انعقد نذره ووجب عليه الوفاء به، لإقدامه على ما يوجب له الحرج مختاراً، وإن حصل له الحرج بالفعل فلا يبطل نذره بذلك ، وإذا نذر وهو يجهل بأن المشي أو الحفاء يوجب له الحرج ثم وجده بعد ذلك بطل نذره، وسقط عنه وجوب الوفاء به.

المسألة 372: إذا نذر الرجل ان يحج البيت ماشياً ، أو أن يحجه ماشياً حافياً ، أو نذر ان يمشي ، أو ان يمشي حافياً في حجه الواجب أو المندوب ، وعيّن في نذره موضعاً خاصاً لابتداء مشيه وحفائه ، وجب عليه اتباع ما عيّنه ، فيبدأ في مشيه وحفائه من الموضع الذي نذره، وكذلك إذا عيّن لنهاية المشي أو الحفاء موضعاً مخصوصاً من مكة أو المسجد أو المشاعر ، أو عيّن عملاً مخصوصاً من أعمال الحج ، فيجب عليه اتباع ما عيّنه.

وإذا نذر ولم يعيّن موضعاً للبداءة والنهاية ، فالظاهر لزوم المشي أو المشي والحفاء عليه من ابتداء سفره الى الحج ، والاحوط أن تكون النهاية في آخر أعمال الحج بمنى وهو رمي الجمرات في أيام التشريق .

المسألة 373: إذا نذر الرجل ان يحج ماشياً، أو أن يمشي في سفره الى البيت، وجب عليه ان يسلك طريق البر الى الحج ، ولا يجوز له أن يسافر اليه في طريق البحر فانه ينافي ما نذره، ولذلك فلا يصح لمن ينحصر طريقه الى الحج بركوب البحر ان ينذر المشي الى الحج لعدم قدرته على ذلك ، الا ان يريد المشي في المواضع التى يمكنه المشي فيها.

واذا نذر المشي الى الحج وكان قادراً على سلوك طريق البر، ثم طرأ له ما يمنعه منه ، وانحصر طريقه إلى الحج بركوب البحر ، بطل نذره وسقط وجوب الوفاء به ، إلا إذا كان نذره مطلقا وتمكن من طريق البر والمشي فيه في سنة أخرى ، واذا تيسّر له الطريق وعجز عن المشي لم يجب عليه الوفاء.

المسألة 374: إذا نذر الانسان المشي على أحد الوجوه التى تقدّم ذكرها ، وكان في طريقه الى الحج نهر أو شط أو خليج لا يمكنه العبور فيه الا بسفينة ونحوها جاز له أن يركب المركب والعبور فيه ، ولزمه القيام فيه اثناء عبوره مع الإمكان على الاحوط ان لم يكن ذلك هو الأقوى، فإن لم يمكنه القيام فيه ولو مع الاعتماد سقط وجوبه عنه.

المسألة 375: إذا نذر المكلف ان يحج البيت ماشيا ولم يعيّن في نذره للحج سنة خاصة ثم حج راكباً ، لم يكفه ذلك ، ووجب عليه أن يفي بنذره فيحجّ ماشياً، فإذا ترك الاعادة وهو غير معذور في ترك الوفاء بنذره حتى ظن الوفاة وجبت عليه كفارة الحنث بنذره ، واذا لم يف بنذره حتى مات وجب على وليّه القضاء عنه على الاحوط لزوماً كما سبق ، وأما الكفارة فإذا أوصى بها وجب على وصيّه قضاؤها بعد موته من ثلثه ، وإذا لم يوصِ بها لم يلزم الوصي قضاؤها ، ولزم الميت عقابها، وقد تقدم بيان هذا جميعاً.

وإذا نذر أن يحجّ ماشياً وعيّن لذلك سنة خاصة ثم حجّ راكباً في تلك السنة المعينة، او لم يحج أصلاً وجبت عليه الكفارة لمخالفته النذر، ولم يجب عليه القضاء بعد تلك السنة إذا كان حياً، ولا على وارثه بعد موته ، وإن كان القضاء أحوط وقد تقدم نظير هذا في المسالة الثلاثمائة والرابعة والاربعين.

المسألة 376: إذا كان على المكلف حج واجب في سنة معيّنه قد وجب عليه بنذر أو شبهه ، ثم نذر أن يأتي بذلك الحج ماشياً ، وجب عليه ذلك ، فإذا خالف هذا النذر وأتى بالحج المعيّن الواجب عليه راكباً وجبت عليه الكفارة لمخالفته نذر المشي، والظاهر صحة الحج الذي أتى به ، فتبرأ ذمته من نذر أصل الحج إذا كان منذوراً ومن الحلف أو العهد إذا كان محلوفاً او معاهداً عليه .

وكذلك إذا كان الحج الواجب عليه بالأصل مطلقاً غير معيّن الوقت ، ثم نذر المشي فيه ، فإذا ترك المشي وأتى بالحج راكباً، صحّ الحج ووجبت على المكلف الكفارة لمخالفة نذره للمشي ، ولكن الاحوط استحباباً في هذه الصورة اعادة الحج ماشياً، ولا تسقط عنه الكفارة بذلك.

المسألة 377: إذا نذر الرجل المشي على أحد الفروض التي قدّمنا ذكرها، ثم ركب في بعض الطريق عامداً ومشى في بعضه ، فقد خالف النذر ولزمته أحكام المخالفة في جميع الطريق، وقد بسطناها في المسائل الماضية ، فلتراجع .

المسألة 378: إذا نذر الانسان أن يحج البيت ماشياً، أو ان يمشى في حجه الى البيت على الفروض الآنف ذكرها وكان قادراً على الوفاء بنذره ، ثم عجز عن المشي سقط عنه وجوب المشي ، ووجب عليه أن يحج راكبا، سواء طرأ له العجز وعدم التمكن من المشي قبل السفر الى الحج أم في أثناء الطريق وقبل الإحرام أم بعده ، وسواء كان نذره مقيّداً في سنة معينة، أم كان مطلقاً غير معيّن الوقت ، فيسقط عنه وجوب المشي في جميع هذه الصور ، ويجب عليه الحج راكبا ، والاحوط لزوما أن يمشي ما استطاع فإذا عجز ركب ، ويستحب له أن يسوق بدنة ولا يجب عليه ذلك.

وإذا عجز عن المشى وكان نذره مطلقا لم تعيّن فيه سنة مخصوصة ، ثم تجدّدت له القدرة في بعض السنين وأمكن له المشى فيها ، فالأحوط له لزوم الحج ماشياً بل لا يخلو ذلك عن قوة.

المسألة 379: الظاهر أنه لا فرق في جريان الحكم الآنف ذكره بين أن يكون السبب المانع للمكلف عن المشي والموجب لعجزه وعدم استطاعته ، ضعفاً في قواه عن المشي على القدمين ، أو مرضاً طارئاً، أو حَراً أو برداً شديدين لا يقوى معهما على المشي ، أو خشونة في حجارة الأرض ، أو أشواكاً لا يستطيع معهما السير على القدم ، أو حشرات أو هوامّا ضارة تمنعه من ذلك ، وأمثال هذه الموانع الموجبة للعجز وعدم الطاقة .