كتاب الـخُمس

وهو: فرض فرضه الله سبحانه في صريح كتابه الكريم ، وجعله للرسول (ص ) وعترته وذريته وذريته لهم عن الصدقات التي حزمها عليهم ، فقال تبارك اسمه : (واعلموا ان ما غنتم من شيء فان لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل ان كنتم آمنتم بالله . . . )، وورد في الحديث عن الإمام أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق (ع ): (ان الله لا اله إلا هو حيث حزم علينا الصدقة، ابدلنا بها الخمس ، فالصدقة علينا حرام والخمس لنا فريضة والكرامة لنا حلال )،وعنه (ع ): (لا يعذر عبد اشترى من الخمس شيئاً ان يقول : يا رب اشتريته بمالي ، حتى يأذن له أهل الخمس ).

وفي هذا الكتاب ثلاثة فصول :

الفصل الأول : في ما يجب فيه الخمس .

الفصل الثاني : في مستحق الخمس ومصرفه .

الفصل الثالث : في الأنفال .

الفصل الأول

في ما يجب فيه الخمس

المسألة الأولى : يجب الخمس في سبعة أشياء: (الأول )، الغنائم التي يغتنمها المسلمون من الكفار بالقتال ، إذا كانت الحرب معهم بإذن الإمام المعصوم (ع )، والمراد بالغنائم كل ما يستولي عليه المسلمون من أموال الكفار وأشيائهم بسبب الحرب معهم ، ولا تختص بما يحويه الجيش المقاتل لهم من الأموال ، نعم ، في تعلق وجوب ا-لخمس بالأرض والأشجار والمساكن التي يأخذها المسلمون منهم نظر.

وإذا كان القتال مع الكفار بغير إذن الإمام (ع ) فالغنيمة التي تؤخذ منهم كلها للإمام (ع )، من غير فرق بين زمان ظهور الإمام وزمان غيبته (ع )، ومن غير فرق بين أن تكون الحرب معهم لامتناعهم عن الإستجابة للإسلام بعد دعوتهم إليه وغير ذلك .

ومن الغنائم التي يجب فيها الخمس أيضا ما يأخذه المسلمون من الكفار في الحروب الدفاعية التي يبدأ الكفار فيها بقتال المسلمين فيدافع المسلمون بها عن أرضهم وأوطانهم ، سواء كانت في ظهور الإمام (ع ) أم في غيبته .

ومن الغنائم ايضاً الفداء الذي يؤخذ من الكفار عن بعض الأسرى أو غيرهم إذا كان ذلك بعد المقاتلة لهم والغلبة عليهم ، ومنها الجزية التي يبذلها الكفار للسرية المجاهدة من المسلمين وما يصالحون به من الأموال لكف الحرب عنهم ، وإذا كان ذلك من غير قتال وغلبة، جرى فيه حكم الفوائد وأرباح المكاسب ، فيجب الخمس في ما يزيد منه على مؤونة السنة كما سيأتي بيانه .

المسألة الثانية: الظاهر ان الحكم في ما يؤخذ من الكفار الحربيين للإسلام بالسرقة والنهب من أموالهم ، او بالاغتيال أو بالربا وأمثال ذلك من أساليب الاستيلاء على أموالهم هو حكم أرباح المكاسب ، فيعتبر في وجوب الخمس فيه ان يزيد على مؤونة السنة لمن يستولي عليه من المسلمين .

المسألة الثالثة : يجب الخمس في غنائم الحرب الآنف ذكرها في المسألة الأولى بعد إخراج النفقات والمصارف التي تصرف على الغنيمة في ما نحتاج إليه من حفظ وحراسة، ونقل من موضع إلى موضع ورعاية، ومن مأكل ومشرب إذا كانت من الإنسان أو الحيوان وغير ذلك ، وبعد إخراج ما يجعله الإمام من أعيان الغنيمة لبعض المجاهدين أو غيرهم مكافأة له على عمل يقوم به في أثناء الجهاد أو الدفاع ، أو على أمر دبّره ، أو غير ذلك من وجوه المصالح في الحرب ، وبعد إخراج ما يصطفيه الإمام (ع ) لنفسه من الغنيمة، وما من شأنه أن يختص به إمام المسلمين (ع ).

المسألة الرابعة: لا يدخل في غنائم الحرب ما يوجد في أيدي الكفار مغصوباً من مسلم ، أو من كافر داخل في ذمة الإسلام ، أو معاهدٍ له ، أو شبه اولئك من الذين نحترم أموالهم في دين الله ،وإذا وجد شيء من ذلك بين أعيان الغنيمة وجب أن يحفظ ويرد إلى أهله ، وكذلك الأموال غير المغصوبة إذا اتفق وجودها عند الكفار من ودائع وأمانات وأعيان مستأجرة أو مبيعة ونحو ذلك .

المسألة الخامسة: إذا وجد في الغنيمة بعض الأموال المغصوبة او غير المغصوبة لكفار محاربين للإسلام أيضا، غير ان هذه الحرب لم تكن معهم ، جاز أخذ تلك الأموال ، ولا ريب في وجوب الخمس فيه ،وهل يعد ذلك من غنائم الحرب فيجب الخمس فيه قبل إخراج مؤونة السنة للمكتف ؟ أو يعذ من الفوائد وأرباح المكاسب الداخلة عليه ، فيجب الخمس في ما زاد منه على مؤونة السنة الأحوط الأول .

المسألة السادسة : يباح ما يؤخذ من أموال الناصب الذي ثبت نصبه أينما وجده المؤمن ، ويخرج خمس المال على الأحوط قبل مؤونة السنة كما في الغنيمة.

المسألة السابعة : إذا خرج البغاة وحاربهم المسلمون ليردّوهم إلى الطاعة، فان كانوا من النصّاب جاز أخذ أموالهم ، وجرى فيها حكم غنائم اطرب فوجب فيها إخراج الخمس ، وقد ذكرنا هذا في المسألة السادسة، وان لم يكونوا من النصّاب أشكل الحكم بحل أموالهم .

المسألة الثامنة : يجب إخراج الخمس من غنيمة الحرب وان كانت اقل من النصاب ، ومقدار النصاب عشرون ديناراً شرعياً من الذهب ، فلا يشترط في وجوب الخمس في الغنيمة أن تبلغ هذا المقدار.

المسألة التاسعة : إذا قتل الشخص المسلم أحداً من الكفار كان سلب ذلك المقتول من الغنيمة ولا يختص به قاتله ، فيجب فيه الخمس كسائر اعيان الغنيمة، وإذا جعل الولي العام لأمور المسلمين سلب المقتول لمن يقتله اختص به قاتله دون غيره ، فان جعله للقاتل على وجه الإطلاق ولم يذكر الخمس دفع السلب إليه ، وكان على القاتل أداء خمسه ،وإن جعله له بلا خمس وجب ان يخرج خمس السلب من بيت المال ثم يدفع للقاتل .

المسألة العاشرة : الثاني من الأشياء التي يجب فيها الخمس : المعدن ، كالذهب والفضة و النحاس و الحديد و الرصاص ، و العقيق والياقوت ، و الزبرجد والفيروزج ، والكبريت و النفط ، والقير ، والزيبق ، والملح ، والزرنيخ ، وغيرها مما يصدق كونه من المعادن

واما الجص والنور، وحجر الرحى ، وطين غسل الرأس والطين الأرمني ، والمغرة، وهي الطين الأحمر، فالأحوط استحباباً اجراء حكم المعدن عليها، وان كان الأقوى أنها من أرباح المكاسب ، فيجب الخمس في ما زاد منها على مؤونة السنة، ولا يعتبر فيها ان تبلغ مقدار النصاب المعتبر في خمس المعدن وسيأتي بيان هذا في المسألة الثانية عشرة .

المسألة 11: يجب إخراج الخمس من المعدن ، سواء عثر عليه في أرض مملوكة للواجد أم في ارض مباحة، وسواء كان الواجد له مسلماً أم كافراً وان كان حربياً وسواء كان بالغاً أم صغيراً، وعاقلاً أم مجنوناً فيجب على ولي الصغير والمجنون اخراج خمسه إذا بلغ مقدار النصاب.

وإذا كان مخرج المعدن كافرًا ولم يؤد خمس المعدن باختياره جاز للحاكم الشرعي مع القدرة أن يجبره على تأديته ، وإذا أسلم وجب عليه أداء الخمس إذا كانت العين موجودة، وسقط عنه الوجوب إذا كانت العين تالفة .

المسألة 12: يشترط في وجوب الخمس من المعدن أن يبلغ ما أخرجه الواجد منه مقدار النصاب ، وهو أن تكون قيمته عشرين دينارا شرعياً من الذهب ، ولو قبل مؤونة اخراجه وتصفيته ، فإذا بلغ ذلك تعلّق به الخمس ، ولكن الخمس يخرج منه بعد استثناء المؤونة، ولا يجب الخمس إذا كان ما أخرجه أقل من ذلك ، وان كان الأحوط استحباباً للمكلف أن يدفع الخمس وان لم تبلغ قيمته المقدار المذكور.

المسألة 13: إذا أخرج الشخص الذي وجد المعدن منه دفعات متعددة، وكان جميع الدفعات يعذ إخراجاً واحداً في نظر أهل العرف ، كفى في وجوب الخمس فيه ان تبلغ قيمة مجموع الدفعات نصاباً، سواء أعرض الرجل عنه بين الدفعات ثم عاد أم لم يعرض حتى أتمها، وإذا كانت الدفعات تعد إخراجاً متعددًا عند أهل العرف ، اعتبر في كل إخراج أن يبلغ مقدار النصاب ، فلا يجب الخمس في ما يكون أقل من ذلك ،سواء أعرض عنه في الأثناء ام لم يعرض.

المسألة 14: إذا اشترك جماعة متعددون من الناس في معدن واحد فأخرجوه إخراجاً واحداً مشتركاً في ما بينهم وجب الخمس عليهم إذا بلغ مجموع ما أخرجوه مقدار النصاب ، وان كانت حصة الواحد منهم لا تبلغ ذلك .

المسألة 15: إذا كان المعدن مشتملاً على جنسين أو أكثر، كفى في وجوب الخمس فيه ان يبلغ مجموع ما أخرج منه مقدار النصاب ،وان كانت قيمة كل جنس منه على انفراده دون النصاب .

المسألة 16 : إذا وجد المكلف الواحد معادن متعددة اعتبر في وجوب الخمس فيها، أن يبلغ ما أخرجه من كل معدن منها على انفراده نصاباً تاماً، سواء اتحد الجنس الذي أخرجه من تلك المعادن ام تعدد ، فلا يجب الخمس في المعدن الذي لا يبلغ النصاب منها .

وإذا تقاربت المعادن المذكورة في المكان واتخذ الجنس الذي أخرجه منها، بحيث كان ذلك موجباً لعد الجميع معداً واحداً في نظر أهل العرف ، كفى في وجوب الخمس أن يبلغ المجموع نصاباً واحداً.

المسألة 17: لا يكفي في أداء الواجب من خمس المعدن أن يخرج المكلف خمساً من مجموع تراب المعدن قبل أن يصفيه ويعلم بمقدار ما يحتوي عليه من جوهر ذلك المعدن ، إلا إذا علم بان المقدار من التراب الذي أخرجه في الخمس يحتوي على خمس الجوهر الموجود في مجموع التراب او يزيد عليه ، وإذا شك في ذلك فلابد من التصفية او دفع ما يعلم بأنه يفي بالحق الواجب عليه .

المسألة 18: إذا عثر الإنسان على معدن قد استخرج ما فيه من الجوهر او استخرج مقدار منه ، فوجد ذلك ظاهرا على وجه الأرض ، فان علم من القرائن الموجودة او من إمارات أخرى ان مستخرج المعدن إنسان وان ذلك الإنسان الذي أخرجه قد قصد بفعله تملك ما في المعدن ، كان ذلك المال الموجود من اللقطة، أو من مجهول المالك ، فلا يتملكه واجده ولا يحل له وإن أخرج خمسه ، وإذا أراد إخراج خمسه ، فالأحوط أن يكون ذلك بمراجعة الحاكم الشرعي .

وإذا علم من القرائن الموجودة أو من دلائل أخرى ان الإنسان الذي استخرجه لم يقصد تملك المعدن بحيازته ، او علم بأنه قد اعرض عن المعدن بعد ان تملكه ، فهو لواجده ، ويجب عليه إخراج خمسه إذا علم بان الذي استخرجه لم يؤد خمسه ، وكذلك إذا شك في أنه أخرج خمسه او لا على الأحوط .

وكذلك الحكم إذا علم بأن المعدن قد أخرجه السيل أو المطر أو كنتفه عاصف من الربح أو نبشه حيوان فهو لمن وجده ، ويجب عليه إخراج خمسه ، وإنما يجب الخمس في الفروض المذكورة إذا بلغ ما استخرج من المعدن مقدار النصاب .

المسألة 19: إذا وجد معدن في أرض مملوكة، فهو ملك لمالك تلك الأرض بتبع أرضه، وإذا حازه احد غير مالك الأرض لم يملكه بحيازته ، وإذا أخرجه ذلك الغير من الأرض بغير أمر مالكها فلا يثبت له حق على المالك بسبب إخراجه فليس له أن يطالبه بأجرة على عمله أو بمؤونة إخراج ، وعلى هذا فيجب على مالك الأرض اداء خمس مجموع المعدن إذا بلغ النصاب ، إذ لا مؤونة عليه في الفرض المذكور، وإذا كان مالك الأرض هو الذي اخرج المعدن أو أخرجه غيره بأمره ، او كان محتاجاً بعد إخراجه إلى عمل وتصفية، وجب الخمس على المالك بعد المؤونة التي يتحملها.

المسألة 20: اذا وجد المعدن في الأرض التي فتحها المسلمون من بلاد الكفار بالقتال ، وكانت الأرض عامرة في وقت الفتح ، فالمعدن مملوك لمن أخرجه إذا كان مسلفا، وكان إخراجه للمعدن بإذن ولي أمر المسلمين ويجب عليه اداء خمسه ، وكذلك الحكم إذا كانت الأرض التي وجد فيها المعدن من الأرض الموات في وقت الفتح ، فالمعدن مملوك لمن أخرجه إذا كان مسلماً وعليه اداء خمسه.

وإذا أخرج المعدن كافر من الأرض المفتوحة عنوة، ففي تملكه للمعدن إشكال ، سواء كان في ارض معمورة في وقت الفتح أم في ارض موات ، وكذلك الحال في المخرج المسلم إذا كان المعدن في الأرض المعمورة في حين الفتح ، وكان إخراجه للمعدن بغير إذن ولي المسلمين ، ففي تملكه للمعدن إشكال .

المسألة 21: إذا استأجر الرجل عاملاً ليستخرج له معداً معاً وحدد في عقد الإجارة بينهما العمل المستأجر عليه ، والمدّة ومقدار الأجرة، صحت الإجارة وملك المستأجر على الأجير العمل له ، فإذا استخرج العامل المعدن المعيّن وقصد بعمله حيازة المستأجر للمعدن ، ملك المستأجر المعدن الذي أخرجه ووجب عليه أداء خمسه بعد إخراج جميع المؤونة التي أنفقها عليه ، ومنها أجرة الأجير.

وإذا كانت الأرض التي استخرج المعدن فيها مملوكة للمستأجر، فالمعدن مملوك له بتبع ملكه للأرض ،وقد ذكرنا هذا في المسألة التاسعة عشرة، سواء قصد الأجير بعمله حيازة المعدن للمستأجر المالك أم لم يقصد ذلك ، بل وان قصد بعمله حيازة المعدن لنفسه ، فان هذا القصد منه يقع لغواً ولا يؤثر شيئًا، وكذلك إذا كان للمستأجر حق اختصاص في الأرض وليس مالئها لها، كالأرض التي قد حجرها فكان بذلك أولى بها من غيره ، فلا يجوز للأجير أن يتصرف فيها بغير إذن المستأجر المحجر، ولا يملك المعدن الموجود فيها بالحيازة لنفسه .

المسألة 22 : إذا استأجر الرجل عاملاً ليستخرج له المعدن كما فرضنا في المسألة المتقدمة ، وحدد له العمل المستأجر عليه والمدة وعيّن الأجرة ، وكان المعدن الذي استأجره على إخراجه في أرض مباحة غير مملوكة ولا مختصة بالمستأجر ولا بأحد غيره ، فإذا استخرج الأجير المعدن وقصد بعمله الحيازة للمستأجر، ملك المستأجر المعدن كما قلنا، وملك العامل الأجرة المعيّنة على المستأجر، فيجب عليه خمس المعدن بعد أداء المؤونة .

وإذا قصد الأجير بعمله حيازة المعدن لنفسه ، فان كان . الأجير في عقد الإجارة الواقع بينه وبين المستأجر قد ملّك المستأجر عمله في الإخراج ومنفعته الخارجية فيه بالاجرة المعيّنة، لم يصح له أن يقصد بعمله تمليك المعدن لنفسه ، بل يكون قصده هذا لغوًا لا يؤثر شيئاً بعد أن كان عمله الخارجي مملوكاً للمستأجر بالعقد الجاري بينهما ، ويكون المعدن مملوكاً للمستأجر.

وإذا كان الأجير في العقد الواقع بينه وبين المستأجر قد ملّكه عملاً في ذمته ، وقصد بعمله في استخراج المعدن أن يستر المستأجر ما استحقه في ذمته من العمل المستأجر عليه ، كان مقتض ذلك أيضًا أن يملك المستأجر المعدن ، وإذا قصد الأجير مع ذلك حيازة المعدن لنفسه كان هذا القصد لغوًا لا أثر له ، فانه نتيجة لعمله وهو مملوك للمستأجر حسب الفرض .

وإذا كان الأجير قد ملّك المستأجر عملاً في ذمته ، ولم يقصد بعمله في إخراج المعدن تسليم المستأجر ما استحقه في ذمته من العمل الذي استأجره عليه كما قلنا في الفرض المتقدم ، بل قصد بعمله حيازة ذلك المعدن لنفسه ،فلا يبعد القول بصحة قصده في هذه الصورة، ويحكم بتملكه للمعدن إذا كان في أرض مباحة ، وان بقي مشغول الذمة للمستأجر بعمل الإجارة .

المسألة 23 : إذا شكّ المكلف في ان المقدار الذي أخرجه من المعدن يبلغ النصاب ليجب فيه الخمس أو لا يبلغ فلا يجب فيه شيء ، فالأحوط له الاختبار أو دفع الخمس ، وان كان الأقوى عدم وجوب ذلك .

المسألة 24: الواجب في المعدن إنما هو إخراج ا-لخمس من مادة الجوهر الذي يخرج من المعدن ، فإذا عمل الإنسان في الجوهر عملاً يوجب زيادة قيمته قبل أن يخرج خمسه ، كما إذا صاغ تراب الذهب الذي أخرجه من المعدن فجعله حليًا او حك الياقوت فصيّره عقداً أو فصًّا، فالواجب عليه أن يخرج خمس المادة فعليه أن يقوّمها بمفردها ويؤذي خمسها، نعم ، يتعلق بما عمله خمس أرباح المكاسب إذا توفرت فيه شروط وجوب الخمس فيه ، وسيأتي بيانها في الأمر السابع الذي يجب فيه الخمس .

المسألة 25: الثالث من الأشياء التي يجب فيها الخمس : الكنز، وهو المال المسألة المذخور في أرض أو في جدار أو غيرهما سواء كان المال المذخور ذهباً أم فضة أم جوهراً أم غير ذلك مما يصدق عليه انه كنز في متفاهم أهل العرف ،وسواء كان الذهب والفضة مسكوكين ام لا، وسواء وجد الكنز في بلاد الإسلام أم في بلاد الكفر، إذا لم يعلم أنه مملوك لمسلم او لكافر ذمي أو معاهد للإسلام ، فيكون الكنز مملوكاً لمن وجده ، ويجب عليه ان يؤدي خمسه إذا بلغ مقدار النصاب .

المسألة 26: إذا علم واجد الكنز بأنه مملوك لشخص مسلم أو ذمي أو معاهد وجب عليه ان يدفعه لمالكه إذا كان موجودا ، ولوارثه إذا كان ميتًا ، وكان الوارث موجودا معلومًا، وإذا كان المالك مجهولا وجب على واجد الكنز التعريف به إذا كان التعريف به ممكنًا ،فإن لم يعرفه او كان التعريف بالكنز غير ممكن ، تصدّق به بمراجعة الحاكم الشرعي على الأحوط .

وإذا كان الكنز قديمًا وعلم من القرائن وشواهد الحال بانه مملوك لشخص مسلم أو ذمي أو معاهد جرى فيه حكم ميراث من لا وارث له على الأحوط فهو من الأنفال ، ولا يملكه واجده في جميع الصور المذكورة .

المسألة 27: إذا وجد الإنسان الكنز في أرض موات بالأصل أو في ارض خربة بعد العمارة وليس لها مالك ، او وجده في أرض مملوكة لواجد الكنز وقد ملكها بالإحياء، فالكنز في جميع هذه الصور مملوك لواجده إذا لم يعلم بأنه مملوك لمالك محترم كما تقدم ذكره ، ويجب عليه إخراج خمسه .

المسألة 28: إذا وجد الإنسان الكنز في ارض مملوكة له وقد انتقلت إليه تلك الأرض من مالك آخر قبله بالشراء منه أو بالصلح أو بإحدى المعاملات الاخرى التي توجب التمليك الاختياري ، وجب على واجد الكنز أن يعزف به مالك الأرض قبله ، فان لم يعرفه هذا، عزف به من كان مالكاً للأرض من قبله ، وهكذا فان لم يعرفه احد منهم ، فالكنز لواجده ويجب عليه فيه الخمس .

وإنما يجب على الواجد ان يعزف به من ملك الأرض قبله في الفرض المتقدم إذا علم من القرائن وشواهد الحال أن الكنز كان موجودًا لما كانت الأرض في يد ذلك المالك ، وإذا لم يعلم بوجود هدا الشرط واحتمل ان يكون الكنز متأخرًا عن زمان يد ذلك المالك على الأرض ، لم يجب تعريفه به ، وهكذا الحال في المالك السابق عليه إذا لم يعرفه الأقرب ، وهكذا من قبله ، فلا يجب التعريف بالكنز على واجده إلا لمن أحرز جريان يده على الكنز.

المسألة 29 : إذا ادعى المالك السابق أن الكنز له صدّقه واجد الكنز في دعواه ودفعه إليه ، ولا يتوقف وجوب تصديقه على أن يقيم بيّنة على صحة دعواه ، وكذلك إذا لم يعرفه هذا المالك وأدعاه السابق عليه ، وإذا ادعاه اثنان من الملاك السابقين على الواجد، فالقول قول الأقرب منهما في اليد إلى الواجد مع يمينه ، إلا أن يقيم الآخر السابق عليه في اليد بينة على صحة دعواه فيكون الكنز له .

المسألة 30 : إذا وجد الكنز في أرض مستأجرة من مالكها أو مستعارة منه ، بحيث كان مستأجر الارض أو مستعيرها صاحب يد عليها، وجب على الواجد تعريفه بالكنز كما يجب عليه تعريف مالك الأرض ايضا إذا كان صاحب يد عليها عرفا، فيعزفهما معاً، ولا ريب في ان الموارد مختلفة في صدق ذي اليد على المالك والمستأجر أو المستعير، عرفًا وفي قوة احدى اليدين على الاخرى ، فلا بد من مراعاة ذلك وملاحظته ، فإذا صدق على أحدهما انه هو صاحب اليد وحده وادعى انه مالك الكنز، صدّق في دعواه ودفع الكنز اليه من غير بيّنة، وكذلك إذا صدق على كليهما عرفاً انه صاحب اليد على الأرض ، وادعى الكنز احدهما وحده ولم يذعه الثاني ، فيصدق المدعي في قوله ويدفع له الكنز، وإذا ادّعاه كلاهما قدّم قول من كانت يده أقوى.

المسألة 31 : يشترط في وجوب الخمس في الكنز أن يبلغ مقدار النصاب ، ومقداره عشرون ديناراً شرعياً إذا كان الكنز من الذهب ، ومائتا درهم إذا كان من الفضة، وأقل الأمرين منهما على الأحوط إذا كان من جنس آخر غيرهما، وأحوط من ذلك ان يكتفي بأقل النصابين في الجميع .

المسألة 32 : إذا وجد الإنسان كنزاً وتملكه ، وكان الكنز يبلغ مقدار النصاب وجب فيه الخمس ، سواء أخرجه واجده كله دفعة واحدة أم أخرجه في دفعات .متعددة، ام لم يخرج منه شيئاً، ولا يعتبر ان يبلغ ما يخرجه منه في المرة الواحدة مقدار النصاب .

المسألة 33 : إذا عثر الإنسان على كنوز متعددة، استقل كل واحدٍ من الكنوز التي وجدها بحكمه ولم يرتبط بعضها ببعض ، فإذا بلغ كنز منها مقدار النصاب وجب الخمس فيه ، ولم يجب في الآخر إذا لم يبلغ مقداره وإذا كان كل واحد منها على انفراده لا يبلغ النصاب لم يجب الخمس فيها جميعاً، وان كان المجموع منها بمقدار النصاب او يزيد عليه .

وإذا عثر على مال واحد مدفون في مكان واحد في ظروف متعددة، فهو كنز واحد، فإذا كان مجموع المال يبلغ مقدار النصاب وجب فيه الخمس ، وان تعدّدت ظروف المال ، بل وان تعدّد جنسه فكان كل ظرف مثلاً يحوي جنسًا من المال ، ولا ينافي ذلك وحدة الكنز ووحدة الحكم فيه .

المسألة 34: إذا بلغ الكنز مقدار النصاب قبل إخراج المؤونة التي صرفها الإنسان على إخراج الكنز وتصفيته ، تعلق به وجوب الخمس على الأحوط ، ولكن الخمس يخرج منه بعد استثناء المؤونة، وقد ذكرنا نظير هذا في حكم المعدن في المسألة الثانية عشرة .

المسألة 35 : إذا وجد جماعة من الناس كنزاً واحداً، واشتركوا في حيازته وتملكه ، وكان مجموع ما أخرجوه منه يبلغ حد النصاب وجب الخمس فيه على الأحوط ، وان كانت حصة الفرد الواحد من الشركاء لا تبلغ النصاب .

المسألة 36 : إذا اشترى الرجل دابة أو حيواناً آخر فوجد في جوف ما اشتراه مالأ، وجب عليه أن يعزف بما وجده مالك الدابة أو الحيوان السابق عليه في الملك ، فان هو لم يعرفه عزف به المالك قبله ، وهكذا، فإن لم يعرفه أحد منهم فهو للرجل الذي وجده ، وإذا وجد المال في جوف حيوان قد ملكه بالحيازة ولم مجر عليه ملك أحد قبله ،فالمال لواجده ، وليس المال في هذه الفروض من الكنز، فلا يجب فيه خمس الكنز، بل يكون من الفوائد والأرباح المكتسبة، فيجري فيه حكمها، ويجب فيه الخمس بعد إخراج مؤونة سنته من أرباحه وسيأتي تفصيل أحكامه وبيان شرائطه في الأمر السابع مما يجب فيه الخمس ان شاء الله تعالى .

وكذلك الحكيم إذا وجد مالأ في جوف سمكة قد اصطادها، فالمال له ويجري فيه حكم الأرباح أيضاً، وإذا كان قد اشترى السمكة من مالك لها قبله ، واحتمل ان المال لذلك المالك فعليه أن يعرفه بالمال وان بعد الفرض ، فإذا لم يعرفه فالمال ملك لواجده وهو من الأرباح فإذا توفرت فيه الشروط وجب فيه خمسها.

المسألة 37 : الرابع من الأشياء التي يجب فيها الخمس : ما يخرجه الإنسان من البحر بالغوص فيه من جوهر ولؤلؤ ونحوها ، فيجب فيه الخمس ،سواء كان معداً كاللؤلؤ، أم نباتاً كالمرجان ، ولا يشمل الحكم مثل السمك والحيوان ، وان أخرج بالغوص بل يكون من الأرباح والفوائد المكتسبة فيكون فيه خمسها إذا توفرت شروط وجوبه .

المسألة 38 : يجب الخمس في المال الذي يخرجه الإنسان بالغوص إذا بلغت قيمته ديناراً شرعياً فصاعداً، سواء اتخذ نوع المال الذي أخرجه أم تعدّد ، وسواء أخرجه دفعة واحدة ام في دفعات متعددة، فإذا بلغت قيمة المجموع النصاب المذكور وجب الخمس فيه ، ولا يجب في ما دون ذلك .

المسألة 39 : إذا بلغ مال الغوص مقدار النصاب المتقدم ذكره ولو قبل إخراج المؤونة التي تصرف عليه ، تعلّق به وجوب الخمس على الأحوط ، ولكن الخمس يخرج مما زاد على المؤونة ولا يخرج من المؤونة كما تقدم في المعدن والكنز.

المسألة 40: إذا اشترك جماعة في الغوص فأخرجوا من المال ما تبلغ قيمته مقدار النصاب أو تزيد عليه وجب فيه الخمس على الأحوط ،وان كان نصيب كل فرد من الجماعة لا يبلغ النصاب وقد سبق نظير ذلك في الكنز والمعدن .

المسألة 41: ما يخرجه الإنسان من البحر بالآلات من غير غوص لا يلحقه حكم مال الغوص ، فلا يجب فيه خمسه ولا يتقدر بنصابه وان كان ذلك احوط ،.والأظهر انه من الفوائد والأرباح المكتسبة فيجب فيه خمس الأرباح إذا توفرت فيه شروط ذلك ،وإذا غاص الرجل على المال فشدّه في حبل او جمعه في آلة ثم اخرجه بها، وجب فيه خمس الغوص إذا بلغ النصاب .

المسألة 42: إذا وجد الرجل الجوهرة أو اللؤلؤة في الساحل ، أو أخرجتها الأمواج إلى وجه الماء فحازها من غير غوص لم يلحقها حكم مال الغوص ،ولحقها حكم الأرباح المكتسبة واعتبرت فيها شروطها.

المسألة 43 : إذا غاص الرجل في البحر لا بقصد الحيازة، فصادف جوهرة او لؤلؤة او مالأ آخر، فأخذ ذلك ، وجب فيه الخمس إذا قصد الحيازة حين أخذه للمال وبلغ مقدار النصاب .

المسألة 43 : إذا غاص الرجل في البحر لا بقصد الحيازة، فصادف جوهرة او لؤلؤة او مالاً آخر، فأخذ ذلك ، وجب فيه الخمس إذا قصد الحيازة حين أخذه للمال وبلغ مقدار النصاب .

المسألة 44: ما يخرج بالغوص من الأنهار الكبرى من أمثال دجلة والفرات والنيل -إذا فرض تكوّن الجواهر واللئالئ فيها- يكون حكمه حكم ما يخرج من البحر على الأحوط ، فيجب فيه خمس مال الغوص ، ويعتبر فيه ان يبلغ مقدار النصاب في مال الغوص .

المسألة 45: إذا غرق مال في البحر أو ألقاه مالكه في البحر عند خوفه من غرق السفينة وأعرض عنه كان مباحا، فإذا أخرجه أحد بالغوص ملكه ، والظاهر عدم إلحاقه بمال الغوص في الحكم وان كان من اللؤلؤ أو المرجان ، فلا يكون فيه خمسه ولا نصابه ، بل يجري فيه حكم الأرباح والفوائد المكتسبة، فيعتبر فيه ان تجتمع فيه شروط هذا النوع ، فإذا توفرت فيه شروطه وجب فيه خمسه بعد إخراج مؤونة السنة .

المسألة 46: إذا عثر الغواص في قاع البحر على بعض المعادن ، كمعدن ياقوت أو غيره فأخرجه ملكه بإخراجه وحيازته ، ووجب فيه خمس مال الغوص وتعلق به حكمه على الأظهر، ولم يتعلق به حكم المعدن .

المسألة 47: ما يخرج من العنبر بالغوص في البحر يجري عليه حكم مال الغوص من الخمس ومقدار النصاب ،وما يؤخذ منه مما يوجد على وجه الماء أو من ساحل البحر، فالأحوط إخراج خمسه وان لم تبلغ قيمته مقدار النصاب .

المسألة 48 : الخامس من الأشياء التي يجب فيها الخمس : الأرض التي يشتريها الكافر  الذمي من المسلم ، سواء كانت ارضًا خالية، أم أرض زرع أو غرس ، أم ارض دار أو عقار، إذا وقع عقد البيع على نفس الأرض ، بحيث كانت الأرض نفسها متعلقًا للمعاملة الجارية بينه وبين المسلم البائع ، وان كان الشجر والنخيل والبناء الموجود فيها متعلّقاً للمعاملة أيضا، فيتعلق الخمس بنفس الأرض دون ما فيها من البناء والأشجار والنخيل والزرع ، ولا يجب الخمس إذا وقع البيع على المسكن والدار والدكان والخان والعمارة والحمام مثلاً بعناوينها الخاصة التي تقابل عنوان الأرض ، وان كانت الأرض داخلة في المبيع .

المسألة 49: لا يجب الخمس في الأرض التي تنتقل إلى الرجل الذمي من المسلم ، إذا كان انتقالها إلى ملكه بغير البيع من المعاوضات، أو كان انتقالها إليه بالتمليك المجاني بغير عوض.

المسألة 50: يتخير المالك الذمي -إذا تعلق الخمس بأرضه المذكورة- بين أن يدفع الخمس من رقبة الأرض نفسها وان يدفع خمس قيمتها، ويجب قبول ذلك منه ، وإذا دفع الخمس من الأرض نفسها فليس لولي الخمس ان يقلع الغرس والبناء والزرع الموجود فيها، بل عليه أن يبقيه في الارض بأجرة مثل ذلك على الذمي .

المسألة 51: ليس في هذا القسم من الخمس نصاب معين ،بل يجب الخمس في الأرض المذكورة ، سواء كانت قيمتها قليلة أم كثيرة ، ولا تجب في هذا القسم من الخمس نية القربة، فلا ينوي الآخذ القربة حين يأخذ الخمس من الذمي ، ولا حين يدفعه إلى المستحق ، وان تولّى الحاكم الشرعي ذلك ، ومصرف هذا الخمس هو مصرف غيره من أقسام الخمس .

المسألة 52 : إذا اشترى الذمي الأرض من المسلم وجب فيها الخمس كما ذكرنا، ولا يسقط عنه وجوب الخمس إذا أسلم بعد ذلك على الأحوط ، ولا يسقط وجوب الخمس كذلك إذا باع الذمي الأرض على غيره ، سواء كان المشتري كافرا ام مسلماً، ولا يسقط الخمس إذا انتقلت الأرض منه إلى غيره بمعاملة أخرى غير البيع أو بميراث ، ولا يسقط الخمس إذا ردّ الأرض مالكها الذمي على بائعها المسلم بإقالة أو بيع ، ولا يسقط الخمس أيضًا إذا كان للبائع المسلم الذي باع الأرض على الذمي خيار الفسخ ، ففسخ بيعه على الذمي واستردّ الأرض منه على الأحوط في هذا الفرض الأخير.

نعم ، إذا اشترى الأرض المذكورة شيعي أو ملكها بغير الشراء من الأسباب المملّكة جاز له أن يتصرف في الأرض من غير إخراج الخمس .

المسألة 53: إذا اشترى الذمي الأرض من مسلم وتعلق بها الخمس ، ثم انتقلت عن ملكه إلى مالك آخر ببيع أو غيره ، ثم اشتراها الذمي الأول مرة أخرى من مسلم وجب في الأرض خمس آخر.

فان كان قد أدّى خمس الأصل من عين الأرض صح بيعه ثم صح شراؤه ووجب عليه تخميس الأربعة أخماس الباقية من الأرض بعد الشراء الثاني ، وان كان قد أدّى الخمس الأول من القيمة ثم باع جميع الأرض ثم اشتراها من مسلم وجب عليه خمس جميع الأرض ثانيًا، وكذلك إذا اشترى خمس العين بعد ان دفعه في الخمس وتملكه المستحق ، وإذا لم يكن قد أدّى خمس الأصل لا من العين ولا من القيمة ، ففي صحة بيعه ثم في شرائه إشكال .

المسألة 54: لا يصح ان يشترط الذمي في شرائه للأرض من المسلم أن لا يكون عليه خمس في الأرض ، او يشترط في العقد أن يكون الخمس على البائع ، وإذا اشترط أحد الشرطين كان الشرط باطلاً وان قبل به البائع ، ولا يصح كذلك ان يشترط في العقد سقوط بعض الخمس عنه : نصفه أو ربعه مثلاً، أو يشترط أن يكون بعضه على البائع ،فيبطل الشرط في جميع هذه الصور ، نعم ، يصح له ان يشترط في العقد على البائع المسلم أن يدفع الخمس عنه تبرعاً من ماله ، فإذا قبل البائع بالشرط وجب عليه الوفاء به ،ولا يسقط الخمس عن المشتري الذمي ، حتى يؤدي البائع الخمس عنه ويفي له بالشرط ، وكذلك إذا شرط الذمي عليه في العقد أن يدفع عنه بعض الخمس :نصفه أو ثلثه مثلاً ، فيلزم البائع أن يفي له بالشرط كما في الفرض المتقدم ، ولا يسقط الوجوب عن المشتري إلا إذا وفى البائع المسلم له بالشرط .

المسألة 55: يصح للبائع المسلم أن يشترط في البيع على الذمي الذي يشتري الارض منه أن يبيع الارض عليه بعد أن يتملكها، أو يشترط عليه أن يبيعها على مسلم آخر، ولا يسقط الخمس عن المشتري الذمي بذلك .

المسألة 56 : إذا اشترى الذمي أرض الطفل المسلم من وليه الشرعي ، او اشترى أرض المجنون المسلم من وليه الشرعي صح شراؤه ونفذت أحكام الشراء وآثاره ، ووجب الخمس على الذمي في الارض المشتراة .

المسألة 57 : إذا دفع الذمي خمس الأرض التي اشتراها من المسلم من عين الأرض ، أو أخذه ولي الخمس من عين الأرض كذلك وتملّك المستحق ذلك البعض منها ثم اشتراه الذمي ، تعلق به الخمس .

المسألة 58 : السادس من الأشياء التي يجب فيها الخمس: المال الحلال المختلط بالحرام ، بحيث لا يمتاز أحد المالين عن الآخر، ولا يعرف المالك الحقيقي للمال الحرام ولا مقداره ، فيجب الخمس في مجموع المال -على ما سيأتي تفصيله-، فإذا أخرج المكلف خمسه كذلك حل له الباقي .

المسألة 59: اختلاط المال الحلال بالمال الحرام قد يكون على وجه الإشاعة التامة -كما إذا كان المالان من جنس واحد- وامتزجت أجزاء أحدهما بأجزاء الآخر على نحو لا يمكن التمييز بين الأجزاء، ومن أمثلة ذلك : ان يمتزج المائع بالمائع أو الدقيق بالدقيق ،أو الحنطة بالحنطة حتى لا تتبين أجزاء المال بعضها عن بعض ،وقد يكون الاختلاط بين المالين لا على وجه الإشاعة ، ومثال ذلك : ان يكون لدى الرجل مقدار من أكياس الحنطة المملوكة له واختلط عليه أمرها بمثلها من الحرام ، فلم يدر أيّها المملوك له وأيها المحرّم المملوك لغيره ، او كان عنده عدد من الكتب واشتبهت بكتب غيره ،فلم يميز بين ما يملكه منها وما يملكه غيره ، والحكم في كلا الفرضين واحد ، فإذا هو لم يعرف مقدار الحرام ولا صاحبه وجب عليه إخراج خمس المال ، وبإخراجه يحل له الباقي ، سواء كان المالان المشتبه عليه أمرهما من جنس واحد أم أكثر.

المسألة 60 : يشترط في وجوب الخمس في المال الحلال المختلط بالحرام -المتقدم ذكره-: أن لا يعرف المكلف مقدار الحرام المختلط بماله ، فلا يدري انه يزيد على خمس مجموع المال أو يساويه او ينقص عنه ، وبحكمه أن يعلم بأن الحرام الموجود لا يزيد على الخمس ، فهو اما بمقدار الخمس من المجموع أو ينقص عنه ، أو يعلم كذلك بان الحرام الموجود لا ينقص عن مقدار الخمس ، فهو اما بمقدار الخمس او يزيد عليه ، وعلى وجه الاجمال : ان يحتمل ان يكون الحرام الموجود في المال بمقدار الخمس منه ، فيكون إخراج الخمس من مجموع المال موجباً لحلّ الباقي منه .

المسألة 61: إذا علم المكلف على وجه الإجمال بان قدر المال الحرام الموجود في مجموع المال يزيد على خمسه ، فالظاهر وجوب التصدق بجميع المقدار المعلوم بالإجمال ، والاحوط لزومًا ان يكون التصدق بالمقدار المذكور بإذن الحاكم الشرعي ، وأحوط من ذلك أن يصرف جميع المقدار مصرف الخمس بنية التصدق بمجهول المالك أو الخمس بعد استئذان الحاكم الشرعي بذلك .

المسألة 62 : إذا علم المكلف إجمالا بان الحرام الموجود في مجموع المال أقل من خمسه ، فالظاهر وجوب التصدق بالمقدار المعلوم ، والاحوط لزوماً ان يكون التصدق بإذن الحاكم الشرعي كما تقدم ، والأحوط إخراج الخمس وصرفه مصرف الخمس بنية الصدقة بمجهول المالك أو الخمس ، بعد استئذان الحاكم الشرعي بذلك .

المسألة 63: إذا علم الشخص بمقدار المال الحرام الذي اختلط بماله ، ولم يعرف مالك ذلك المال ، وجب عليه التصدق بالمقدار الحرام عن مالكه ، ولا يترك الاحتياط بأن يكون التصدق به عن مالكه المجهول بإذن الحاكم الشرعي ، وإذا عرف المكلف مقدار المال الحرام وعرف مالكه وجب على المكلف دفعه إليه ، ولم يكفه دفع الخمس وان كان مساويًا له .

المسألة 64: إذا جهل الشخص مقدار المال الحرام الذي اختلط مع ماله وعرف مالكه ، صالحه عن المقدار الذي يملكه في المال المختلط ، وإذا لم يرض المالك بالمصالحة، ودار الأمر في مقدار ماله بين الأقل والأكثر ، جاز أن يدفع إليه الأقل إذا كان المال في يد الشخص المكلف ، فإن لم يرض المالك بالقسمة تعيّن الرجوع إلى الحاكم الشرعي في حسم أصل الدعوى بينهما لا في القسمة، وإذا دار الأمر بين المتباينين ، أو دار الأمر بين الأقل والأكثر ولم يكن المال في يد الشخص المكلّف تعين الرجوع إلى الحاكم في حسم أصل الدّعوى ، والمسألة موضع إشكال ، ولذلك فالمصالحة بينهما أحوط ، وأبرأ للذمم من الجانبين .

المسألة 65 : إذا تردد مالك المال الحرام بين افراد محصورين في العدد، فالأحوط وجوب التخلص من الحرام بإرضائهم جميعاً، وخصوصاً إذا كان اختلاط المال الحلال بالحرام بتقصير من المكلف نفسه ، فإذا تعذّر عليه استرضاؤهم جميعاً، أو لزم منه الضرر او الحرج اللذان يرفعان التكليف ، رجع في تعيين المالك منهم إلى القرعة .

المسألة 66: إذا كان المال الحرام في ذمة الشخص المكلف وليس مختلطاً في عين ماله ، فلا موضع للخمس ، فإذا علم بجنس المال الحرام الذي في ذمته ، وعلم مقداره وعرف صاحبه على التعيين ، وجب عليه رد المال إليه ، وإذا علم بوجود مالك المال بين أفراد محصورين في عددهم وجب عليه إرضاء الجميع على الأحوط ، فإذا تعذر عليه ذلك ، أو لزم منه الحرج أو الضرر الرافع للتكليف رجع إلى القرعة، وإذا علم بوجود صاحب المال في جماعة أو بلد غير محصور في عدد الأفراد، تصدّق بالمال عنه ، والأحوط ان تكون الصدقة بالمال بإذن الحاكم الشرعي عن المالك المجهول ، او يدفع المال إلى الحاكم ليتصدّق به عنه .

وإذا علم جنس المال الحرام وتردد في مقداره بين الأقل والأكثر. ، جاز له ان يكتفي بدفع الأقل ، فيدفعه إلى المالك إذا عرفه على التعيين ، وإذا تردد المالك عنده بين جماعة محصورين في عددهم كان عليه ان يسترضي الجميع كما تقدم ، وإذا تعذر ذلك او لزم منه الضرر او الحرج رجع إلى القرعة.

وإذا علم بوجود المالك بين أشخاص أو قبيلة غير محصورة في العدد، تصدّق بالمال عن المالك المجهول بإذن الحاكم الشرعي على الأحوط ، او دفع المال إليه ليتصدّق به عنه على نهج ما تقدّم .

وفي المسألة فروض أخرى ذكرناها في تعليقتنا على كتاب الخمس من العروة الوثقى ، فليرجع إليها من اراد.

المسألة 67: يتخير المكلف في إخراج هذا القسم من الخمس ،فيجوز له ان يدفع مقدار خمسه من مال آخر غير المال المخلوط نفسه ، ويجوز له أن يخرجه من نفس المال المخلوط الذي تعلّق به الحكم بعد ان يستأذن من الحاكم الشرعي في إخراجه منه وتعيينه على الاحوط .

المسألة 68 : إذا أخرج المكلف خمس مجموع المال الحلال المختلط بالحرام على الوجه المطلوب ، وصرف الخمس في مصارفه ، ثم عرف مالك المال الحرام بعد ذلك ، فلا يكون ضامنًا للمالك ماله على الأقوى ، وليس للمالك أن يطالبه بشيء ، وكذلك الحكم في المال المجهول المالك إذا تصدّق به المكلف عن صاحبه ثم استبان له مالك المال بعد الصدقة به فلا ضمان على المكلّف على الأقوى ، وان كان الضمان احوط له استحبابًا في كلا الفرضين .

المسألة 69 : إذا أخرج المكلف الخمس من المال المختلط بالحرام ودفعه للمستحق ، ثم علم بعد دفع الخمس ان المقدار الحرام الموجود في المال اقل من مقدار الخمس ، لم يسترجع الزائد الذي دفعه إلى المستحق على الأحوط ، إن لم يكن ذلك هو الأقوى .

وإذا دفع الخمس إلى المستحق ، ثم علم ان الحرام الموجود في المال يزيد على مقدار الخمس الذي دفعه ، فالأحوط له لزوماً ان يتصدّق بما زاد منه على الخمس ، وان تكون الصدقة به بإذن الحاكم الشرعي. .

المسألة 70: إذا كان لدى الرجل مال معين مجهول المالك فخلطه عامداً بماله ليحلّه بدفع الخمس خوفًا من زيادة ذلك المال على مقدار الخمس ، فالظاهر ان المال لا يزال على حكم مجهول المالك فلا يحلّ له بالتخميس .

المسألة 71 : إذا كان المال الحلال الذي اختلط بالحرام مما وجب فيه الخمس ، لانه من أرباح المكاسب او من المعادن مثلاً، ثم اختلط بالحرام ، فالأحوط للمكلّف أن يخمّس -اولا-ً مجموع المال المختلط ليحل بالتخميس مما فيه من الحرام ، ثم يخمّس الباقي من المال بعد ذلك ، وان كان يكفيه على الأقوى أن يخمس في أول الأمر المقدار الذي يستيقن بوجوب الخمس فيه من المال الحلال ، ثم يخمس الباقي بعد ذلك خمس التحليل ،والفارق بين الطريقين واضح لا خفاء فيه .

فإذا كان مجموع المال المختلط من الحلال والحرام يبلغ مائة دينار مثلاً، وكان المقدار الذي يتيقن وجوب الخمس فيه من المال الحلال ستين ديناراً، فالباقي للمكلف من المال بعد اخراج الخمس الاول والخمس الثاني -على الطريقة الاولى- اربعة وستون دينارا لا غيرها، والباقي له بعد إخراج الخمسين على الطريقة الثانية سبعون دينارا وستمائة فلس .

المسألة 72 : إذا كان المال الحرام -الذي اختلط بمال المكلف- من المال المأخوذ بغير حق ، من الزكاة او من الخمس أو من مال الوقف العام او الخاص ،لم يجب فيه الخمس بسبب الاختلاط ، ولا يحل للمكلف أخذ الباقي منه إذا أخرج خمسه ، بل يجري عليه حكم المال الحرام الذي يعرف مالكه ، فيجب على المكلف ان يراجع الولي الشرعي لمال الزكاة أو مال الخمس ، وان يراجع ولي الوقف ، على الوجوه التي سبق ذكرها في المال المعلوم مالكه ، وقد بيّناها في المسائل الماضية .

المسألة 73 : إذا أتلف المكلف المال المختلط من الحلال والحرام قبل ان يخرج الواجب من خمسه لم يسقط عنه وجوب الخمس بإتلاف المال ،فان هو عرف مقدار مجموع المال المذكور، فهو مشغول الذمة بخمس ذلك المقدار، ويجب عليه أن يؤديه ، وان لم يعرف مقدار المال ، وتردّد فيه بين الأقل والأكثر، جاز له ان يكتفي بدفع خمس الأقل ، والأحوط له استحبابًا أن يدفع خمس الأكثر، ويتأكد الاحتياط والاستحباب فيه إذا علم بمقدار المال في اول الأمر ثم قصّر ، وأخّر دفع الخمس حتى نسي مقدار المال .

المسألة 74: إذا باع المكلف المال المخلوط من الحلال والحرام قبل أن يخرج خمسه ، جاز لولي الخمس ان يرجع عليه بمقدار الخمس من المال ، وصح له ان يرجع على مشتري المال المذكور ، فيأخذ منه خمس عين المال ، وكذلك الحكم إذا نقل المكلف المال إلى مالك آخر بغير البيع من المعاملات ، فيتخيّر ولي الخمس بين الأمرين ، ويصح للحاكم الشرعي أن يمضي المعاملة التي أجراها المكلف على المال المذكور، فيأخذ منه خمس العوض الذي انتقل إليه ببيع المال او بالمعاوضة الاخرى التي أجراها عليه ،وإنما يصح هذا الإمضاء إذا لم يكن مخالفاً لمصلحة الخمس .

ومثال ذلك : ان يبيع المكلف المال بقيمته المتعارفة له بين الناس او بما يزيد عليها، فيصح للحاكم في هذه الصورة إمضاء المعاملة كما قلنا، وإذا باع المال بأقل من قيمته لم يصح له إمضاء البيع لانه مخالف لمصلحة الخمس .

المسألة 75: السابع من الاشياء التي يجب فيها الخمس :ما يزيد عن مؤونة الإنسان لنفسه ولعياله في مدة سنة كاملة ، من فوائده التي تدخل عليه من الصناعات والزراعات والأعمال والتجارات والاجارات ، وسائر وجوه المهن والحرف والمكاسب ، بل الأقوى وجوب الخمس في كل فائدة تدخل على الإنسان وان لم تحصل بالتكسب والمعاوضة ، كالهبات والهدايا والجوائز التي ينالها من بعض المتبرعين ، والمكافآت التي قد تصل إليه لقيامه ببعض الأعمال ، وما يوصى به له من الأموال ، والميراث الذي يحصل له من غير احتساب ، والنذور، والمهر للزوجة ، وعوض الخلع ، وحاصل الوقف الخاص ، وحاصل الوقف العام إذا قبضه وتملّكه ، فيجب عليه الخمس في جميع ذلك إذا زاد عن مؤونة الرجل له ولعياله في مدة سنته .

المسألة 76 : المدار في وجوب الخمس في المال الذي يحصل للرجل بسبب الارث ان يكون الميراث غير محتسب ، سواء كان الوارث عالما بالرحم التي أوجبت له استحقاق الميراث ام كان جاهلا بها ، وسواء كانت الرحم قريبة أم بعيدة .

المسألة 77 : إذا وجب على الإنسان الخمس في ماله ولم يؤدّه ثم مات ، وجب على وارثه من بعده إخراج الخمس ،سواء كان المال الذي تركه نفس العين التي تعلّق بها الخمس أم كان عوضها، وكذلك إذا أخرج بعض الخمس في حياته وترك بعضه حتى مات ، فيجب على الوارث إخراج بقية الخمس .

وإذا علم الوارث بأن الوارث مات وقد انتقل الخمس إلى ذمته فاشتغلت ذمته به بعد ان كان متعلقًا بعين المال ، وجب عليه وفاؤه من أصل تركة الميت ، كسائر الديون التي تشتغل بها ذمة الميت .

المسألة 78 : إذا كان الرجل ممن يتعيش في حياته من الحقوق الشرعية الواجبة او المندوبة ، كالزكاة أو الخمس وردّ المظالم والصدقات الواجبة الأخرى أو المندوبة، واتفق ان زاد ما ملكه منها على مؤونة السنة له ولعياله ، وجب عليه الخمس في المقدار الزائد على المؤونة، وإذا ملكها ونمت في ملكه نماءًا متصلاً أو منفصلاً وجب عليه الخمس في نمائها ، وسيأتي -ان شاء الله تعالى- بيان هذا في المسألة الثمانين .

المسألة 79 : إذا باع المكلف شيئًا من الأشياء التي يملكها وقد تعلق وجوب الخمس بذلك الشيء ،  ولم يؤد المالك خمسه قبل البيع ،كان البيع في مقدار الخمس من ذلك الشيء فضوليًا، لا يصح إلا بإجازة ولي الخمس وهو الحاكم الشرعي ، فإذا هو أمضى البيع فيه وأجازه نفذ وصح ، وأخذ الحاكم ثمن مقدار الخمس من البائع ، ويجوز له ان يأخذ ثمن ذلك المقدار من المشتري ، فإذا كان المشتري قد دفعه من قبل رجع به المشتري على البائع بعد ان يدفعه للحاكم، وإذا لم يُمض الحاكم البيع فيه لم ينفذ ولم يصح ، وجاز له ان يأخذ الخمس من عين المبيع ، سواء كانت بيد البائع ام بيد المشتري .

وكذلك الحكم إذا نقل المكلف عين المال الذي وجب فيه الخمس إلى ملك شخص آخر بمعاوضة أخرى غير البيع ، فتكون المعاملة فضولية في مقدار الخمس -على النهج الذي ذكرناه في البيع-، وإذا ملّكه المكلف لغيره بغير عوض لم يصح التمليك في مقدار الخمس . .

المسألة 80: يجب الخمس في النماء المنفصل للأعيان التي يملكها الإنسان ، كالولد  واللبن من الحيوان المملوك ، وكالبيض والفراخ من الدجاج والطيور المملوكة، وكالفسيل من النخيل والودي من الشجر ، وان كان الأصل مما لم يتعلق به وجوب الخمس بعد، او كان الخمس قد تعلق به وأدّاه .

ويجب الخمس فيما هو كالمنفصل من النماء المتصل للعين المملوكة، كالصوف والوبر من الحيوان ، وكالحبوب والثمر والتمر في الزرع والشجر والنخيل ،فيجب الخمس في هذين النوعين من النماء إذا تمت فيهما شروط الوجوب المعتبرة في الأرباح والفوائد.

وأما النماء المتصل -غير ذلك-، فإنما يجب الخمس فيه على الأحوط ، فيما إذا كان المقصود المتعارف بين الناس من ذلك الشيء هو الانتفاع بنفس العين ،ومن أمثلة ذلك : بعض الشجر الذي لا يثمر فالمقصود المتعارف بين الناس من ذلك البعض هو الانتفاع بخشبه وأغصانه، فإذا نمت الشجرة منه وكبرت ازدادت فائدتها بذلك وتعلق الخمس بهذا النماء، والشجر الذي يتعارف بين الناس الانتفاع بورقه كالحنّاء ، فإذا نمت شجرته وكثر ورقها كبرت فائدتها وتعلق الخمس بنمائها، والحيوان الذي يقصد منه الانتفاع بلحمه وسمنه ، فإذا سمنت البقرة أو الشاة او المعزاة تعلق الخمس بنمائها على الأحوط .

ولا يجب الخمس في ما عدا ذلك من النماء المتصل اذا زاد ، وان كان الاحوط استحبابًا اخراج خمسه اذا كانت لزيادة ذلك النماء مالية في نظر أهل العرف ، بحيث تصدق عليه الفائدة، ولكن صدق الفائدة على ذلك ممنوع وان زادت المالية عرفا.

ولا يجب الخمس في النماء المتصل للعين المملوكة ولا في النماء المنفصل ، إذا كان مما يحتاج إليه المكلف في مؤونته .

المسألة 81: إذا ارتفعت قيمة السّلعة التي يملكها الإنسان من غير زيادة في عين السلعة وزادت ماليتها بسبب هذا الارتفاع ، لم يجب الخمس في هذه الزيادة السوقية، إلا إذا باع المكلف السلعة بتلك القيمة وحصل بالفعل على الزيادة، فيجب عليه الخمس فيها، وهذا بشرط ان يكون الرجل قد ملك تلك السلعة بمعاوضة ، وكان العوض الذي أخذ السلعة به من جنس الثمن الذي باعها به ، ومثال ذلك : ان يشتري الرجل السلعة بخمسين دينارا مثلاً ، ثم يبيعها عند ارتفاع قيمتها في السوق بخمسة وسبعين دينارا ، فيجب عليه الخمس في الفائدة التي حصلت له ، وهي مقدار التفاوت بين الثمنين .

ولا يجب الخمس في غير هذه الصورة، كما إذا ملك السلعة بالإرث ، أو بهبة غير معوضة، أو ملكها بمعاوضة وكان العوض من غير جنس الثمن الذي باع به العين ، وهذا كلّه إذا كان قد تملّك العين للاقتناء، وسنتعرض فيما يأتي لحكم العين إذا كانت للتجارة .

المسألة 82 : إذا كانت السلعة التي يملكها المكلف من مال التجارة ، بحيث كان قصده من تملّكها ان يتّجر بها ، وكان قد ملك السلعة بمعاوضة ، سواء كان العوض الذي دفعه في تملكها من جنس الثمن الذي يبيعها به أم من جنس آخر ، فالظاهر وجوب الخمس في زيادة قيمتها بعد تمام السنة ، إذا أمكن له ان يبيعها وان لم يبعها بالفعل ، وإذا لم يمكن له بيعها إلا في السنة التالية، كانت الزيادة من ارباح السنة التالية التي امكن له البيع فيها ، لا من أرباح السنة المتقدمة التي لم يمكن فيها البيع .

المسألة 83 : إذا ملك الشخص سلعة ليكتسب بها ويتّجر ،فارتفعت قيمة السلعة في السوق ولم يبعها مالكها في حال ارتفاعها ، ثم هبطت القيمة بعد تمام السنة او في أثنائها، فان كان الرجل مفرّطاً في عدم بيع السلعة بتلك الفرصةَ ضمنَ خمس زيادة القيمة في تلك الايام ، فيجب عليه دفع بدله ، وان كان معذوراً غير مفرّط في نظر العقلاء ، كما إذا ترك بيع السلعة لغيبته عن البلد في تلك الفرصة، أو لغفلته عن ارتفاع القيمة ، او لعدم وجود المشتري بالفعل ، وكما إذا ترك البيع لانه يرجو زيادة السعر اكثر من القيمة الموجودة، أو لعذر آخر مقبول ، فلا ضمان عليه للخمس المذكور.

المسألة 84 : ما يكون من سلع التجارة او من قيمتها دينًا في ذمة بعض الناس المتعاملين مع المكلف كالأشياء التي يشتريها سلفًا ، والأشياء التي يبيعها نسيئة وما يشبه ذلك ، ان كان مما يمكن حصوله للمكلف إذا طالب المدين به وتيَسّر ذلك له ، بحيث يكون المال كالموجود لديه ، لحلول الأجل في المعاملة وسهولة الوفاء بها متى طلب ،فيجب على المكلف خمسه ،وإذا اتفق ان زادت قيمة تلك السلع وأمكن له أخذها من المدين وبيعها قبل انتهاء السنة وجب عليه خمس الزيادة أيضًا، وكانت من أرباح تلك السنة، وان لم يمكن له تحصيلها بالفعل صبر إلى وقت تحصيلها، وتكون الزيادة من أرباح السنة المتقدمة على الاحوط .

المسألة 85: إذا أقرض الرجل احداً بعض أرباحه او بعض فوائده في أثناء سنته ، ولم يكن قرضه المبلغ لذلك الرجل وجهًا من وجوه التكسب والاسترباح ، فالظاهر وجوب الخمس فيما أقرضه إيّاه من المال .

المسألة 86 : من أرباح الإنسان ما يدخل عليه من سرقفلية أملاكه ودكاكينه ومحلاته إذا هو آجرها لغيره ، وأخذ من المستأجر قيمة السرقفلية ليختص المستأجر بتلك الاملاك التي استأجرها، فلا يخرج منها إلا باختياره ورضاه ، فيملك المؤجر تلك القيمة (السرقفلية ) من المال ، ويملك المستأجر ذلك الحق بالعين المستأجرة بحسب الشرط الذي اتفقا عليه في ضمن عقد الإجارة بينهما، وجرى عليه الإيجاب و القبول .

ومن الأرباح للمستأجر ما يدخل عليه من سرقفلية المحل او الدكان الذي استأجره هو من مالكه ، ودفع له سرقفليته التي تقدّم ذكرها ، فأصبح المستأجر صاحب الحق بموجب الشروط المتبعة، فإذا أراد أن يؤجر المحل لشخص غيره ، وأخذ منه المبلغ (السرقفلية) لينتقل حق الاختصاص بالمحل منه إلى المستأجر الجديد ، كان هذا المبلغ من أرباحه الخاصة به .

بل حـق الاختصاص هذا وهـو (السرقفلية) إذا كان المستأجر قد دفع عوضها للمالك -كما بيّنا فيما تقدم- أو دفعه للمستأجر السابق عليه ، فأصبحت حقّا ثابتًا من حقوقه بحسب الشروط المتبعة التي جرى عليها العقد في أصل الإجارة، فانها تكون من أرباح المستأجر في تلك السنة ، ويجب الخمس في قيمتها بعد إخراج المؤونة، وان لم يقبض عوضها من مستأجر بعده ، وتراجع المسألة الثانية عشرة من رسالتنا في المسائل المستحدثة .

المسألة 87: الحقوق التي تدفعها الحكومات او الشركات للموظف عندها ، أو العامل لديها بعد أن تستغني عن وظيفته ، أو عن عمله ، فائدة من جملة فوائده التي تدخل عليه ، ولذلك فيجب فيها الخمس إذا زادت عن مؤونة سنته ، وبحكمها ما يدفع لعائلة الموظف والعامل وورثتهما من الحقوق بعد موتهما ، فيجب فيه الخمس إذا زاد على مؤونة السنة .

المسألة 88: إذا ربح الإنسان او استفاد مبلغًا من المال من بعض الجهات ، وأراد أن يجعل ذلك المبلغ رأس مال ليتّجر به ويكتسب ، فالأحوط له أن يؤدي خمس ذلك المبلغ قبل أن يتّجر به .

وإذا كان الرجل -بحسب شرفه ومنزلته في المجتمع وبين نظرائه من الناس - ممن لابدّ له من رأس مال ، ولابدّ له من التجارة به ، أو كان وجود رأس المال عنده ضرورة له في تحصيل مؤونة سنته بما يليق بحاله ، بحيث لا يستطيع تحصيل المؤونة بغير ذلك ، فلا يبعد عدم وجوب الخمس عليه في رأس المال في هاتين الحالتين .

وكذلك الحكم في الآلات التي يحتاج إليها الرجل في صناعته أو حرفته التي يكتسب بها ، كآلات النجارة للنجّار ، وأدوات الزراعة للزارع ، وأدوات النساجة للحائك ، وأمثال ذلك ، فالأحوط له وجوبًا أن يخرج خمس الآلات والأدوات –اولاً- قبل ان يعمل بها ويكتسب ، وإذا كان وجود هذه الآلات ضرورة له فلا يمكنه تحصيل مؤونته بدونها، أو كان إخراج الخمس منها يوجب تنزّله إلى مكسب لا يليق بحاله او لا يفي بمؤونته ، فلا يبعد القول بعدم وجوب الخمس فيها -كما قلنا في رأس المال- لانه يكون من مؤونته التي يحتاج إليها.

المسألة 89 : إذا اشترى الرجل من أرباح كسبه ، او من بعض فوائده الداخلة عليه بستاناً أو داراً أو عقاراً، أو اشترى بعض وسائل النقل أو الحمولة أو نحو ذلك ، ليستفيد من حاصل ما اشتراه ومنافعه ، او ليحصل على الفائدة ببيعه والمعاوضة عليه ،وجب عليه إخراج خمس ثمن تلك المشتريات إذا لم يكن قد أدّى خمسه قبل ذلك .

وكذلك ما ينفقه من الارباح والفوائد في تعمير البستان أو الدار أو العقار الذي اشتراه وفي غرس ما يحتاج إلى الغرس منه ، فيجب إخراج خمس تلك النفقات إذا لم يكن قد أدّاه ، ومثله ما ينفقه من الأرباح في تعمير البستان وغيره من الأشياء المذكورة إذا كانت مما لا خمس في أصله ، كما إذا دخل عليه بميراث محتسب .

المسألة 90 : إذا كان ثمن البستان أو الدار او العقار أو الشيء الآخر الذي اشتراه المكلّف دينًا في ذمته ،وجب عليه إخراج خمس الشيء المشترى بعد وفاء ذلك الدين ، وإذا وفى بعض الدين وبقي بعضه ، وجب عليه إخراج خمس البعض الذي أدّى ثمنه من العين ، فإذا وفّى نصف ثمن البستان أو الدار وجب عليه خمس النصف الذي دفع ثمنه ، وبقي النصف الآخر حتى يؤدّي ثمنه فيخمّسه .

وكذلك إذا اشترى من الأرباح والفوائد غنماً او بقراً أو ابلاً، ليبيعها ويربح من ارتفاع قيمتها، أو ليكتسب ببيع لحمها أو بيع نتاجها من صوف ووبر ولبن ودهن وولد ، فيجب عليه خمس الثمن إذا لم يكن أدّى خمسه من قبل ، وإذا باعها أو باع لحمها او نتاجها، فحصل على زيادة كان عليه خمس الزيادة التي حصلت له ،وقد سبق ذكر هذا.

وإذا اشترى البقر أو الغنم أو السيارة لحاجته وحاجة أهله ، كانت من المؤونة ، فلا يجب الخمس في ثمنها.

المسألة 91: إذا ملك الرجل بستانا وعمّره للانتفاع بثمره وتمره حتى نمت نخيله واشجاره وزراعته كانت حاصلات النخيل والشجر والبستان والأرض من الفوائد التي تدخل عليه ، فإذا زادت هذه الحاصلات على مؤونة سنته له ولعياله وجب عليه الخمس في الزيادة، وقد ذكرنا في المسألة التاسعة والثمانين وما بعدها انه لابد من تخميس الثمن الذي يشتري به البستان ، والنفقات التي تصرف في تعميره ، ويجب كذلك تخميس الشجر والنخيل التي تغرس فيه ، وان أخذها وديًا أو فسيلاً من الشجر والنخيل الذي أخرج خمسه ، أو نبت بنفسه لا بفعل أحد، كالشجر ، وفسيل النخل الذي ينبت في الأرض صغاراً من سقوط بعض النوى والبذور فيها ثم ينمو ويكبر، فإذا عدّ مالاً وجب فيه الخمس .

واما نماء الشجر والنخيل المنفصل والمتصل فقد تقدّم بيان الحكم فيه في المسألة الثمانين ، فلتراجع .

ولا يجب الخمس في ارتفاع القيمة للبستان ونحوه في السوق ، إلا إذا باعه المالك بأكثر من ثمنه الذي ملك به العين ، ومما صرفه فيه من ثمن الفسيل وأجرة الفلاح وغير ذلك ، فيجب الخمس في الزيادة .

وإذا كان الرجل قد تملّك البستان وعمّره بقصد التكسب به وتحصيل الفائدة ببيعه ، وجب الخمس في زيادة قيمته ، وفي نمو اشجاره ونخيله إذا زادت قيمته بذلك على الثمن الذي ملكه به ، والمال الذي صرفه في تعميره .

المسألة 92 : إذا تعدّدت مكاسب الإنسان ومصادر فائدته من الأموال ، وجب عليه أن يضبط في آخر سنته مجموع ما يحصل له من أرباح وفوائد، وان يؤدّي الخمس مما يزيد عن مؤونة سنته من ذلك كله .

المسألة 93 : إذا كان الوجه الذي اتخذه الإنسان في كسبه من الوجوه التي تأتي فوائدها وأرباحها متدرجة في الحصول من أول الشروع فيها، فمبدأ السنة لهذا الشخص هو أول شروعه في الاكتساب ، فيكون ذلك الوقت هو أول سنته التي يجب عليه الخمس بعد إخراج مؤونتها من مجموع ما اكتسب في السنة ، من أولها إلى انتهائها ، سواء كان الوجه الذي يكتسب به من التجارات ، ام من الصناعات ، ام من الاعمال التي تكون لها هذه الصفة.

وإذا كان الوجه الذي يكتسب به الرجل من الوجوه التي تتأخر ارباحها عن وقت الشروع فيها، كالزراعة والغرس والفلاحة، فمبدأ السنة له هو وقت ظهور الربح ، سواء استمرّ ظهور الربح مدة بعد ذلك ، أم ظهر دفعة ثم انقطع ، وكان ما ظهر منه يكفي لمؤونة السنة.

وإذا لم تكن للرجل مهنة خاصة يكتسب بها ، وحصلت له بعض الفوائد التي تكفيه لمؤونته ، فمبدأ السنة هو وقت حصول الفائدة.

وإذا تعدّدت وجوه الاكتساب عند الشخص ، فمبدأ سنته هو أول السنة في أسبق وجوه اكتسابه لتحصيل الفائدة ، سواء كان من القسم الأول ام من القسم الثاني ، وسواء كان اسبق وجوه اكتسابه أكثرها فائدة أم أقلها، ويجب عليه في آخر سنته أن يضبط مجموع ما حصل له من الفوائد ، ويخمّس ما يزيد عن مؤونة سنته من ذلك كلّه -كما قلنا في المسألة المتقدمة-.

المسألة 94: من الفوائد التي يتعلق بها وجوب الخمس -إذا زادت على مؤونة الإنسان لسنته-، ما يدخل عليه من نماء الغنم التي يملكها، فإذا ملك الرجل قطيعاً من الغم مثلاً، وأنتج القطيع من الصوف واللبن والدهن والجبن وأولد سخالاً، وباع هذا النتاج وحصل منه على أثمان، كان ذلك من الفوائد والارباح ، فإذا زادت الاثمان على مؤونته في السنة وجب عليه الخمس في الزائد منها ، سواء كانت الغنم التي ملكها مما لا خمس فيه ، كما إذا انتقلت إليه بميراث محتسب ، أم كانت مما فيه الخمس -كما إذا كانت نتاجاً وجب فيه الخمس ولم يؤدّه-، أم كانت نتاجاً قد أدّى خمسه ، او مشتراة بثمن قد خمّسه ، وكذلك الحكم في غير الغنم من الانعام ، او سائر الحيوان .

المسألة 95: إذا ظهرت الأرباح والفوائد من كسب الرجل ومصادر رزقه ، بدأ بإخراج مؤونته التي يحتاج إليها في تحصيل الربح ، أو في معيشته ومعيشة من يعول به لسنة تامة، فإذا فضل من الأرباح التي اكتسبها شيء بعد المؤونة وجب فيه الخمس ، وقد تكرر منا ذكر هذا.

وتنحصر المؤونة المذكورة في قسمين :

القسم الأول من المؤونة: ما يصرفه الرجل من المال في تحصيل الربح وضبطه وحفظه ، كأجرة الدكان ، أو المحل الذي تودع فيه البضاعة وسلع الاكتساب وتحفظ فيه ، أو تعرض فيه للراغبين ، أو يكون موضعاً للعمل ومخزناً للأدوات ، وعوض السرقفلية الذي يلزمه ان يدفعه لمالك الدكان أو المحل ، أو للمستأجر السابق عليه ، وأجور النقل والتحميل والكتابة والحساب والحراسة فيما يحتاج إلى ذلك ، وضرائب الدولة وأجور العامل والفلاح والزارع والراعي ونحو ذلك .

القسم الثاني من المؤونة: ما يحتاج الإنسان إلى صرفه من المال في الإنفاق على نفسه وعياله على الوجه اللائق بشأنه -بحسب شرفه ومنزلته في مجتمعه وبلده-، من المأكل والملبس وموضع السكنى ، والزوجة المناسبة لمكانته ، والأثاث والفرش والأواني والأدوات الكافية ، ووسائل الراحة ، بل والخدم والكتب -إذا كان ممن يحتاج إلى ذلك-.

ومن المؤونة: ما يحتاج إليه من المال لصدقاته وهداياه وجوائزه التي تناسبه ، وزيارته لبعض المشاهد، وضيافة أضيافه وتكريم بعض الوافدين إليه ، وما يحتاج إليه لاداء الحقوق التي تلزمه من ديون أو نذور، أو كفارات أو فديات أو أروش جنايات ، أو غرامات بسبب اتلاف وشبهه .

ومن المؤونة: ما يحتاج إليه من النفقات والمصارف والإطعام في بعض المناسبات ، وعند ولادة أولاده ، وفي تربيتهم وتعليمهم ، وفي ختانهم وتزويجهم ، وفي مرضه أو مرض بعض أولاده وعياله ، وفي أسفاره للعلاج وغيره ، وعلى وجه الإجمال: كل ما يتعارف للإنسان صرف المال فيه على الوجه الذي يحتاج إليه ، أو الوجه الذي يليق بحاله .

فلا يستثنى ما يزيد من النفقات على ما يليق بحاله ،مما يعدّ -عند العقلاء وأهل العرف- سفهاً أو سرفاً بالنسبة إليه ،ولا يستثنى كذلك ما يزيد منها على ما يليق بحاله وان كان مما لا يعدّ سفهًا ولا سرفاً، وان كان من المؤونة، فالمدار في الاستثناء على المؤونة المتعارفة التي تليق بحاله كما ذكرنا.

المسألة 96: من المؤونة ما يكون الانتفاع به باتلاف عينه وإذهابها، ومن هذا القسم: المأكولات والمشروبات ، والصابون للغسل والتنظيف وما أشبهها ، ومن المؤونة ما ينتفع به مع بقاء عينه ، ومن هذا القسم المسكن والأجهزة المنزلية للإنارة والتبريد والتدفئة ، والظروف والأمتعة ونحوها ، فيجوز للمكلف أن يشتري من ذلك في اثناء سنته ما يحتاج إليه من ربح سنته، فيشتري من ربحه دارا يسكنها بالفعل ، وأجهزة وظروفًا يحتاج إليها، ويكفي في الحاجة ان يعدّ الشيء منها لوقت الحاجة بحسب ما يتعارف له ، فيشتري الفرش والأواني لمن يقدم عليه من ضيوف وزوار ، وان لم يكن محتاجًا إليه بالفعل ، ويشتري لنفسه ولأولاده وعياله ملابس الشتاء أو ملابس الصيف قبل ان يحين وقتها.

المسألة 97 : يجوز للإنسان ان ينفق مؤونته من أرباح سنته ، وان كان يملك مالاً آخر قد اخرج خمسه ، او يملك مالاً آخر لا يجب الخمس فيه كالمال الذي انتقل إليه بالميراث ، وان كان الاحوط له استحبابًا أن يوزّع مؤونته على المالين.

المسألة 98 : إذا كان المكلف يملك دارا للسكن ، وأثاثًا للمنزل وأدوات للحاجة ونحو ذلك قبل سنة الربح اكتفى بذلك ،ولم يعد محتاجًا إلى هذه الأشياء التي يملكها من قبل ،فلا يسقط الخمس عن مقدار قيمة هذه الاشياء من الربح .

المسألة 99: لا يسقط وجوب الخمس عن مقدار المؤونة من الربح حتّى يصرفها المكلف بالفعل ،فلا تحسب له إذا قتّر على نفسه فلم ينفقها ، ولا يستثني له مقدار المؤونة إذا تبرع له بها متبرع من الناس ،فيجب عليه أداء خمسها في الصورتين .

المسألة 100: إذا اشترى الإنسان من الربح لمؤونته مقدارا من الحبوب أو الدهن أو السكّر ، أو غيرها مما تصرف عينه ، فزاد بعضه على المؤونة وجب على المكلف إخراج خمس ما زاد منه ، وكذلك إذا اشترى أقمشة لملابسه وملابس أهله وأولاده في اثناء السنة، ففضل بعض الأقمشة التي اشتراها عن الحاجة في السنة ، فيجب عليه إخراج خمس ما فضل منها.

واما الأشياء التي تبقى أعيانها مع الانتفاع بها في السنة ، فلا يجب الخمس فيها إذا كان من شأنها ان تذخر للانتفاع بها في السنين الآتية، كالمسكن والأمتعة والأواني ، وان استغنى عنها في بعض السنة ، كملابس الصيف في ايام الشتاء وملابس الشتاء في أيام الصيف .

المسألة 101: إذا استغنى الإنسان عن بعض الأعيان التي اشتراها من الربح لمؤونته ، وكانت الأشياء المذكورة من شأنها ان تدّخر للسنين الآتية ، لم يجب الخمس فيها، سواء كان الاستغناء عنها بعد انتهاء السنة التي اشترى الاشياء من ربحها ، أم كان الاستغناء عنها في اثناء سنة الربح ، وقد ذكرنا هذا في المسألة المتقدمة في ملابس الصيف في الشتاء وملابس الشتاء في الصيف ، بل ولا يجب فيها الخمس إذا استغنى عنها في جميع أيام السنة الثانية ، إذا كانت مما يحتاج إليه في ما بعدها من السنين . وإذا استغنى عن الأشياء التي اشتراها من الربح في أثناء السنة او بعد انتهائها استغناءًا تامًا، فلا يحتاج إليها في السنين المقبلة، فالظاهر وجوب الخمس فيها، وكذلك الحكم في حلي المرأة فيجري فيها التفصيل المذكور. .

المسألة 102 : إذا اشترى الرجل بعض الأشياء لمؤونته في السنة من مال قد أخرج خمسه ، وبقي بعض الأشياء التي اشتراها من ذلك المال إلى السنة اللاحقة لم يجب عليه الخمس فيما بقي ، وان زادت قيمته السوقية على الثمن الذي اشتراه به ، وإذا نقصت قيمته لم يجبر نقصه من ربح السنة .

المسألة 103: إذا مات الرجل في أثناء سنة اكتسابه بعد ان حصل على الربح او على شيء منه ، وجب على الوارث أن يخرج الخمس من الربح الذي حصل له بعد استثناء مؤونته ومؤونة عياله في المدة التي كان فيها حيًّا، ويسقط اعتبار مؤونة ما بعد موته.

المسألة 104: إذا لم يربح الشخص في كسب سنته ،ثم ربح في السنة الثانية ، لم يجز له أن يخرج مؤونته في السنة الأولى من ربحه في السنة الثانية .

المسألة 105: من مؤونة الإنسان التي تخرج من أرباح سنته قبل الخمس ما يصرفه من المال في نفقة الحج -إذا أتى به في سنة المؤونة نفسها-، فإذا وجب على المكلّف حج الإسلام بسبب الاستطاعة المالية له ، سواء تحققت للمكلف الاستطاعة من أرباحه في تلك السنة أم كان وجوب الحج مستقرًّا في ذمته من قبل ، وخرج في تلك السنة لأداء الفريضة لم يجب عليه الخمس في نفقة الحج ، إذا هو لم يتجاوز في الصرف ما يتعارف من النفقة لأمثاله .

وان لم يحج في سنته تلك لم يستثن له المقدار المذكور من الربح ، فيجب عليه الخمس فيه ، سواء كان معذورا في تركه الحج في تلك السنة ام كان عاصيًا فيه ، فإذا حج في السنة الثانية أو فيما بعدها كانت نفقته من مؤونة سنة حجه .

وإذا حج حجًّا مندوبًا ، وكان من شأنه أن يأتي بالحج المندوب كانت نفقته في حجه من المؤونة إذا هو أخذها من ربح تلك السنة -لا من أرباح السنين الماضية- فلا يجب عليه الخمس فيها، وإذا أخذ النفقة من أرباح السنين السابقة وجب فيها الخمس إذا لم يكن قد أدّى خمسها من قبل .

المسألة 106: إذا كانت استطاعة المكلف للحج مجتمعة من أرباح سنين متعددة ، وجب عليه الخمس في أرباح السنين المتقدمة إذا لم يكن قد أدّى خمسها من قبل ، ولا يجب عليه الخمس في المقدار المتمّم لاستطاعته من ربح السنة الحاضرة التي حج فيها، ويجوز له أن يأخذ نفقة حجه كلّها من ربح السنة الحاضرة وحدها إذا كان ربحها وافيًا بالنفقة، وإذا أخذ النفقة منها وحدها لم يجب فيها الخمس ، وإذا كان قد أدّى خمس ارباح السنين السابقة فلا يجب فيها الخمس مرة أخرى إذا أراد الحج منها.

المسألة 107: ومن المؤونة -التي تخرج من فوائد الإنسان وربحه من مكاسبه قبل إخراج الخمس -ما يصرفه في نفقة العمرة ، إذا هو اعتمر في سنة ذلك الربح ،سواء كانت العمرة التي يأتي بها واجبة عليه ام مندوبة، ومن المؤونة ما يصرفه في نفقة زيارة الرسول (ص)، وزيارات المشاهد المشرفة الأخرى ، و ان تعدّدت منه في عامه .

وهذا إذا كان من شأن ذلك الشخص أن يأتي بمثل هذه المندوبات -كما قلنا في الحج المندوب-. والمدار في ذلك كلّه على أن يكون صرف نفقات الحج والعمرة والمندوبات المذكورة في عام الربح .

فإذا انقضى الحول وجب الخمس فيما يبقى -بعد انقضائه- من زاد ونقود ، وغيرها من الأعيان التي تذهب بالانتفاع بها وان كان لا يزال في اثناء السفر ، ولا يجب الخمس في مثل الراحلة والأثاث والأمتعة ، ونحوها من الأشياء التي تبقى أعيانها مع الانتفاع بها، وان انقضى الحول ، وكان قد اشتراها أو استأجرها من المال للسفر.

المسألة 108: الظاهر أن وفاء الديون التي تكون على الإنسان يعدّ من مؤونته في السنة، فإذا أدّى الدين من أرباح كسبه في السنة لم يجب الخمس في المبلغ الذي وفى به ، سواء كانت الاستدانة في عام الربح ام كانت سابقة عليه ،وسواء كان الدين لمؤونته أم لغيرها ، وسواء تمكّن من وفائه قبل عام الربح ام لم يتمكن ،فلا يجب الخمس في مال الربح الذي يفي به الدين في جميع الصور.

نعم ، إذا كان للدين ما يقابله من الأشياء المملوكة لذلك الإنسان في الخارج ، ومثال ذلك : أن يشتري الرجل بالدين ضيعة أو عقارًا أو غيرهما من الأشياء فيتملكه ، فإذا أدّى ذلك الدين من مال الربح كانت الضيعة أو العقار الذي يقابل الدين من فوائد ذلك العام ، فيجب فيه الخمس ،سواء كان الدين والمعاوضة على ذلك الشيء في عامه ام في عام سابق .

المسألة 109 : إذا أراد الشخص المدين أن يؤدّي الدين من ربح العام بعد انقضائه ، فإن كان ذلك الدين لمؤونة سنة ذلك الربح فلا خمس عليه في ذلك ،وان كان الدين لغيرها من السنين الماضية وجب عليه ان يخرج خمس الربح قبل أن يؤدّي منه ذلك الدين ، فإن أداء الديون السابقة إنما تكون من مؤونة السنة الحاضرة إذا تحقق الأداء في أثنائها، وليس منها أن يؤدّي الدين السابق من ربح السنة بعد انقضائها .

المسألة 110: النذور والكفارات التي تجب على الرجل وسائر الديون الشرعية التي تشتغل بها ذمته ، أو يتعلّق  وجوبها بأعيان ماله ، كالزكاة والخمس وقيم الأشياء التي يتلفها أو يدخل النقص أو العيب فيها، وأروش الجنايات التي يجنيها ، وشروط المعاملات التي تلزمه ، يكون شأن هذه الأمور شأن الديون العرفية، فيكون وفاؤها من المؤونة، ويجري فيها الكلام الذي قدّمنا ذكره في الديون العرفية بجميع فروضه ،فإذا هو أدّاها من ربح مكاسبه في أثناء السنة لم يجب الخمس في المقدار الذي تؤدّى به من المال وان كان لزومها له قبل ذلك العام ، وكذلك إذا أدّاها من ربحه في السنة بعد انقضاء السنة وكان لزومها له في تلك السنة، فلا يجب الخمس في المقدار الذي تؤدّى به من ربحها.

وإذا أراد أداءها من ربح السنة بعد انقضائها، وكان لزوم هذه الديون له قبل تلك السنة، فلابد من إخراج الخمس قبل ادائها.

المسألة 111: مايستقرضه الإنسان أو يستدينه لمؤونته قبل أن يظهر الربح من كسبه لا يكون من مؤونة سنة الربح ، فقد سبق منّا ان مبدأ السنة لا ينفكّ عن ظهور الربح ، نعم ، يكون ذلك من الدين السابق ، فيجري فيه الكلام المتقدم في أداء الدين ، وتلاحظ المسألة المائة والثامنة.

المسألة 112 : إذا اعتقد الرجل في شيء من الأشياء انه مما يحتاج إليه في مؤونته فاشتراه من ربح السنة ، ثم علم -بعد شرائه- ان الشيء مما لا يحتاج إليه وانه قد أخطأ في اعتقاده ، وجب عليه ان يخرج خمس ذلك الشيء ، ولا يترك الاحتياط في أن يلاحظ في تخميسه اكثر الأمرين من قيمة ذلك الشيء في الوقت الحاضر ورأس المال الذي اشتراه به ، ويتأكد هذا الاحتياط في الأشياء التي يشتريها وهو يعلم -في حين شرائه إياها- بعدم الحاجة إليها في الوقت الحاضر، كالفراش الزائد على الحاجة في المنزل ، والكتب التي يعلم بعدم الحاجة إليها، والجواهر التي تدّخر لوقت الحاجة ، وكذلك الحكم إذا اشترى ذلك الشيء بمبلغ في الذمة ثم وفاه من الربح ، فيجري فيه كل ما بيّناه في المسألة .

المسألة 113: إذا حصل الربح للإنسان من كسبه ، وكان زائدًا على مؤونته في السنة تعلّق به وجوب الخمس ، ويجوز له أن يؤخر دفع الخمس إلى آخر السنة احتياطا للمؤونة، لاحتمال أن تزيد على المقدار الذي يعتقد بكفايته ، واحتمال ان تتجدد له مؤونة اخرى لا يعلمها.

ومن النتائج التي تترتب على ذلك ، ما إذا علم المكلف بأنه لن توجد له مؤونة تزيد على المقدار الذي اعتقد بالحاجة إليه ، فالأحوط له استحبابًا أن يعجل دفع الخمس ولا يؤخره ، ومن نتائج ذلك أنه إذا أتلف المال كان ضامنًا للخمس، وكذلك إذا أسرف في صرف المال في المؤونة، أو وهب المال لغيره ، وكانت الهبة لا تعدّ من مؤونته عرفًا، او كانت هبة غير لائقة بحاله ، او اشترى بالمال أو باعه على وجه المحاباة وكانا غير لائقين بشأنه ، فيكون ضامنًا للخمس في جميع هذه ا لصور .

المسألة 114: إذا احتاج المكلف إلى دار يسكنها ، ولم يمكن له شراء الدار إلا بربح سنين متعددة من كسبه وجب عليه الخمس في أرباح السنين الماضية من قيمة الدار إذا لم يكن قد دفع خمسها من قبل ،ولم يجب عليه الخمس في المقدار المتمم للثمن من ربح السنة التي يشتري فيها الدار، وهذا إذا اشترى الدار في أثناء السنة الأخيرة، وإذا اشتراها بعد انقضاء السنة الأخيرة وجب الخمس في الجميع ، حتى في ربح السنة الأخيرة منها.

وكذلك الحكم إذا اشترى في السنة الأولى أرض الدار مثلاً ، واشترى في السنة الثانية أخشابها وحديدها ، وفي السنة الثالثة حجارتها وآجرّها ، وهكذا حتى أتم المادة والبناء، فيجب الخمس في تلك الأعيان المشتراة، ولا يجب فيما يصرفه فيها من ربح السنة الأخيرة، إذا كان الصّرف في أثناء السنة وتم له سكنى الدار فيها.

وإذا كان الصرف من ربح السنة الأخيرة والسكنى في الدار بعد انتهاء السنة الأخيرة وجب فيه الخمس كما في السنين السابقة، وكذلك إذا كان الصرف في اثناء السنة ولم تحصل السكنى في الدار إلا بعد انتهاء السنة .

المسألة 115: إذا اشترى المكلف داراً لسكناه بثمن بقي دينًا في ذمته وسكن الدار، ثم وفّى ثمنها من أرباح كسبه في السنة الثانية أو ما بعدها، لم يجب عليه الخمس في الدار ولا في الربح الذي وفى به الدين ، وكذلك إذا وفى الدين اقساطًا من ارباح سنين متعددة بعد شراء الدار والسكنى فيها، فلا يجب فيه الخمس ، وكذلك الحكم في غير الدار من أعيان المؤونة التي يحتاج إليها في سنته إذا اشتراه بالدين ، ثم وفاه من الأرباح اللاحقة .

المسألة 116: إذا دفع المكلف في أثناء سنته مقدارا من خمس أرباحه في تلك السنة، وكان المبلغ الذي دفعه من الربح فيها، وبعد أن تم حول الاكتساب شرع في حساب الباقي من أرباحه ليتعرف مقدار خمسه ، فعليه أن يدخل المبلغ الذي دفعه من الخمس في حساب الفاضل من الربح ، ويتعرف مقدار خمس الجميع ،ثم يسقط ما دفعه من مقدار الخمس الواجب .

المسألة 117: إذا تلف بعض أشياء المكلف غير المال الذي يكتسب به او يتّجر ، أو سرق ذلك الشيء منه أو غصب ،فقد يكون ذلك الشيء التالف من المؤونة التي يحتاج إليها ، كما إذا تلف أو سرق بعض فرشه او أوانيه ، فيحتاج إلى شراء غيره من الربح ويكون الشيء الذي يشتريه بدلاً عن التالف من المؤونة ، ولذلك فلا يجب فيه الخمس ، وكذلك إذا كان تلف ذلك الشيء من أموال المكلف يعدّ في نظر أهل العرف مانعا من صدق الفائدة على الربح الموجود، ومثال ذلك : ان تتلف منه جوهرة عزيزة المنال لا يعوض باقي الربح عنها، بحيث لا يصدق عليه بعد تلفها منه انه ربح في كسبه ، فلا يجب فيه الخمس ، وفي غير هاتين الصورتين فالظاهر وجوب الخمس في الباقي .

المسألة 118: إذا كان للإنسان أنواع متعددة من التجارة ، أو من الزراعة ، او من وجوه المكاسب الأخرى ،واتفق له ان خسر في بعض تلك الأنواع في سنته ، او تلف بعض رأس ماله في البعض ، وربح في البعض الآخر، فان كان تلف التالف من أمواله او خسارته في تجارته تلك يكون -في نظر أهل العرف- مانعا من صدق الربح او الفائدة على الربح الذي حصل له من الجهة الأخرى لم يجب الخمس في ذلك الربح -كما ذكرنا في المسألة المتقدمة-، وإذا منع من صدق الفائدة في المقدار الذي يسد النقص الذي طرأ له في النوع الثاني من كسبه لم يجب الخمس في ذلك المقدار، وان لم يكن في نظرهم مانعا من صدق الربح او الفائدة عليه فالظاهر وجوب الخمس في ذلك الربح .

ولا فرق في الحكم بين ان يقع ذلك في تجارة واحدة او زراعة واحدة، وان يكون في تجارات أو زراعات متعددة، وأن يكون في تجارة وزراعة أو غيرها من المكاسب والفوائد.

وكذلك الحال إذا صرف الإنسان بعض تلك الأموال في نفقاته ، وبعد ذلك ظهر الربح ، فيلاحظ المقياس المذكور من نظر أهل العرف ، ولا يبعد أنّ لاستقلال التجارات ووجوه الاكتساب بعضها عن بعض ، وصغرها وكبرها ، دخلاً في حكم العرف بذلك .

وإذا كان الشخص -لشرفه ومنزلته الاجتماعية الخاصة- ممن يكون وجود رأس المال بيده للتجارة مؤونة من مؤنه التي لابدّ له منها، أو ضرورة لا يستطيع التكسب اللائق بشرفه إلا بوجوده ، ثم تلف رأس ماله أو طرأت له خسارة او نقصان فيه ، عوّض ما تلف منه او نقص من الربح الموجود، ولا يجب عليه الخمس في العوض ، وقد ذكرنا هذا في المسألة الثامنة والثمانين ، وكذلك آلات الصناعة إذا كانت ضرورية له في العمل فلا يقدر على التكسب إلا بها ، وقد ذكرناها أيضا في المسألة المشار إليها.

المسألة 119: إذا انهدمت الدار التي يسكنها الرجل فليس له أن يأخذ هذه النقيصة التي دخلت عليه في ماله بسبب انهدام داره فيجبر نقصه في المال من الربح ، نعم ، يجوز له أن يعمّر الدار من ربح سنته ، فإذا عمّرها وانفق عليها كانت نفقة تعمير الدار من المؤونة ، فلا يجب فيها الخمس ، وإذا انهدمت له دار قد اعدّها للاكتساب بإجارتها وأراد عمارتها من الربح وجب عليه أن يخرج الخمس من نفقة التعمير.

المسألة 120: إذا تعلّق وجوب الخمس بمال الشخص من الأرباح او الفوائد، ثم أتلف أحد ذلك المال بعد تعلّق الخمس به كان المتلف ضامنًا للخمس ،سواء كان المتلف هو مالك المال ام غيره ، فيأخذ الحاكم الشرعي منه مثل الخمس إذا كان المال مثليًّا ، وقيمته إذا كان قيميًّا، وقد ذكرنا في المسألة التاسعة والسبعين حكم ما إذا باع المالك المال الذي تعلّق به الخمس أو اشترى به شيئًا، او نقله إلى ملك مالك غيره بمعاوضة أخرى غير البيع ، كالهبة المعوّضة والمصالحة بعوض ، او ملّكه غيره بغير عوض ، فلتلاحظ المسألة المذكورة .

المسألة 121: إذا أجرى المالك معاملة البيع على الشيء بثمن في الذمة، ثم دفع عين المال الذي تعلّق به الخمس وفاءً ا عن الدَّين الذي اشتغلت به ذمته ، كانت المعاملة صحيحة غير فضولية ، فلا تحتاج في نفوذها إلى إمضاء الحاكم الشرعي ، كما هو الحكم في المسألة المشار إليها في المسألة المتقدمة، وبقيت ذمة المالك مشغولة بمقدار الخمس ، فإذا كانت عين المال موجودة اخذ الحاكم الخمس من العين ، وإذا كانت تالفة رجع بعوض الخمس من المثل أو القيمة وكان مخيّرًا بين ان يرجع بالعوض على المالك والآخذ.

وكذلك الحكم إذا كان النقل إلى الغير بمعاوضة أخرى غير البيع بعوض في الذمة ، ثم دفع المال وفاءًا عن الدين ، فيجري فيه البيان المذكور.

المسألة 122 : الأقوى ان تعلّق الخمس بالمال -الذي يجب فيه من الأرباح او غيرها- من قبيل تعلّق الحق بالعين ، نظير ما تقدم تفصيله في حق الزكاة ، ولذلك فيشكل القول بجواز تصرف المالك في بعض مال الربح قبل ان يدفع خمس المال ، وان كان مقدار الخمس منه باقيًا في يد المالك ، وكان من نيته ان يخرج الخمس من البقية، ويجوز له ذلك إذا صالحه الحاكم الشرعي -بحسب ولايته-، فنقل الخمس من عين المال إلى ذمته .

المسألة 123: إذا ظهر ربح الاكتساب في أول السنة أو في أثنائها، جاز للمالك أن يتصرف في الربح من حين ظهوره ، وأن يتّجر به ويكتسب ، وإذا حصل من الاتجار والتكسب بالربح ربح آخر أو فائدة، فالظاهر أن جميع ما يحصل منه مملوك لمالك المال ، وليس لأرباب الخمس منه شيء ، ويكون شأن هذا الربح كشأن سائر الأرباح التي تحصل للمالك ، فإذا أخرجت منها المؤونة وبقيت منها بقية وجب الخمس في الباقي .

وإذا ظهر الربح في أول السنة او في أثنائها -كما قلنا في أول المسألة-، ولم يتصرف المالك بالربح ولم يتجر به حتى تمّ الحول ، تعلّق به وجوب الخمس ، وأشكل الحكم بجواز أن يتجر به المالك بعد ذلك إذا هو لم يؤدّ خمسه ، وإنما يصح له الاتجار به والتصرف إذا أجاز الحاكم الشرعي معاملته ، ولا يصح للحاكم ان يجيز له المعاملة ويمضيها إلا إذا احتاط للخمس بأن يشترط عليه دفع الخمس ، ولو من مال آخر.

المسألة 124: إذا حصل للمكلف بعض الربح من كسبه في أول السنة، فقدّر مؤونته التي يحتاج إليها في سنته ، واخرجها من الربح الذي حصل له ، وخمّس الباقي في أثناء السنة ، ثم ظهر له -بعد دفع الخمس- ان ما دفعه أكثر مما يجب عليه ،جاز له أن يرجع على المستحق الذي قبضه منه فيأخذ منه ما زاد على المقدار الواجب ، إذا كانت عين الخمس الذي دفعه موجودة، ويأخذ منه العوض إذا كانت تالفة وكان المستحق عالماً بالحال ، ولا يرجع عليه بشيء في صورة التلف إذا كان جاهلاً مغرورًا من قِبَل المالك ،وكذلك الحكم إذا دفع المالك الخمس في أثناء السنة او بعد انقضائها ، ثم تبين له ان الخمس لم يجب عليه في ماله ، فيجري فيه التفصيل المذكور .

المسألة 125: إذا اشترى الرجل لنفسه من الربح جارية، فان كان شراؤه للجارية في أثناء الحول وهو محتاج إليها ، فهي من المؤونة ولا يجب عليه الخمس في قيمتها، وإذا اشتراها بعد انقضاء الحول على ظهور الربح ، واستقرار وجوب الخمس عليه في ماله ، وكان شراؤه للجارية بعين الربح ، لم يجز له التصرف في الجارية ولا وطؤها حتى يؤدّي خمس قيمتها.

وإذا اشترى الجارية بثمن في ذمته ، ثم دفع الربح وفاءًا لما في ذمته من الثمن ، كان الشراء صحيحا وجاز له وطء الجارية ، ويرجع الحاكم الشرعي بالخمس إذا كانت العين موجودة وببدله من المثل أو القيمة إذا كانت عينه تالفة، ويتخير في رجوعه بذلك بين المشتري والبائع فيأخذه من أيهما أراد.

وكذلك إذا اشترى المكلف له من ربح ماله ثيابًا، فلا يجوز له لبسها ولا تصح صلاته فيها إذا كان شراؤها بعد انقضاء الحول على ظهور الربح في المال واستقرار الخمس فيه ، وكان الشراء بعين الربح ، ويجوز له لبس الثياب والصلاة فيها إذا كان شراؤها في أثناء الحول ، أو كان بعد انقضاء الحول وكان الشراء بثمن في الذمة، ثم دفع الربح وفاءًا لذلك .

المسألة 126: إذا اتخذ الإنسان مهنة الغوص في البحر ، أو استخراج المعادن من الأرض مكسبًا له ، كفاه في اداء الواجب عنه ، أن يخرج خمس مال الغوص والمعدن ،فلا يجب عليه -بعد ان يؤدي خمسهما- ان يخمّس ما يزيد على مؤونته من أرباح ذلك ، ولا يكفيه أن يخمّس فاضل هذه الأرباح عن خمس الغوص والمعدن ، ولا الكنز إذا اتفق له ذلك .


 

وإذا ادخل على ما أخرجه من مال الغوص أو المعدن بعض العمل ،فارتفعت بذلك قيمته، كما إذا حكّ الجواهر فجعلها فصوصاً، ونظم اللئالئ فصيرها عقودا أو قلائد وارتفعت بذلك قيمتها، وجب عليه اداء خمس المادة في أصل الغوص والمعدن ، ووجب عليه خمس الفوائد والأرباح التي تحصل له بسبب تلك الأعمال بعد إخراج المؤونة، وقد تقدم ذكر هذا في مبحث المعدن و الغوص .

المسألة 127: سنة الربح -كما سبق منا إيضاحه - محدودة الأول والآخر، فهي تبدأ من أول ظهـور الربح في مكسب الإنسان ، وتنتهي إلى ما قبل ذلك اليوم من العام في السنة القمرية، وهي أيضا سنة المؤونة لذلك الإنسان ، وقد ذكرنا هذا في المسألة الثالثة والتسعين .

فكل ما يصيبه الرجل من الفوائد من نتاج الزرع ، او من نتاج العمل ، او من نتاج التجارة أو الصناعة في أثناء هذا الحول وقبل انتهائه فهو من ربح السنة، وان حصل له في اليوم الأخير مـن العام ، فيجب الخمس فيما يفضل عن المؤونة من مجموع ذلك ، وما يتأخر من النتاج عن آخر يوم من العام يكون من أرباح السنة المقبلة، وان كان الزرع أو العمل أو المكسب واحداً.

فنتاج المزرعة الواحدة في اليوم الأخير من السنة يكون من ربح السنة الأولى ، ونتاجها في اليوم الثاني بعده يكون من ربح السنة الثانية، وكذلك أجرة الأجير على عمله في اليوم الأول واليوم الثاني المذكورين .

وإذا بذر الزارع حنطة أو شعيرا في الأرض فنما الزرع ، وسنبل بعضه قبل انتهاء السنة ، كان جميع ذلك من ربح تلك السنة ، حتى القصيل الذي لم يسنبل ، فعلى المكلف أن يقوّم السنبل الموجود ، ويقوّم القصيل -إذا كانت له قيمة- ويخرج خمسه بعد المؤونة، فإذا سنبل الباقي من الزرع بعد ذلك ، كان هذا السنبل من نتاج السنة اللاحقة .

المسألة 128: إذا آجر الرجل نفسه للعمل عند أحد أيامًا معلومة ، واشترط أن تكون لكل يوم من الأيام على انفراده أجرة، وكانت لهذا الأجير سنة معيّنة لكسبه ، كانت أجرته للعمل في اليوم الأخير من العام من ربح سنته الأولى، وأجرته في اليوم الثاني بعده من ربح سنته الثانية -كما قلنا آنفًا-.

وإذا استؤجر للعمل شهرا كاملا –مثلاً-، واشترط المستأجر عليه أنه لا يستحق مجموع الأجرة حتى يتم العمل في مدّة الشهر ، كان جميع الأجرة من ربح السنة الثانية ، وان كان بعض أيام العمل من السنة الأولى ، سواء دفع المستأجر له مال الإجارة سابقًا ام لم يدفعه حتى أتّم العمل في الشهر.

المسألة 129: يمكن للمكلف أن يغيّر رأس سنته للأرباح من يوم معين إلى يوم غيره ومن شهر إلى شهر آخر، فيدفع خمس ما ربحه في المدة الماضية من السنة ، ثم جعل له رأس سنة للأرباح من أول ظهور الربح الجديد، ولا بد وان يكون ذلك بنظر الحاكم الشرعي ومراجعته على الأحوط لزومًا، فيصالحه ويعيّن له رأس سنة آخر لأرباحه.

المسألة 130: يجب على المكلف في آخر سنة ربحه ان يؤدّي خمس كل ما فضل عن مؤونته ومؤنة عياله من أرباح السنة، ومنه ما فضل عنده من الأشياء التي اشتراها للمؤونة من حبوب أو دقيق أو دهن ، أو سكّر أو شاي ، او نفط أو غاز، أو غيرها من الأشياء التي تذهب عينها بالانتفاع بها.

وإذا كان في ذمته دين قد حضر وقت وفائه ، وهو يساوي قيمة تلك الأعيان الزائدة من مؤونته أو يزيد عليها لم يجب عليه الخمس في تلك الأعيان ، وإذا كان الدين أقل من قيمة الأعيان ، وجب الخمس فيما زاد منها على الدين ، وإذا حلّت عليه السنة الثانية ووفى الدين من أرباحها، لم يجب الخمس في تلك الأعيان إذا كانت موجودة ، إلا إذا زادت على المؤونة .

المسألة 131: إذا اشترى الرجل في أثناء سنته أعياناً لغير المؤونة، كبستان أو دار للإجارة أو نحو ذلك ، وكان عليه دين يجب وفاؤه في السنة يساوي قيمة تلك الأعيان المشتراة أو يزيد عليها، لم يجب عليه خمس تلك الأعيان التي اشتراها، فاذا وفى الدين في السنة، وجب عليه خمس تلك الأشياء في السنة نفسها ، وإذا وفى الدين في السنة الثانية عدّت تلك الأشياء من أرباح السنة الثانية ، ووجب على المكلف أداء خمسها فيها ، سواء كان ذلك الدين من أثمان تلك الأشياء أم كان سابقًا عليها.

وإذا وفى من الدّين بعضًا وجب الخمس فيما يقابل ذلك البعض من الأعيان ، فإذا وفى نصف الدين وجب الخمس في نصف الأعيان ، وهكذا.

المسألة 132: إذا اكتسب الرجل في سنته الأولى وأصاب من كسبه فيها ربحاً، ثم اكتسب في سنته الثانية وأصاب فيها ربحاً، وأراد ان يدفع خمس سنته الأولى من ربحه في سنته الثانية، وكانت عين ربحه في السنة الأولى موجودة، وجب عليه أن يخمّس المبلغ الذي يريد دفعه من ربح السنة الثانية لأنه من فاضل ربحها ، ثم يدفع باقي المبلغ وفاءاً عن مقداره من خمس السنة الأولى، وهكذا حتى يفي جميع ما عليه من خمسها.

وإذا أتلف ربح السنة الأولى ، واستقر الخمس -بسبب الإتلاف- دينًا في ذمته ، . فأراد وفاء هذا الدين من ربح السنة الثانية كان ذلك من المؤونة ولم يجب فيه الخمس إذا كان الوفاء في أثناء السنة ، وكذلك إذا صالحه الحاكم الشرعي بمبلغ يكون في ذمته عوضًا عن الخمس بعد ان تلفت أعيان المال .

المسألة 133 : إذا استفادت المرأة بعض الفوائد ، أو اكتسبت بعض الأرباح من عمل او صناعة أو غيرهما ، وجب عليها الخمس فيما يفضل من ربحها أو فوائدها عن مؤونتها كما هو الحكم في الرجل ، وإذا كانت ممن يقوم زوجها أو أبوها أو ولدها او غيرهم بنفقاتها ومؤونتها وجب الخمس في جميع الربح والفوائد التي تدخل عليها بعد استثناء ما تنفقه على تحصيل الربح ،وإذا قام المنفق ببعض نفقاتها دون بعض ، أخرجت بقية مؤونتها من الربح وخمّست الباقي منه ، وكذلك إذا نالت بعض الهبات والهدايا من زوجها أو أقربائها او غيرهم .

المسألة 134: لا يشترط -في تعلق الخمس بالمعدن والكنز ، وما يخرج بالغوص من البحر ، والمال الحلال المختلط بالحرام ، والأرض التي يشتريها الذمي من المسلم- أن يكون صاحبه بالغًا أو عاقلاً أو حرّاً ، فإذا دخل على الطفل ، أو على المجنون ، أو على العبد المملوك ، شيء من ذلك وجب على ولي الطفل والمجنون، وعلى العبد المملوك إخراج الخمس منه، وكذلك الحكم في أرباح مكاسب الطفل، فعلى الولي إخراج خمس أرباحه بعد استثناء المؤونة، فإن لم يخرجه الولي في حال طفولة الطفل وولاية الولي عليه أخرجه الطفل بعد ان يكبر ويبلغ الحلم .

المسألة 135: يجوز للمؤمن أن يشتري الأموال من الأشخاص الذين لا يعتقدون بوجوب الخمس ، كالكفار والمخالفين في المذهب من فرَق المسلمين ، وان يقبل الهبة والجائزة منهم ، وان علم ان المال المبيع او الموهوب له مما تعلّق به وجوب الخمس ، ويجوز له التصرف في ذلك المال ، ولا يجب عليه إخراج خمسه ، سواء كان من ربح التجارة ام من المعادن ام غيرهما مما يجب فيه الخمس ، وسواء كان المنتقل إليه من المساكن والمناكح والمتاجر ام من غيرها، فان الأئمة المعصومين (صلوات الله عليهم) قد اباحوا ذلك لشيعتهم .

وكذلك كل ما ينتقل إلى المؤمن من أولئك بغير البيع والهبة من المعاملات ، فيجوز له أن يستأجر الدار والعقار والعمارة والضيعة وغبر ذلك من أموالهم التي تعلّق بها الخمس ، ولا يجب عليه اداء خمسه .

وكذلك ما ينتقل إليه ممن يقول بإباحة الخمس في حال الغيبة من الشيعة الامامية ، ومن يقول بإباحة حق الإمام (ع ) منهم ، فيجوز للمؤمن ان يتصرّف في الأموال المنتقلة إليه من هؤلاء بالبيع أو بالهبة او بغيرهما من المعاملات ، ولا يجب عليه إخراج خمسها ، بل وما ينتقل إليه ممن لا يخمّس من الإمامية تهاونًا أو عصيانًا، فلا يجب على المؤمن الذي انتقل إليه المال إخراج خمسه ، ويكون الخمس في العوض الذي اشتراه به او دفعه بدلاً في المعاوضة، ويكون في ذمة من انتقل عنه المال إذا كان نقله إليه بغير عوض .

وأولى من ذلك بالإباحة أن يدخل المؤمن البيت أو المحل أو الضيعة وغيرها من المواضع التي تعلّق بها الخمس من أملاك أحد من هؤلاء الذين تقدّم ذكرهم في المسألة، فيأكل هذا المؤمن الداخل ويشرب ويمكث وينام ويصلي في الموضع ، ولا يلزمه شيء ، لإباحة المعصومين (ع) ذلك لشيعتهم.

المسألة 136: يجوز للمكلف من المؤمنين أن يدخل في الشركة مع من لا يعتقد بوجوب الخمس من الأصناف التي تقدم ذكرها، فيدخل معه بمضاربة أو بمعاملة أخرى توجب الشركة في المال ،ولا إثم عليه في الدخول معه ،ويجب عليه اداء الخمس في حصته من المال إذا تعلّق بها الخمس ، ويجوز له الدخول في الشركة مع من يقول بإباحة الخمس حال الغيبة كذلك ، وعليه أن يؤدي خمس حصته إذا تعلّق بها.

المسألة 137: إذا أغفل المكلّف المكتسب أمر الخمس سنين متعددة، فلم يحاسب نفسه عمّا ربح في كسبه وما استفاده في تلك السنين ، وكان قد ربح فيها واستفاد أموالاً، واشترى من أرباحه وفوائده أملاكًا واشياء لمؤونته ولغير مؤونته ، ثم تنبّه لوجوب الخمس عليه في ذلك ، فيجب عليه إخراج الخمس من كل ما اشتراه من أملاك وأشياء لغير المؤونة، كما إذا كان قد اشترى من أرباحه وفوائده بستانًا أو عقارًا أو دارًا لغير السكن ، او اشترى أثاثًا وأمتعة وحيوانًا لغير المؤونة ، فيلزمه أداء خمسها.

ويجب عليه أداء خمس ما صرفه من الأموال والنفقات في تعمير البستان ، وغرس النخيل والأشجار فيه، وتعمير الدار والعقار المتقدم ذكرهما ، وللإحاطة بعلم ذلك على التفصيل تراجع المسائل المتعلّقة به من هذا الفصل.

واما الأعيان والأشياء التي اشتراها من الأرباح لمؤونته ، فان كان قد اشتراها من ربح السنة التي اشترى الأشياء فيها ثم صرفها في المؤونة في أثناء السنة نفسها ، فلا خمس عليه في ثمنها ، كما إذا اشترى له من ربح تلك السنة داراً ليسكنها ثم سكنها بالفعل قبل ان ينقضي الحول ، او اشترى لمنزله فرشًا وأمتعة وأواني من فوائده في السنة واستعملها في أثنائها.

وكذلك إذا اشترى هذه الأعيان للمؤونة بثمن في ذمته وجعله أقساطاً، ثم وفى كل قسطٍ من ربحه في السنة التي وفى بها ذلك القسط من دينه ، فلا يجب عليه الخمس في ذلك ، ومثله ما إذا عمّر دار سكناه من أرباح سنة التعمير ، أو استدان لذلك مبلغا وجعل الدين أقساطاً ، ثم وفى الأقساط على النهج الذي تقدم ذكره . وإذا كان قد اشترى الأشياء لمؤونته من ربح سنين سابقة وجب عليه الخمس في ثمنها ، إذا لم يكن قد أدّى خمس تلك الأرباح من قبل ، ومثله إذا عمّر دار سكناه من ربح سنين سابقة ، فيجري فيه ذلك الحكم .

وإذا قسم الرجل الثمن الذي اشترى به المؤونة أو النفقة التي عمّر بها دار سكناه ، فأدّى بعض ذلك من ربح السنة الحاضرة ووفى بعضه من أرباح سنين متقدمة، ترتب على كل واحد منهما حكمه ،فلا يجب الخمس في ما أدّاه وصرفه من ربح سنته الحاضرة إذا صرف المؤونة في نفس السنة، ولزمه الخمس في ما أدّاه من أرباح السنين الماضية، وإذا كان قد خمّس تلك الأرباح من قبل فلا يجب عليه الخمس مرة أخرى .

وإذا التبس عليه الأمر ، فلم يدر انه اشترى الأشياء أو عمّر دار سكناه من أي الربحين ليجري فيه حكمه فالأحوط له المصالحة مع الحاكم الشرعي .

المسألة 138: يجري في النفقات التي يصرفها الرجل في مؤونة تحصيل الربح جميع ما ذكرناه في مؤونة الشخص لنفسه ولعياله ، فإذا أغفل أمر الخمس وصرف فيها من الأرباح والفوائد الحاضرة أو المتقدمة، جرى فيها التفصيل الذي ذكرناه في تلك المؤونة، وإذا لم يربح الشخص في بعض السنين فصرف في نفقاته الخاصة ، أو في نفقة تحصيل الربح ، من أرباح السنين الماضية وجب عليه الخمس في تلك النفقات ، فان المفروض انه قد أغفل خمس الأرباح ولم يؤدّه من قبل ، وإذا علم ان بعض الأرباح قد تلف في يده ، أو حدث له فيها بعض موجبات الضمان غير التلف ، كالتصرف غير المأذون فيه شرعاً وشبهه ، كان ضامناً لخمس ذلك الربح .

المسألة 139: إذا اشترى المكلف من أرباح سنته بعض السلع ليكتسب بها، وارتفعت قيمة السلعة ، ولم يبعها حتى حل آخر سنته للتكسّب كانت السلعة المشتراة بنفسها من الأرباح، فيجب عليه إخراج خمسها عيناً ، أو بحسب قيمتها الموجودة حين الأداء.

الفصل الثاني

في مستحق الخمس ومصرفه

المسألة 140: يقسم الخمس في زمان غيبة الإمام المعصوم (ع ) نصفين ، نصف منه لإمام العصر (صلوات الله وسلامه عليه وعلى آبائه الطاهرين )، وهذا النصف يشمل سهم الله (سبحانه) وسهم الرسول (ص ) وسهم ذوي القربى ، وهي السهام التي ذكرتها الآية الكريمة من سورة التوبة، والنصف الثاني : لليتامى من بني هاشم والمساكين وأبناء السبيل منهم خاصة ، ولا تعم غيرهم .

المسألة 141: يشترط في الأصناف الثلاثة الذين يستحقون النصف الثاني من الخمس من بني هاشم أن يكونوا مؤمنين ، فلا يستحق الخمس كافر ، ولا مسلم غير مؤمن ،وان صحّ نسبه إلى بني هاشم وكان فقيراً، والأطفال بحكم آبائهم الشرعيين ، فطفل الأب الهاشمي المؤمن ، هاشمي مؤمن ، وطفل غير المؤمن بحكم أبيه .

ويشترط في اليتامى أن يكونوا فقراء ، فلا يستحق اليتيم الهاشمي من الخمس إذا كان غنيًا، ويشترط في ابن السبيل أن يكون فقيراً محتاجاً في بلد التسليم وان كان غنياً في بلده ، ويشترط فيه ان يكون غير قادر على سدّ حاجته في سفره بقرض أو تحويل او نحوهما، أو ببيع بعض ما يملكه ، ويشترط فيه -على الأحوط- ان لا يكون سفره في معصية .

ولا يشترط في مستحق الخمس من الأصناف الثلاثة ان يكون عادلاً، نعم ،لا يترك الأحتياط لزومًا بمنع شارب الخمر ، ومن تجاهر بارتكاب المحرمات الكبيرة الأخرى أو بترك الواجبات ، فلا يعطى من الخمس ، وقد تقدم نظير هذا في مستحق الزكاة ، بل يقوى عدم جواز إعطاء الخمس للمستحق إذا كان في دفعه إليه إعانة له على الإثم أو إغراء بالقبيح ، وخصوصاً إذا كان في منعه من الخمس ردع له عن ارتكاب ذلك .

المسألة 142: الهاشمي: هو الذي ينتسب إلى هاشم بن عبد مناف بأبيه ، ولا يحل الخمس لمن انتسب إليه من قِبَل أمه وكان أبوه من قبيلة أخرى، بل يصح له أخذ الزكاة الواجبة من الهاشمي وغير الهاشمي ،ويجوز إعطاء الخمس لجميع بني عبد المطلب بن هاشم ، ولجميع بني أبي طالب وان لم يكونوا علويّين أو فاطميين ، وان كان هؤلاء أولى بالتقديم على غيرهم .

المسألة 143: يثبت نسب الشخص إلى بني هاشم -أو إلى غيرهم- بإقامة البيّنة العادلة على صحة نسبه ، وبالشياع المفيد للعلم بصحته ، وبأي امارة أخرى توجب العلم به ، ويصدّق قول من يدّعي النسب إذا حصل للمكلف الوثوق بصدق قوله ، أو عضدته امارة توجب الوثوق بصدقه فيعطى من الخمس ، ولا يصدّق قوله إذا تجرّد عن جميع ذلك .

المسألة 144: إذا وكّل المكلف بالخمس شخصاً في أن يوصل الخمس الواجب عليه إلى من يستحقه ، وكان الوكيل ممن يوثق بأمانته وان لم يكن عدلاً، فأوصل الوكيل الخمس إلى من يعلم بصحة نسبه ،برئت ذمة المكلف بادائه وان كان المكلف نفسه لا يعلم بصحة نسب ذلك المستحق ،فيكون المدار على علم الوكيل بذلك لا على علم الموكل به .

ومن النتائج المتفرّعة على هذا الحكم: أن الوكيل إذا أخذ الخمس لنفسه ، وكان يعلم بصحة نسبه ، وكانت وكالة المكلّف له عامة تشمل أخذ المال لنفسه إذا كان مستحقًا ، فتبرأ ذمة المكلف الموكّل من الخمس ، وان كان لا يعلم بصحة نسب ا لوكيل .

المسألة 145: لا يجب على المالك المكلف بالخمس ان يقسم النصف الثاني من خمسه على جميع الأصناف الثلاثة من المستحقين ، بل يجوز له أن يخصّ به صنفا واحداً منهم فيدفع نصف خمسه جميعاً لليتامى خاصة ، او للمساكين أو لابن السبيل ، ولا يجب عليه ان يستوعب بالعطاء جميع الأفراد الموجودين من ذلك الصنف الذي أراده ، بل يصح له ان يدفع جميع النصف إلى فرد واحد من الصنف ،ويجوز له أن يفضّل بعض الأصناف على بعض ، وبعض الأفراد من الصنف على بعض .

المسألة 146: لا يجوز -على الأحوط- أن يعطى المستحق الواحد من الخمس ما يزيد على كفايته في مؤونة سنته ، وان أعطاه مالك الخمس ذلك دفعة واحدة، بخلاف الحكم في الزكاة، فقد ذكرنا ان الأقرب جواز ذلك إذا كان الإعطاء في دفعة واحدة .

المسألة 147: يجوز للمالك المكلف بالخمس أن يدفع من خمسه لابن السبيل من بني هاشم مقدار كفايته -بحسب شرفه ومنزلته في بلده وفي مجتمعه- من الأشياء التي يحتاج إليها ، والتي تليق بمثله من المأكولات والمشروبات وغبرها، او من الأثمان التي يشتري بها ذلك ، ومن أجرة المنازل ، وأجرة وسائل النقل في تنقلّه في سفره من موضع إلى موضع حتى يصل إلى بلده ، أو إلى موضع يمكنه فيه الحصول على سدّ حاجته من ماله ولو بالاستدانة أو التحويل ، ولا يدفع له اكثر من ذلك .

المسألة 148: لا يجوز للمكلف بالخمس -على الأحوط- أن يدفع من خمسه إلى مستحق تجب نفقته عليه في شريعة الإسلام من أبيه وأمه وجدّه لأبيه ، وولده وزوجته ، بل القول بالمنع من ذلك لا يخلو من قوة ، ويصح له أن يعطيهم من الخمس لغير النفقة الواجبة عليه من الأمور التي يحتاجون إليها، فيدفع لأبيه أو ولده مثلاً مبلغا من مال الخمس ليتزوج ، أو ليفي بـه ديونه ، ويعطي أحدهم نفقة لزياراته وللسفر للعلاج من مرض ،وللنفقة على من يعول به -إذا لم يكن هذا العيال واجب النفقة على المكلف ايضاً-، ويجوز له أن يدفع إليهم خمس غيّره إذا كانوا لا يزالون مستحقين للخمس ، ومثال ذلك : ان يوكله مالك المال في أن يوصل خمس ماله إلى المستحق ،  فيجوز له أن يطبق الخمس عليهم ، ويدفعه إليهم بالوكالة عن صاحب المال.

المسألة 149: يجوز أن يعطي الخمس للفقير المستحق من الهاشميين ، وان كان يسأل الناس بكفه ،ولا يمنع من الخمس بسبب سؤاله ، وقد تقدم نظير هذا الحكم في من يستحق الزكاة .

المسألة 150: يجوز لمالك المال المكلف أن يتولّى بنفسه دفع النصف الثاني من الخمس -وهو حق الهاشميين - للأصناف الثلاثة المتقدم ذكرهم ، والأحوط له استحّباباً أن يدفع المال إلى الفقيه الجامع للشرائط ليتولى صرفه في مصارفه ، أو يكون الدفع إليهم بإذنه ، أو بإرشاده وتوكيله .

المسألة 151: يصرف النصف الأول من الخمس ، وهو النصف الذي يختص به الإمام المهدي المنتظر (عجل الله فرجه وفرج المؤمنين به ، وجعل أرواحنا فداه ) في زمان غيبته (ع) فيما يعلم برضا الإمام صاحب الحق بصرف حقه فيه ،من تشييد دعائم الإسلام ، وإقامة أعلامه، ونشر أحكامه ، وترويج الشريعة ، وتثبيت أسس المذهب الحق وإيضاح معالمه ، وتعليم الجاهلين من المؤمنين ، وإرشادهم إلى سبيل الحق ، وتربية طلاب العلم الجادين في حفظه ونشره بين الناس ، الباذلين أعمارهم وأوقاتهم وقواهم في إعلاء كلمة الله ، ونصح المؤمنين ودلالتهم على التمسك بالعمل الرضي والخلق الزكي ، وإصلاح ذات البين ، وإعانة هؤلاء المرشدين على اداء مهمتهم ، وتيسير وسائلهم الصحيحة إلى ذلك ،وما يتصل بهذه المضامين العالية التي توجب لهم وللمسترشدين بهم رضا الله ، وتضمن لهم القرب منه –سبحانه-.

ويكفي -في جواز صرف حق الإمام أيضا- أن يوثق برضاه (ع) به وثوقاً تامًّا، ومما يعلم برضا الإمام في صرف حقه فيه او يوثق به وثوقًا تامًّا، أن يدفع بعضه في إعانة المحتاجين المنكوبين من المؤمنين ، وخصوصاً إذا ضاقت عليهم وعلى عائلاتهم سبل المعيشة .

المسألة 152: إذا أحرز المكلف المالك للمال رضا الإمام (ع ) قطعاً أو وثوقاً، جاز له ان يتولى بنفسه صرف الحق في ذلك المورد، وان كان الأحوط له ان يراجع الفقيه الجامع للشرائط في ذلك ، ولا سيما إذا احتمل المالك ان بعض الجهات أو الخصوصيات مما يخفى عليه أو يلتبس عليه أمرها، والأحوط في صرف الحق مع إحراز الرضا -قطعا أو وثوقاً كما ذكرنا- ان يقصد الدافع بإعطاء المبلغ من الحق للشخص الذي يطبّقه عليه الصدقة عن الإمام (ع ).

المسألة 153: إذا لم يوجد في البلد بالفعل من يستحق الخمس ،جاز لمالك المال ان ينقل الخمس الواجب عليه إلى بلد آخر، بل الظاهر جواز نقل الخمس إلى بلد آخر مع وجود المستحق في بلد المال ، إذا لم يكن النقل ينافي فورية إخراج الحق ، ويشكل الحكم بجوازه إذا وجد المستحق في البلد وكان النقل ينافي الفورية .

وإذا لم يوجد في البلد بالفعل من يستحق الخمس ، ولم يتوقّع أن يوجد فيه بعد ذلك ، وجب على المكلف نقل الخمس إلى بلد يمكن له فيه أداء الواجب ، ولو لوكيل المستحق في قبض الحق ، وكذلك الحكم إذا لم يوجد المستحق في البلد ولا وكيله ، ولم يمكن حفظ المال إلى حين وجوده أو وجود وكيله ، فيجب على المكلف نقل الخمس .

المسألة 154: إذا وجب على مالك المال نقل الخمس إلى بلد آخر -كما هو الحكم في الفرضين الأخيرين من المسألة السابقة-، صح له عزل الخمس عن بقية ماله ، وإذا عزله في هذه الصورة ثم تلف بعد عزله من غير تفريط من المالك فلا ضمان عليه ، سواء تلف قبل النقل أم بعده .

وكذلك الحكم إذا جاز للمالك نقل الخمس -كما في الصورة الأولى-، واستأذن الحاكم الشرعي في ان يعزل الخمس عن بقية ماله لينقله بعد العزل ، فعزله لذلك باذنه ، فإذا تلف الخمس بعد عزله من غير تفريط من المالك فلا يكون ضامنًا، وإذا جاز له نقل الخمس -كما في الصورة المذكورة- فنقل جميع المال وتلف الجميع بغير تفريط منه فلا ضمان عليه ، ومثله ما إذا نقل مقدار الخمس بعد أن تلف باقي المال في موضعه ، فإذا تلف الخمس قبل وصوله إلى المستحق من غير تفريط من المالك فلا ضمان عليه ، ويشكل الحكم فيما عدا هذه الفروض ، بل الأحوط الضمان في غيرها إذا حصل التلف وان لم يكن مفرّطاً.

المسألة 155: إذا أذن الفقيه العادل لمالك المال في أن ينقل الخمس إلى بلد آخر، فنقله وتلف الخمس بسبب نقله لم يسقط الضمان عن المالك لمجرد اذن الفقيه له بالنقل ، إلا إذا كان قد اذن له بالعزل والنقل ، فإذا اذن له بهما فلا ضمان على المالك إذا تلف الخمس معهما بغير تفريط ، وقد ذكرنا هذا في المسألة المتقدمة .

المسألة 156: إذا جعل الفقيه العادل مالك المال وكيلاً عنه في أن يقبض خمس ماله ، فقبضه المالك بالوكالة عن الفقيه ، ثم أذن له -بعد قبضه بالوكالة- في أن ينقله إلى بلد آخر ، فإذا تلف الخمس في نقله بغير تفريط من المالك فلا ضمان عليه .

وكذلك إذا وكّل مستحق الخمس مالك المال في أن يقبض له الخمس من ماله بالوكالة وأذن له في أن ينقله إليه في بلده ، فإذا تلف الخمس في هذه الصورة بعد قبضه ونقله بغير تفريط من المالك فلا ضمان عليه .

المسألة 157: إذا نقل مالك المال خمس ماله إلى بلد آخر، فان كان نقله واجباً فمؤونة النقل تكون من الخمس ، وان كان النقل جائزاً فمؤونة النقل على المكلف ، وتلاحظ المسألة المائة والثالثة والخمسون ، فقد ذكرنا فيها الموارد التي يكون النقل فيها جائزاً والتي يكون فيها واجباً ..

المسألة 158: إذا كان للمكلّف بالخمس مال في بلد آخر، جاز له أن يدفع ذلك المال عوضاً عن الخمس الواجب عليه الموجود عنده في بلده ،ولا يكون ذلك من نقل الخمس ، وكذلك إذا نقل مقدار الخمس من بعض أمواله الخاصة إلى بلد آخر، ثم دفع ذلك المال بعد وصوله عوضا عن الخمس الموجود في بلده ، فيصح ذلك ولا يكون من نقل الخمس .

ويجوز للمكلف أن يدفع خمس ماله في البلد إلى وكيل الفقير ، وان كان الفقير نفسه في بلد آخر ، فإذا قبضه وكيل الفقير برئت ذمة المكلف من الخمس الواجب ، وجاز للوكيل أن ينقل المال الذي قبضه إلى موكله الفقير في بلده . وكذلك الحكم في وكيل الحاكم الشرعي ، فيجوز الدفع إليه بوكالته عن الحاكم الشرعي ، وتبرأ ذمة المالك بالدفع إليه ، وان كان الحاكم الشرعي في بلد آخر .

المسألة 159: إذا كان المال الذي تعلق به الخمس في غير بلد مالك المال ، جاز للمالك ان ينقل الخمس إلى بلده الذي هو فيه مع ضمان الخمس إذا تلف في نقله ، وهذا إذا كان نقل الخمس إلى بلده لا ينافي فورية دفع الحق إلى أهله ، والأولى له ان يدفع الخمس في بلد المال ، ويشكل الحكم بجواز نقل الخمس إلى بلده في الصورة المذكورة إذا كان النقل يستدعي مضيّ مدة تنافي الفورية .

المسألة 160: إذا كان للمالك المكلف بالخمس دين في ذمة الفقير المستحق ، ففي جواز أن يحتسب ذلك الدين على الفقير خمساً إشكال . والاحوط للمالك أن يدفع للفقير مقدار الخمس وينوي به إيتاء الخمس ،فإذا قبضه الفقير وملكه أخذه المالك منه وقبضه وفاءًا لدينه إذا شاء، وكذلك في حصة الإمام (ع ).

المسألة 161: تقدم منّا ان المدار -في جواز التصرف في حق الإمام (ع ) من الخمس- على حصول العلم ، او الوثوق برضاه (ع ) بصرف حقه في ذلك الوجه المراد، فإذا قطع مالك المال او احتمل ان لمراجعة الفقيه الجامع لشرائط الافتاء دخلاً في رضا الإمام (ع ) في صرف حقه في مصارفه المعينة، أو كان ذلك أمكن في إحراز رضاه (ع ) تعين نقل الحق إلى الفقيه ، وكذلك إذا عيّنت المرجحات فقيهاً معينًا من الفقهاء، فيتعين الرجوع به إلى ذلك الفقيه ، وإذا تساوت المحتملات في إحراز رضاه (ع ) تخير المالك إذا لم يلزم من النقل تأخير في دفع الحق ينافي وجوب الفورية .

المسألة 162: تبرأ ذمة المالك المكلّف بالخمس إذا قبضه الفقير المستحق ، أو قبضه وكيله المفوض منه ، وتبرأ ذمته إذا قبضه الحاكم الشرعي بحسب ولايته على ارباب الحق ، أو قبضه وكيله المفوض منه ،سواء كان الخمس مستقرًّا في ذمة المالك ام كان متعلقًا بعين المال ، وتبرأ ذمته إذا وكله الحاكم الشرعي في ان يقبض الخمس من ماله بالنيابة عن الحاكم ، فقبضه كذلك ، وتبرأ ذمته إذا وكله الفقير المستحق في ان يقبض له الخمس من ماله ، فإذا قبضه المالك الوكيل -بالوكالة عن الفقير- برئت ذمته ، ولا تبرأ ذمته من التكليف بغير الوجوه المذكورة .

المسألة 163: إذا عزل المالك الخمس من بقية ماله ونواه خمساً، ففي صحة عزله إياه -بحيث يتعين الخمس في ذلك المال المخصوص- إشكال ، فلا يترك الاحتياط في ان يراجع الحاكم الشرعي إذا أراد ذلك .

وإذا عزل خمس ماله بغير مراجعة الحاكم الشرعي ، ثم نقله إلى بلد آخر لعدم وجود المستحق في بلده فتلف من غير تفريط أشكل الحكم ببراءة ذمته .

المسألة 164: إذا وجب الخمس على المالك في بعض أمواله ، تخيّر بين ان يعطي الخمس من عين المال الذي تعلّق به الوجوب ، وان يدفع ذلك المقدار من مال آخر يملكه فيجعل ذلك عوضا عن العين ، سواء كان المال المدفوع نقداً أم غيره ، وسواء رضي المستحق أو الحاكم بهذا التعويض أم لا ، نعم ، يجب ان يكون الشيء او الأشياء التي يدفعها عوضاً عن الخمس مساوية له بقيمتها السوقية ، فلا تبرأ ذمة المالك إذا احتسبها بأكثر من قيمتها وان رضي بها المستحق .

المسألة 165: إذا وجب على المكلف أداء مبلغ كبير من الخمس ، وأعسر عن أدائه ، ولم يرجُ زوال العذر والتمكن من امتثال الواجب ، واراد تفريغ ذمته منه ، جاز له أن يدفع للفقير الذي يستحق الخمس مبلغا صغيراً من المال وينوي بدفعه للمستحق اداء ذلك المقدار من الخمس الواجب عليه ، فإذا قبله المستحق وقبضه وتملكه منه بالقبض ، وهبه المستحق للمالك المكلّف ليكون مملوكاً له بالهبة ، ثم يدفعه المكلف للفقير مرة ثانية وينوي به وفاء مقداره من الخمس ، ثم يهبه المستحق للمالك بعد قبضه ويتكرّر الأخذ والرد بينهما على هذا النهج حتى يفي المالك جميع ما عليه من الخمس .

وشرط صحة ذلك: أن ينوي المكلّف بدفعه في كل مرة اداء الخمس متقرّباً به إلى الله ، وان يقصد المستحق ردّه المال في كل مرّة الهبة المملّكة للمكلف ، بحيث لا يكون ذلك من مجرد الأخذ والرّد بحسب الصورة فقط ، وأن يكون المستحق راضياً بالتسلم للحق من المالك والدفع بالهبة له .

ولا يجوز إجراء هذه المعاملة في غير مورد استنقاذ المكلف من الخطيئة بعد توبته إلى الله من تفريطه.

وإذا كان المكلف ممن يرجا زوال إعساره وتمكّنه من أداء الواجب بعد ذلك ، فالأحوط للمستحق والمكلف أن يجريا المعاملة على نحو القرض ، فيقصد المستحق -بردّ المبلغ- إقراض المكلف على أن يؤدّيه إلى المستحقين على سبيل التدريج ، ويأخذه المكلف منه بهذا القصد، وكذلك الحكم في الزكاة الواجبة إذا تكثّرت على المكلف ولم يمكنه اداؤها.

الفصل الثالث

في الأنفال

المسألة 166 : الأنفال: هي الأموال التي يختصّ بها الرسول (ص ) في حياته ، وايام زعامته الإلهية على الأمة، ثم يختصّ بها خليفته الإمام المعصوم (ع ) من بعد موته ، واختصاص هذه الأموال بهما من شؤون منصبهما الإلهي المجعول لهما من الله -سبحانه-، وزعامتهما الكبرى للمسلمين ، ولذلك فهي لا تنتقل إلى ورثتهما بعد الموت ، بل تنتقل بعد الرسول إلى الإمام ، ثم تنتقل إلى الإمام بعد الإمام ، (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين).

والأنفال المبحوث عنها هي عدة أمور:

(الأول): أراضي الكفار التي يملكها الإسلام من غير قتال ، وهي تشمل الأرض التي ينجلي أهلها - الكفار - عنها خوفاً من جيش المسلمين وسطوته ،فيملكها الإسلام بعد جلاء أهلها وانصرافهم عنها، والأرض التي يسلمها أهلها للمسلمين باختيارهم من غير قتال ،سواء خرجوا من الأرض بعد أن سلّموها للمسلمين أم لم يخرجوا منها، ولا فرق في الصورتين بين ان تكون الأرض معمورة وان تكون غير معمورة .

المسألة 167 : لا يختص الحكم الذي ذكرناه فيما يملك من غير قتال بالأراضي ،بل يشمل غير الأراضي من الأموال على الأقوى ، فإذا ترك الكفار أموالهم المنقولة وغير المنقولة وملكها الإسلام من غير قتال كانت من الأنفال ، واختصّ بها الإمام (ع ) وان لم تكن من الأراضي .

المسألة 168 : (الثاني ): الأرض الموات ، سواء كان خرابها لانقطاع الماء عنها ، ام لغلبته عليها، ام لاستيلاء الرمل الناعم الكثير أو السبخ على الأرض فلم تعمر لذلك ، ام لغير ذلك من أسباب موت الأرض وخرابها، وسواء كانت خراباً بالأصل فلم يملكها أحد ولم يعمرها، كالمفاوز والصحارى ، ام كانت مملوكة لقبائل من الناس ثم باد أهلها أو انجلوا عنها فلم يعرفوا ، ويلحق بها في الحكم القرى التي جلا عنها ساكنوها أو بادوا فخربت ودرست، ولا فرق في الأرض الميتة او القرية الدارسة بين ان تكون في بلاد المسلمين أو بلاد الكفرة، والمفتوحة عنوة من جيش المسلمين وغيرها، فجميعها من الأنفال المختصة بإمام المسلمين (ع).

المسألة 169: إذا كانت الأرض معمورة ثم طرأ لها بعض العوارض فأصبحت خراباً لا انتفاع بها، فان كان لتلك الأرض مالك معلوم وقد ملكها بالإرث ، أو بالشراء من مالك آخر قبله ، او بغير ذلك من المعاملات التي توجب التملك والانتقال إلى المالك من الغير، فالأرض المذكورة لا تزال مملوكة لصاحبها ولوارثه من بعد موته ، ولا تصبح -بسبب خرابها الطارئ- من الأنفال .

وإذا كان مالك تلك الأرض قد ملكها بالتعمير والإحياء ثم تركها فأصبحت خراباً لا انتفاع بها إلا بإحيائها وتعميرها، عادت الأرض بسبب خرابها من الأنفال -كما كانت- وجرت عليها أحكامها، وكذلك إذا كانت معمورة سابقاً ثم باد أهلها ولم يكن لمالكها الأول وارث فتصبح من الأنفال .

المسألة 170: الأرض التي يفتحها جيش المسلمين من بلاد الكفار بالقتال والقوة، إذا كانت -في حال فتحها- معمورة ، فهي ملك لعامة المسلمين ، وقد ذكرنا هذا في كثير من المناسبات وفي عدّة من المباحث في هذه الرسالة، فإذا أهملت الأرض بعد ذلك حتى خربت ، فهي لا تزال مملوكة لعامة المسلمين ، ولا تكون من الأنفال .

وان كانت في حال الفتح مواتاً غير معمورة فهي من الأنفال -كما ذكرنا في المسألة المائة والثامنة والستين-، فتجري عليها أحكامها.

المسألة 171: (الثالث ) من الأنفال : كل أرض لا ربّ لها وان لم تكن مواتاً ومنها أسياف البحار وشواطىء الأنهار، والجزر التي تتكون في البحر وفي الأنهار الكبيرة مثل دجلة والفرات والنيل .

المسألة 172: (الرابع ) من الأنفال : رؤوس الجبال وبطون الأودية ، و الآجام ، وحكم رؤوس الجبال ويشمل ما يخرج فيها أو يوجد في قممها وأعاليها من نبات وشجر وحجر وغير ذلك ، وكذلك بطون الأودية، سواء كانت متسعة أم ضيّقة، والآجام هي الأرض التي يلتفّ فيها القصب ونحوه ، أو التي تمتلئ بالأشجار والدوح غير المثمر ، من غير فرق -في الثلاثة- بين أن تكون في أراضي الإمام (ع ) والأرض المفتوحة عنوة وغبرهما .

وإذا كانت الأرض مملوكة لمالك معين ثم اتفق لها ان صارت أجمة أو وادياً ففي عدّها من الأنفال إشكال .

المسألة 173: (الخامس ) من الأنفال : القطائع الخاصة لملوك الكفار الذين يفتح جيش المسلمين بلادهم ، وصفاياهم التي تختص بهم ، فتصبح -بعد الفتح - من الأنفال التي يختص بها الإمام (ع ).

والقطائع هي الأراضي والأملاك والدور التي يختص بها ملك الكفار، والصفايا هي الأموال الأخرى التي تكون له ، وهذا إذا لم تكن قطائعه وصفاياه مغصوبة من مسلم ، أو من كافر ذمي ، أو معاهد للإسلام ، فإذا كانت كذلك وجب ردّها إلى مالكها الذي غصبت منه .

المسألة 174: (السادس ) من الأنفال : ما يصطفيه الإمام المعصوم (ع ) لنفسه من غنيمة الحرب قبل أن تقسم ، فيأخذ من الغنيمة سلاحا خاصّا أو مركباً معيناً، أو جارية أو عبداً، أو ما يشبه ذلك ،فيختص بالشيء الذي يصطفيه ويكون من الأنفال .

المسألة 175: (السابع ) من الأنفال : الغنيمة التي يأخذها المقاتلون المسلمون فن الكفار المحاربين إذا كان قتالهم إياهم بغير إذن من الإمام المعصوم (ع)، فتكون الغنيمة كلها من الأنفال الخاصة بالإمام (ع )،سواء كان غزو المسلمين للكفار لانهم امتنعوا عن الدخول في الإسلام بعد عودتهم إليه ام لا، وسواء حدث ذلك في زمان حضور إمام المسلمين (ع ) أم في وقت غيبته ، وقد ذكرنا هذا في المسألة الأولى من كتاب الخمس .

المسألة 176: (الثامن ) من الأنفال : ميراث الميت الذي لا وارث له ، والأحوط - في هذا القسم من أعيان الأنفال في زمان غيبة الإمام (ع ) - أن يصرف في الفقراء المحتاجين ، وأحوط من ذلك أن يختص به فقراء بلد الميت ،وأن يكون الصرف بمراجعة الفقيه الجامع للشرائط .

المسألة 177 : (التاسع ) من أعيان الأنفال : المعادن التي لا تكون متعلقاً لحق خاص لشخص معين ، ومثال هذا: أن يكون المعدن في أرض مملوكة لمالك معلوم ، او يكون مورداً لحيازته واحيائه ، فان المعدن في هاتين الصورتين يختص به ذلك المالك ويجب عليه اداء خمسه ، وقد سبق بيان احكامه في الأمر الثاني من الأشياء التي يجب فيها الخمس ،فإذا كان المعدن مما لم يتعلق به حق خاص كذلك فهو من الأنفال .

المسألة 178: قد اباح الأئمة المعصومون (صلوات الله وسلامه عليهم ) لشيعتهم في زمان الغيبة أن يتصرّفوا في أراضي الأنفال وفي أعيان غير الأراضي منها، على وجه يجري عليها الملك ، ولذلك فيجوز لهم تملّك أرض الأنفال بأحيائها، وتملك أشجارها وسائر أعيانها بالحيازة، من غير فرق بين الفقير منهم والغني . وقد تقدم في المسألة المائة والسادسة والسبعين حكم ميراث من لا وارث له .

والحمد لله رب العالمين .