كتاب الحج
وهذا الكتاب يحتوي على عدة فصول
الفصل الأول
في مقدمات لابد من ذكرها
المسألة الأولى: الحج أحد أركان الإسلام ، وإحدى دعائمه التي أقيم عليها بناؤه . وقد استفاضت في الدلالة على ذلك أحاديث الرسول (ص ) ونصوص أهل بيته الطاهرين (ع ) ، ففي الحديث عن زراره بن أعين عن الإمام أبي جعفر الباقر (ع) قال: (بنى الإسلام على خمسة أشياء: على الصلاة ، والزكاة ، والحج ، والصوم ، والولاية). وعن أبي حمزة الثمالي عنه (ع)، قال: (بني الإسلام على خمس دعائم : إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة ، وصوم شهر رمضان ، وحج بيت الله الحرام ، والولاية لنا أهل البيت)، إلى غير ذلك من الروايات الواردة عنهم (ع)، والواردة من طرق غيرهم من جمهور المسلمين أيضا .
المسالة الثانية : يجب الحج على كل مسلم من الرجال والنساء - إذا اجتمعت له شروط الاستطاعة إلا في ذكرها -، رقد دل على ذلك صريح الكتاب الكريم ، ونصوص السنة المتواترة عن النبي العظيم (ص)، وقام عليه إجماع جميع فرق المسلمين ، بل وعلم ذلك بالضرورة الثابتة في الإسلام عن الرسول (ص)، ولذلك فمن ينكر وجوب الحج -وهو يعلم انه من الأحكام الثابتة بالضرورة في الإسلام ومن أقوال الرسول التي لا ريب فيها- يكن مكذبا للرسول في رسالته ، ومحكوما بالكفر في دينه ، وقد ذكرنا في المسألة المائة والرابعة عشرة من كتاب الطهارة: إن من ينكر إحدى الضروريات في الدين يحكم عليه بالكفر إذا كان عالما بان ذلك الأمر ضروري ، بحيث يعود إنكاره لذلك الأمر الضروري إلى إنكار الرسالة العظمى نفسها .
المسالة الثالثة :
ذكرنا في المسألة الألف والتاسعة والثمانين من كتاب الصلاة : إن الاستخفاف بالحج إحدى الكبائر من الذنوب ، والظاهران المراد من النص الدال على ذلك : إن من ترك الحج استخفافا به فقد ارتكب خطيئة من كبائر الخطايا ، وأما من أنكر اصل وجوب الحج مستخفّا به ، فهو بعض مصاديق المسالة الثانية السابقة ، وهو يزيد على منكر أصل الوجوب بأن إنكاره إياه ناشئ عن استخفافه بالواجب أو بالأمر المتعلق به من الشريعة المطهرة .
المسالة الرابعة : إذ ا استطاع الشخص حج البيت ،وتوفرت فيه شروط الاستطاعة، وجب عليه وجوبا عينيا أن يحج البيت مرة واحدة ، ولا يجب عليه الحج أكثر من مرة واحدة في عمره ، وان كان من أهل الجدة واليسار، إلا إذ ا أوجب الحج على نفسه أكثر من ذلك ، بنذر أو بعهد أو يمين أو استئجار من الغير ، أو إفساد حج ، كما سيأتي بيانه -إن شاء الله تعالى-.
نعم ، يستحب للمسلم استحبابا مؤكداً أن يكرر حج البيت ما أمكنه التكرار ، وخصوصا فيما إذا كان من أهل اليَسار، وهذا هو المعنى المقصود من النصوص الكثـيرة الآمرة بالحج في كل عام لأهل الجدة ، وليس المراد أن الحج يجب عليهم في كل عام ، ويزداد تأكد الاستحباب في أن يحج الموسر في كل خمس سنين مرة ، بل في كل أربع سنين، مرة.
المسالة الخامسة : لا يجوز للمسلمين أن يعطلوا البيت الحرام عن الحج إليه ، حتى لا يحج إليه أحد منهم وان اتفق ذلك في سنة واحدة ونحوها ، وقد ذكر في الأحاديث (( أن الناس إذ تركوا البيت فلم يحج أليه أحد منهم نزل عليهم لعذاب ولم يناظروا)) ، ووجوب الحج في هذه الحالة وجوب كفائي على المكلفين عامة، ولا يختص بأهل الجدة من الناس بل يعم جميع المكلفين منهم ، مَن استطاع الحج ومن لم يستطع ،
وفي نصوص الأئمة من أهل البيت (ع): انه يجب على إمام المسلمين وعلى الوالي أن يجبـر الناس على الحج حتى لايعطل البيت ، فإن لم تكن لهم أموال أنفق عليهم من بيت مال المسلمين، وكذلك الحكم في زيارة قبـر الرسول (ص) إذ ا عطّل ولوفي بعض السنين فلم يزره أحد .
المسالة السادسة : إذا اجتمعت قي المكلف شروط الاستطاعة إلا في ذكرها وجبت عليه المبادرة إلى حج البيت في العام الأول من استطاعته ، و لم يجز له أن يؤخر الحج عن ذلك العام، وإذا أخره عن ذلك العام- لعذر أو لغيـر عذر – وجب عليه أن يبادر إلى الإتيان به في العام الثاني ، وهكذا.
فإن هو خالف التكليف بالمبادرة فأخـر الحج عن عامه الأول من غيـر عذر كان عاصيا آثـما بتأخيـره، وإذا كان تأخيـره ناشئا عن استخفافه بأمر الحج كان مرتكبا للكبـيرة ،وهكذا يتكرر العصيان كلما تكررت المخالفة .
المسألة السابعة : إذا تحققت للمكلف شروط الاستطاعة كما ذكرنا ، وكانت للحج مقدمات يتوقف عليها إدراك ، الحج في وقته ، من سفر، وأعداد راحلة أو وسيلة نقل أخرى ، ،وتهيئه أمور يتوقف عليها السفر إليه ، وتحصيل زاد أو مال يحصل به الراد وجبت عليه المبادرة إلى تحصيل المقدمات بحيث يدرك الحج في وقته .
وإذا توقف سفره على أن يسـير مع قافلة معينة،أو على أن يصحب رفاقا معينين بحيث لا يتمكن من السفر بغيـر ذلك ، وجب عليه الانضمام إلى القافلة المعينة، أو الاصطحاب مع أولئك الرفاق ،كي لا يفوته أداء الفريضة ، وإذا تعددت القوافل التي يمكنه المسـير معها كان مخـيرا في السفر مع أيها شاء ، والمدار على وجود الاطمئنان بالوصول إلى الغاية المقصودة ، وهي أداء الواجب في موضعه وفي وقته ، ولا يتعين عليه أن يختار أوثق القوافل في السلامة، فإذا كان مطمئنا بادراك الغاية -إذا سافر مع القافلة الأخرى أو صحب الرفقة الآخرين- جاز له السفر .
المسألة الثامنة: إذا توقف سفر المكلف إلى الحج على أن يسـير مع قافلة مخصوصة، أو أن يصحب رفقة معينين ، فتأخر متعمدا، عن تلك القافلة أو عن أولئك الرفقة ، وفاته الحج في ذلك العام بسبب ذلك ، استقر الحج في ذمته ، وكان عاصيا آثما بالتأخـير ، سواء صحب قافلة أخرى ورفقة آخرين ولم يدرك الواجب أم لم يصحب ، وإذا تعددت القوافل التى يطمئن المكلف بإدراك الحج إذا هو سافر معها ، فاختار واحدة من تلك القوافل وسافر معها ، واتفق أن فاته الحج بسفره معها لبعض الطوارىء ، استقر الحج في ذمته و لم يأثم بالتأخيـر في ذلك العام لعدم تقصـيـره .
وإذا أخر السفر متعمدا إلى خروج آخر القوافل ، وصدق عليه التفريط بالواجب في نظر العقلاء ، وكان هذا التأخيـر سببا لفوات الحج منه في ذلك العام استقر الحج في ذمته وأثم بالتأخيـر ، ويشكل الحكم فيما إذا شك أهل العرف في صدق التفريط وعدمه .
المسألة التاسعة : الحج باب من أبواب الرحمة الإلهية التي فتحها الله لعباده ، ومصدر من مصادر الفضل والـخيـر التي جعلها لهم، وقد استفاضت الأحاديث الدالة على عظيم عطائه -سبحانه -للحاج ، ومزيد لطفه به ، وجزيل ثوابه له ، بل تواترت وتنوعت في دلالتها على ذلك بما لا يمكن حصره ولا عده ، ففي الحديث عن الأمام جعفر بن محمد(عليه السلام قال :(كان أبي (ع ) يقول : من أم هذا البيت حاجا أو معتمراً مبـرأً من الكبـر ، رجع من ذنوبه كهيئة يوم ولدته أمه )، وعن أبي عبد الله (ع) أيضا - وقد سأله رجل في المسجد الحرام: من أعظم الناس وزراً فقال (ع ) : (من يقف بهذين الموقفين (عرفة والمزدلفة)، وسعى بين هذين الجبلين ، ثم طاف بهذا البيت، وصلى خلف مقام إبراهيم ، ثم قال في نفسه وظن أن الله لم يغفر له ، فهرمن أعظم الناس وزراً).
وعنه (ع ) :(الحاج والمعتمر وفد الله ، إن سألوه أعطاهم ، وإن دعوه أجابهم ، وان شفعوا شفعهم وان سكتوا ابتدأهم ، ويعوّضون بالدرهم ألف ألف درهم )، وفي رواية أخرى:(ويعوضون بالدرهم ألف ألف درهم )،/ وعنه (ع ) :(إن الله (عز وجل ) ليغفر للحاج ، ولأهل بيت الحاج ، ولعشيرة الحاج ، ولمن يستغفر له الحاج بقية ذي الحجة والـمحرم وصفر وشهر ربيع الأول وعشر من شهر ربيع الأخر .
المسالة العاشرة : ورد عن معد الاسكاف قال سمعت أبا جعفر (ع ) يقول إن الحاج إذا أخذ في جهازه ، لم يخط خطوة في شيء من جهازه إلا كتب الله ( عز وجل ) له عشر حسنات ، ومحا عنه عشر سيئات ، ورفع له عشر درجات ، حتى يفرغ من جهازه متى ما فرغ، فإذا استقلت به راحلته لم تضع خفا و لم ترفعه إلا كتب الله له مثل ذلك حتى يقضي نسكه، فإذا قضى نسكه ،غفر الله له ذنوبه ، وكان ذا الحجة و الـمحرم وصفر وشهر ربيع الأول أربعة أشهر تكتب له الحسنات ، ولا تكتب عليه السيئات إلا أن يأتي بموجبه ، فإذا مضت الأربعة أشهر خلط بالناس).
وقد تكرر في الحديث ، (حجة خـير من بيت مملوء ذهبا يتصدق منه حتى يفنى)، وعن الرسول (ص) انه قال لإعرابي (لو أن أبا قيس لك ذهبة حمراء أنفقته في سبيل الله ما بلغت به ما يبلغه الحاج).
وروي عن عمر بن يزيد قال : سمعت أبا عبد الله (ع ) يقول : (الحجة أفضل من عتق سبعين رقبة ، فقلت ما يعدل الحج شيء قال : ما يعدله شيء ، ولدرهم في الحج أفضل من ألفى ألف درهم فيما سواه من سبيل الله )، إلى أمثال ذلك من الأحاديث الواردة عنهم (عليهم السلام ).
في شروط وجوب حج الإسلام
المسالة 11 : يـشتـرط في وجوب الحج في الإسلام على الإنسان أن تجتمع فيه عدة أمور :
الشرط الأول : أن يكون بالغا، فلا يجب الحج على الصبي ولا الصبية غيـر البالغين ، وان كانا مراهقين للبلوغ واجتمعت فيهما بقية الشروط الأتي ذكرها .
وإذا حج الصبي وحجت الصبية قبل أن يصلا إلى حد البلوغ لم يكفهما ذلك عن الحج الواجب بعده ، وإن كانا مميزين ، وكانت عباداتهما صحيحة شرعية- بناء على المذهب المختار- فإذا بلغا بعد ذلك،وكانت بقية شروط الوجوب موجودة، وجب عليهما الحج بعد البلوغ .
المسألة 12 : الشرط الثاني : أن يكون عاقلا ، فلا يجب الحج على الشخص إذا كان مجنونا جنونا مطبقا لا يفيق منه ،ولا يجب الحج عليه إذا كان جنونه يعتريه أدواراً وكان دور إفاقته من الجنون لا يكفى للقيام بجميع أعمال الحج ، ولتحصيل ما لم يكن موجوداً من مقدمات الحج ،والأمور التي يتوقف عليها وجوده .
المسالة 13 : إذا أفاق المجنون الأدواري من جنونه في بعض الادوار ، واستطاع في حال إفاقته أن يهيئ لنفسه بعض المقدمات التي يتوقف عليها سفره للحج أو يهيئ لنفسه جميعها ، فاستخرج جواز السفر الحج مثلا ، وأعد المال والرفقة ، واستأجر الدابة أو السيارة أو الطائرة للسفر ، وقاول المقاول الذي يعد له الأمكنة والمنازل والخيام ني سفره ، ثم عاوده دور الجنون بعد ذلك ، ثم أفاق من الجنون في فترة السفر للحج والقيام بأعماله ، وكان بحيث يمكنه إتمام الحج في دور هذه الإفاقة ، وجب عليه الحج ، وإذا أتى به كذلك صح منه .
ولا يبعد الحكم بوجوب الحج عليه من أول الأمر إذا علم بأنه يتمكن من الإتيان به على هذا الوجه .
المسألة 14 : إذا أعد الصبي لنفسه مقدمات السفر للحج قبل أن يبلغ الحلم أو أعدها له شخص آخر ، وسافر قيل بلوغه ليحج ، ثم تحقق له) البلوغ عند وصوله إلى الميقات ،أو قيل وصوله إليه ، وتحققت له بقية شروط وجوب الحج وجب عليه حج الإسلام وصح منه إذا أتى به على الوجه المطلوب ، ويكفي في وجوب الحج عليه أن يكون مستطيعا له من ذلك الموضع ، وإن لم يكن مستطيعا له من بلده.
المسألة 15: الظاهر انه يجرى نظير هذا الحكم في المجنون ، فإذا سافر مع القافلة حتى وصل إلى الميقات وعوفي من الجنون في الميقات أو قبل وصوله إليه ، وكان مستطيعا للحج -ولو من ذلك الموضع- وتوفرت له بقية شرائط الوجوب وجب عليه الحج ، وصح منه إذا أتى به على الوجه المطلوب .
المسألة 16 : إذا سافر الصبي إلى الحج قيل بلوغه ، وأحرم بالحج بنية الندب ، ثم بلغ الحلم بعد إحرامه وكان مستطيعا للحج وشرائط وجوب الحج فيه مجتمعة ، لم يجز له أن يستمر في فيته الأولى فيتم حجه مندوبا، ولم ، يصح له أن يعدل بنيته عن الحج المندوب إلى حج الإسلام ، بل يجب عليه لأن يعود إلى أحد المواقيت ا لخمسة التي عينها الرسول (ص ) لأهل الاقطار، ويجدد الإحرام فيه بنية الحج الواجب عليه ، ولا يتعين عليه أن يرجع الى ميقات أهل بلده على الخصوص ، وان كان ذلك أحوط له استحباباً مع التمكن منه.
وإذا لم يتمكن من الرجوع إلى أحد المواقيت ، وجب عليه ان يرجع الى المقدار الممكن من المسافة بينه وبين الميقات ويجدد الإحرام هناك ، وإذا كان قد دخل الحرم لزمه أن يرجع إلى خارج الحرم فيحرم منه ، وإذا لم يستطع رجع الى المقدار الممكن منه وجدد الإحرام فيه ، فإن لم يتمكن من جميع ذلك أحرم من الموضع الذي هو فيه بنية الحج الواجب.
وكذلك الحكم في الصبية إذا اتفق لها مثل ذلك ، وسنذكر-إن شاء الله تعالى، في فصل الوقوف بعرفات وفي فصل الوقوف بالمشعر الحرام- بعض مسائل أخرى تتعلق بحج الصبى إذا احرم بنية الحج المندوب ، ثم بلغ الحلم قبل الموقفين أو قبل المشعر الحرام .
المسالة 17 : بلوغ الصبى والصبية إنما هو شرط في وجوب الحج عليهما وليس شرطا في شرعيته منهما ، فيشرّع لهما أن يحجا الى البيت وأن يعتمرا إذا كانا مميزين ، كما تشرع لهما سائر العبادات من الصلاة والصيام وغيرهما ، ويستحب لهما الاتيان به ، ويترتب على فعلهما ثواب الحج وجزيل أجره إذا أتيا به على الوجه المطلوب والنية الحسنة ، ولا تتوقف صحة الحج المندوب منهما - إذا كانا مميزين - على أن يأذن لهما الولي الشرعي عليهما بفعله ، إذا كان حجهما لا يستتبع تصرفاً في مالهما ، كما إذا تبرع لهما متبرع بالمال، وإذا استتبع حجهما تصرفا بالمال فالظاهر لزوم الاستئذان من الولي في هذه الصورة.
المسألة 18: يستحب لولى الصبي غير المميز أن يحجه، والمراد باحجاجه: أن يجعله حاجاً ، فيلبسه ثوبي الإحرام ، وينوي بذلك أن يجعل الصبي محرماً ، فيقول: (احرمت هذا الصبي بعمرة التمتع مثلا ،أو بحج التمتع ،قربة إلى الله تعالى) ، ويلقنه ألفاظ التلبية ليقولها بلسانه إذا كان الطفل يستطيع ذلك ، وإذا كان لا يستطيع لبى الولي بالنيابة عنه ، ثم جنّب الطفل جميع محرمات الإحرام ، وأمره أن يفعل كل ما يجب فعله في الحج أو العمرة ، من طواف وصلاة طواف، وسعي بين الصفا والمروة ، ونية لتلك الأعمال ، وطهارة ، ووضوء لما يشترط فيه ذلك، وتقصير بعد السعي قي عمرة التمتع ، ووقوف في عرفات ، والمشعر ، وأعمال منى في يوم النحر ، وما بعده ، وباقي أعمال الحج .
وإذا كان الصبي لا يتمكن من الإتيان بالعمل بنفسه أتى به الولي بالنيابة عنه ، وأحضره في المواقف في مواضعها ، وتولّى عنه النيات ورمى عنه وذبح وحلق رأسه ، وأباته في منى في ليالي المبيت ، وأطافه ، وسعى به ، ولو بأن يحمله أحد فيطوف به ويسعى .
المسألة 19: لابد وأن يكون الصبي مختوناً في حال طوافه أو الطواف به في البيت ، سواء كان الطواف للعمرة أم للحج أم للنساء ، ولابد وأن يكون طاهر البدن والثياب من النجاسات في حال طوافه أو الطواف به ، والصلاة لطوافه ، وأن يكون على وضوء في ذلك الحال ، ولو بإجراء صورة للوضوء عليه إذا كان لا يحسن الوضوء ، ويجمع -على الأحوط- في هذه الصورة -بين ذلك وبين وضوء الولى بالنيابة عنه، وبين صلاته إذا أمكنه فعلها وصلاة الولي بالنيابة عنه ، وإذا لم يقدر على إجراء صورة الوضوء توضأ الولي بالنيابة عنه في حال الطواف به ، وصلى صلاة الطواف عنه على الأحوط .
المسألة 20 : الظاهر أنه لافرق في الاحكام التي ذكرناها بين الصبي والصبية ، فيستحب احجاج الصبية كما يستحب احجاج الصبي ، وإجراء الأعمال والنيات عليها كما تجري عليه ، ولا يشترط الختان في طوافها والطواف بها .
المسألة 21 : يستحب لولي الصبي والصبية أن يحجهما ويجعلهما محرمين ، ويجري عليهما أعمال الحج والعمرة على النحو الذي بينّاه ، من غير فرق بين أن يكون الولي نفسه محرما أو محلاً ، وإذا أحج الوليُّ الطفلَ وجعله محرما ثبت إحرام الطفل وتم حجه ، واستوجب الثواب عليه ، ولم تجر على الولي نفسه أحكام الإحرام بذلك إذا كان محلاً .
المسألة 22 : ولي الطفل الذي يستحب له أن يحج الطفل ويوقع منه أفعال الحج والعمرة هو أبوه وجده من قبَل أبيه ، ووكيلهما الذي يفوضان إليه جميع ذلك ، أو يفوضان إليه بعضه ، كما إذا وكلاه في أن يحمل الطفل ويطوف به ويسعى ، أو أن يرمي عنه ، أو يذبح ، له ، أو يحلق رأسه ، وفي ثبوت الولاية على الطفل لوصي الأب أو الجد أو للحاكم الشرعي وأمينه إشكال .
ويشكل - بل يمنع - ثبوت الولاية عليه في ذلك للام وللجد من قِبَل الأم ، فضلا عن غيرهما ممن يتولى شؤون الطفل ويتكفله من الأقارب أو الأباعد .
المسألة 23 : إذا سافر الولي بالصبي للحج ، وكانت نفقة الصبي في حال سفره لا تزيد على نفقته في حضره ، جاز للولي أن يحتسبها من مال الصبي نفسه ، وإذا زادت على نفقته في الحضر كانت الزيادة على الولي فيخرجها من ماله ، ولا يجوز له أن يأخذها من مال الصبي ، ويستثنى من ذلك ما إذا توقف حفظ الصبي على السفر به مع وليه ، ويستثنى أيضا ما إذا كان السفر بالطفل مصلحة له ، فيكون جميع نفقة الطفل من ماله في الصورتين .
المسألة 24 : إذا أحج الولي الصبي كان على الولي أن يدفع هدي التمتع عنه من مال الولي نفسه ، وإذا وجبت على الصبي كفارة صيد في إحرامه فعلى الولي أن يدفع الكفارة من ماله لا من مال الصبي ، وإذا أتى الطفل بشيء من محرمات الإحرام غير الصيد ، فالظاهر أنه لا كفارة عليه ، لا في ماله ولا في مال الولد .
المسألة 25: يشكل الحكم باستحباب أن يحج الولي بالمجنون غير المميز - على الوجه الذي ذكرناه في الصبي والصبية غير المميزين - فإذا أراد الأب أو الجد أن يجعله محرما وأن يجري عليه أعمال الحج والعمرة فعل ذلك برجاء المطلوبية .
المسألة 26 : لا يشترط في صحة الحج المندوب من الولد البالغ أن يستأذن أباه أو يستأذن أمه في فعله ، نعم لا يصح حجه إذا كان سفره إلى الحج يشتمل على خطر وشبهه فيوجب -من أجل ذلك – إيذاءً لهما أو لأحدهما ، ويصدق عليه - بفعل ما يؤذيهما - أنه قد عقّهما ، ولا يصح كذلك إذا نهاه أحدهما أو كلاهما عن السفر ، لبعض الجهات العقلائية الموجبة للنهي ، فيصدق عليه العصيان إذا خالف نهيهما ، ولا يعتبر ذلك في الحج الواجب عليه بالاستطاعة ، وسيأتي الكلام في الحج الواجب بالنذر وشبهه .
المسألة 27 : إنما يحرم السفر على الولد إذا كان موجبا لإيذاء أبيه أو أمه لسبب عقلائي يوجب الأذية في نظر العقلاء على الناس ، وعلى النحو المتعارف بينهم ، ولا اعتبار بما يحصل عند بعض الآباء من التخيلات والوساوس والأوهام التي لا تعد دواعي عقلائية صحيحة. وكذلك الحكم في نهي الأب والأم ، فالمدار أن يكون النهي لسبب عقلائي يوجب ذلك ، ولا اعتبار بما يكون عن دواعي غير متعارفة توجب ذلك ، أو لبعض انفعالات وخواطر تحدث عند الأب أو الأم من غير مرجح شرعي يوجب ذلك .
ولا يختص ذلك بالسفر للحج المندوب ، بل يعمّ الأمور الراجحة الأخرى كالسفر للزيارات المستحبة ، وكزيارة الأقرباء والإخوان، وحضور يعض المجالس ، والصلاة ني الجماعة.
المسألة 28 : إذا حج الغلام المستطيع للحج ، وهو يعتقد أنه لا يزال صبياً لم يبلغ الحلم ، وأن الحج منه حج مندوب حتى أتم الحج -وهو على هذا الاعتقاد - ثم علم بعد إتمام حجه أنه قد بلغ الحلم قبل حجه ، فإن كان قد قصد في نفسه امتثال الأمر المتوجه إليه بالحج ، صح حجه وكفاه ما أتى به عن حج الإسلام الواجب عليه ، وذلك لأن الأمر المتوجه اليه بالفعل هو الأمر بالحج الواجب ، وقد نوى امتثاله ، وإن كان يتوهم انه حج مندوب .
وإذا قصد بحجه امتثال الأمر بالحج المندوب - على نحو التقييد بذلك -، لم يكفه ما فعله عن الواجب ، فيجب عليه الحج من قابل ، وكذلك الفتاة إذا حجت وهي تعتقد أنها صبية غير بالغة ، ثم استبان لها أنها قد بلغت قبل الحج ، فيتوجه فيها التفصيل المذكور .
ونظير ذلك ما إذا حج الرجل أو المرأة وهر يعتقد أنه غير مستطيع للحج وأن حجه مندوب ، ثم ظهر له أنه كان مستطيعاً في حال الحج فيجب فيه التفصيل الآنف ذكره ، ويكفيه حجه عن حج الإسلام الواجب في الصورة الأولى، ويجب عليه الحج في القابل في الصورة الثانية.
المسألة 29: الشرط الثالث من شروط وجوب الحج على الإنسان: أن يكون حراً ، فلا يجب الحج عليه إذا كان عبداً مملوكاً ، أو أمة مملوكة ، وإن كان الملك لبعضه ، وحتى إذا كان مستطيعا للحج من حيث المال وأذن له سيده بالحج ، فلا يكون واجبا عليه ، وإذا أذن له مالكه بالحج وأتى به صح منه حجه وكان مندوبا ولا يكفيه عن حج الإسلام ، فإذا أعتق بعد ذلك وكان مستطيعا قي حال العتق ، أو استطاع بعده وجب عليه أن يحج البيت ، ولا يجب عليه الحج إذا هو لم يستطع في حال العتق ولا بعده ، وان كان مستطيعا لما كان مملوكا .
المسألة 30 : إذا أذن السيد لمملوكه بأن يحج ، فحج بقصد الحج المندوب -كما ذكرناه - ثم اعتقه المولى فأدرك الوقوف في المشعر الحرام وهو حر أجزاه هذا الحج عن حج الإسلام إذا كان مستطيعا للحج في حال عتقه ، وكذلك الحكم إذا انعتق بسبب آخر من أسباب العتق قبل الوقوف بالمشعر ، فيكفيه ذلك عن الحج الواجب إذا كان مستطيعا ، ولا يكفيه عن الواجب إذا لم يكن مستطيعا في ذلك الحال ، فإذا تجددت له الاستطاعة بعد العتق وجب عليه الحج .
المسألة 31 : إذا حج العبد بإذن مولاه ثم أعتقه المولى في أثناء الحج ، فأدرك الوقوف في عرفات والوقوف في المشعر الحرام جميعا وهو حر ، أجزأه حجه عن حج الإسلام إذا كان مستطيعاً في حال عتقه ، وكذلك إذا وقف في عرفات وهر مملوك ،ثم أدرك الوقوف بالمشعر الحرام وهر حر ، (وهذا هو الفرض الذي ذكرناه في المسألة المتقدمة) .
وكذلك إذا فاته الوقوف في عرفات لعذر ، وأدرك الوقوف في المشعر الحرام وهر حر ، فيكفيه حجه عن حج الإسلام إذا كان مستطيعا ، وكذلك إذا أدرك الوقوف في عرفات وهو حر ، وفاته الوقوف بالمشعر الحرام لعذر .
وعلى وجه الإجمال ، فالمدار في الحكم بالإجزاء هر أن يدرك أحد الموقفين وهو حر، وان يكون حجه صحيحا ، سواء كان الموقف الذي أدركه -وصح معه حجه- اختياريا أم اضطرارياً ، وسيأتي في مباحث الوقوفين -إن شاء الله تعالى-بيان الاختياري وا الاضطراري من الوقوفين، والصور المحتملة في ذلك ، وما يصح معه الحج منها وما لا يصح ، فلتراجع المسألة التسعمائة والحادية والثلاثون وعدة مسائل بعدها.
المسألة 32 : إذا أعتق السيد مملوكه في أثناء الحج ، وأدرك أحد الموقفين وهو حر أجزأه ذلك الحج - إذا أتمه - عن حج الإسلام -كما ذكرناه - وإن لم يعلم العبد بعتقه حتى أتم الحج ، أو كان لا يعلم بأن حجه يجزيه عن الحج الواجب ، فلا يشترط في الإجزاء أن يجدد النية - بعد عتقه - للإحرام بحج الإسلام ، نعم ، يجب عليه أن يجدد النية لحج الإسلام إذا كان ملتفتا للموضوع والحكم معاً بعد العتق وفي حال العمل .
المسألة 33 : لا فرق في الحكم الذي ذكرناه في حج المملوك بين أن يكون حج إفراد أو حج قران أو حج تمتع ، فإذا كان العبد متمتعا وأعتقه مولاه في أثناء عمرة التمتع ، أو بعد أن أتمها ، أو في أثناء حج التمتع فأدرك الموقفين أو أدرك أحدهما وهو حر ، صح جميع عمله ، وكفاه عن عمرة التمتع وحج التمتع الواجبين إذا كان مستطيعاً .
المسألة 34 : إذا أذن السيد لمملوكه بأن يحرم بالحج أو بالعمرة ، فأحرم العبد وجب عليه إتمام عمله الذي أحرم به وإن كان عمرة مفردة ، ولا يجوز للسيد أن يرجع في إذنه بعد أن يتلبس العبد بالإحرام ، وإذا رجع في إذنه لم تجب على المملوك طاعته ، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق .
وإذا رجع المولى في إذنه قبل أن يحرم العبد ، وعلم العبد برجوعه لم يجز للعبد أن يحرم لانتفاء الشرط ، وإذا رجع المولى في إذنه قبل أن يتلبس العبد بالإحرام ولم يعلم العبد برجوع مولاه في الإذن فأحرم ، صح إحرامه على الأقوى، ووجب عليه إتمام العمل الذي أحرم به .
المسألة 35: إذا أذن السيد لعبه بحج التمتع فأحرم العبد ، بذلك ،كان السيد مخيراً بين أن يذبح عن العبد هدي التمتع وأن يأمره بالصوم بدلا عن الهدي ثلاثة أيام في الحج وسبعة أيام إذا رجع إلى أهله ، وإذا اعتق العبد في أثناء الحج - على ما تقدم بيانه - فأدرك أحد الموقفين وهو حر ، وجب هدي التمتع على العبد نفسه ، فإن لم يجد وجب عليه الصوم بدلا عنه .
المسألة 36: إذا أجر السيد عبده للحج أو للعمرة بالنيابة عن أحد وجب على العبد أن يأتي بالفعل المستأجر عليه ، وإذا أمره بأن يحج أو يعتمر لنفسه وجب عليه أن يطيع أمر الله وأمر سيده ، فيحج أو يعتمر لنفسه على النحو الذي عينه له السيد ، ولا يجزيه ذلك عن حج الإسلام إذا أعتق بعد ذلك واستطاع ، إلا إذا أعتق في أثناء الحج ، وأدرك أحد الموقفين وهو حر-كما تقدم - .