كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
وهما السبيل الذي يشره الله لعباده ، وأمر أنبياءه ورسله أن يتخذوه نهجاً في دعوتهم إلى الحق ، ونبيين معارفه للناس ونشر كلمات الله وأديانه التي أنزلها لهدايتهم ، فيبينوا للناس معالم الرشد، ويأمروهم باتباعه ، ويوضحوا لهم مراسم الغي وينهوهم عن اقتفائه ، وان يأمروا حفظة الدين من أتباعهم بأن يلتزموا هذا السبيل ويسيروا على هذا الهدي في ما يقولون وما يعملون ، فيأمرون الناس بالمعروف وينهونهم عن المنكر ويعلنون كلمة الله كما أمر ويتبعون نهجه كما شرع.
وقد ورد في الكتاب الكريم وفي أحاديث الرسول (ص) وأخبار المعصومين من عترته أهل بيته (ع) ما يوضح ذلك ، وقد قال الإمام أبو جعفر محمد بن علي الباقر (ع): (ان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبيل الأنبياء ومنهاج الصلحاء، فريضة عظيمة بها تقام الفرائض وتأمن المذاهب ونخل المكاسب وترد المظالم وتعمر الأرض وينتصف من الأعداء ويستقيم الآمر).
وقد أثنى الله سبحانه في كتابه على طائفة من أتباع الأنبياء وحفظة الأديان المتقدمة بالتزامهم هذه القاعدة فقال فيهم : (ليسوا سواءً من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله أثناء الليل وهم يسجدون ، يؤمنون بالله واليوم الآخر، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين)، وقال في ذم طائفة أخرى منهم سارت على العكس من ذلك ، فاستحقت المقت من الله واللعنة الشديدة من أنبياء الله : (لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داوود وعيسى بن مريم ، ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون ، كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه ، لبئس ما كانوا يفعلون).
ومن الناس من تنقلب عنده الموازين الصحيحة، وتكون له موازين أخرى تتقلب مع الهوى ، وتسير في ظل الباطل ، والكتاب الكريم يسمي هؤلاء بالمنافقين ، لاندفاعهم مع الغايات الدنيئة، وان كانوا قد ينتسبون إلى بعض الأديان ، فيقول عنهم : (المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ، ويقبضون أيديهم ، نسوا الله فنسيهم ان المنافقين هم الفاسقون).
وكتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يحتوي على ثلاثة فصول .
الفصل الأول : في الأمر بالمعروف الواجب ، والنهي عن المنكر المحرم .
الفصل الثاني : في الأمر بالمعروف المندوب والنهي عن المكروه .
الفصل الثالث : في مجاهدة النفس .
في الأمر بالمعروف الواجب ، والنهي عن المنكر المحرم
المسألة الأولى: يقول الله سبحانه في محكم كتابه : (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وأولئك هم المفلحون )، ويقول في آية كريمة أخرى : (كنتم خير أمة أخرجت للناس ، تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله. . . ) وفي آية ثالثة : (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله ، أولئك سيرحمهم الله ان الله عزيز حكيم )، والآيات الكريمة المذكورة واضحة الدلالة على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في دين الإسلام ، وعلى ثبوت الولاية بين المؤمنين بعضهم على بعض لالتزام هذه القاعدة في التعريف بالحق واتباع هذا السبيل لإظهار دعوة الله في الأرض ونشر حكمته وبث أحكامه بين الناس .
وعن أمير المؤمنين (ع ) في بعض خطبه : (فأمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر ، واعلموا أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لن يقرّبا أجلاً يقطعا رزقاً)، وعنهم (ع ): (ويل لقوم لا يدينون الله بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)، وعن النبي (ص ): (ان الله ليبغض المؤمن الضيف الذين لا دين له ، فقيل له : وما المؤمن الضيف الذي لا دين له ،قال (ص ): الذي لا ينهى عن المنكر).
المسألة الثانية: في الحديث عن الرسول (ص ): (لا تزال أمتي بخير ما أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر وتعاونوا على البر، فإذا لم يفعلوا ذلك نزعت منهم البركات وسلّط بعضهم على بعض ولم يكن لهم ناصر في الأرض ولا في السماء)، وعن الإمام أبي الحسن علي الرضا(ع ): (لتأمرن بالمعروف ولم تنهوا عن المنكر، أو ليستعملن عليكم شراركم ، فيدعو خياركم فلا يستجاب لهم )، وعن الرسول (ص ): (كيف بكم إذا فسدت نساؤكم وفسق شبابكم ، ولم تأمروا بالمعروف ولم تنهوا عن المنكر؟ فقيل له :ويكون ذلك يا رسول الله ؟ فقال : نعم ، وشر من ذلك ، كيف بكم إذا أمرتم بالمنكر ونهيتم عن المعروف ؟. فقيل له : يا رسول الله ويكون ذلك ؟ فقال : نعم ، وشر من ذلك ، كيف بكم إذا رأيتم المعروف منكراً، والمنكر معروفا ؟ ) .
والفارق الكبير بين هذه الذنوب وغيرها: ان هذه الذنوب جرائم اجتماعية عامة توجب فساد المجتمع من اصله وفساد قيمه و ركائزه وانحلال أصوله العامة المشتركة ، ولذلك فلا تختفي آثارها وسوؤها بفرد خاص من أفراده ، ويكون المقت والعقاب عليها عامّاً للعامل وغير العامل إذا هو أغض وتسامح في الأمر، أو سكت عن الإنكار، بل وللكبير والصغير، والذنوب الأخرى إنما بر مخالفات شخصية فتختص آثارها وعقابها بالعامل نفسه ولا تعم غيره من الناس ، وقد أشارت الأحاديث المتقدمة إلى ذلك ، بل صرحت به تصريحاً تاماً، ولذلك فيجب التنبه كل التنبه ويجب الحذر كل الحذر ، وفي الحديث : (كان يقال لا يحل لعدّ مؤمنة ترى الله يعص فتطرف حتى تغيره ).
المسألة الثالثة: المراد بالمعروف هنا ما كان معروفا على سبيل الوجوب في شريعة الإسلام، فيكون الامر به واجبًا عند اجتماع الشرائط الآتي ذكرها، ويقابله ما كان معروفا في الشريعة على سبيل الاستحباب ، فيكون الأمر به مستحثا، وسيأتي تفصيل القول فيه ، ويقابله أيضا ما كان معروفاً يحكم العقل بحسنه ورجحان الاتيان به وان كان مباحاً في الشريعة يجوز فعله وتركه ، فيكون الأمر به حسناً.
والمراد بالمنكر ما كان منكراً يحرم الاتيان به في الشريعة سواء كان من المحرمات الكبيرة ام الصغيرة في حكم الإسلام ، ويقابله ما كان مرجوحاً يكره فعله في الشريعة ، وان لم يكن محرّماً كبيراً ولا صغيراً.
المسألة الرابعة: يجب الأمر بالمعروف إذا كان من القسم الأول الذي ذكرناه في المسألة المتقدمة، وهو ما يجب الاتيان به في حكم الشرع ، ويجب النهي عن المنكر إذا كان مما يحرم فعله في حكم الشرع ، ووجوب الأمر والنهي فيهما على وجه الكفاية ، فهما فرضان واجبان على كل مكلف يعلم بوجوب الشيء على الشخص الذي يراد أمره وأنه يترك ما وجب عليه ، ويعلم بحرمة الشي الآخر على الفرد الذي يراد نهيه وانه يرتكب ما يحرم عليه ، فيجب على المكلف الأمر والنهي في الموردين . وإذا قام بعض المكلفين بالأمر والنهي ، وكان قيامه يفي بالغرض المقصود من تشريعهما، فيتحقق به حصول الواجب من الشخص المأمور، ويحصل ترك المحرم من الفرد المنهي عنه ، كفى ذلك في حصول الامتثال ، وسقط وجوب الأمر والنهي عن المكلفين الآخرين ، فلا إثم عليهم ولا عقاب إذا لم يأمروا ولم ينهوا.
وإذا ترك جميعهم الأمر والنهي أثم الجميع واستحقوا بتركهم العقاب ، وهذا هو ما يقتضيه الجمع بين الأدلة الواردة في المسألة .
المسألة الخامسة: يشترط في وجوب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر على الشخص (اولاً): أن يكون عالماً بالمعروف الذي يأمر به وعاظا بالمنكر الذي ينهى عنه ، فلا يجب عليه الأمر أو النهي إذا كان جاهلاً لا يعلم بحكم ما يأمر به أو ينهى عنه ،ويكفي في حصول هذا الشرط ان يكون المكلف عالماً بالحكم بحسب اجتهاده او تقليده إذا كانا صحيحين ،فيجب عليه الأمر بما يعلم بأنه واجب بمقتضى تقليده الصحيح ويجب عليه النهي عما يعلم بانه محرم كذلك ، بل ويجب الأمر بالمعروف إذا علم على وجه الإجمال بان الشخص قد ترك احد شيئين واجبين عليه في الشريعة، ويجب عليه النهي عن المنكر إذا علم بان الشخص فعل أحد شيئين يحرم فعلهما وان لم يعلم به على وجه التعيين ، وسيأتي بيان الحكم في ما إذا كان الشخص الذي يأمره أو ينهاه مخالفاً له في الاجتهاد أو التقليد.
المسألة السادسة: يشترط (ثانياً) في وجوب الأمر والنهي على المكلف : ان يقطع أو يحتمل على الأقل بأن أمره ونهيه يؤثران في الشخص المأمور، فيفعل الواجب الذي يأمره به ويرتدع عن المحرم الذي ينهاه عنه ، فإذا علم أو اطمأن بأن أمره ونهيه لا يؤثران في الفاعل شيئاً فالظاهر سقوط الوجوب عنه ، فإذا ترك الأمر والنهي في هذه الصورة لم يأثم بتركهما، ويجوز له ان يأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر في هذه الصورة، وان علم بعدم الأثر لقوله إذا لم تترتب عليه مفسدة أخرى ، ومن أمثلة وجود المفسدة : ان يتمادى الرجل في غيّه بسبب الأمر والنهي فيترك واجباً او واجبات أخرى او يفعل منكراً أو منكرات أخرى .
ولا يعتبر في هذا الشرط أن يكون تأثير الأمر والنهي بالفعل يكفي في الوجوب أن يكون أمر الآمر ونهيه مؤثرين في الفاعل ولو بعد حين وتفكير مدة مثلاً.
المسألة السابعة: يشترط (ثالثاً) في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على المكلف : أن يكون تارك الواجب مصرّاً على تركه ، وفاعل المنكر مصرّاً على فعله ، فإذا علم ذلك من حاله ولو بسبب وجود قرينة تدل على إصراره وجب على المكلف أمره ونهيه ، وإذا وجدت امارة قطعية أو ظنية تدل على رجوعه إلى الرشد بعد الغي وعلى إقلاعه عن ترك ما يجب وارتكاب ما يحرم ، لم يجب على المكلف أمره ونهيه ، وخصوصاً إذا كان أمره ونهيه في هذه الصورة يعذ توبيخا له وتأنيباً لا يستحقه بعد رجوعه عن الإصرار وعودته إلى التوبة .
وإذا عزم الرجل على ترك المعروف الواجب او على ارتكاب المنكر ولم يرتكب بالفعل ، فلا يبعد وجوب أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر على الآمر، وان ظهر من بعض الامارات انه غير مصرّ على فعل المخالفة، وعلى أنه يرجع إلى رشده قبل أن يرتكب ،فلا يسقط وجوب الأمر والنهي في هذه الحالة ما لم يقلع عن عزمه بالفعل وتتحقق منه الإنابة إلى الحق .
المسألة الثامنة: يشترط في وجوب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر (رابعاً ): ان يكون وجوب ذلك الواجب وحرمة ذلك المحرم منجّزين على الفاعل ثابتين في حقه ، فلا يجب على المكلف أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر إذا كان معذوراً في مخالفته ، ومثال ذلك : ان يعتقد مخطئاً ان ذلك الشيء مباح في الشريعة ، فيفعله وهو محرم عليه في الواقع ، أو ترك فعله وهو واجب ، فيكون معذوراً في مخالفته ، ولا يجب على المكلف أمره ونهيه ، ومن أمثلة ذلك : أن يكون الفاعل مخالفاً للآمر في اجتهاده أو في تقليده ، فإذا فعل ما يراه الآمر محرقا، او ترك ما يراه الآمر وجاباً لأنه يخالفه في الاجتهاد أو في التقليد كان معذوراً في عمله ولم يجب على المكلف أمره ونهيه ، وقد سبقت الإشارة إلى هدا في المسألة الخامسة .
المسألة التاسعة : يشترط في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (خامساً): ان يأمن القائم بهما من دخول الضرر عليه في نفسه او في ماله أو في عرضه ، أو على بعض المسلمين الآخرين الذين تحرّم في الإسلام نفوسهم وأعراضهم وأموالهم ، فإذا علم الرجل بأن أمره بالمعروف أو نهيه عن المنكر، يوجب الضرر كذلك ، أو ظن بوقوعه ، أو احتمله احتمالاً يوجب له الخوف من وقوعه سقط عنه التكليف به ولم يأثم بتركه ، وكذلك إذا لزم منه العسر والحرج الشديد.
المسألة العاشرة: إذا علم المكلف بأن أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر يوجب له ضرراً في نفسه أو في ماله كما ذكرنا، وعلم ايضاً ان أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر يؤثران أثرهما المطلوب وإن دخل عليه الضرر بسببهما، وجب عليه أن يقدّم ما هو اكثر جدوى لدين الله من الأمرين المذكورين وأشذ أهمية في موازين الشريعة، فان كان دفع الضرر عن نفسه وماله أهمّ في حكم الشرع من تأثير أمره ونهيه في الشخص المأمور، سقط عنه وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لذلك الشخص ولم يأثم بتركهما، بل ولزمه أن يدفع الضرر عن نفسه بتركهما، وإن كان تأثير أمره ونهيه في ذلك الشخص اكثر فائدة وجدوى للإسلام ، وجب عليه أن يأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر وان أوجب ذلك الضرر الشديد، وكان ذلك من الجهاد في سبيل الله ، وليس من مجرّد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي تأريخ الإسلام أمثلة معروفة ومشهورة لذلك .
المسألة 11: وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر نوعان من التكليف ، ولذلك فلا يتوجهان إلى غير المكتف من الناس ،فلا يجبان على الصبي غير البالغ ،ولا على المجنون غير العاقل ، وان كانا عارفين ببعض مواردهما ، ولا يؤمر بالمعروف وينهى عن المنكر غير المكلف من صبي أومجنون .
وانما يؤمر الصبي غير البالغ بالعبادات الشرعية ليتمرّن عليها قبل بلوغه ، او ليحصل منه بعض مراتب الطاعة، وعباداته وان كانت شرعية على القول الأصح ، فهي مندوبة وليست واجبة، وانما يمنع عن المحرمات لئلا يعتاد على فعلها ويتساهل في أمرها، وهذا غير الامر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ولا يبعد القول بحرمة وقوع الكبيرة منه قبل بلوغه إذا كان مميزاً فيحرم عليه شرب الخمر والزنا وغيرهما من كبائر المحرمات ، ومن نتائج هذا القول ، فيجب أن ينهى عن مثل هذا المنكر إذا ارتكبه أو أراد ارتكابه .
المسألة 12 : يجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على جميع المكتفين من الناس العالمين به القادرين على امتثاله إذا اجتمعت في المكلف منهم شرائط الوجوب التي ذكرناها، ولا يختص وجوبهما بصنف من الناس دون صنف وطائفة دون طائفة ، سوإء كان الصنف من العلماء أم من غيرهم ، ومن السلطان وولاة الأمور أم من الرعية ، ومن التجار وأصحاب الاموال أم من الفقراء، ومن العدول والثقاة أم من والثقاة أم سائر الأمة، وإذا قام بامتثال التكليف جماعة أو آحاد يتأدى بهم الغرض ويحصل بهم امتثال الواجب ، سقط الوجوب عن الباقين من المكلفين ، وإذا قصر القائمون عن إتمام الواجب ، وجبت على الآخرين مساعدتهم حق يتموه إلى الغاية المطلوبة شرعاً، وإذا ترك الجميع أثم الجميع ، وإذا قام بعضهم بما يمكنه وعجز عن الإتمام ولم يساعده الباقون على بلوغ الغاية، أثم التاركون ، وسقط الوجوب عن القائمين فيه بمقدار استطاعتهم .
المسألة 13 : لا يجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الشخص حتى تتوفر فيه الشروط التي تقدم ذكرها، فإذا شك في وجود بعض الشروط لم يجب عليه أن يأمر وينهى ، وخصوصاً إذا كان أمره ونهيه يوجب أذىً أو انتقاضاً للفاعل الذي يأمره وينهاه .
المسألة 14 : إذا اجتمعت للرجل شروط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ووجب عليه ذلك وجبت عليه المبادرة للامتثال ولم يجز له التأخير، وإذا أخر ذلك لعذر أو لغير عذر لم يسقط عنه الوجوب ، وأثم إذا كان غير معذور في تأخيره ، ووجبت عليه المبادرة، وهكذا فكلما تأخر وجب عليه الفور ويتكرر عليه الإثم إذا كان لغير عذر.
المسألة 15: إذا وجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الإنسان وعلم أنه لايستطيع التأثير في الفاعل إلا بالاستعانة عليه بشخص غيرهما وجب عليه أن يعلم ذلك الشخص ويستعين به او يوكل الأمر إليه إذا علم منه القدرة عليه متفرداً، ويكون المكلف معذوراً في التأخير حتى يستعين بذلك الشخص أو يوكل الأمر إليه .
المسألة 16 : إذا اجتمعت للمكلف شروط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولم يأمر ولم ينه ، أثم بتركه إذا كان غير معذور في تركه ، وقد ذكرنا هذا أكثر من مرة، فإذا انتقص بعد ذلك بعض الشروط ارتفع عنه الوجوب ، ومثال ذلك : ان يحصل له العلم بوقوع الضرر عليه في نفسه أو ماله ، او يخاف وقوع الضرر عليه بعد ان كان آمناً منه ، او يحصل له اسلم بعدم تأثير أمره ونهيه في المخاطب بعد ما كان عالماً بوجود الأثر لقوله ، فيسقط عنه وجوب الأمر والنهي .
وإذا علم بعدم وجود بعض الشروط أو شك في وجود بعضها، فترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لذلك كان معذوراً وقد بيّنا هذا في ما تقدم ، فاذا اتفق أن توفرت له الشروط بعد ذلك وجب عليه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فالمدار في الصورتين على إحراز وجود الشرائط في حال قيامه بالأمر والنهي وتصدّيه للامتثال .
المسألة 17: إذا وجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على المكلف أمكن أن يقع امتثاله لهذا الوجوب على ثلاث مراتب .
(المرتبة الأولى): أن ينكر المكتف على الشخص تركه لفعل الواجب او ينكر عليه فعله للمنكر، ويكون انكاره عليه بقلبه ، ومن الواضح جذا ان مجرّد إنكاره عليه بالقلب وكراهته ان يقع ذلك منه لا يعذ أمراً بمعروف ولا نهياً عن منكر إذا لم يعلم الشخص المأمور بإنكار الآمر عليه ، ولم يعلم بان الإنكار والكراهة قد استحقهما من الآمر بسبب تركه للواجب وفعله للمحرم ، ولذلك فلا بد وان ينضم إلى الإنكار في القلب ما يدلّ المأمور على ذلك ، فيعرض الآمر عنه بوجهه إذا لقيه او اجتمع به مثلاً ، ويهجره فلا يزوره ، ويحتجب عنه إذا أراد المأمور زيارته أو لقاءه ، وما يشبه ذلك من الأفعال الدالة على المقصود في نظر أهل العرف ، ولا ريب ايضاً في ان لذلك درجات متفاوتة في الخفة والشدّة، ولا بدّ للآمر أن يقتصر ومن أمثلة ذلك : أن يأكل الرجل أو يتصرف في شيء وهو يعتقد انه مال مغصوب من غيره ، ثم يتبين له بعد ذلك أن المال الذي تصرّف فيه ماله ، ومن أمثلته : أن يشرب مائعاً وهو يوقن أن ذلك المائع خمر مسكر، ثم يعلم بعد شربه انه خل مباح ، وأن يجامع امرأة وهو يرى أنها أجنبية عنه يحرم عليه وطؤها، ثم يعلم بعد الجماع أنها زوجته أو أمته ، ومن أمثلته : أن يفطر اليوم مختاراً وهو يقطع بوجوب صيام ذلك اليوم ، ثم يعلم بأنه يوم عيد، فيستحق المكلف العقاب على الفعل في جميع هذه الفروض لتجرئه على مخالفة أمر الله ونهيه ، ويجب على المكلفين العالمين بحاله نهيه عن هذا المنكر وان لم يكن الفعل محرقا عليه في الواقع.
المسألة 20: من التهافت الصريح في سلوك المكلّف والمنافاة البيئة للوازم الإيمان ومقتضيات العقل والاتزان في الأمور، بل ومن الهدم الشديد لبناء الشخصية المؤمنة المتماسكة ، أن يأمر الإنسان غيره بالمعروف وهو يترك فعله ، وأن ينهl سواه عن ارتكاب المنكر وهو لا يرتدع عنه ، وقد جاء في بعض الخطب لأمرر المؤمنين (ع ): (لعن الله الآمرين بالمعروف التاركين له ، والناهين عن المنكر العاملين به )، وعن الرسول (ص ) في وصيته لأبي ذر: (يطّلع قوم من أهل الجنة إلى قوم من أهل النار، فيقولون : ما أدخلكم النار وانما دخلنا الجنة بفضل تعليمكم وتأديبكم ؟فيقولون :انا كنّا نأمركم بالخير ولانفعله ).
المسألة 21: تشتد حرمة الشيء المحرم في الشريعة اذا ارتكبه فاعله في الأوقات الشريفة أو في الأمكنة المقدسة، ومن أمثلة ذلك : ان يفعل الشخص الشيء المحرم في أيام شهر رمضان ، او يترك الواجب في أيامه ولياليه ، وأن يفعل ذلك في مكة او في المدينة أو في أحد المشاعر المقدسة وأيام الحج ، فتشتد حرمة الحرام ويتضاعف العقاب عليها بسبب ذلك ، ويتأكد وجوب أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر على المكلفين العالمين بحاله ، بل وتشتد الحرمة ويتاكد وجوب الأمر والنهي اذا كان المرتكب من أهل العلم والدين ممن يتظاهر بالتقوى ويكون التكليف فيها بالأمر والنهي أشذ تأكدا كما تقدم ، وقد يصبح الأمر في ذلك أعظم خطورة وابلغ أثراً، ولا حول ولا قوة إلا بالله .
المسألة 22 : إذا علم ان تارك المعروف او فاعل المنكر لا يرتدع عن غيّه حتى تجتمع جماعة من الناس على امره ونهيه ، وجب على المكلفين العالمين بالحال إعلام بعضهم بعضاً بحال ذلك الانسان ، ووجب عليهم التعاون والتآزر على أداء الواجب معه حتى يتحقق لهم الغرض المقصود من زجره ، ويأثم من لا يشترك منهم في أداء الواجب إذا توقف حصول الغرض على اشتراكه ، او كان امتناعه عن الاشتراك سبباً في شدة إصرار الفاعل على فعل المحرم وترك الواجب .
المسألة 23: إذا علم المكلّف من حال أحدٍ انه تارك للمعروف الواجب أو مرتكب للمنكر المحرم ، فأظهر المكلف عزمه على أمره ونهيه وتصديه لذلك وارتدع الفاعل عن صفته بمجرد علمه بذلك وفعل المعروف الذي كان تاركاً له ، وترك المحرم الذي كان مرتكباً له من قبل أن يواجهه الآمر بشيء ، سقط الوجوب عين المكلف بالأمر والنهي ،وان كان ترك الفاعل للمنكر حياءًا من المكلف وخجلا من مواجهته بالحقيقة .
المسألة 24: لا يحق للإنسان أن يتطلع إلى غيره في داره وفي مخابئه ، ويتعقبه في المواضع التي يتردد إليها ليطلع على امره هل يرتكب المنكر في الخفاء أو يترك الواجب فيأمره وينهاه ، بل عليه ان يتبع معه الخطوات المتعارفة بين الناس وبين المؤمنين والمسلمين ، ويقبل عذره إذا اعتذر ولا يهتك ستره إذا تستر، ويحمل عمله على الصحة ما أمكن ، فإذا علم من حاله شيئاً يقتضي الأمر والنهي بأحد الطرق المتعارفة ، عامله بما علم ، وإذا كشف الفاعل ستر نفسه وتجاهر بالمنكر وترك الواجب عامله بمقتضى ذلك.
المسألة 25: إذا ترك الرجل فعل المعروف الذي يجب عليه فعله ، أو فعل الشيء المحرّم الذي يجب تركه ، وعلم المكلف بذلك ، ولكنه شك في أن الفاعل كان عالماً بالحكم في حال مخالفته فيجب أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، أو كان جاهلاً بالحكم أو بالموضوع ، فلا يجب أمره ولا نهيه لأنه معذور في مخالفته بسبب جهله ، وجب على المكلف ان يعلمه الحكم من باب إرشاد الجاهل .
المسألة 26 : إذا ترك الفاعل واجبات متعدّدة أو فعل محرمات متعددة، ولم يستطع المكلف أن يأمره بجميع الواجبات التي تركها، أو ينهاه عن جميع المحزمات التي فعلها ، وجب عليه أن يأمره بما يستطيع أمره به من الواجبات وان ينهاه عما يمكنه النهي عنه من المحرمات ، وسقط عنه الوجوب في الباقي لعدم قدرته عليه . وكذلك الحكم إذا احتمل تأثير أمره ونهيه في بعض الواجبات والمحرمات ، وعلم بعدم التأثير في الباقي ، فيجب عليه أمره ونهيه في الموارد التي يحتمل فيها تأثير قوله ويسقط عنه الوجوب في غيره .
وإذا استطاع أن يقسّم امره ونهيه على فترات من الزمان ، فيأمر الفاعل في وقت ببعض الواجبات التي تركها وينهاه عن بعض المحرمات التي فعلها، ثم يأمره وينهاه في وقت آخر عن بعض آخر منها، وهكذا حتى يتم الجميع ،فيلزمه أن يفعل كذلك فلعل اجتماع عدد كثير من الأوامر والنواهي عليه في وقتٍ واحد هو الذي يوجب عدم قدرته على القيام بالجميع أو يوجب عدم التأثير في المأمور فإذا قسّم الأمر والنهي على فترات متفرقة من الزمان أمكن له استيفاؤها جميعاً، وأثرت .
المسألة 27: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر علاج شرعي لبعض المنحرفين في أعمالهم وسلوكهم عن الاستقامة التي ارادها الله للمؤمنين ، وعن لزوم العمل الصحيح الذي حددته شريعة ا-لق وبينته في احكامها ومن أجل ذلك فلا بد من أن يأخذ الآمر والناهي في أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر بمقدار ما تتأذى به الضرورة، ويحصل به العلاج النافع ، ولا يجوز له أن يأخذ بالمرتبة الشديدة إذا أمكن العلاج بما هو أخف وأيسر منها، وقد تكرّر منّا بيان هذا وذكرنا له عدّة من الأمثلة والفروض .
فإذا فعل الفاعل المنكر وأضر على فعله او ترك المعروف الواجب وأضر على تركه ، ولم يمكن علاجه الا بإظهار أمره بين الناس وتعريف حاله للآخرين ، جاز إعلان أمره إذا كان متجاهراً بارتكابه في ما يقول وما يفعل ، ولا يبال بكشف ستره ، وجاز إعلان أمره على الأقوى إذا كان تأثير الأمر والنهي في إصلاحه يتوقف على تبيين حاله والتشهير به ، فإذا كف عن فعله وارتدع عن منكره وعن اصراره عليه ، وجب ترك ذلك ، بل وجب اكباره وإجلاله لسيطرته على نفسه ، واحلاله الموضع اللائق به من المجتمع المسلم السلبم .
ولا يجوز اعلان أمره والتشهير به إذا كان متستراً بفعله ، وأمكن علاجه بما هو أيسر وأخف وألين ، ومن الله التوفيق والعون للآمر والمأمور، ولنا وللمؤمنين على الأخذ بأحكامه واتباع منهاجه وهداه في ما نقول وما نعمل .
المسألة 28: يمكن للمكلف أن يعتمد في أمره لصاحبه بالمعروف ونهيه إياه عن المنكر على المكاتبة ، فيبسط له فيها من الحديث معه ما لا يقدر على بيانه باللسان ، ويكشف له ما لا يمكن كشفه بالقول وينصب له من القرائن ما يوضح المراد، ويضع النقاط على الحروف كما يقول المثل الدارج ، ويتخذ الأسلوب النافع ، فإذا كان المكلف في اتباع هذه الطريقة أقدر على التأثير وأكثر ضماناً للعلاج الواجب ، وجب عليه ذلك .
المسألة 29 : اذا ترك الفاعل معروقا واجباً أو ارتكب منكراً محرقا، وجب على المكلف العالم بحاله أمره بالمعروف الذي تركه ونهيه عن المنكر الذي فعله ، مع اجتماع شروط الوجوب كما تقدم ، ووجب عليه أمره بالتوبة من تلك الخطيئة التي فعلها، إذا كان عازقا على عدم التوبة منها، فان ترك التوبة من . الخطيئة إحدى كبائر الذنوب ، وهما واجبان مستقلان ، فيجب على المكلف الأمر بالمعروف في كليهما، ولا يكفي أداء أحدهما عن أداء الآخر ، فإذا أمر الفاعل بالمعروف ونهاه عن المنكر من الجهة الأولى ففعل المعروف وارتدع عن المنكر ، ولم يتب من خطيئته وجب على المكلف أمره بالتوبة ولم يسقط عنه وجوب الأمر بها بامتثال الفاعل لأمره الأول .
المسألة 30 : تجب مقاطعة فاعلي الشر والسوء ومرتكبي المنكر وتاركي الواجبات من الناس ، وتحرم مجالستهم ، ومخالطتهم والركون إليهم مهما أمكن ، وقد قال سبحانه في كتابه : (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار، ومالكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون )وفي الخبر عن أمير المؤمنين (ع ): (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقوم مكان ريبة)، وعن الإمام جعفر بن محمد(ع ): (من جالس أهل الريب فهو مريب ) وفي خبر صفوان بن يحبى، عن الإمام أبي الحسن موسى(ع ): (من أحبّ بقاءهم فهو منهم ، ومن كان منهم كان ورد النار)، وقد تصبح مقاطعتهم ومجانبتهم احد الطرق النافعة في علاجهم من الغيّ وردعهم عن السوء ورجوعهم إلى الرشد.
المسألة 31 : يجب على الفرد المؤمن أن يأمر أهل بيته وعياله وأولاده بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويتأكد عليه الوجوب في حقهم ، وقد قال سبحانه : (يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة . . . )، فإذا علم من حال بعض أهله أنه يترك بعض الواجبات من صلاة أو صيام او غيرهما، أو يتساهل في أدائه ، او يتسامح في تأدية ما يعتبر فيه من شروط وأجزاء وواجبات أو يأتي به على غير الوجه الشرعي المطلوب ، وجب عليه أن يأمره بالمعروف ويستعمل معه المراتب التي قدّمنا بيانها للأمر والنهي ، ويلين معه في مورد اللين ويشتد معه في موضع الشدة، حق يستكمل الواجب ويستوفي الغاية ويتم العلاج ، ويأتي المأمور بالواجب الذي تركه ويتم اجزاءه وشروطه على الوجه الصحيح المراد.
وكذلك إذا علم أن بعضهم يفعل بعض المنكرات المحزمة من غيبة أو نميمة أو كذب أو غير ذلك من المحرمات الصغيرة أو الكبيرة، فيجب عليه أن ينهاه عن المنكر، ويتخذ معه المراتب التي ذكرناها للنهي والإنكار حتى يرتدع . ويثوب إلى الحق ، وأن يأمره بالتوبة في موارد وجوب التوبة كما سبق بيانه في الآخرين ، فحق الأهل في ذلك أعظم من حقوق غيرهم ، ولعل الولاية ما بين الرجل وبينهم على تأدية هذا الواجب معهم أشذ من الولاية ما بينه وبين غيرهم ، وفي الآية الكريمة المتقدمة دلالة على ذلك .
المسألة 32 : لا يختص الحكم المتقدم برفي العائلة، فإذا علم بعض افراد أهل البيت بأن بعضهم يترك المعروف أو يفعل المنكر شمله التكليف ووجب عليه الأمر والنهي كما تقدم .
وكذلك الحكم في المرأة المؤمنة إذا علمت ذلك من بعض أهلها، وتوفرت فيها شروط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فيجبان عليها، وإذا قام بعض افراد العائلة بالواجب وكان أمره ونهيه كافيين في التأثير وحصول الغاية المقصودة سقط الوجوب عن ربّ العائلة وعن الأفراد الآخرين .
المسألة 33: إذا علم المكلف ان أحد الشخصين المعينين او الأشخاص المعلومين قد ترك معروفاً واجباً أو ارتكب منكراً محرّماً، وعلم بأن أمره ونهيه لهم يؤثر في ردعهم عن المنكر، وجب عليه أمرهم ونهيهم جميعاً، وكذلك إذا احتمل أن أمره ونهيه يؤثر الأثر المطلوب شرعاً، فيجب عليه أمرهم ونهيهم جميعاً، ومثله ما إذا علم أو احتمل أن أمره ونهيه يؤثر في ردع بعضهم من غير تعيين ، فيجب عليه أمرهم ونهيهم جميعاً.
وإذا علم أو أحتمل ان قوله يؤثر في البعض المعين منهم خاصة، ولا يؤثر في الباقين ،وجب عليه أن يأمر ذلك البعض المعين ، ويسقط عنه الوجوب في الآخر ين .
المسألة 34: إذا توقف تأثير الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في تارك المعروف وفاعل المنكر على ان يزوره المكلف في بيته مثلاً، او على أن يطنب معه في الحديث ، او على بيان بعض المحاذير والآثار السيئة التي يتركها فعل ذلك المنكر أو ترك ذلك الواجب في نفس الفاعل وفي عاقبته ، او على قراءة بعض النصوص والأحاديث التي تحذّره من غضب الله وشدة مقته وأليم أخذه للمجرمين ، وجب . عليه ذلك مع قدرة المكلف عليه أو الاستعانة بغيره من العارفين .
المسألة 35: إذا توقف تأثير الأمر بالمعروف والنفي عن المنكر على أن يدخل المكلف في بيت الرجل أو على أن يأكل من طعامه مثلاً، وكان البيت مغصوباً او كان الطعام محرقا، كان ذلك من التزاحم بين الأمرين المذكورين ، فيقدّم منهما ما هو أكثر أهمية وأعظم فائدة في حكم الإسلام ، فان كان اجتناب المكلف دخول بيت الرجل والأكل من طعامه اكبر أهمية، وجب عليه ترك الدخول والأكل ، وسقط عنه وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإذا انعكس الأمير جاز له الدخول ووجب عليه الأمر والنهي ، فيدخل البيت المغصوب مثلاً ويأكل الطعام الحرام إذا كان المراد تخليص نفس محترمة من القتل ، أو كشف شدة كبيرة عن طائفة من المؤمنين ، ويجتنب الدخول والأكل إذا كان المراد أن يأمر الرجل بأداء فريضة من صلاة أو صوم أو ينهاه عن ترك محرم صغير يريد ارتكابه ، ويرجع إلى الفقيه الجامع للشرائط في تعيين ما هو الأهم الأكبر من الأمرين المتزاحمين وما هو محتمل الأهمية منهما، وفي تعيين موارد التساوي والتخيير بينهما.
المسألة 36: يجب على المؤمن -وخصوصاً إذا كان من اهل العلم والدين ، والمتصدّين لنصيحة الناس وإرشادهم وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر- أن يأمر نفسه بالمعروف الواجب ، وان ينهى نفسه عن المنكر المحرم ، الصغير منه والكبير، وأن يكون من أشد الناس التزاماً بذلك وأثبتهم على إطاعته وتطبيقه على نفسه ، وقد ورد في وصية الإمام أمير المؤمنين (ع ) لولده محمد بن الحنفية : (كن آخذ الناس بما تامر به وأكف الناس عما تنهى عنه ، وأمر بالمعروف تكن من أهله )، وعنه (ع ) في بعض خطبه : (وانهوا عن المنكر وتناهوا عنه ، فانما أمرتم بالنهي بعد التناهي )، وعن علي بن الحسين (ع ) في حديثٍ له وصف فيه المؤمن والمنافق ، قال : (والمنافق ينهى ولا ينتهي ،ويأمر بما لا يأتي ).
ويستحب له ان يأمر نفسه بالمعروف المندوب وان يكون من المواظبين عليه ، وان ينهى نفسه عن المكروهات ويكون من التاركين لها، وان يأخذ نفسه باكتساب الاخلاق والفضائل الحميدة والتمسك بها ، ويجاهدها ينبذ الأخلاق والرذائل المذمومة والابتعاد عنها ، حتى يصبح من أهل المعروف في الدنيا وأهل المعروف في الآخرة، كما نطقت به النصوص الواردة عن ادلة الهدى (ع )، فإذا هو تحلّى بجميع ذلك واستكمل محامده واجتنب مذامه في القول والعمل ، ثم أمر الناس الآخرين بالمعروف ونهاهم عن المنكر ودعاهم إلى ذلك بالحكمة والموعظة الحسنة، فقد قام بالامتثال بأرفع مرتبة من الأمر والنهي في الاداء وأضمنها في التأثير، وأكبرها مقاماً عند الله وأقربها زلفة لديه ، وقد ورد في بعض اقوال أمير المؤمنين (ع ): (من نصب نفسه للناس إماماً فليبدأ بتعليم نفسه قبل تعليم غيره وليكن تأديبه بسيرته قبل تأديبه بلسانه ، ومعتر نفسه ومؤدبها أحق بالإجلال من معلّم الناس ومؤدبهم ). ومن الله التوفيق والعون لنيل هذه المرتبة وغيرها من مراتب الكمال النفساني والخير الأعلى المقصود لأهل الدين .
المسألة 37 : يجب التآمر بالمعروف والتناهي عن المنكر بين الأفراد والجماعات من المؤمنين ، فكل فرد منهم يأمر نفسه ويأمر الآخرين بفعل المعروف الواجب ، وينهى نفسه وينهى الآخرين عن ارتكاب المنكر المحرم ، ويجب عليهم التواصي بالحق وإقامته ، والتواصي بالصبر على الطاعات والصبر عن المعاصي ، وخصوصا إذا اعتيد بين الناس ترك المعروف وارتكاب المنكر فيجب على المؤمنين ان يتآزروا على محو ذلك ما استطاعوا في أفعالهم وأقوالهم.
وتحرم المجاهرة بين الأفراد والجماعات بترك المعروف والتظاهر بفعل المنكرات أو استسهال أمرها والتغاضي عن حدوثها، والمجاهرة بترك المعروف جرأة كبيرة على الله وإعلان من العبد بترك واجباته ، والتظاهر بالمنكر تجرؤ شديد على الله واعلان من العبد بفعل محرماته ، ومن أجل ذلك يكونان أشذ حرمة وتمادياً في الغي والعتو عليه سبحانه ومحاربة صريحة له ، ويجب تآزر الأفراد والجماعات المسلمة على نبذ ذلك ، والحيلولة عن وقوع هذا الداء العضال ، وقد ذكرنا في اول الكتاب بعض النصوص المحذرة عن حصوله والمخوفة من سوء عاقبته ، وعن الإمام الرضا (ع): (كان رسول الله (ص) يقول : إذا أمتي تواكلت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فليأذنوا بوقاع الهلاك من الله)، والمراد ان يترك كل فرد وكل فريق من الأمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر اتكالا على غيره فلا يقيمهما منهم احد، وفي حديث طويل للإمام محمد بن علي الباقر(ع) ذكر فيه رفض الناس لهذه الفريضة في آخر الزمان وابتغاءهم المعاذير في تركها، ثم قال (ع): (هنالك يتم غضب الله عز وجل عليهم فيعمهم بعقابه ،فيهلك الأبرار في دار الأشرار والصغار في دار الكبار) وتلاحظ المسألة الثانية .
المسألة 38 : يجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الجماعات كما يجب على الأفراد فإذا كان الأمر بالمعروف أو النهي عن المنكر لا يتأدى إلا بقيام جماعة متعددين به ولا يكفي فيه أن يتصدى له فرد واحد، وجب على الجماعة أن يجتمعوا ويدعو بعضهم بعضاً إلى ذلك ، فيأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر متعاونين بينهم متآزرين على امتثال التكليف به ، سواء كان المعروف الذي يأمرون به والمنكر الذي ينهون عنه من فعل شخص واحد، فلا يأتمر ذلك الشخص ولا يفعل المعروف الذي تركه إلا إذا اجتمع جماعة من الناس على أمره ولا ينتهي ولا يرتدع عن المحزم إلا إذا اجتمعوا على نهيه وزجره ، ام كان المعروف والمنكر من فعل أشخاص متعددين ، فلا يأتمرون ولا ينتهون إلا بتعاون جماعة على أمرهم ونهيم ، ولا يسقط الوجوب عن الجماعة بقيام فرد واحد بالأمر والنهي ، لأنه لا يكفي في الأداء بحسب الفرض.
وإذا ترك الجماعة ولم يؤذوا التكليف أثموا جميعا ، وإذا استجاب آحاد لا يكفون بامتثال التكليف وترك الباقون ، سقط الوجوب عقن استجاب ، وأثم الآخرون الذين لم يستجيبوا.
المسألة 39 : إذا وجب الأمر بالمعروف او النهي عن المنكر، وقام به بعض الأفراد أو الجماعات من المكلفين به ، لم يسقط الوجوب عن المكتفين الآخرين بمجرد تصدي أولئك النفر القائمين ، حتى يعلم أن القائمين بالأمر قد أتموا الغرض وتحققت بفعلهم الغاية المطلوبة والعلاج المقصود، أو يثبت ذلك بالبينة الشرعية أو الاطمئنان العقلائي الكافي .
وأولى من ذلك ما إذا اطمأن المكلف بقيام الآخرين بالامر والنهي او اطمأن بان القائمين يكفون في تحصيل الواجب ، ثم استبان له خلاف ذلك ، فيجب عليه التصدي والقيام بالأمر والنهي ..
المسألة 40: إذا تناول الصائم بعض المفطرات فأكل أو شرب أو جامع زوجته وهو ناس للصوم ، أو ناس لكون الشيء الذي تناوله من المفطرات ، لم يضر ذلك بصحة صومه ، وإذا علم أحد بأن الرجل قد تناول المفطر ناس لم يجب عليه أن يُعلمه وأن ينهاه ، ولا يكون ذلك من النهي عن المنكر والأمر بالمعروف ، سواء كان في صيام شهر رمضان أم في غيره من الصيام الواجب أو المندوب ، وقد ذكرنا هذا في المسألة الثلاثين من كتاب الصوم .
المسألة 41: إذا أكل الرجل شيء نجساً أو متنجساً أو شربه وهو لا يعلم بنجاسته ، وعلم شخص آخر بوجود النجاسة في طعام الرجل أو شرابه أو ثوبه الذي صلى فيه ، لم يجب على ذلك الشخص إعلام الرجل بالنجاسة ونهيه عن أكل ذلك الشيء أو شربه أو الصلاة فيه ، ولا يكون ذلك من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ويستثنى من ذلك ما إذا كان ذلك الشخص هو السبب في أكل الرجل وشربه وصلاته في الشيء النجس أو المتنجس ،كما إذا باعه ذلك الشيء النجس أو وهبه إياه ولم يخبره بأنه نجس أو متنجس ، فيجب عليه إعلامه في هذه الصورة ونهيه عن أكل ذلك الشيء وشربه واستعماله في ما تشترط فيه الطهارة كالصلاة والطواف ، وقد ذكرنا هذا في المسألة المائة والثالثة والسبعين وما قبلها من كتاب ا لطهارة .
المسألة 42 :إذا أراد الرجل أن يشرب مائعا خاضا وهو يعتقد بأنه شراب محتل وكان المائع خمرا مسكرا يحرم شربه في الإسلام ، أو أراد أن مجامع امرأة وهو يرى انها زوجته أو أمته ، وكانت المرأة أجنبية عنه يحرم عليه وطؤها، أو أراد أن يقتل شخصاً، وهو يوقن أنه مهدور الدم وكان الشخص مسلماً محترم النفس والدم ، وعلم شخص آخر بحقيقة الحال وجب عليه أن يعلم الرجل وينهاه عن ارتكاب الأمور المذكورة ، وذلك لأن شرب الخمر، والتعدي على الأعراض والفروج ، وقتل النفوس المحترمة أمور يعلم هن دين الله ومن شريعته المطهرة المنع عنها وعدم جواز الوقوع فيها من أحدٍ أبدا وان كان الفاعل جاهلاً أو ناسياً
في الأمر بالمعروف المندوب والنهي عن المكروه
المسألة 43 : القسم الثاني من المعروف في دين الإسلام ما كان مندوباً يستحب فعله كالنوافل من الصلاة، والمندوب من الصوم والزكاة والحج والعمرة والزيارة، والمستحب من الطهارات والصدقات ، والأمر بهذا القسم من المعروف مندوب ، ولا ريب في ثبوت هذا الحكم ،ففي الخبر عن الإمام أبي عبد الله (ع): (لا يتكلم الرجل بكلمة حق يؤخذ بها إلا كان له مثل أجر من أخذ بها، ولا يتكلم بكلمة ضلال يؤخذ بها %لا كان عليه مثل وزر من أخذ بها)،وعن أبي، بصير قال سمعت أبا عبد الله (ع) يقول : (من علم خيراً فله مثل أجرمن عمل به ، قلت فان علمه غيره يجري ذلك له ؟ قال : ان علّمه الناس كلهم يجري له ، قلت فان مات ، قال وان مات).
فيستحب الأمر بالمعروف المستحب ، ويتأكد الاستحباب في الآمر بالمستحب المؤكد، ويشمل الحكم على الأظهر للمستحب الذي يثبت استحبابه بدليل ضيف ، فيستحب الأمر به ، ولا بد وان يقيد هذا القسم من المستحب إذا أمر به بأن يأتي المأمور به برجاء المطلوبية .
ويستحب النهي عن المنكر الذي ثبتت كراهة فعله في الشريعة على النهج الذي بيناه في الأمر بالمندوب من غير فرق بينهما، فلا اثم ولا عقوبة على المكلف إذا تركهما .
المسألة 44: يحسن الأمر بالمعروف العقلي وهو الشيء الذي ثبت حسن الاتيان به في حكم العقل وان لم يثبت استحبابه في الشرع ، فيحسن الأمر به والإرشاد إلى فعله إذا تركه الفاعل ، ولا يعاقب المكلف إذا ترك الأمر به .
المسألة 45 : إذا أقام الرجل لنفسه سنة حسنة أو أجرى له عادة طيبة من عوائد الخير، فاتبعه عليها أولاده أو أهل بيته أو غيرهم ، كتب له اجر تلك السنة ما دام عاملا بها، ومثل أجور من عمل بها من الناس ، ولا ينقص ذلك من اجور العاملين بسنته شيئاًً، ومثال ذلك : ان يطعم المحتاجين من أهل قريته أو يكسوهم في أوقات معينة من السنة أو من الشهر، ويتخذ ذلك دأبا له مجري عليه في عمله ، ثم يتبع الآخرون سنته في عملهم .
وإذا جعل له سنة سيئة فعمل عليها واتبعه غيره على تلك السنة كتب عليه وزرها كاملا ما دام عاملا بها، وكتب عليه مثل أوزار المقتدين بها، ولا ينقص ذلك من أوزارهم شيء ، وقد ذكرنا في ما تقدم بعض النصوص الدالة على ذلك .
المسألة 46: يستحب للمكلف الذي يأمر بالمعروف المندوب وينهى عن المنكر المكروه ،ان يرفق بالمأمور ويلطف معه بأساليب أمره ونهيه ، وخصوصا إذا كان المدعوّ ضعيف المعرفة ضيف التحمل ، او كان جديد عهد بالإسلام أو بالإيمان ، فيأمره وينهاه بالمقادير التي يسهل عليه اتباعها، وبالأساليب التي تزيد في رغبته وفي معرفته ولا يثقل عليه ويحمله اكثر مما يحتمل ، فيكون ذلك سبب في انصرافه عن الغاية التي يرجوها له ، وقد ينزجر بسببها عن الهدى والإيمان بالحق .
المسألة 47: يستحب للمؤمن أن يفعل الخير جهده ، ويصنع المعروف الذي يقدر على صنعه مع المؤمنين ، من الصدقات المستحبة ، والهدايا والهبات المندوبة، وإسقاط حقوقه اللازمة لهم ، ومساعدتهم في الاعمال التي يستطيع عملها، والاستجابة لطلباتهم إذا طلبوا، وما ينتبه ذلك من افعال الخبر، ويستحب له أن يكثر من فعل ذلك ، ويتخذه دأباً له وعادة، ويكون من أهل المعروف واصطناع الخير مع الأفراد والجماعات وفي المجتمع ، ولا يبتغي بذلك عوضا ولا مكافأة، ففي الخبر عن أبي جعفر محمد الباقر(ع): صنائع المعروف تقي مصارع السوء، وكل معروف صدقة ، وأهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة، واهل المنكر في الدنيا هم أهل المنكر في الآخرة، واول أهل الجنة دخولا إلى الجنة اهل المعروف) .
المسألة 48: تستحب إشاعة فعل الخير وصنع المعروف والتزام العادات الحميدة في المجتمع المسلم وبين الأفراد والجماعات من المؤمنين ، ودلالتهم عليها وترغيبهم فيها، فان (كل معروف صدقة، والدال على الخير كفاعله ؟ كما يقول الرسول (ص) في الحديث الشريف ، وان (فاعل الخير خير منه وفاعل الشر شر منه)، وان (من يعط باليد القصيرة يُعطَ باليد الطويلة) كما يقول أمير المؤمنين (ع)في بعض كلماته المأثورة، (وان من بقاء المسلمين وبقاء الإسلام ان تصير الأموال عند من يعرف فيها الحق ويصنع المعروف ،وان من فناء الإسلام وفناء المسلمين ان تصير الأموال في أيدي من لا يعرف فيها الحق ولا يصنع فيها المعروف) كما يقول الإمام جعفر بن محمد(ع).
المسألة 49: يستحب للإنسان استحباباً مؤكداً اذا فعل أحد معه معروفاً أو صنع له خيرا على احد الوجوه التي سبقت الإشارة إليها أن يكافئ الفاعل على معروفه ، فغي الحديث عن ابي عبد الله (ع): (من صنع إليه معروف فعليه ان يكافئ به ،وليست المكافأة أن يصنع كما صنع به ، بل يرى مع فعله لذلك ان له الفضل المبتدأ)،وفي رواية أخرى : (وليس المكافأة أن يصنع كما صنع به حتى يربي عليه ،فان صنعت كما صنع كان له الفشل بالابتداء) وعن الرسول (ص): (من سألكم بالله فأعطوه ، ومن آتاكم معروفاً فكافئوه ، وان لم تجدوا ما تكافئونه فادعوا الله له حق تظنوا انكم قد كافأتموه).
وأشد تأكيدا من استحباب المكافأة أن يشكر لصاحب المعروف فعله فيزيد في مقدار المعروف الذي يكافئه به او في الثناء عليه ؟الدعاء له .
ويجب على العبد أن يشكر الله سبحانه على نعمه التي لا ينتهي مدها ولا يحص عدها سواء كانت خاصة به أم عامة له ولغيره ،ومن متممات شكر الله على نعمته ان يشكر العبد الذي ساق الله اليه النعمة على يديه ،وقد دلت على هذا نصوص عديدة، وفي الشكر على النعمة أمان لها عن الزوال وضمان من الله للعبد الشاكر بالمزيد.
المسألة 50: يحرم على الإنسان أن يكفر المعروف الذي يصل إليه من المخلوقين ، والكفران هو أن يجحد المعروف الذي يسديه إليه صانع المعروف ويغمط حقه فلا يشكر له فعله ولا يكافئه عنه بشيء ولا يذكره بثناء ولا بدعاء ،وأشذ من ذلك ان يقابل معروفه بالذم والجحود والكنود، وأعظم من ذلك في التحريم ان يكفر العبد نعمة ربه ، وقد توعد -سبحانه - من كفر نعمته بالعذاب الشديد، وورد في أحاديث الرسول (ص) وأوصيائه المعصومين ان كفران النعمة من الذنوب التي تعجل عقوبتها ولا تؤجل إلى الآخرة.
ولذلك فيكون شكر نعمة الله من موارد وجوب الأمر بالمعروف إذا أوتي العبد النعمة من الله فلم يشكر، ويكون كفران نعمته من موارد وجوب النهي عن المنكر.
المسألة 51: ينبغي إعظام فاعل المعررف الواجب والمندوب ، سواء كان ذلك بأمر نفسه والتزامه بأحكام الله ومناهج شريعته ، ام كان فعله والتزامه بعد أن أمره الآمرون بالمعروف ودئوه عليه ، فتاب إلى ربه وأناب ، فعن أبي عبد الله (ع): (أقيلوا لأهل المعروف عثراتهم واغفروها لهم ، فان كف الله عز وجل عليهم هكذا، وأومأ بيده كأنه بها يظل شيئاً)، وعنه (ع): (أهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة، يقال لهم ان ذنوبكم قد غفرت لكم فهبوا حسناتكم لمن شئتم).
ويجب تحقير مرتكب المنكر المحزم فعن أمير المؤمنين (ع) قال : (أمرنا رسول الله (ص) أن نلقى أهل المعاصي بوجوه مكفهرّة)، وهذا هو أدنى مراتب الانكار للمنكر، وقد سبق ذكر مراتبه في المسألة السابعة عشرة .
المسألة 52: يجب على المؤمن العالم بالحق القادر على بيانه والتعريف به بين الناس أن يظهر العلم ويجهر بالحق ويبينه للناس إذا ظهرت البدع والضلالات المخالفة للحق وكان العالم آمتا من المخاوف والمحاذير، وقد ورد في الحديث عن النبي (ص): (إذا ظهرت البدع في أمتي فليُظهر العالم علمه ، فمن لم يفعل فعليه لعنة الله) وفي حديث آخر عن الصادقين (ع): (إذا ظهرت البدع فعلى العالم أن يُظهر علمه فان لم يفعل سلب نور الإيمان).
وعن الرسول (ص): (إذا رأيتم أهل الريب والبدع من بعدي فأظهروا البراءة منهم وأكثروا من سبّهم والقول فيهم والوقيعة، وباهتوهم كيلا يطمعوا في الفساد في الإسلام ويحذرهم الناس ولا يتعلمون من بدعهم ، يكتب الله لكم بذلك الحسنات ويرفع لكم به الدرجات في الآخرة).
والمراد ان يعزف العلماء الناس ببدع المبتدعين وأهل الريب ،ويبينوا لهم أعلام الحق ويوضحوا لهم مناره ، ويظهروا لهم بهتان المبتدعين وكذبهم وان ما يقولونه بهتان وبدعة سبيلها إلى النار، وهذا كله مع الأمن من المحاذير.
المسألة 53: من متممات فعل المعروف وصنعه للآخرين ان يعتبره فاعل المعروف شيئاً صعباً وان كبر، يسيراً وان كثر، وأن يتستّر بفعله ودفعه إذا كان من الأموال عن انظار الناس ،فإذا امكنه ان لا يعه به أحد إلا الله فهو أفضل ، وان يعجّل صنعه ودفعه ، فعن الإمام ابي عبد الله (ع): (رأيت المعروف لا يتم إلا بثلاث : تصغيره وستره وتعجيله ، فانك إذا صغرته عظمته عند من تصنعه إليه ، وإذا سترته تممته ، وإذا عجّلته هنّأته ، وإذا كان غير ذلك سخفته ونكدته).
المسألة 54 : إذا أراد الرجل ان يفعل لأخيه حيزاً او يصنع له معروفاً مستحباً، فلا ينبغي له ان يبذل له من المال او غيره ما تكون مضرته على الباذل أكثر من منفعته للمبذول له ،ففي الحديث عن أحدهما(ع): (ولا تدخل في شيء مضرته عليك أعظم من منفعته لاخيك)وفي خبر آخر: (ولا تعط أخاك من نفسك ما مضرته لك أكثر من منفعته له).
ومن أمثلة ذلك: ان يكون على أخيه دين ، فيدفع له من ماله مبلغا ليسدّد به دينه أو يوفي قسطاً منه ، ويكون ضرر ذلك مجال دافع المبلغ أكبر وأبلغ من منفعته لأخيه المدين لفقر الدافع وضيق ما في يده ،ومن أمثلته : ان يكون له على أخيه بعض الحقوق اللازمة، فيسقط حقه عن أخيه ويصيب الباذل بسبب اسقاطه للحق ضرر أشد من نفع اخيه ، أو يقوم له بعمل كذلك .
المسألة 55: من المعروف المستحب المؤكد للرجل أن يقرض أخاه المؤمن عند حاجته إلى القرض ، وقد روي عن الإمام الصادق (ع): (ما من مؤمن أقرض مؤمن يلتمس به وجه الله إلا حسب له أجره بحساب الصدقة حتى يرجع إليه ماله)، وعن الرسول (ص): (الصدقة بعشرة ، والقرض بثمانية عشر، وصلة الاخوان بعشرين ، وصلة الرحم بأربعة وعشرين).
ويجب انظار المدين إذا كان معسراً، ويستحب للدائن إبراء ذمته من الدين وأن يحللّه منه أو من بعضه ،سواء كان المدين المعسر حياً أم ميتاً.
المسألة 56: يجب على المكلف إذا أنعم الله عليه بنعمائه في الدنيا ، لم أن يشكر المنعم العظيم على ما آتاه ويعترف له بالفضل وأن يؤدي الحقوق التي تجب عليه في تلك النعمة من زكاة أو خمس أو خراج أو غيرها، والحقوق التي يوجبها المكلف على نفسه من نذور وأيمان وكفارات وشبهها .
ويستحب له ان يحافظ على دوام نعمته وبقائها، بان يقوم باصطناع المعروف لأهل المعروف وقضاء حوائج المؤمنين من اخوانه وتفريج كربهم وإغاثة ملهوفهم ، وان يحصّن بذلك نعمته عن الزوال والنفور، ويشمن لنفسه من الله المزيد ففي خبر إبراهيم بن محمد عن ابي عبد الله (ع): (ما من عبد تظاهرت عليه من الله نعمة إلا اشتدت مؤونة الناس عليه ،فمن لم يقم للناس بحوائجهم فقد عرّض النعمة للزوال ، قال : فقلت : جعلت فداك ومن يقدر أن يقوم لهذا الخلق بحوائجهم ؟ فقال : انما الناس في هذا الموضع والله المؤمنون)، وعن أمير المؤمنين (ع) في بعض كلماته : (يا جابر من كثرت نعم الله عليه كثرت حوائج الناس إليه ،من قام لله فيها بما يجب عرّضها للدوام والبقاء ومن لم يقم فيها بما يجب عرّضها للزوال والفناء).
المسألة 57: ينبغي للرجل ان لا يوجب على نفسه باختياره حقوقاً غير واجبة عليه في أصل الشريعة ، فينذر على نفسه أن يؤدي حقاً أو مبلغاً من المال أو يفعل فعلاً مستحباً، او يوجب على نفسه مثل ذلك بعهد أو يمين ،فإذا نذر الشيء أو حلف أو عاهد الله على فعله وجب عليه الوفاء به ونال المثوبة على أدائه إذا كان راجحاً، وحنث إذا خالفه باختياره وأثم ولزمته الكفارة، وقد فضلنا أحكام ذلك في كتاب النذر واليمين ، وقد ورد في حديث إسماعيل بن جابر عن ابي عبد الله (ع): (لا تتعرضوا للحقوق ، فإذا لزمتكم فاصبروا لها).
المسألة 58: من جوامع الصفات والمعاني الحميدة الباعثة على ملازمة فعل الخير وصنع المعروف العام والخاص ان يكون المسلم ممن يهتم جهد طاقته بأمور المسلمين ، بل يظهر من بعض الأدلة لزوم الاتصاف بذلك ، ففي الحديث المشهور أو المتواتر عن الرسول (ص): (من أصبح لا يهتم بأمور المسلمين فليس بمسلم) وعن الإمام أبي جعفر الباقر(ع): (ان المؤمن لترد عليه الحاجة لأخيه ولا تكون عنده ، فيهتم بها قلبه ، فيدخله الله تبارك وتعالى بهمه الجنة)، ومن الجوامع المذكورة ان ينصح للمسلمين ويحسن القول فيهم فعن الرسول (ص): (أنسك الناس نسكاً انصحهم حبّاً، وأسلمهم قلباً لجميع المسلمين)،وعنه (ص): (ان اعظم الناس منزلة عند الله يوم القيامة أمشاهم في أرضه بالنصيحة لخلقه) وعن ابي عبد الله (ع): (عليكم بالنصح لله في خلقه ،فلن تلقاه بعمل أفضل منه)،وعن ابي جعفر(ع)- في قول الله عز وجل : (وقولوا للناس حسناً)-: (قولوا للناس أحسن ما تحبون أن يقال لكم) وعن ابي عبد الله (ع) -في هذه الآية الكريمة-: (ولا تقولوا إلا خيراً حق تعلموا ما هو).
المسألة 59: من صنائع المعروف الراجحة للمؤمن ، بل المؤكد عليه استحبابها: ان يرحم الضعيف المحتاج من اخوانه ويؤوي اليتيم من أطفال المؤمنين ، ويكسو العاري ويغيث الملهوف ويعالج المريض ، وان يصلح طريق المسلمين ويبني القنطرة، والملجأ للفقراء والغرباء، وأن يقضي حاجة أخيه المؤمن ويهتم بها ويسعى جهده في قضائها، وان يشفع له في أمر أو حاجة عند بعض الناس ،سواء طلب المؤمن منه الشفاعة أم لم يطلب ،وسواء نجح في شفاعته ام لم ينجح ، والروايات في كل اولئك وافرة ظاهرة، وان يسعى بمقدار طاقته في نفع المؤمنين ففي الخبر عنه (ص): (الخلق عيال الله فأحبّ الخلق إلى الله من نفع عيال الله وأدخل على أهل بيت سروراً)، وعن الإمام علي بن الحسين (ع): (من قض لأخيه حاجة، فبحاجة الله بدأ، وقض الله بها مائة حاجة في أحداهن الجنة، ومن نفس عن أخيه كربة نفس الله عنه كرب الدنيا وكرب القيامة بالغاً ما بلغت ،ومن اعانه على ظالم له اعانه الله على إجازة الصراط عند دحض الاقدام) والحديث طويل يحتوى على الحث على كثير من المندوبات وصنائع الخير، وبمضمونه أحاديث كثيرة رواها في كتاب وسائل الشيعة، وفي جوامع الحديث الأخرى ، فليرجع إليها من أراد الإطلاع عليها.
المسألة 60: يحرم على الإنسان ان يسخط الله فيترك شيئاً من واجباته أو يفعل شيئاً من معاصيه أو يغير شيئاً من أحكامه فيستوجب بذلك مقت الله وغضبه ،. ويحرم عليه ان يسخط الله بشيء ليرضي احداً من خلقه ،وان كان اباً أو امياً، أو زوجاً أو مالئها أو رحماً قريباً او بعيداً، وقد استفاض عن الرسول (ص): (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق)،وفي الحديث عن علي (ع): (لا دين لمن دان بطاعة مخلوق في معصية الخالق)،وعن ابي عبد الله (ع): (لا تسخطوا الله برضى احد من خلقه ولا تتقربوا إلى الناس بتباعد من الله)، وعنه (ع) في قول الله عز وجل : (واتخذوا من دون الله ألهة ليكونوا لهم عزاً، كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضداً)، قال (ع): (ليس العبادة هي السجود والركوع ، انما هي طاعة الرجال ، من أطاع المخلوق في معصية الخالق فقد عبده).
المسألة 61 : يجب على المسلم أن يغضب لله سبحانه إذا رأى واجباته تترك ، او رأى محرماته ترتكب ، أو رأى شريعته تغيّر أو أحكامه تعطّل ، فإذا غضب لله أمر ونهى وزجر بما يستطيع من مراتب الإنكار التي تقدم بيانها في مسائل الفصل الأول ، وان يكون غضبه لله بمقدار ما غضب الله لنفسه .
وهذا الحكم مع وجود الشرائط والقدرة على إنفاذه من أهم مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في المجتمع السليم ، ووجوب هذه المرتبة وانتشارها في المجتمع من اكبر الأدلة على سلامة المجتمع وبعده عن الأدواء والمؤثرات ، وقد سبق في المسألة الثانية والمسألة الثلاثين والسابعة والثلاثين ما يدل على الحكم ، وسبق في المسألة الحادية والخمسين قول أمير المؤمنين (ع): (أمرنا رسول الله أن نلقى أهل المعاصي بوجوه مكفهرة).
وفي الخبر عن ابي جعفر(ج): (أوحى الله إلى شعيب النبي (ع):إني معذب من قومك مائة الف ، أربعين ألفا من شرارهم ، وستين ألفاً من خيارهم ، فقال : يا ربّ هؤلاء الأشرار، فما بال الأخيار؟ فأوحى الله عز وجل إليه ، داهنوا أهل المعاصي و؟ يغضبوا لغضبي).
المسألة 62: ينبغي للمؤمنين ان يؤسّسوا العلاقات في ما بينهم ويقيموها على الحب في الله والبغض لاعدائه ، فان الحب إذا أقيم على الايمان الخالص بالله والعمل الزكي بمرضاته ، خلص وزكا وثبت ودام ، وانتج النتائج الطيبة المحمودة للمتحابين في دنياهم وأخراهم ، وإذا أقيم على غير ذلك لم يخلص ولم يدم ، وسقط بسقوط غاياته ، وعن ابي عبد الله (ع): (من أوثق عرى الايمان ان نخب في الله وتبغض في الله وتعطي في الله وتمنع في الله)،وعنه (ع):لأمن وضع حبه في غير موضع فقد تعرّض للقطيعة).
المسألة 63: يستحب استحباباً مؤكداً ان يتزاور المؤمنون في منازلهم الخاصة وفي مجامعهم ، ويتداولوا فيها النصيحة من بعضهم لبعض في لزوم الحق والدلالة على سبل الخير ، والتذاكر في ما بينهم في ما يثبت العقيدة الصحيحة في قلوبهم ، ويبعث الإيمان المشرق في نفوسهم ، والتواصي بالحق والتواصي بالصبر والثبات عليه وعلى مناهجه ، والصبر والثبات على ولاء الطيبين الطاهرين محمد وأهل بيته المعصومين (ع) وعلى محبتهم والاستنارة بنور أحاديثهم ، والاستشفاء من ادواء النفوس والقلوب بطبهم ، والاستمداد الدائم من عطاء ذلك كلّه، فانهم وسائل الرحمة التي لا تنقطع ، وينابيع الخير التي لا تنقص ولا تغيض ، وأدلة الهدى التي لا تشذ ولا تنحرف ومشارق النور الذي لا ينطفي ، وبإحياء أمرهم حياة النفوس وبذكر فضائلهم جلاء الظلمات وبلوغ الغايات ، وأن يكثروا من الصلاة عليهم اذا جرى ذكرهم فان الصلاة عليهم تحطّ الذنوب وتدفع الكروب وتثبت الإيمان في القلوب .
في مجاهدة النفس
المسألة 64: إذا رأى الإنسان نفسه تاركة وجهة الدين الصحيح في الأعمال الواجبة أو المحرمة أو في بعضها، أو في الالتزام بالأخلاق الحميدة أو الارتكاب للرذائل المذمومة او في بعض ذلك ، وجب عليه أن يجاهد نفسه ويوجهها وجهة الحق الصحيح ويلزمها به وان يردعها عن المخالفة، ويقف منها موقف الغريم المحاسب حق يردّها إلى امتثال أمر الله ونهيه ، ولا يتسامح معها ولا يتساهل ، فان الإصرار على الذنب ذنب آخر، وان الاستمرار على الجريمة جريمة ثانية قد تكون أكبر منها، وان البقاء على الرذيلة رذيلة أخرى تضاعف الانحراف وتناقض الاستقامة، وقد تمنع من الحصول عليها، وهذا هو الجهاد مع النفس الذي تكاثرت النصوص الدالة على وجوبه على الإنسان وسمته الجهاد الأكبر، لطوله واستمراره ووجوب اتخاذ اليقظة والحذر في جميع مراحله ، ففي الحديث عن أمير المؤمنين (ع): (ان رسول الله (ص) بعث سرية فلما رجعوا، قال : مرحباً بقوم قضوا الجهاد الأصغر وبقي عليهم الجهاد الأكبر، قيل: يا رسول الله وما الجهاد الأكبر؟ فقال: جهاد النفس)، وعنه (ص): (الشديد من غلب نفسه)، وفي كتاب المجازات النبوية عنه (ص): (المجاهد من جاهد نفسه)، وعنه (ص): (حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوها قبل ان توزنوا، وتجهّزوا للعرض الأكبر).
وليست الكلمات المذكورة مواعظ قيلت لمجرّد التذكير والتنبيه القصير الأمد، ولكنها مناهج واجبة الاتباع ، تلقى للعمل الدائم الواجب مدى الحياة .
المسألة 65 : مجرم على الإنسان أن يتبع هوى نفسه ورغباتها، إذا كان هواها ورغباتها نحالفة لما يريد الله ، فان الإنسان إذا ترك نفسه وما تهوى تمادت في الغي وأوصلته الى ما لا يحمد، وجزأته على فعل المنكرات وترك الواجبات ، ولذلك فيجب عليه ان يغالب هوى نفسه ورغباتها ما استطاع ، وعن أحدهم (ع ): (جاهد هواك كما تجاهد عذوك ) وعن أمير المؤمنين (ع ): (ان أخوف ما أخاف عليكم اثنتان : اتباع الهوى وطول الأمل ، اما اتباع الهوى فانه يصذ عن الحق ، واما طول الأمل فينسي الآخرة). فإذا اجتمعت العئتان في المرء، فصده الهوى عن اتباع الحق ونسي الآخرة لطول امله ، لم يؤمل فيه خير ولم يرج له صلاح ، وعن ابيما عبد الله (ع ): (احذروا أهواءكم كما نخذرون اعداءكم ،فليس شيء أعدى للرجال من اتباع اهوائهم وحصائد ألسنتهم ).
المسألة 66 : (رأس الحكمة نحافة الله )- كما يقول الرسول (ص ) في الحديث المعروف بين جميع المسلم!-، فيجب على المؤمن ان يخاف الله ربه ، المطلع على أمره في سره وعلانيته خوفا شديذا يبعثه على طاعته ، ويردعه عن جميع معاصيه ، ويمنعه عن اتباع الشهوات التي تبعده عن مرضاته ، وتوجب له استحقاق غضبه ومقته ، ويجب عليه ان يرجو الله ورحمته وعفوه وان سبقت منه المعاصبى وكثرت ، ففي الخبر عن ايما عبد الله (ع ): (ارج الله رجافئ ا لا مجرئك على معصيته ، وخف الله خوفا لا يق يسك من رحمته )، وعن ايي جعفر(ع ): (ليس من عبد مؤمن إلا وفي قلبه نوران : نور خيفة ونور رجاء، لو وفي ن هذا لم يزد على هذا، ولو وزن هذا لم يزد على هذا)،ويجب عليه ان يكونء عاملا لما يخاف ولما يرجو،وقد قيل لأيى عبد الله (ع ): (قوم يعملون بالمعاصبى ويقولون : نرجو، فلا يزالون كذلك حتى يأتيهم الموت ، فقال (ع ): هق لاء قوم يترجحون في الأماني ،كذبوا ليسوا براج!ون ، من رجا شي!ا طلبه ، ومن خاف من شيء هرب منه )فإذا خاف العبد ربه ورجاه ، وتوازن الخوف والزجاء في قلبه ، وعمل لهما، -كما ذكرته الاحاديث - واستقام في عمله ولم ينحرف انتج ذلك له نتيجة معلومة محتومة،وهي تقوى الله ، فالتقوى هي حصيلة اجتماع الخوف والرجاء الشديدين المتوازيخنن في قلب المؤمن ، والعمل الدائب لخوفه ورجائه ، والحفاظ عليهما حتى تكون ملكة ثابتة في نفسه ، وقد أشارت إلى ذلك الاية الكريمة : (والذين اهتدوا زادهم هدئ وآتاهم تقو اهم ).
المسألة 67: من متممات هذه المترلة ، ومقربات الوصول إلى هذه الغاية أن يشتد الخوف في قلب المؤمن ،فيبكي خشية من الله لما اقزف منن الذنوب ، أو يبكي ندفا على ما قابل به ربه الكريم العظبم من العصيان ،أو خجلآ مفا تفضل عليه من النعم والأيادي ، فعن الإمام أيي محمد الحسن العسكري (ع ) عن آبائه (ع ) عن الصادق (ع ): (ان الرجل ليكون بينه وبين الجنة اكثز مما بين الثرى إلى العرش لكثرة ذنوبه ،فما هو إلا ان يبكي من خشية الله (عز وجل )ندفا عليها حتى يصببر مابينه وبينها أقرب من جفنه إلى مغلته ).
المسألة 68 : إذا توازن الخوف والرجاء في قلب المؤمن ، واثمر اجتماعهما له ملكة التقوى -كما ذكرنا في ما سبق -،قبل الله منه عمله ،وان كان يسيزا، كما قال سبحانه : (انما يتقبل الله هن المتقين )، وبوأه المقام الرفيع من رضاه في الدنيا والآخرة، وآتاه العزة والكرامة ، كما يقول تعالى : (ان اكرمكم عند الله أتقاكم )،وعن امير المؤمنين (ع ): (لا يقل عمل مع تقوى،وكيف يقل ما يتقبل )، وعن الصادق (ع ): (من أخرجه الله من ذل المعاصبى إلى عز التقوى اغناه الله بلا مال ، وأعزه بلا عشيرة، وآنسه بلا انيس ، ومن خاف الله أخاف الله منه كل شيء ،ومن لم يخف الله أخافه الله من كل شبىء) وكلما ازدادت ملكة التقوى في نفس المؤمن ثبا!ا ورسو!ا ازداد عطاؤها وعظم نتاجها.
المسألة 69 : يجب على العبد المكلف ان يجتنب الذنب وان كان صغيزا فشلأ عن كبائر الذنوب ، ففي خبر زيد الشحام عن أيي عبد الله (ع ): (اتقوا المحفرات من الذنوب فانها لا تغفر، قلت : وما المح!رات ؟ قال (ع ): الرجل يذنب الذنب ، فيقول طوبى لي ان لم يكن لي غير ذلك ) وعن الرسول (ص ): (إياكم والمحقرات من الذنوب فان لكل شرطء طال!ا، الا وان طالبها يكتب ما قذموا وآثارهم وكل شيء أحصيناه في امام مبين )، وعن امير المؤمنين (ع ): (أشد الذنوب ما استهان به صإحبه ).
ومجرم على العبد ان يصز على شيء من معاصي الله ،صغيرة كانت المعصية ام كبيرة،فعن ايي عبد الله (ع ): (لا والله لا يقبل الله شي! ا من طاعته على الإصرار على شيء من معاصيه )، وعنه (ع ): (لا صغيرة مع الإصرار، ولا كبيرة مع الاستغفار)،وعن أبي جعفر(ع )في قول الله عز وجل : (ولم يضروا على ما فعلوا وهم يعلمون )، قال (ع ): (الإصرار ان يذنب ولا يستغفر الله ولا يحذث نفسه بالتوبة ، فذلك الإصرار).
المسألة 70: تجب التوبة على العبد إذا هو ترك واج!ا من واجبات الله -سبحانه - ، صغبيزا كان أم كبببرا، أو اقترف ذن!ا، أو أصز على ذنب صغير، أو فعل كبيرة من كبائر الذنوب وأصز على فعلها، بل وان تمادى به الغي فارتكب عدة من الكبائر وأصز على فعلها مدة من حياته ، فإذا ندم على ما فعل ، وتاب إلى الله توبة نصوخا . مما اقترف ، وكملت له شروط التوبة وأخلص لله فيها، قبل الله منه توبته ، فان الله مجب التوابين ويحب المتطهرين كما يقول في كتابه الكريم ، وكما يقول سبحانه في آية أخرى : (وان ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم )، وكما وعد سبحانه به أهل السيئات من عباده ، وان كانت سيئاتهم موبقة، فقال : (يا أيها الذين آمنوا توبوا الى الله توبة نصوحا،عسى ربكم ان يكفر عنكم سيئاتكم ويدخلكم جنات تجري من نختها الأنهار)، وفي الجديث عن الرسول (ص ): (التائب من الذنب كمن لا ذنب له )، وعنه (ص ): (لا كبير مع الاستغفار ولا صغإر مع الإصرار)، وعن أمببر المؤمنين (ع ): (لا شفيع انجح من التوبة)، وعن أيي جعفر(ع ): (فاما الظلم الذي بينه وبين الله فاذا تاب غفر له ).
المسألة 71: يجب على العبد المذنب ان يندم على معصيته ندامة يأسى بها على ما فزط ، ويستحيى مما واجه به ربه من جرم ، وخصوضا إذا كان ما عمله كبيرة أو اصرازا على معصية، والندم أول شؤون التوبة، بل هو أول الواجبات المقؤمة لها، وعن الرسول (ص ): (كفى بالندم توبة )، وعن أمير المؤمنين (ع ): (ان الندم على الشيء يدعبر إلى تركه )،فاذا ندم الرجل واستحيا من شئ عمله ،وعزم في نفسه عزفا صادفا على ان لا يعودإلى فعله ما بقي في الحياة،فقد حصل منه الركن الأسساس من توبته ، وهو التوبة النصوح ، كما ورد عن ايما عبد الله (ع ) وعن ولده ايي الحسن موسى (ع ) في تفسببر الآية الكريمة.
ومن دلائل شدة الندم على الذنب ان يعترف المذنب على نفسه بالاساءة والتقصببر،وانه يستحق العقاب على ما فرط ،فعن أيما جعفر(ع ): (والله ما ينجو من الذنب إلا من أقز به )، وعنه (ع ): (لا والله ما أراد الله من الناس الا خصلتين : ان يقزو ا له بالنعم فإزيدهم ، وبالذنوب فيغفرها لهم ).
المسألة 72 : يجب على النادم التائب من ذنوبه أن يؤدي كل فريشة واجبة تركها قبل توبته إذا كانت الفريضة مما يجب قضاؤها، ويلزمه دفع كفارتها إذا كانت مما تجب فيه الكفارة، ويجب عليه اداء الكفارات الأخرى التي اشتغلت بها ذمته ككفارات النذور والعهود والأيمان والمخالفات التي ارتكبها ، وتراجع احكامها التي فضلناها عند القدرة وعند العجز في المسائل والفصول المتعلقة بها من كتاب الصوم وكتاب الحج وكتاب الكفارات .
ويجب عليه أن يؤدي للناس حقوقهم وأموالهم التي استولى عليها بغير حق ، فيؤديها إلى أصحابها، أو يستبرئ ذمته منهم بوجه شرعي آخر، ولا تسح توبته بغببر ذلك مع القدرة والتمكن ، وإذا عجز عن ذلك ولم يمكنه ان يرد المظالم إلى أهلها، وجب عليه الاستغفار للمظلومين .
المسألة 73 : يجب على العبد أن يجذد التوبة كلما تجذد منه الذنب ، وتصح فنه توبته إذا اجتمعت الشروط التي ذكرناها وان تكررت ، ولا يجوز له أن ييأس من روح الله أو يقنط من رحمته ،فعن محمد بن مسلم عن ايي جعفر(ع )قال : (يا محمد بن مسلم ذنوب المؤمن إذا تاب منها مغفورة له ، فليعمل المؤمن لما يستأنف بعد التوبة والمغفرة، اما والله انها ليست الا لأهل الإيمان ، قلت : فان عــــــاد بعد التوبة. والاستغفار من الذنوب وعاد في التوبة؟ قال (ع): يا محمد بن مسلم أترى العبد المؤمن يندم على ذنبه ويستغفر منه ويتوب ثم لا يقبل الله منه توبته ؟إقلت : فان فعل ذلك مرازا يذنب ثم يتوب ويستغفر، فقال : كلما عاد المؤمن بالاستغفار والتوبة عاد الله عليه بالمغفرة، وان الله غفور رحيم يقبل التوبة ويعفو عن السيئات ، فإياك ان تقنط المؤمنين من رحمة الله ).
المسألة صا 7 : يجب على المكلف أن مجاسب نفسه على عمله في كل يوم تجر علب ،،فان وجد ما عمله صالخا حمد الله على توفيقه وهدايته ،وسأل منه المزيد من الهداية والعون ، وان وجده سي! ا ندم عليه واستغفر الله منه ، وتداركه بالتوبة، والروايات الدالة على هذا كثيرة بل مستفيضة.
المسألة75 : يستحب للإنسان أن يتذكر ذنوبه السابقة، وان كان قد تاب منها، ويكزر الندم على فعلها والاستنفار منها كلما تذتهرها، وان لا تشنله النعم التي تجذدت عليه من الله عن ذلك ، ففي الخبر عن أيي عبد الله (ع ): (ان المؤمن ليذكر ذنبه بعد عشرين سنة حتى يستغفر ربه فينفر له ، وان الكافر لينساه من ساعته )، وإذا شغلته النعم المتجددة عليه فلم يذكر ذنوبه ولم يتب إلى الله منها كان ذلك من الاستدراج كما يقول سبحانه : (سنستدرجهم من حيث لا يعلمون ).
المسألة 76 : يستحب للإنسان ان يتفكر في الأمور التي توجب له العبرة وتفيده الموعظة ، والتوجه مع الانتباه الكامل الى أعمال الخير والتر والانصراف عن اضدادها، وان يكون كثير التفكر في ذلك ، فعن الإمام ايي عبد الله (ع ): (التفكر يدعو إلى البر والعمل به ) وعن الرسول (ص ): (تفكر ساعة خير. من قيام ليلة) وعن أيي ا-لسن الرضا(ع ): (ليسر العبادة كثرة الصلاة والصوم ، إنما العبادة التفكر في أمر الله (عز وجل ))، فيتذكر أصحا!ا له درجوا قبله ، فسبقوه في الأعمال الصالحة، او في الابتعاد عن المعاصي أو في ملازمة اظصال المحمودة والاخلاق الفاضلة، أو في نفع الناس وبزهم وارشادهم ، فيفيد من تفكره بهم اعتبازا قو!ا وشعوزا ح!ا بالمسق ولية، واندفاغا للاقتداء بأعمالهم او السبق عليهم ، وعن ايي عبد الله (ع): (كان أكثر عبادة أيي ذر رحمه الله التفكر و ا لاعتبار ).
ويجب على الإنسان التفكر في ملكوت الله ،وفي مجالي عظمته في خلقه ، ومظاهر قدرته ، وفي شدة بطشه وقوة سلطانه ، فيصحح بذلك معرفته بالله ، ويثبت بها عقيدته ويزكي عمله ، ولا يجوز له أن يفكر في ذات الله ، فالتفكر في ذلك لا يزيده إلا حيرة وتيقا، وكيف يحيط الفكر المتناهي المحدود في وجوده وفي طاقته وفي أبعاده ، بموجود تستحيل عليه النهايات في كل جهة من كماله ، وعن أيما جعفر(ع ): (إياكم والتفكر في الله ولكن إذا أردتم ان تنظروا إلى عظمته فانظروا إلى عظم خلقه )،وعن أيي عبد الله (ع ): (من نظر في الله كيف هو، هلك )، وعن أيي جعفر(ع ): (اذكروا من عظمة الله ما شئتم ولا تذكروا ذاته ، فانكم لا تذكرون منه شي!ا إلا وهو أعظم منه ).
المسألة 77 : يجمب على العبد أن يتوكل على الله وحده في جميع أموره كلها ويفوضها إليه ، وقد قال سبحانه : (ومن يتوكل على الله فهو حسبه ان الله بالغ أمره ، قد جعل الله لكل شيء قدزا)، وقال تعالى : (أليس الله بكاف عبده )، وروي عن أيي الحسن موسى (ع ): (التوكل على الله درجات ، منها أن تتوكل على الله في أمورك كئها، فما فعل بك كنت عنه راض!ا، تعلم انه لا يألوك إلا خثرا وفضلأ، وتعلم ان الحكم في ذلك له ،فتوكل على الله بتفويض ذلك إليه ،وثق به فيها وفي غيرها)، وفي حديث لأيي عبد الله (ع ): (ومن أعطبى التوكل اعطي الكفاية، ثم قال : أتلوت كتاب الله عز وجل : ومن يتوكل على الله فهو حسبه )، وعن أيما بصير عنه (ع )قال : (ليس شيء إلاوله حد،قلت :جعلت فداك فما حذ التوكل ؟ قال : اليقين ،قلت : فما حذ اليقين ؟قال : ان لا تخاف مع الله شي!ا).
المسألة 78: تجب على العبد طاعة الله في ما أمره به ونهاه عنه ،فعن الرسول (ص ): (انه لا يدرك ما عند الله الا بطاعته )،وعن جابر عن أيي جعفر(ع )قال قال لي : (يا جابر أيكتغي من ينتحل التشيع أن يقولى:يحئنا أهل البيت ،فوالله ما شيعتنا إلا من اتقى الله وأطاعه ، وما كانوا يعرفون يا جابر إلا بالتواضع والتخشع والأمانة وكثرة ذكر الله والصوم والصلاة والبز بالوالدين . . . -إلى أن قال (ع )- أحث العباد إلى الله أتقاهم وأعملهم بطاعته ، يا جابر والله ما يتقرب إلى الله عز وجل إلا بالطاعة،وما معنا براءة من النار،ولا على الله لأحل! من حجة،من كان لله مطيغا فهو لنا ولي ،ومن كان له عاص!ا فهو لنا عدؤ،وما تنال ولايتنا إلا بالعمل و الورع )، و الأحاديث بهذا المضمون كثببرة واضحة الدلالة .
المسألة 79 : يجب على العبد أن يجتنب حرمات الله كافة، وان يذرع عن الوقوع فيها أو في بعضها بتقوى الله ، والخوف الشديد من عقابه ، فعن زيد الشحام قال سصت أبا عبد الله (ع ) يقول : (إحذروا سطوات الله بالليل و اك هار، فقلت : وما سطوات الله ؟ قال : أخذه على المعاصي )، وعنه (ع ): (من أشذ ما فرض الله على خلقه ، ذكر الله كثيزا، ثم قال (ع ): لا اعنى سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، وان كان منه ، ولكن ذكر الله عندما أحل وحزم فان كان طاعة عمل بها، وان كان معصية تركها)، وعن ايي بصير عنه (ع ) قال : (من أشد ما عمل العباد انصاف المرء من نفسه ،ومواساة المرء اخاه ،وذكر الله على كل حال ، قال قلت : اصلحك الله وما وجه ذكر الله على كل حال ؟ قال (ع ): يذكر الله عند المعصية يهم بها،فيحول ذكر الله بينه وبين تلك المعصية،وهو قول الله : (ان الذين اتقوا إذا مشهم طائف من الشيطان تذتهروا فإذا هم مبصرون )).
المسألة 80 : يجب على المكلف أن يتدبر عاقبة كل عمل! يهتم به قبل أن يبدأ بفعله ،فان وجده خ!ا فعله ، وان كان ش!ا اجتنبه ، ففي وصية امير المؤمنبن (ع ) لولده محمد بن الحنفية : (من استقبل وجوه الآراء عرف مواقع الخطأ، ومن تورط في الأمور غير ناظر في العواقب فقد تعزض لمفظعات النبى ائب ، والتدبر قبل العمل يؤمنك من الندم )، وعن أيي عبد الله (ع ): (ان رجلآ أتى الني (ص ) فقال له يا رسول الله أوصني فقال له : فهل أنت معستومي ان أنا أوصيتك ؟،حتى قال له ذلك ثلا!ا، وفي كلها يقول الرجل : نعم يا رسول الله ، فقال له رسول الله (ص ): فاني أوصيك إذا انت همصت بأمر فتدبر عاقبته ، فان يك رشذا فأمضه ، وان يك غ!ا فانته عنه ).
المسألة 81: (الغضب مفتاح كل شر) كما ورد عن الإمام الصادق (ع )، و (ان الغضب ليفسد الإيمان كما يفسد الخل العسل ) كما عن الرسول (ص )، (وان الرجل ليغضب فما يرضى أبذا حتى يدخل النار)كما يقول الإمام محمد بن علي الباقر(ع )،وكما يقول أ!ما: (أي شيء أشذ من الغضب ؟، ان الرجل ليغضب فيقتل النفس التي حرم الله ،ويقذف المحصنة).
فيجب على الرجل أن يسكن غضبه فلا يفعل محرفا ولا يرتكب سوش المسألة بسبب غضبه ،ولا يتجاوزعلى الآخرين بشيء لا حق له فيه ،من قول أو فعل أو مال او انتهاك حرمة أو عرض او غير ذلك مما يتجاوز فيه الحد، ففي الخبر عن أيي عبد الله (ع ): (انما المؤمن الذي اذا غضب لم يخرجه غضبه من حق ، وان رضي لم يدخله رضاه في باطل ، وإذا قدر لم يأخذ أكتز مما له ) وعنه (ع ): (ان ، رسول الله (ص ) اتاه رجل فقال : يا رسول الله علمني عظة اتعظ بها، فقال : انطلق فلا تغضب ، ثم عاد إليه ، فقال : انطلق فلا تغضب ، ثلاث مرات)، وعنه (ص ): (من كف غضبه عن الناس كف الله (تبارك وتعالى)عنه عذاب يوم القيامة). وعن ايي جعفر(ع ): (أيما رجل غضب على قوم وهو قائم فليجلس من فوره ذلك ، فانه يذهب عنه رجز الشيطان ، وايما رجل غشب على ذي رحم فليدن منه فليمشه ،فان الرحم اذا مشت سكنت ).
المسألة 82 : لا يعذر الغاضب في ما يفعله من المحرمات والمحاذير بسبب غضبه وان كان شديذا، أو توهمت له نفسه الثائرة وجود المعاذير، ويجب عليه ان يتذكر غضب الله عليه في مجاوزته للحدود، فعن ايي عبد الله (ع ) قال : (أوحى الله عز وجل إلى بعض انبيائه ، يا بن آدم اذكرفي في غضبك أذكرك في غضيي ، لا امحقك في من امحق ، وإذا ظلمت بمظلمة فارض بانتصاري لك ، فان انتصاري لك خير من انتصارك لنفسك ).
المسألة 83: يحرم على الإنسان ان يتعضب على غير حق ،وعن أيما عبد الله (ع ): (من تعضب أو تعضب له فقد خلع ربقة الإيمان من عنقه ) وروى ذلك في حديث له عن الرسول (ص )،والمراد بمن تعضب له ان يتعصب له بعقى الناس في غير الحق فيرضى بفعله ويقز له ذلك في اعماله فيكون شريتها له في التعصب ،وشريتها له في الإثم ، وسئل علي بن الحسين (ع ) عن العصبية، فقال : (العصبية التي يأثم عليها صاحبها: ان يرى الرجل شرار قومه خببزا من خيار قوم آخرين ، وليس من العصبية ان يحب الرجل قومه ، ولكن من العصبية أن يعين الرجل قومه على الظلم ).
المسألة 84 : يحرم على الرجل أن يكون سيئ الخلق ، ففي حديث الإمام الرضا(ع ) عن الرسول (ص ): (عليكم ئحسن الخلق ، فان حسن الخلق في الجنة لا محالة، وإياكم وسوء الخلق فان سوء الخلق في النارلامحالة)،وعن أيي عبد الله (ع ): (من ساء خلقه عذب نفسه )، وعنه (ص ): (أبى الله لصاحب الخلق الشبىء بالتوبة، قيل : وكيف ذلك يا رسولى الله أ قال : لأنه إذا تاب من ذنب وقع في ذنب اعظم منه )، والروايات الدالة على ذلك عديدة.
المسألة85 : مجرم على المكلف أن يكون سفيقا، فعن الصادق (ع ): (ان السفه خلق لئيم يستطيل على من دونه ويخضع لمن فوقه )، ويحرم عليه أن يكون ممن يتقى شره ، فعنه (ص ): (شر الناس عند الله يوم القيامة الذين يكرمون اتقاء شزهم )،وعن أيي عبد الله (ع ): (من خاف الناس لسانه فهو في النار)، ويحرم عليه أن يكون فاحش القول ،وان يكون بذي! ا، فعن أيي جعفر(ع ): (ان الله يبغض الفاحش المتفحش )، وعنه (ص ): (ان من شر عباد الله من تكره مجالسته لفحشه )، وعن أيي عبد الله (ع ): (ان الفحش والبذاء والسلاطة من النفاق )،وعنه (ع ): (اطياء من الإيمان والإيمان في الجنة،والبذاءمن الجفاء،والجفاءفي النار).
المسألة 86 : يحرم على الإنسان أن يبغي على غببره بقول أو بفعل ، وقد قال امير المؤمنين (ع ): (ان البغى يقود أجمحابه إلى النار)، وكتب أبو عبد الله (ع ) إلى مسمع ايي س! ار، (أنظر أن لا تكئمن بكلمة بغي أبذا، وان أعجبتك نفسك وعشببرتك )، وعن النيي (ص ): (ان أعجل الشر عقوبة البغي )، وورد في وصية الإمام أيي عبد الله (ع ) لأصحابه : (وإياكم أن يبغي بعضكم على بعفر، فانها ليست من خصال الصالحين ،فانه من بغى صيز الله بغيه على نفسه ، وصارت نصرة الله لمن بغى عليه ،ومن نصره الله غلب وأصاب الظفر من الله ).
المسألة 87: يستحب للمؤمن ان ينتهز الفرصة لعمل الخير إذا أوتيت له ، وان يبادر إلى فعله مهما امكن له ، وفي وصية الني (ص ) لعلي (ع ): (يا علي بادر بأربع قبل أربع : شبابك قبل هرمك ، وصحتك قبل سقمك ، وغناك قبل فقرك ، وحياتك قبل موتك )، وعن أمير المؤمنين في قول الله عز وجل : (ولا تنس نصيبك من الدنيا) قال (ع ): (لا تنس صحتك وقؤتك وفراغك وشبابك ونشاطك ان تطلب بها الآخرة )، وعنه (ع ): (الفرصة تمر مز السحاب فانتهزوا فرص الخبر )، وعن أيما عبد الله (ع ): (من استوى يوماه فهو مغبون ، ومن كان آخر يوميه خيرهما فهو مغبوط ،ومن كان آخر يوميه شزهما فهو ملعون ، ومن لم ير الزيادة في نفسه فهو !لى النقصان ، ومن كان الى النقصان ، فالموت خببر له من الحياة).
المسألة 88 : يجب على العبد المؤمن ان يحسن ظنه بالله انه ينجيه من عذابه ،ولا يؤاخذه بشبئ عمله ،ويحرم عليه ان يشبئ ظنه به ،فعن ايي الحمسن الرضا(ع ): (أحسن الظن بالله فان الله (عز وجل ) يقول : انا عند ظن عبدي المؤمن إن خب!ا فخيزا، وإن ش!ا فشزا)، وعن الرسول (ص ) انه قال على منبره : (والذي لا اله إلا هو ما أعطي مؤمن قط خير الدنيا والآخرة إلا مجسن ظنه بالله ، ورجائه له ، وحسن خلقه ، والكف عن اغتياب المؤمنين ، والذي لا إله إلا هو لا يعذب الله مؤمثا بعد التوبة والاستغفار إلا بسوء ظنه ،وتقصير من رجائه له ،وسوء خلقه واغتياب المؤمنين ، والذي لا إله إلا هو لا يحسن ظن عبد مؤمن بالله ،إلا كان الله عند ظن عبده المؤمن ، لأن الله كريم بيده الخببر، يسهتحيي أن يكون عبده المؤمن قد أحسن به الظن ثم يخلف ظنه ورجاءه ، فأحسنوا بالله الظن وارغبوا إليه )، وعن أيي عبد الله إع ): (حسن الظن بالله ان لا ترجو إلا الله ولا تخاف إلا ذنبك ).
المسألة 89 : من زكي الأعمال ان يشتغل المرء بعيوب نفسه عن عيوب الآنجرين ،فعن الرسول (ص ): (طوبى لمن شغله خوف الله عز وجل عن خوف الناس ، طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب المق منين من اخوانه )وعن أيي جعفر(ع ): (كفى بالمرء عي!ا ان يتعرف من عيوب الناس ما يعمى عليه من أمر نفسه ،أو يعيب على الناس امزا هو فيه لا يستطيع التحول عنه إلى غيره ، أو يؤذي جليسه بما لا يعنيه ).
المسألة 90 : ومن زكي الأعمال والأخلاق ان يكون العبد المؤمن متواضغا. ، ففي الخبر عن أيي عبد الله (ع )، قال : (في ما أوحى الله عز وجل إلى داوود، يا داوود كما ان أقرب الناس من الله المتواضون ، كذلك أبعد الناس من الله المتكبرون )، وسأل الحسن بن الجهم الإمام أبا الحسن الرضا(ع ): ما حذ التواضع ؟ فقال : (ان تعطي الناس من نفسك ما نخب ان يعطوك مثله )،وعن ايي عبد الله (ع )عن آبائه (ع ): (ان من التواضع أن يرضى بالمجلس دون المجلس ، وان يسة على من يلقى،وان يترك المراء وان كان مح!ا،ولا نخب ان نخمد على التقوى)،وعن النيي (ص ) انه قال لأصحابه : (ان الصدقة تزيد صاحبها كثرة فتصدقوا يرحمكم الله ، وان التواضع يزيد صاحبه رفعة فتواضوا يرفعكم الله ، وان العفو يزيد صاحبه ع!ا،فاعفوا يعزكم الله ).
المسألة 91 : ينبغي للمؤمن ان يتتره عن الطمع وعن الرغبات الملخة،ففي الخبر عن أيى جعفر(ع ): (بئس العبد عبد يكون له طمع يقوده ،وبئسى العبد عبد له رغبة تذك )، وعنه (ع ): (ان رجلأ اتى رسول الله (ص ) فقال له : علمني يا رسول الله شي! ا، فقال : عليك باليأس مما في أيدي الناس فانه الغن الحاضر، قال : زدني يا رسول الله ، قال : إياك والطمع فانه الفقر الحاضر)، وأوصى أمببر المؤمنين (ع ) محمد بن الحنفية فقال له : (إذا أحببت ان تجمع خببر الدنيا والآخرة فاقطع طمعك مما في أيدي الناس ) وعن أيي عبد الله (ع ): (ما أقبح بالمؤمن ان تكون له رغبة تذله ).
المسألة 92: يستحب للعبد المؤمن ان يكون حليقا،ففي الحديث عن الرسول (ص ): (ان الله يحب الحييء الحليم ، العفيف المتعفف )وعنه (ص ): (ما أعز الله يحهل قط ولا اذذ بحلم قط )والمراد بالجهل هنا ما يقابل الحلم ، وعنه (ص ): (ما جمع شيء إلى شيء أفضل من حلم إلى علم )،وعن امير المؤمنين (ع ): (أول عوض الحليم من حلمه ان الناس انصاره على الجاهل )،وعن ايي عبد الله (ع ): (كفى بالحلم ناصزا، وإذا لم تكن حليقا فتحش ).
ويستحب له أن يكون رفيفا في أموره فعن الرسول (ص ): (ان الله رفيق يحب الرفق ويعين عليه )، وعنه (ص ): (ان في الرفق الزيادة والبركة، ومن يحرم الرفق يحرم الخير)، وعن أيي عبد الله (ع ): (من كان رفيفا في أمره نال من الناس ما يريد) وعنهم (ع ): (ما اصطحب اثنان إلا كان أعظمهما أجزا، وأحتهما إلى الله أرفقهما بصاحبه ).
والحمد لله رب العالمين ، والصلاة والمسلام على خيرته وصفوته من الخلق محمد وآله الطاهرين .