كـــــتاب الاعتكاف
الفصل الأول : في الاعتكاف وشرائطه
الفصل الثاني : في أحكام الاعتكاف
المسألة الأولى : الاعتكاف هو أن يلبث المكلف في المسجد متقرّبا إلى الله بلبثه وبقائه فيه في المدة المطلوبة، فاذا نوى الرجل التعبد لله بمكثه وإقامته في المسجد واقام فيه المدة المعينة فقد حصل منه الاعتكاف الشرعي ، وان لم يقصد مع ذلك أن يأتي بعبادة أخرى في اثناء مكثه في المسجد، من تلاوة قران أو قراءة دعاء أو ذكر أو استغفار او غيرها، فلا يكون قصد شيء من العبادات الأخرى من مقومات معنى الاعتكاف ، وان كان الأحوط للمكلف أن يقصد الإتيان بها مع اللبث في المسجد.
المسألة الثانية : يصح أن يقع الاعتكاف من المكلف في اي وقت يصح فيه الصوم ، وسيأتي منا -إن شاء الله تعالى-: ان الصوم شرط في صحة الاعتكاف ،ولا يصح بدونه ، ولذلك فلا يصح الاعتكاف في وقت لا يجوز فيه الصوم ، والأفضل إيقاع الاعتكاف في شهر رمضان، وأفضل ايام الشهر للاعتكاف هي الأيام العشرة الأواخر منه ، ففي الحديث عنه (ص) انه قال : (اعتكاف عشر في شهر رمضان تعدل حجتين وعمرتين) ، وعن ابي عبد الله (ع) قال: (اعتكف رسول الله (ص ) في شهر رمضان في العشر الأول ، ثم اعتكف في الثانية في العشر الوسطى ، . ثم اعتكف في الثالثة في العشر الأواخر، ثم لم يزل (ص ) يعتكف في العشر الأواخر).
المسألة الثالثة : لاريب في شرعية الاعتكاف في الإسلام ، ولا ريب في ثبوت استحبابه بين جميع المسلمين ، وعلى ذلك جرت سيرتهم ، واتفقت نصوصهم عن الرسول (ص)، فهو مستحب في أصل الشرع ، وقد يجب على الإنسان بالعارض من نذر او عهد أو يمين ،وقد يجب عليه بالشرط في ضمن العقد، ومثال ذلك : أن يشترط أحد المتعاقدين على الآخر في ضمن عقد يجري بينهما -من بيع أو إجارة أو صلح أو نكاح أو غير ذلك من العقود- أن يعتكف ثلاثة أيام ، فيجب على صاحبه أن يعتكف إذا هو قبل بالشرط ،سواء اشترط عليه أن يعتكف الأيام لنفسه ام لغبره .
المسألة الرابعة : يصح للإنسان ان يعتكف بالنيابة عن غيره ، إذا كان الشخص المنوب عنه ميتا، بل الظاهر جواز النيابة عن الغير إذا كان حيا وكان الاعتكاف مندوبا له ، سواء كان متبرعا بالاعتكاف عنه ، أم كان مستأجرا له ، أم مشروطا عليه في ضمن العقد، كما أشرنا إليه.
المسألة الخامسة: يشترط في صحة الاعتكاف (اولا): أن يكون المعتكف مسلما، فلا يصح اعتكاف الرجل إذا كان كافرا ، كما في نظائره من العبادات ، ويشكل الحكم في اشتراط ان يكون المعتكف مؤمنا بالمعنى الأخص ، وقد سبق نظير هذا الإشكال في الصوم وغيره من العبادات ، ولذلك فلا بد فيه من مراعاة الاحتياط ، فإذا شرع غير المؤمن باعتكاف واجب ثم استبصر في اثناء اعتكافه ،فعليه ان يجدّد نية الاعتكاف بعد استبصاره ويتم اعتكافه ، ثم يقضيه بعد إتمامه ، وإذا شرع في اعتكاف مندوب -وكان استبصاره بعد انقضاء يومين منه- فالأحوط له ايضا أن يجدد النية ويتم الاعتكاف ، ثم يقضيه بعد الإتمام ،وإذا استبصر في أثناء اليومين الأولين من الاعتكاف أمكن له التخلص من الإشكال ، فيرفع يده عن الاعتكاف الذي شرع فيه ، ويستأنفه من أوله على الوجه الصحيح ، ويمكن له أن يجري مع الاحتياط على النهج السابق .
المسألة السادسة : يشترط في صحة الاعتكاف (ثانيا): ان يكون المعتكف عاقلا، فلا يصح اعتكاف المجنون ، وان كان جنونه أدوارا -إذا وقع اعتكافه في دور جنونه-، ولا يصح الاعتكاف من السكران ونحوه ، وإذا نوى الاعتكاف قبل سكره ثم سكر بعد ان سبقت منه النية ، فلا يترك الاحتياط له -إذا افاق من السكر- بأن يتم اعتكافه ثم يقضيه بعد ذلك ، اذا كان واجبا.
المسألة السابعة: يشترط في صحة الاعتكاف (ثالثا): النية -كسائر العبادات-، فينوي اللبث في المسجد متقربا به الى الله ، فاذا كان الاعتكاف واحدا ونواه كذلك صح وكفاه ، سواء كان واجبا ام مندوبا، ولم يجب تعيينه أو وصفه في النية، واذا تعددت الاعتكافات الواجبة على المكلف ، واختلف بعضها عن بعض في الأثر، وجب على المكلف في نيته أن يعين الاعتكاف الذي يريد القيام به ، ومثال ذلك أن يكون بعض الاعتكافات الواجبة عليه منذورا وبعضها واجبا باليمين أو بالعهد أو بالإجارة ، فيجب عليه التعيين ، وإذا تعددت الاعتكافات المطلوبة منه ، وكانت من نوع واحد ، ولم يختلف بعضها عن بعض في الأثر، فكانت كلها من الواجب بالنذر للشكر مثلا ، أو من الواجب بالعهد أو باليمين ،لم يجب على المكلف أن يعيّن في نيته ان ما يريد الاتيان به هو المنذور الأول أو الثاني مثلا.
وكذلك اذا استؤجر المكلف لاعتكافين أو اكثر ينوب بها عن شخص واحد، فلا يجب عليه أن يقصد ان ما يأتي به هو اي الاعتكافات عن المنوب عنه ، واذا تعدد المنوب عنه ، فلا بد من التعيين ، وهكذا.
ولا يعتبر في النية ان يقصد الوجوب في الاعتكاف الواجب ، والندب في المندوب ، بل تكفي فيه نية القربة، ويكفي قصد امتثال الامر المتوجه اليه بالعمل ، واذا قصد الوجوب في الاعتكاف الواجب صح وكفى ، وكذلك اذا نوى الندب في الاعتكاف المندوب ، ولا ينافي ذلك ان الاعتكاف في اليوم الثالث منه يكون واجبا على المعتكف .
ووقت النية في الاعتكاف هو اول الشروع فيه ، فاذا أراد الرجل أن يبدأ في الاعتكاف من اول النهار نواه قبل طلوع الفجر متصلا به او مقارنا له ، ولا يصح ان يؤخر نيته عن الفجر فيمر عليه جزء من النهار بغير نية .
ويشكل الحكم بالصحة إذا هو بيت النية من الليل وهو يريد الاعتكاف من أول الفجر، فليس شأن الاعتكاف شأن الصوم ليكتفي فيه بتبييت النية من الليل ، ولا يصح قياسه عليه في الحكم .
وإذا أراد الرجل الشروع في الاعتكاف من أول ليلته ، أو في أثنائها نوى العمل من ذلك الوقت وصح ، وإذا أراد الشروع فيه بعد انقضاء شطر من النهار فينويه وقت الشروع به .
المسألة الثامنة : يشترط في صحة الاعتكاف (رابعا): ان يكون المعتكف صائما، فلا يصح الاعتكاف بغير صوم ، ويتفرّع على اعتبار هذا الشرط شرط آخر، وهو أن يكون الاعتكاف في وقت يصح فيه الصوم ،فلا يصح إذا اعتكف في وقت لا يصح صومه كيومي العيدين ، وأيام التشريق لمن كان بمنى ، فإذا اعتكف الرجل من يوم العيد، او كان العيد في ضمن أيام اعتكافه الثلاثة، بطل اعتكافه ولم يصح ،ولا يصح منه الاعتكاف إذا كان مسافرا سفرا لا يصح فيه الصوم ، او كان مريضا لا يصح منه الصوم ، أو صحيحا يتعذّر عليه الصوم ، ولا يصح من المرأة إذا كانت حائضا او نفساء ، لذلك ، ولحرمة اللبث في المسجد عليهما.
واذا كان المسافر ممن يصح منه الصوم -كمقيم العشرة ومن يكون عمله السفر وغيرهما من الأصناف- فلا يمنع من الاعتكاف إذا أراد فيجوز له أن يصوم ويعتكف في سفره .
المسألة التاسعة : لا يعتبر في صوم المعتكف أن يأتي به المكلف من أجل الاعتكاف نفسه ، فاذا اتفق له انه كان صائما في شهر رمضان او في قضائه ، او في واجب غيرهما من نذر أو كفارة أو عهد، او كان صائما صوما مندوبا صح له أن يعتكف في ذلك الصوم ، وكفاه في حصول الشرط المعتبر في الاعتكاف .
ويصح إذا كان المكلف صائما بالنيابة عن غيره ، تبرعا او مستأجرا عليه ، فيجوز له ان يعتكف في هذا الصوم ، ويكفيه في حصول الشرط وان كان اعتكافه لنفسه .
وكذلك إذا كان اعتكافه منذورا او واجبا عليه بالنيابة عن غيره ، فيكفيه أن يعتكف في اي صيام اتفق ، وحتى اذا كان مستأجرا للصيام عن غيره ، ومستأجرا ايضا للاعتكاف عن شخص آخر، فيصح له أن يأتي بالصيام وبالاعتكاف المستأجر عليهما للشخصين في ايام واحدة ، ويحصل بالصوم شرط صحة الاعتكاف.
وإذا أحرم المتمتع بحج التمتع في أوائل شهر ذي الحجة ، ولم يجد هديا لحج التمتع ، واراد أن يصوم الايام الثلاثة في مكة بدلا عن الهدي ، فيجوز له أن يعتكف في المسجد الحرام ، ويجعل صومه عن الهدي صوما لاعتكافه .
المسألة العاشرة: إذا نذر الرجل ان يعتكف اياما معينة أو أياما مطلقة ، وجب عليه أن يفي لله بما نذره ، وجاز له ان يأتي بالاعتكاف الذي أوجبه على نفسه في صوم مندوب ، ولا يجب عليه الصوم لذلك الاعتكاف على الأقوى ، ولا تنافي بين أن يكون الاعتكاف واجبا عليه، وان يكون الشرط فيه -وهو الصوم- مندوبا، فاذا هو أتم الصوم المندوب ولم يقطعه صح اعتكافه ، وكان وفاء اً بنذره لحصول شرطه ، وإذا قطع الصوم لأنه مندوب انقطع الاعتكاف، وكان آثما بذلك -إذا كان نذر الاعتكاف معينا-، او كان في اليوم الثالث منه ، ووجب عليه استئناف الاعتكاف .
المسألة 11: يشترط في صحة الاعتكاف (خامسا): أن لا يكون اقل من ثلاثة أيام ، فإذا نوى الرجل ان يعتكف اقل من ثلاثة ايام لم تصح منه نيته ، وكان اعتكافه باطلا، ومثال ذلك : ان ينوي الاعتكاف من ضحى يوم الاربعاء أو من زوال الشمس فيه إلى الغروب من يوم الجمعة، او ينوي الاعتكاف من اول يوم الجمعة إلى ظهر يوم الأحد، او الى وقت العصر منه ، وإذا نذر الاعتكاف كذلك لم ينعقد نذره -على ما سيأتي بيانه-.
ويوم المعتكف هو يوم الصائم ، وحدّه من طلوع الفجر الثاني الصادق إلى دخول الليل ، وهو زوال الحمرة المشرقية ، وقد بينا هذا في كتاب الصوم ، فاذا نوى المكلف أن يعتكف من طلوع الفجر في يوم الجمعة إلى الغروب الشرعي من يوم الأحد، صح اعتكافه وكملت له الايام الثلاثة، وإذا نذره كذلك صح نذره ولزمه الوفاء به ، وتدخل فيه الليلتان المتوسطتان ، وهما ليلة السبت وليلة الأحد في المثال الذي ذكرناه ، ولا تدخل فيه الليلة الأولى وهي ليلة الجمعة، ولا الليلة الرابعة وهي ليلة الاثنين ، فلا يجب عليه الاعتكاف فيهما، وهذا هو الحدّ الأقل للاعتكاف .
ويجوز للرجل أن يزيد في نيته على الحد المذكور في الاعتكاف ، فينوي الاعتكاف من اول الليلة الأولى أو في اثنائها ، أو يقصد الاعتكاف الى آخر الليلة الرابعة او الى بعضها او إلى بعض نهار اليوم الرابع أو إلى آخره ، فيصح منه جميع ذلك ، ويجوز له ان يعتكف اكثر منه ، وإذا زاد يوما رابعا أو خامسا أو أكثر دخلت الليالي المتوسطة في الاعتكاف وشملها حكمه .
المسألة 12 : اذا اعتكف الإنسان خمسة أيام تامة وجب عليه أن يعتكف اليوم السادس إلى غروبه الشرعي ، ودخلت الليلة المتوسطة في الاعتكاف أيضا، فلا يجوز له ان يفسخ الاعتكاف ويرفع اليد عنه حتى يتم اليوم السادس ، ويجوز له ان يستمر في اعتكافه اكثر من ذلك ، وان يفسخه إذا كان مندوبا.
وقد ذهب بعض العلماء الى إجراء الحكم المتقدم ذكره في الزائد على الستة من أيام الاعتكاف ، فكلما زاد المعتكف يومين في الاعتكاف وجب عليه اليوم الثالث ، فإذا اعتكف الرجل ثمانية أيام تامة وجب عليه أن يعتكف اليوم التاسع ، وإذا اعتكف أحد عشر يوما، وجب عليه أن يعتكف اليوم الثاني عشر، ولم نقف لهذا القول على دليل ، ولكن فيه احتياطا مستحبا لا ينبغي تركه .
المسألة 13 : يشكل الحكم بالإكتفاء في صحة الاعتكاف بثلاثة ايام ملفقة ، وهي أن يعتكف الرجل من ظهر اليوم الأول مثلا إلى ظهر اليوم الرابع ، فلا يترك الاحتياط بعدم الاكتفاء به ، فلا ينوي الاعتكاف ثلاثة أيام ملفقة ولا ينذره كذلك ، بل القول بعدم الاكتفاء بذلك لا يخلو من قوة، وهذا إذا قصد بنيته وبنذره الاعتكاف الشرعي المعروف بين المتشرعة .
المسألة 14: إذا نذر الرجل أن يعتكف أقل من ثلاثة ايام ، فالمعنى الظاهر من قوله هذا: انه قد قيّد اعتكافه الذي نذره بأن يكون أقل من المدة المعتبرة للاعتكاف الشرعي ،ولا ريب في بطلان هذا النذر من أصله ، فلا ينعقد ولا يجب الوفاء به ، ولا يجب قضاؤه إذا كانت الأيام التي نذر الاعتكاف فيها معينة، وكذلك الحكم إذا نذر الاعتكاف ثلاثة أيام معينة تامة، ثم تبين له بعد إيقاع النذر ان احد الأيام الثلاثة التي نذر اعتكافها يوم عيد يحرم صومه ، فيبطل نذره وان كان الناذر غافلا عن العيد حين إنشائه صيغة النذر، أو كان العيد غير ثابت على الوجه الشرعي ، ثم ثبت -بعد إنشاء صيغة النذر- أنه أحد الأيام التي نذر اعتكافها، فيبطل نذر الناذر من أصله ولا يجب قضاؤه .
وكذلك إذا نوى الرجل الاعتكاف في الايام الثلاثة المعينة وشرع فيه ، ثم ثبت ان العيد في احد ايام اعتكافه ، او تذكر ذلك بعد غفلته فيبطل اعتكافه من أصله .
وإذا نذر الرجل ان يعتكف يوما أو يومين -معينة أو غبر معينة-، ولم يقيد نذره بهذا العدد صح نذره ، ووجب عليه ان يتم اعتكافه ثلاثة أيام تامة .
المسألة 15 :يشترط في صحة الاعتكاف (سادسا): ان يكون في مسجد جامع تقام فيه صلاة الجماعة الصحيحة ، فلا يصح الاعتكاف في غير مسجد ، من مشهد او معبد غيره ، ولا في مسجد قبيلة او مسجد سوق ،وان كانت تنعقد فيها صلاة جماعة صحيحة .
وأفضل من ذلك وأحوط ان يقع الاعتكاف في المسجد الحرام او في مسجد الرسول (ص) ، او مسجد الكوفة أو مسجد البصرة، ويصح الاعتكاف في هذه المساجد الأربعة ، وان اتفق أن لا تنعقد فيها صلاة جماعة صحيحة بالفعل ، كمسجد البصرة مثلا.
المسألة 16: يشترط في صحة اعتكاف العبد المملوك (سابعا): ان يأذن له مالكه بالاعتكاف ، فلا يصح له ان يعتكف بغير إذنه ،وان كان السيد في ذلك الوقت غير محتاج لخدمة او لعمل آخر ، وكان صوم العبد صحيحا ، لانه في شهر رمضان مثلا ، او كان السيد قد أذن له بالصوم ،فلا يصح اعتكاف العبد في جميع ذلك بغير إذن ، وهذا إذا كان العبد خالصا في عبوديته ، ولم يتحرر منه شيء ،سواء كان قِنّا أم مدبّرا أم مكاتبا لم يتحرر منه شيء، أم كانت الأمة أم ولد لسيدها.
ويراد بالعبد القنّ: المملوك الذي لم يتشبث بالحرية من بعض جهاته ، ويراد بالمدَبّر: من أنشأ سيده له الحرية إذا مات السيد قبله ، والمكاتَب: من يكاتبه سيده على أن يؤدّي له مبلغا من المالَ فيكون حرّا إذا أدى له المبلغ كله ، أو إذا أداه إليه أقساطا، وأم الولد: هي الأمة التي يطؤها سيدها لانها ملك يمينه، فتلد له ولدا او تحمل منه وتتشبث بالحرية بسبب ذلك، فاذا مات السيد انعتقت بعد موته من نصيب ولدها في الميراث، والأقسام المذكورة تشترك جميعا في ان المملوك لايزال عبدا خالصا لسيده لم يتحرر منه شيء بالفعل ،فلا يصح له الإعتكاف إلا بإذنه.
المسألة 17: إذا كان العبد مبعّضًا فانعتق بعضه ، واصبح ذلك البعض حرا ، وبقي بعضه الآخر مملوكا لسيده ، وهاياه مولاه في الزمان فقسّم أوقاته بينهما بحسب ما في العبد من نصيب الحرية والرقّية، فجعل بعض أيامه خاصة للسيد يقوم العبد فيها بخدمته وبالأعمال التي تعود إليه ، أداء النصيب العبودية في العبد، وعين أياما أخرى تكون خاصة للعبد يستقل فيها بأعماله وتصرفاته لنفسه ، وفاءًا بحق الحرية الثابت له ، امكن لهذا العبد المبعض أن يعتكف في أيامه الخاصة به إذا كانت وافية بزمان الاعتكاف ، ولايحتاج في ذلك إلى إذن من السيد، بل الظاهر أنه يصح له الاعتكاف في أيامه وان نهاه السيد عنه وصرح له بالمنع .
المسألة 18 : يشترط في صحة اعتكاف الأجير الخاص أن يأذن له مستأجره المالك لمنفعته بأن يعتكف ، فلا يصح له أن يعتكف بغير إذنه ، وهذا إذا كان الاعتكاف ينافي حق المستأجر، ومثال ذلك : أن يستأجر الإنسان الأجير لتكون جميع أعماله ومنافعه مملوكة للمستأجر مدة معلومة، فلا يحق لهذا الأجير أن يعتكف بغير إذن مستأجره ، فان الاعتكاف بعض أعماله المملوكة للمستأجر، ويكون الحكم فيه في تلك المدة نظير الحكم في العبد المملوك.
ولا يترك الاحتياط -لزوما- في ان تستأذن المرأة زوجها إذا أرادت الاعتكاف ، من جهة اعتبار الصوم في صحة الاعتكاف ، وقد سبق في المسألة المائتين والرابعة والخمسين من كتاب الصوم ان الأحوط للمرأة أن تجتنب الصوم المندوب بغير اذن زوجها.
واذا كان صومها واجبا او كان مندوبا وقد اذن لها الزوج به ، فلا يصح لها الاعتكاف إلا بإذنه ، اذا كان اعتكافها ينافي حق استمتاع الزوج .
ولا يصح اعتكاف الولد -على الأحوط لزوما- إذا نهاه الأب عنه أو نهته الأم ، وكان نهيهما بداعي الشفقة والعطف عليه ، ولا يصح اعتكافه ايضا إذا كان الاعتكاف يوجب أذيتهما او أذية أحدهما لبعض الأسباب العقلائية التي توجب ذلك ، ولا اعتبار بذلك إذا كان لتوهّمات وأسباب غر عقلائية .
المسألة 19 : يشترط في صحة الاعتكاف . (ثامنا): أن يستمر المكلف في لبثه في المسجد المعين حتى تكمل الأيام التي نوى اعتكافها، فلا يخرج من المسجد إلا لضرورة عقلية أو شرعية أو عرفية تحتم عليه الخروج ، فإذا خرج من المسجد عامدا مختارا لغير ذلك كان اعتكافه باطلا، وان كانت فترة خروجه قليلة يسيرة ، وسنذكر في المسائل الاتية أمثلة من هذه الأعذار التي تبيح له الخروج ولا تضر باعتكافه .وليس من الأعذار التي تبيح له الخروج ان يكون المكلف جاهلا بالحكم ،فإذا خرج عامدا من غير ضرورة تسوّغ له الخروج بطل اعتكافه ، سواء كان جاهلا مقصّرا ام جاهلا قاصرا.
ومن أمثلة ذلك : أن يعتقد ان الخروج من المسجد -إذا كان يسيرا- لا يبطل به الاعتكاف ، او يظن ان الخروج إجابة لدعوة أخيه لبعض المناسبات لا تكون مضرة بعمله ، فيبطل اعتكافه إذا فعل كذلك ، ويجب عليه قضاء الاعتكاف إذا كان واجبًا .
المسألة 20 : يشكل الحكم بصحة اعتكاف الرجل إذا خرج من المسجد لغير حاجة تسوّغ له الخروج ، وكان ناسيا للحكم بعدم جواز خروج المعتكف ، او ناسيا لأصل اعتكافه فلا يترك الاحتياط لزوما بالبطلان بل لا يبعد القول به ، ولا يبطل اعتكاف المكلف إذا أكرهه أحد من الناس يخشى وعيـده على الخروج من المسجد ، فخرج منه مكرها، وأولى من ذلك -بعدم البطلان- ما إذا قسره قاسر متغلب فأخرجه من المسجد من غير اختيار ولا قدرة على الامتناع ، أو أخرجه نائما، وكذلك إذا خرج منه غافلا غير ملتفت لفعله ، او احتاج إلى الخروج منه لبول أو غائط أو نجاسة أخرى ، حذرا من تلوث المسجد بها، او اضطر إلى الخروج لمراجعة طبيب لا بد من مراجعته أو لتناول علاج ، او شراء حاجة لا يستقيم بدونها ، وتلاحظ المسألة السادسة و الأربعون.
المسألة 21: لا يضر بلبث المعتكف في المسجد ومكثه فيه أن يخرج يده من الباب لمصافحة أحد في خارج المسجد مثلا، او ليأخذ منه حاجة او ليدفع صدقة إلى فقير، او يخرج رأسه للنظر إلى شيء إذا كان بدنه وسائر اعضائه داخل المسجد، فالمدار في ذلك على صدق اللبث في المسجد عرفا.
المسألة 22 : سبق في المسألة الخامسة انه يشترط في صحة الاعتكاف ان يكون المعتكف مسلما، ولا فرق في هذا بين أصناف الكفار ومللهم ، ولا بين الكافر الأصلي والمرتد عن الإسلام ، فاذا ارتد المعتكف عن الإسلام في ايام اعتكافه بطل اعتكافه ، سواء ارتد في نهاره وهو صائم ، ام في لياليه ، وسواء كانت ردته عن فطرة أم عن ملّة ، وسواء تاب بعد ارتداده ورجع إلى الإسلام ام لم يتب ولم يرجع ، وسواء كانت فترة ارتداده قصيرة ام طويلة .
المسألة 23 : الاعتكاف عبادة شرعية من العبادات ، ولذلك فيشترط في صحته ان يأتي المعتكف به متقربا إلى الله ، وقد بيّنا هذا في المسألة السابعة، ويعتبر ان تكون النية فيه مستمرّة حكما من أول حدوثه إلى أن يتم آخر جزء منه -كما هو الحكم في العبادات الاخرى- ، ومن اجل ذلك فلا يجوز للمعتكف ان يعدل من اعتكاف نواه إلى اعتكاف غيره ، وان كان مثله في الوجوب أو الاستحباب ، أو كانا واجبين عليه بالنذر، او كانا واجبين بالإجارة والنيابة عن الغير، بل وان كانا بالنيابة عن شخص واحد، فاذا عيّن في نيته اعتكافا خاصا لم يجز له ان يعدل في الاثناء إلى نية اعتكاف آخر.
المسألة 24 :لا يصح لرجل واحد ان يعتكف اعتكافا واحدا ينوب فيه عن شخصين أو اكثر من الأموات او من الأحياء، فينوي في اعتكافه الواحد النيابة عن الشخصين معا ، بحيث يكون الاعتكاف لهما على سبيل الاشتراك بينهما، فإذا نوى ذلك كان اعتكافه باطلا ، ولم يكف عن احدهما على الظاهر.
ويجوز للرجل ان يعتكف اعتكافا واحدا ويهدي ثوابه إلى شخصين أو إلى اكثر ، سواء كانا ميتين أم حيين ، أم كان أحدهما حيا والآخر ميتا، ويجوز له ان يتبرّع بذلك وأن يُستأجر عليه .
المسألة 25 : يجوز للمكلف -إذا اعتكف اعتكافا مندوبا ،لم يوجبه على نفسه بنذر او ما يشبهه ، او بإجارة أو غيرها- ان يقطع اعتكافه في اليومين الأولين منه ، فيصح له أن يخرج من المسجد فيهما متى أراد ولا يأثم بذلك ، وإذا اتم اعتكاف اليومين الأولين وجب عليه ان يعتكف اليوم الثالث ، ولم يجز له الخروج من المسجد حتى يتم ذلك اليوم إلى الغروب الشرعي ، والمراد أن يتم اعتكاف اليومين من أولهما إلى الغروب الشرعي من اليوم الثاني ، فإذا حصل له ذلك لم يصح له الخروج من المسجد في ليلة اليوم الثالث ولا في نهاره ، إلى دخول وقت الغروب.
وكذلك الحكم في الاعتكاف المنذور غير المعين ، فيجوز للناذر قطع اعتكافه في اليوم الاول والثاني ، ويحرم عليه قطعه في ليلة اليوم الثالث ونهاره ، على نهج الاعتكاف المندوب .
ولا يجوز للمكلف قطع الاعتكاف المنذور إذا كان معيّنا ، لا في اليومين الأولين ولا في اليوم الثالث ، وبحكمه الاعتكاف الواجب المعين بالعهد واليمين ، وتلاحظ المسألة العاشرة .
المسألة 26: يستحب للمكلف دخول المسجد والمكث فيه ، وإطالة اللبث والبقاء فيه ، في اوقات الصلاة وغيرها، وأن يكون الرجل أول داخل للمساجد وآخر خارج منها، وذلك من عمارة مساجد الله ، التي دلت عليها النصوص الكثيرة من الكتاب الكريم والسنة المطهرة، ولا يختصّ ذلك بالمسجد الجامع ، وما تقام فيه الجماعة، بل يعم جميع المساجد الصغيرة والكبيرة، وليس هذا من الاعتكاف الشرعي المبحوث عنه ، ولا يشترط بشرط ، ولا حدّ له ولا وقت ، بل هو باب من ابواب الخير المفتوحة مطلقا، ويتضاعف الأجر وتكبر العمارة إذا ضمّت إلى ذلك عبادة أخرى ، من طهارة وصلاة وتلاوة وذكر ودعاء واستغفار.
وإذا نذرها الناذر انعقد نذره ولزمه الوفاء به ، ولا بد في صحة النذر من تعيين العمل المنذور و العبادة المقصودة، ولا يكون ذلك من الاعتكاف الشرعي ، وان طالت المدة وتنوعت العبادة التي يأتي بها ، بل وان اتفق انه كان صائما، فلا يكون بذلك معتكفا ولا تلزمه احكامه.
المسألة 27: أقل الاعتكاف الشرعي ثلاثة أيام تامة ، ومنه الليلتان المتوسطتان وقد تقدم بيان هذا، فإذا نذر المكلف أن يعتكف ثلاثة أيام في النهار خاصة منها دون الليل لم يصح نذره ، لم يجب عليه الوفاء به ، وهذا إذا قصد بنذره الاعتكاف المعروف بين الفقهاء والمتشرعة، وإذا قصد بنذره أن يمكث في المسجد تلك المدة -وان لم يكن من الاعتكاف المصطلح عليه بينهم- صح نذره ولزمه الوفاء به ،كما قلنا في المسألة الماضية .
المسألة 28 : اذا نذر الرجل ان يعتكف ثلاثة أيام تامة لم تدخل الليلة الأولى ولا الليلة الرابعة ، فهما خارجتان عن المحدود عرفا، ولا تدخل الليلة الأولى إلا إذا أراد من اليوم المنذور ما يعمّ ليلته ، ولا تدخل الليلة الرابعة إلا إذا نوى اضافتها إلى الأيام المنذورة ، وهو واضح.
وإذا نذر أن يعتكف شهرا هلاليّاً، وجب عليه أن يعتكف ما بين الهلالين ، ولذلك فيلزمه أن يعتكف الليلة الأولى من الشهر، لانها جزء منه عرفا، وإذا نذر أن يعتكف أسبوعا، وجب عليه ان يبتدئ بالاعتكاف من أول ليلة من ليالي الاسبوع إلى الغروب الشرعي من اليوم السابع ، فتدخل الليلة الأولى ولا تدخل الليلة الثامنة .
وإذا قصد في نذره أن يعتكف من النصف في الليلة الأولى من الاسبوع إلى النصف من الليلة الثامنة -كما يتعارف عليه في التوقيت الغربي- لزمه العمل حسب ما قصد في نذره .
المسألة 29 : إذا نذر الرجل ان يعتكف شهرا ، وجب عليه ان يعتكف شهرا هلاليا من الهلال إلى الهلال ،سواء بلغ عدده ثلاثين يوما، ام هلّ الهلال الثاني على نقص ، وإذا نذر ان يعتكف مقدار شهر لزمه ان يعتكف ثلاثين يوما تامة ، وان بدأ باعتكافه من اول الهلال ، فلا يكتفي به إذا كان ناقصا، ويلزمه ان يعتكف الليلة الأولى من الثلاثين فهي جزء من الشهر.
وإذا نذر أن يعتكف شهرا من الشهور الشمسية، وجب عليه أن يعين في نذره الشهر الذي يريده ، فان الشهور الشمسية مختلفة في العدد، فبعضها ناقص دائما ، وبعضها تام دائما ، وبعضها زائد دائما، وعليه أن يبدأ في اعتكافه من الوقت الذي يدخل فيه الشهر المنذور إلى الوقت الذي به ينتهي .
المسألة 30: إذا نذر الرجل ان يعتكف شهرا وجب عليه ان يتابع اعتكافه في الشهر المنذور من اوله إلى آخره -للانصراف إلى ذلك عرفا من ظاهر نذره- سواء كان الشهر الذي نذره معينا ام مطلقا غير معين ، وكذلك إذا نذر ان يعتكف أسبوعا ، فانه ينصرف إلى التتابع.
وإذا نذر أن يعتكف مقدار شهر كان نذره مطلقا، فلا تجب عليه المتابعة في اعتكافه ، وجاز له أن يفرّق بين أيامه كيف ما أراد، فإذا فرّق ايام اعتكافه ثلاثة، او اكثر من ذلك حتى أتم مقدار الشهر الذي نذره صح اعتكافه ووفى بنذره ، وإذا اعتكف منه يوما على انفراده ، فعليه ان يضمّ إلى اعتكاف ذلك اليوم اعتكاف يومين آخرين غيره ، ليحصل بذلك شرط صحة اعتكاف اليوم المنذور ، وبدون هذه الضميمة لا يصح ، ويجوز ان يضم إليه اكثر من ذلك إذا شاء.
واذا اعتكف منه يومين على انفرادهما أضاف إليهما اعتكاف يوم ثالث أو أكثر ليحصل الشرط ، ويصح الاعتكاف .
المسألة 31: اذا نذر الشخص أن يعتكف شهرا أو زمانا معلوم المقدار، وشرط في نذره أن يكون اعتكافه فيه متتابعا، ثم أخلّ بتتابعه فترك اعتكاف يوم منه أو اكثر، بطل اعتكاف ذلك الشهر او الزمان كله ، ووجب عليه أن يستأنف الاعتكاف في غير ذلك الشهر او الزمان الذي أبطل اعتكافه ، وان يأتي به متتابعا -كما شرط في نذره- وان اعتكف من الشهر او الزمان المنذور ثلاثة ايام أو اكثر ، او اعتكف نصف الشهر تاما، فلا يكفيه ذلك عن شيء من الواجب .
وإذا كان الشهر أو الزمان الذي نذر اعتكافه معيّنا ، بطل اعتكافه -باخلاله بالتتابع فيه ، كما قلنا- ووجب عليه قضاء الشهر او المنذور من أوله ، وان يأتي بالقضاء متتابعا، على الاحوط لزوما، وإذا بقيت من الشهر المعين أو الزمان المعين بقية من ايامه -بعد إبطاله-، فالاحوط لزوما للمكلف ان يبتدئ بالقضاء المتتابع من الايام الباقية منه ، ولا يؤخر القضاء عنها.
وكذلك الحكم إذا نذر الرجل اعتكاف الشهر او الزمان المعلوم ، وكان نذره ينصرف إلى المتتابع في نظر أهل العرف ، فتجري فيه الأحكام التي فصّلناها في الشرط الصريح .
المسألة 32 : إذا نذر الشخص ان يعتكف اربعة ايام ، ولم يشترط في نذره أن تكون الايام الأربعة متتابعة ، ولم تقم قرينة خاصة ولا عامة على إرادة التتابع من صيغة النذر، من انصراف او انسباق يعوّل عليه أهل اللسان ، او نحو ذلك ، فإذا نذر الرجل ان يعتكف كذلك ، واخل عامدا باليوم الرابع فلم يعتكف فيه ، صح اعتكافه في الايام الثلاثة التي اتى بها، ووجب عليه أن يقضي اعتكاف اليوم الرابع ، وأن يضم إليه اعتكاف يومين آخرين ليصح -بهذه الضميمة- اعتكاف اليوم الرابع المنذور، ويصح قضاؤه بحصول شرطه ، ويجوز له أن يجعل يوم القضاء أي الايام الثلاثة اراد .
المسألة 33: إذا نذر المكلف أن يعتكف خمسة أيام انعقد نذره ، ووجب عليه أن يفي به ، ووجب عليه -عند الوفاء به- أن يضيف إلى الخمسة المنذورة اعتكاف يوم سادس ، سواء أتى بالايام الخمسة متتابعة فيأتي باليوم السادس متصلا بها، أم اعتكف الايام الثلاثة الأولى منفردة ، ثم اعتكف اليومين الرابع والخامس منفصلة عنها ، فعليه أن يعتكف اليوم السادس متّصلا بهما ، ولا يصح له أن يعتكف اليوم السادس منفردا عنهما ، وإذا فصل اليوم السادس عنهما بطل اعتكاف اليومين ، ووجب عليه أن يعيد اعتكافهما متصلين بيوم سادس ، وإذا نذر أن يعتكف خمسة أيام متتابعة ، وجب عليه -عند الوفاء بالنذر- أن يأتي باعتكاف ستة أيام متتابعة، ولم يجز له التفريق .
المسألة 34: لا يشترط في صحة الاعتكاف أن يكون المعتكف بالغا، فيصح اعتكاف الصبي المميز على الأقوى ، إذا اتى به على الوجه الشرعي المطلوب ، وتلزمه الأحكام التي تتوقف عليها صحة الاعتكاف ، فإذا هو اعتكف يومين لزمه ان يعتكف معهما يوما ثالثا متصلا بهما ، واذا اعتكف خمسة ايام لزمه اعتكاف اليوم السادس -كما في المكلف البالغ-، وإذا هو لم يفعل بطل اعتكافه ، ولم يأثم ، ويلزمه أن يجتنب محرمات الاعتكاف .
المسألة 35 : يعتبر في صحة الاعتكاف الواحد أن يقع في مسجد واحد، فلا يصح للرجل أن يعتكف اعتكافا واحدا في مسجدين ، ومثال ذلك : أن يكون في البلد مسجدان جامعان تنعقد فيهما جماعة صحيحة، فيعتكف الرجل في أحدهما يوما أو يومين ، ثم يتم اعتكافه في الجامع الآخر ، فيبطل اعتكافه ولا يصح ، وان كان الجامعان متجاورين او متصلين ، ويصح الاعتكاف في الزيادات التي تضاف إلى المسجد الجامع في عمارته ، وتصبح بذلك جزءا منه ، كما يصح في الزيادات التي أضيفت إلى المسجد الحرام ، وإلى المسجد النبوي وأصبحت جزءا منه .
نعم ، يشكل الحكم بجواز الاعتكاف في المسعى بين الصفا والمروة، بعد ان أضيفت مساحته إلى المسجد الحرام والحقت به ، فانها من المشاعر الخاصة المعظمة للحج والعمرة، ولذلك فيشكل جدا الحكم بنفوذ التصرف فيها وإلحاقها بالمسجد الحرام ،بحيث يصح الاعتكاف فيها، سواء زاحم الساعين ام لم يزاحمهم ، ولا فرق بين الطبقة الأولى من المسعى والثانية، ولا يمنع ذلك من الصلاة فيه ، وإن لم تثبت لها خصوصية الصلاة في المسجد الحرام.
المسألة 36 : لا فرق بين أجزاء المسجد ومواضعه في صحة الاعتكاف فيها، فيجوز للمكلف ان يعتكف على سطح المسجد ، وفي سردابه وفي محرابه وفي أبهائه وأيواناته وحُجَره ، وفي الطبقة الثانية منه -إذا اتفق فيه ذلك-، إلا إذا علم بخروج الموضع الذي يعتكف فيه عن المسجد، ويكفي في إحراز ذلك وإثباته يد المسلمين والمؤمنين ، الذي تلقوا المسجد كذلك طبقة منهم عن طبقة ، وخلفاً عن سلف ، وعرفوا مواضعه واجزاءه وما هو داخل في المسجد وما هو خارج عنه ، فيعتمد على ذلك ما لم يثبت خلافه .
وإذا شك في موضع انه جزء من المسجد او من المرافق الخارجة عنه ولم يحرز ذلك ، لم تجر على ذلك الموضع المشكوك أحكام المسجد ، فلا يصح الاعتكاف فيه.
المسألة 37 : إذا وضع الإنسان رحله في موضع من مواضع المسجد ليعتكف فيه ، لم يتعين عليه أن يعتكف في ذلك الموضع ، فيجوز له أن يتحوّل عنه إلى موضع اخر من المسجد، وكذلك اذا شرع في الاعتكاف في موضع معين من المسجد ، فيجوز له الانتقال إلى غيره فيتم اعتكافه فيه ، إلا إذا تعين عليه ذلك بمُلزم شرعي ، كما إذا نذر الاعتكاف فيه ، وكانت له بعض المميزات التي توجب رجحانه وفضله على غيره ، بل الظاهر أنه يكفي في رجحانه انه احد المواضع في مسجد يصح الاعتكاف فيه ، وان لم يرجح على غيره من اجزاء المسجد، فينعقد نذره لذلك ، ويتعين بسبب النذر، وكذلك اذا استأجره أحد للنيابة في الاعتكاف ، وشرط عليه في عقد الإجارة ان يعتكف في ذلك الموضع من المسجد، لبعض الأغراض التي يلاحظها المستأجر، فيتعين على النائب أن يعتكف في الموضع المعين بسبب الشرط .
المسألة 38 : لا يعتكف المكلف عند قبر مسلم بن عقيل(ع) ، أو قبر هاني بن عروة (ره) ولا في المساحة بينهما ، فانها ليست من مسجد الكوفة ، وتشكل صحة الاعتكاف في المأذنة التي تقع عند باب الفيل من المسجد ، للشك في كونها من اجزاء المسجد او من مرافقه الخارجة عنه.
المسألة 39 : إنما يجوز الاعتكاف في المكان إذا ثبت شرعا كونه مسجدا من مساجد الاعتكاف ، وقد ذكرناها في المسألة الخامسة عشرة، فيصح في أحد المساجد الأربعة، وفي المسجد الجامع في البلد الذي تقام فيه صلاة جماعة صحيحة، وإنما يثبت ذلك بعلم المكلف به ، بسبب تواتر أو اشياع يورث العلمَ او بسبب قرينة خاصة او عامة توجب ذلك ، ويثبت أيضا بالبينة الشرعية التامة الشرائط ، وبحكم الحاكم الشرعي ، إذا وقع عنده ترافع وخصومة في الموضع ، فحكم فيه بانه مسجد جامع ، ولا يثبت بحكم الحاكم إذا لم يكن في مورد تنازع وفصل خصام .
المسألة 40 : اذا اعتقد المكلف في مكان أنه من المساجد التي يصح الاعتكاف فيها، فاعتكف فيه ، ثم ظهر له انه مخطىء في اعتقاده كان اعتكافه باطلا، ولم تلزمه أحكام الاعتكاف ، فلا يجب عليه الاستمرار فيه إذا تبين له ذلك في أثنائه ، وان كان في اليوم الثالث منه ، وإذا كان الاعتكاف واجبا مطلقا وجبت عليه اعادته في أحد المساجد التي يصح فيها الاعتكاف ، وإذا كان واجبا معينا لزمه قضاؤه بعد فوات وقته . .
المسألة 41: لا يصح الاعتكاف في غير المساجد، التي سبق ذكرها، وحكم المرأة في ذلك هو حكم الرجل ،فلا يصح لها أن تعتكف في الموضع الذي أعدته في بيتها لصلاتها، وان كان مما تقام فيه صلاة جماعة صحيحة .
المسألة 42: إذا اعتكف المكلف في أحد المساجد ثم عرض له .ما يمنعه من أن يتم اعتكافه فيه ،كما إذا انهدم ذلك المسجد فلم يمكنه البقاء فيه خوفا من وقوع سقفه أو جداره عليه ، او منعه ظالم مستبد من المكث في المسجد، أو حدث له أحد موجبات الخوف من البقاء واللبث فيه ، بطل اعتكافه ،فإذا كان الاعتكاف واجبا مطلقا وجب على المكلف أن يستأنف الاعتكاف من أوله في مسجد جامع آخر، أو في المسجد الاول نفسه إذا زال المانع عنه ، ولا يتعين عليه أن يكون الاستئناف في المسجد نفسه ،وإذا كان الاعتكاف واجبا معينا وجب عليه قضاء اعتكافه بعد بطلانه ،ويتخيّر في القضاء بين أن يأتي به في جامع آخر أو في المسجد الأول إذا زال المانع عنه ، ولا يجوز له إتمام الاعتكاف الأول والبناء عليه إذا كانت مدة خروجه من المسجد تخلّ بوحدة الاعتكاف .
المسألة 43 : إذا خرج المعتكف من المسجد لوجود المانع من البقاء فيه -كما ذكرنا في المسألة المتقدمة- ثم زال المانع من البقاء بعد فترة قصيرة ، بحيث كان خروجه من المسجد لا يخل بوحدة اعتكافه عرفا، جاز له الرجوع إلى المسجد الاول ، والبناء على اعتكافه السابق فيه ، ووجب عليه ذلك إذا كان الاعتكاف واجبا، ولا يصح له الذهاب -بعد رجوعه- إلى مسجد آخر، ولا يكفيه إتمام الاعتكاف الاول فيه ، لتعدد المسجد ، بل لا بد من الاستئناف .
المسألة 44: إذا اعتكف العبد المملوك من غير إذن مالكه كان اعتكافه باطلا -وقد ذكرنا هذا في المسألة السادسة عشرة- فاذا اعتقه مالكه في أثناء هذا الاعتكاف لم يجب عليه إتمامه ، وان مضى منه يومان تامان .
وإذا أذن له سيده فشرع في الاعتكاف ثم أعتقه في اليوم الاول أو في اليوم الثاني ، كان له أن يقطع الاعتكاف فيهما إذا كان مندوبا، أو كان واجبا موسعا، وإذا مضى عليه من الاعتكاف يومان تامان وجب عليه ان يعتكف اليوم الثالث ، واذا اعتكف خمسة ايام وجب عليه ان يعتكف اليوم السادس ، كما سبق في احكام المعتكف الحر.
وإذا كان اعتكافه واجبا مضيقا وجب عليه أن يتمّه ، وان كان عتقه في اليوم الأول او الثاني ، وكذلك اذا كان اعتكافه واجبا موسّعا ، وقد نذر أن يتمّه اذا شرع فيه ، فلا يجوز له قطعه ، وان كان عتقه في أول ايامه .
المسألة 45 : اذا أذن السيد لعبده فاعتكف ، جاز للمولى أن يرجع عن اذنه للعبد في اليوم الأول أو الثاني من أيام اعتكافه ، فاذا رجع عن اذنه بطل اعتكاف العبد ولم يجز له ان يستمر فيه ، ولا يجوز للمولى أن يرجع عن الإذن في اليوم الثالث ، وإذا رجع عن إذنه لم يبطل برجوعه اعتكاف العبد ، ووجب عليه إتمام اليوم ، وكذلك الحكم إذا رجع عن إذنه في اليوم السادس .
ولا يجوز للمولى ان يرجع عن إذنه ، إذا كان اعتكاف العبد واجبا مضيّقا ، وان كان في اليومين الأولين منه ، او كان الاعتكاف موسّعا وقد نذر أن يتمّه إذا شرع فيه ، وإذا رجع المولى عن إذنه في هذه الفروض فلا أثر لرجوعه .
المسألة 46: لا يجوز للمعتكف أن يخرج من مسجد اعتكافه إلا لأمر واجب عليه ، كصلاة الجمعة تقام في مسجد آخر من البلد ، او لحاجة لا بد له منها، والمعتبر في ذلك أن تكون الحاجة التي يخرج لأجلها ضرورة له في انظار العقلاء من الناس ، أو يكون ترك الخروج لها مما يوجب الحرج عليه ، او الضرر الذي لا يتحمل عادة، فلا يصح له الخروج مثلا لإقامة الشهادة على أمرٍ ما لم تكن ضرورية له وماسة بشؤونه ، وهي بلا ريب مختلفة من شخص إلى شخص ، ومن أمر إلى أمر، ومن مقام إلى مقام ، ولذلك فلا بد له من التأمل ودقة الملاحظة لتمييز ما هو ضروري من غيره ، ولا يصح له الخروج من المسجد لحضور صلاة الجماعة إذا كان الحضور لها غير واجب ، بل ولا يجوز للمعتكف ان يؤدي الصلاة في غير المسجد الذي اعتكف فيه ، إلا في مكة فتجوز له الصلاة في بيوتها ومساجدها ، ولا يتعين عليه ان يصلي في المسجد الذي اعتكف فيه ، فان مكة كلها حرم الله ، كما ورد في النصوص عن المعصومين (ع).
ويصح له الخروج لتشييع الجنازة وما يتعلق بذلك من تغسيل للميت وتكفين وصلاة عليه ودفن ، ويصح له الخروج لعيادة المريض ، وخصوصا إذا كان المريض ممن يتعلق بالمعتكف وتعدّ عيادته من ضروراته الخاصة.
ويشكل -بل يمنع- الخروج لغير ذلك ، من تشييع مسافر ، او استقبال قادم ، ونحو ذلك من الحاجات وان كانت راجحة، أو ذات مصلحة له في دينه أو دنياه ، والميزان ن في الجميع ما قدّمنا ذكره في أول المسألة، وهو ان تكون الحاجة و اجبة شرعا او ضرورة لابدّ له منها في نظر اهل العقل والتمييز، او يكون ترك الخروج لها موجبا للحرج ، والضرر الذي لا يتحمّل عادة .
المسألة 47: اذا أجنب المعتكف في مسجد الاعتكاف ، فللمسألة صور متعددة تجب ملاحظتها والعمل باحكامها.
(الصورة الأولى): ان يكون الرجـل غير قادر علـى الاغتسال من جنابته في المسجد، -لعدم وجود الماء فيه ، او لخوفه من أن يلوث المسجد بنجاسة أو غيرها، او لوجود مانع اخر من الغسل فيه-، فيجب عليه الخروج من المسجد والاغتسال في خارجه ، واذا ترك الخروج من غير عذر كان مكثه في المسجد محرّما لأنه جنب ، فيبطل بذلك اعتكافه ،على إشكال في إطلاق الحكم .
(الصورة الثانية): ان يكون الرجل قادرا على الاغتسال من جنابته وهو في المسجد من غير أن يلوّثه بشيء ، وتكون المدة التي يحتاج إليها في الاغتسال في المسجد -لو انه اغتسل فيه- اطول من مدة الخروج منه -لو انه خرج منه واغتسل في خارجه-، ويجب عليه في هذه الصورة ايضا أن يخرج من المسجد ويغتسل في خارجه ، ولا يجوز له البقاء والاغتسال فيه .
(الصورة الثالثة): ان ينعكس الفرض المتقدم ، فيكون الزمان الذي يحتاج إليه في الاغتسال -وهو في المسجد- أقل من مدة الخروج -لو أنه خرج واغتسل في خارجه-، ويتعين عليه في هذه الصورة ان يغتسل في المسجد ، ولا يجوز له الخروج منه بغير غسل .
(الصورة الرابعة): ان تكون المدة التي يحتاج إليها في الاغتسال -وهو في المسجد- مساوية للمدة التي يحتاج إليها في الخروج بغير غسل ، ويتخير في هذه الصورة بين الأمرين ، فيجوز له الاغتسال من حدثه في المسجد ، ويصح له الخروج منه والغسل في خارجه ، ولا يجوز له التساهل والتباطؤ في كل من الأمرين ، وكذلك الحكم في غسل المرأة من الاستحاضة إذا احتاجت إليه -وهي معتكفة- فيجري فيه هذا التفصيل.
المسألة 48: إذا مس المعتكف انسانا ميتا بعد برده ، ولم يتمكن أن يغتسل في المسجد غسل مس الميت ، جاز له أن يخرج من المسجد ليغتسل في خارجه ، وان كان مسه للميت باختياره ، وإذا أمكن له ان يغتسل في المسجد لم يجز له الخروج من المسجد، فإن هذا الحدث لا يمنع من اللبث في المسجد -كالجنابة- ليكون موجبا للخروج منه ، وكذلك الحكم إذا وجب الغسل على المعتكف ، لانه ترك صلاة الآيات عامدا لكسوف الشمس أو القمر ، وقد احترق القرص كله، وهو يعلم بذلك، فيجب عليه الغسل ، ويجري عليه الحكم المذكور في مس الميت.
المسألة 49: إذا كان المعتكف مدينا لأحدٍ من الناس ديناً حالاًّ أو مؤجلا وحضر وقته ، وطلب الدائن منه وفاءه ، فاحتاج المعتكف إلى الخروج من المسجد ليؤدي إليه دينه ، جاز له الخروج لذلك ، بل وجب عليه الخروج إذا لم يتمكن من الوفاء إلا بذلك ، وإذا كانت لديه وديعة ، أو أمانة شرعية ، أو حق آخر لشخص ، وطلب منه المالك أن يردّ إليه امانته ، أو يدفع له حقه ، وجب عليه رد المال إلى أهله ، فإذا توقّف ذلك على الخروج من المسجد جاز له الخروج منه ، بل وجب عليه ذلك ، وإذا ترك الخروج عامدا أثم بذلك ، ولم يبطل اعتكافه على الأصح .
وكذلك إذا وجبت عليه صلاة الجمعة ، او غيرها من الواجبات الشرعية ، فترك الخروج إليها عامدا، واستمر في مكثه في المسجد ، فيأثم بتركه للواجب ولا يبطل اعتكافه .
المسألة 50: إذا طرأت للمعتكف ضرورة او حاجة لا بد له منها، فخرج من المسجد لقضائها، وجب عليه ان يسلك الطريق الأقرب إلى موضع الحاجة، ولا يجوز له السلوك في الذهاب او الإياب في الطريق الأبعد، إلا إذا كان التفاوت بين الطريقين يسيرا فلا يضره ذلك ، ويعتبر ان يكون مسيره إلى مقصده في الذهاب والرجوع على الوجه المتعارف ، فلا يجب عليه الإسراع اكثر من ذلك ، ولا يسوغ له التأني والتمهل والوقوف في المشي والحركة دون ذلك ، ولا يجوز له أن يمكث في المقصد او قبله أو بعده أكثر مما يستدعيه قضاء الحاجة واداء الضرورة، والأحوط له ترك الجلوس ما دام في خارج المسجد حتى يعود إليه ، وإذا اضطر اليه فلا يجلس تحت الظل مع إمكان ذلك ، وإذا اضطر إلى الجلوس في الظل -ولم يمكن له غيره- جاز له ذلك ، ومثاله : ان يضطر إلى ركوب سيارة ذات سقف ، أو يضطر إلى الجلوس في موضع ذي ظل ، وعليه ان يقدّر الضرورة بقدرها ولا يتعدّاه .
المسألة 51: إذا خرج المعتكف من المسجد لضرورة سوّغت له الخروج منه ، فطالت مدة خروجه وبقائه في غير المسجد، حتى محيت صورة الإعتكاف في نظر أهل العرف بطل اعتكافه ، ووجب عليه استئنافه -إذا كان اعتكافه واجبا موسعا-، ولزمه قضاؤه إذا كان واجبا مضيقا، بل الأحوط إعادته إذا كان مندوبا، وكان بطلانه بعد مضي يومين منه ، فيعيده اعتكافا تامّاً ثلاثة أيام .
المسألة 52: الاعتكاف هو اللبث في المسجد ، والكون فيه متقربا بذلك إلى الله -كما قلنا في اول الفصل -من غير فرق بين انحاء الكون والبقاء فيه ،سواء مكث المعتكف فيه قائما ام جالسا ام مضطجعا ام ماشيا، ومنتبها أم نائما.
المسألة 53: إذا طلق الرجل زوجته وهي معتكفة في المسجد -وكان طلاقها رجعيا-، فان كان اعتكافها مندوبا وهي في اثناء اليوم الأول أو اليوم الثاني منه وجب عليها ان تترك الاعتكاف ، وتخرج إلى منزلها لتعتدّ فيه عدة الطلاق ، وكذلك إذا كان اعتكافها واجبا موسّعا ولم تمض منه يومان تامان ، فيبطل اعتكافها، وعليها ان تخرج إلى منزلها لتعتد فيه ، وكذلك الحكم إذا كان اعتكافها واجبا موسّعا او معيّنا ، أو كان مندوبا ، وقد أتمت منه اليوم الأول والثاني ، وقد اشترطت في الاعتكاف ان ترجع عنه إذا عرض لها عارض ، وسيأتي -ان شاء الله - توضيح المراد من هذا الشرط ، فيجب على المطلّقة الرجعية في هذه الصور كلها أن تترك الاعتكاف ، وتعود إلى منزلها للعدة، فاذا أتمت العدة استأنفت الاعتكاف ، إذا كان واجبا موسعا او مضيقا فتقضيه .
المسألة 54 : إذا طلق الرجل زوجته في اثناء اعتكافها طلاقا رجعيا، وكان الاعتكاف عليها واجبا معيّنا ، ولم تكن قد اشترطت فيه أن ترجع عن اعتكافها إذا عرض لها عارض ، وجب عليها ان تتم اعتكافها ، ولم يجز لها أن تخرج من المسجد، فإذا أتمت اعتكافها خرجت بعده إلى منزلها لتُكمل عدة الطلاق فيه ، وكذلك إذا كان الاعتكاف مندوبا وقد أتمت منه يومين كاملين ، ولم تكن قد اشترطت فيه الشرط المذكور، فعليها ان تعتكف اليوم الثالث ثم تخرج بعده لتكمل عدة الطلاق في بيتها.
وإذا طلق الرجل امرأته في أثناء اعتكافها طلاقا بائنا، اعتدّت من طلاقها وإن كانت معتكفة في المسجد، ولم يجب عليها الخروج إلى المنزل .
المسألة 55: الاعتكاف إما واجب معيّن على المعتكف ، وهو ما عيّنه على نفسه بنذر أو عهد أو يمين ، أو تعين عليه بإجارة او بشرط في ضمن عقد، فينذر لله -مثلا- أن يعتكف العشرة الأولى من شهر رجب في هذا العام ، أو ينذر أن يعتكف الايام البيض منه ، أو يُستأجر لذلك نيابة عن زيد، ويتم الإيجاب والقبول بين المستأجر والأجير على ذلك ، والحكم فيه ان يعتكف المكلف كما عيّن ، ولا يجوز له التأخير فيه .
واما واجب موسّع ، وهو ما أوجبه الشخص على نفسه بنذر أو شبهه مما تقدم ذكره ، أو وجب عليه بإجارة أو شرط ولم يعين له وقت ، فينذر لله ان يعتكف أياما معلومة العدد في هذه السنة -مثلا-، أو في الأشهر الحرم منها، او في شهر رجب ، او يستأجره أحد لذلك ، والحكم فيه انه لا يتعين الاتيان به على المكلف في وقت خاص ،واذا ابتدأ به فاعتكف منه يومين تامّين وجب عليه ان يعتكف لليوم الثالث ، واذا اشترط فيه تتابع ايامه وجب عليه أن ياتي ببقية ايامه متتابعة كما شرط .
وإذا لم يشترط ذلك ، جاز له ان يفرق الايام ، على ان لا يكون ما يأتي به في كل مرة اقل من ثلاثة أيام ،وقد سبق تفصيل هذا في المسائل المتقدمة .
واما مندوب ، والحكم فيه نظير ما قلنا في الواجب الموسع .
المسألة 56: يصح للمكلف -عندما ينوي الاعتكاف ويريد الشروع فيه- أن يشترط على الله ان يترك اعتكافه ويلغيه إذا طرأ له طارئ ، سواء كان اعتكافه الذي يريد الشروع فيه واجبا معينا ام موسعا ام مندوبا، فيقول مثلا: أعتكف في هذا المسجد ثلاثة أيام تامة او عشرة كاملة متقربا إلى الله –تعالى- واشترط لنفسي ان يحلني الله من اعتكافي إذا عرض لي عارض من أمره (تعالى) ، فأترك الاعتكاف متى عرض لي ذلك .
فاذا اشترط المكلف في نيته هذا الشرط جاز له الرجوع عن اعتكافه متى عرض له العارض ، في أي قسم من أقسام الاعتكاف كان ، وفي أي يوم من ايامه عرض له العارض ، ولا ضير عليه ولا إثم في رجوعه ، ويجوز له -على الاقوى - أن يشترط لنفسه الرجوع عن الاعتكاف متى شاء، سواء عرض له شيء أم لا، فيقول : واشترط لنفسي أن لي ان أدع الاعتكاف في أي يوم من أيامه إذا شئت ، فإذا اشترط لنفسه الرجوع كذلك صح له شرطه ، ولم يأثم برجوعه عنه ، وتجب عليه الإعادة أو القضاء بعد ذلك ، إذا كان الاعتكاف واجبا في كلتا الصورتين .
وموقع الإشتراط في الاعتكاف هو وقت إيقاع نيته كما ذكرنا، فلا يصح الشرط ولا يؤثّر اثره إذا أوقعه قبل نية الاعتكاف ، أو بعد النية والشروع فيه ، واذا اشترط الشرط في موضعه ثبت ، ولم يسقط إذا اسقطه بعد ذلك .
المسألة 57: لا ينفذ الشرط المذكور -على الظاهر- اذا نذر المكلف ان يعتكف اياما واشترط في صيغة نذره ان يكون له الرجوع عن اعتكافه ، فيقول مثلا: لله علي ان اعتكف ثلاثة أيام أو عشرة أيام ، واشترط لنفسي أن يكون لي الرجوع عن الاعتكاف إذا عرض لي عارض من أمر الله ، أو اشترط أن يكون لي ترك الاعتكاف إذا شئت وان لم يعرض لي عارض ، فلا يصح الشرط ولا يؤثر شيئا إذا لم يذكر في نية الاعتكاف ، إلا أن يكون النذر نفسه مطلقا غير مشروط بشيء ، ويكون الاعتكاف الذي تعلق به النذر هو المشروط بالشرط المذكور، فإذا نذر المكلف الاعتكاف -كما بيّناه- ثم اتى بالاعتكاف المشروط وفاءًا بنذره صح نذره واعتكافه ونفذ الشرط ، وهو اشتراط اجمالي في نفس الاعتكاف ، فيجوز له الرجوع في الاعتكاف ،سواء كان المنذور معينا أم غير معين ،وسواء نذر الايام متتابعة ام غير متتابعة، وإذا نذره كذلك ثم رجع فلا إثم عليه ، ولا يجب عليه قضاء المنذور إذا كان معيّنا، ولا يجب عليه استئنافه إذا كان مطلقا.
المسألة 58: لا يسوغ للمعتكف أن يشترط في اعتكافه ان تحلّ له بعض محرمات الاعتكاف ، او يجوز له ارتكاب بعض ما ينافيه من جماع وشبهه ، وسيأتي ذكرها في الفصل الثاني -إن شاء الله تعالى-،وإذا هو اشترط لنفسه ذلك لم ينفذ شرطه .
المسألة 59 : إذا اشترط المكلف لنفسه ان يحل له الرجوع عن اعتكافه نفذ شرطه في اعتكافه الذي شرط ذلك فيه ، ولم ينفذ في اعتكاف آخر، فإذا اعتكف في أول الشهر، وشرط فيه أن يحلّ له الرجوع نفذ شرطه في ذلك الاعتكاف خاصة، ولم يجز له الرجوع في اعتكافه الثاني الذي يأتي به بعده إذا لم يشترط ذلك فيه ، وإذا عزم على اعتكافين ، لم يصح له ان يشترط في الأول أن يكون له الرجوع في الثاني ،ولا يصح له -إذا اعتكف- ان يشترط في اعتكافه ان يكون لولده او لزوجته -مثلا- أن يرجعا في اعتكافهما.
المسألة 60: لا يصح تعليق نية الاعتكاف على حصول امر مرتقب -على الاحوط - فيقول مثلا: اعتكف في هذا المسجد ثلاثة ايام متقربا إلى الله (تعالى) إذا كان اخي زيد قد قدم من سفره ، أو إذا كان هذا اليوم أول الشهر، وإذا علق نيته كذلك كان اعتكافه باطلا.
ويصح إذا علق نيته على أمر حاصل بالفعل وهو يعلم بحصوله ، فيقول مثلا: اعتكف في المسجد ثلاثة ايام متقربا إلى الله (تعالى) إذا كان هذا اليوم هو يوم الجمعة، وكان يعلم انه يوم الجمعة، أو يقول : أعتكف إذا قدم أخي من سفره ، وهو يعلم أن اخاه قد قدم من السفر، وليس هذا من التعليق ، وان كان تعليقا بحسب الظاهر.
المسألة 61: يحرم على الرجل المعتكف جماع حليلته ،سواء كانت زوجة دائمة ام منقطعة ، ام أمة مملوكة له ام محللة له من مالكها، وسواء كانت معتكفة ام غير معتكفة، وسواء جامعها في القبل أم في الدبر، وفي المسجد أم في خارجه .
ويحرم عليه -على الاحوط - لمس المرأة بشهوة وشمها وتقبيلها كذلك ، ويحرم جميع ذلك على المرأة المعتكفة، وأما جماع الاجنبية غير الحليلة وغير المرأة فهو من المحرمات الكبرى مطلقا، ولا تختص في حال الاعتكاف ، وان اشتدت حرمتها وتضاعف جرمها وعقابها على المعتكف ، وعلى الصائم ، وفي شهر رمضان .
ولا يحرم على الرجل المعتكف أن ينظر إلى حليلته بشهوة ، إذا لم يقصد بنظرته الاستمناء وانزال الماء، ولا يحرم على المرأة المعتكفة أن تنظر إلى زوجها بشهوة وتلذذ جنسي ، و ان كان الأحوط لِكلٍّ منهما استحبابا اجتناب ذلك .
المسألة 62: يحرم الاستمناء -على الاحوط لزوما- على كل من الرجل المعتكف والمرأة المعتكفة، وان وقع على الوجه المحلل لغير المعتكف ، ومثال هذا: أن ينظر الرجل إلى حليلته بشهوة وتلذذ جنسي حتى يمني ،فيحرم ذلك على المعتكف ،سواء وقع ذلك منه ليلا ام نهارا، وفي المسجد ام في خارجه ، واذا وقع في النهار حرم ايضا ، لمنافاته للصوم المعتبر في صحة الاعتكاف .
وإذا وقع الاستمناء على الوجه المحرم على المعتكف وغبره ، كانت حرمته أشد ، وكانت العقوبة عليه أشق .
المسألة 63 : يحرم على المعتكف والمعتكفة شم الطيب والتطيّب به ، من غير فرق بين أقسام الطيب وانواع استعماله ، سواء شمه من القارورة ام من غيرها، وسواء وضعه في بدنه وشعره ام في ملابسه أم في مأكله ومشربه ، ام غسل بعض أعضائه أو ملابسه بصابون فيه طيب ، بل الأحوط للمعتكف عدم التطيّب به وان كان فاقدا لحاسة الشم .
نعم ،لا بأس لمن فقد حاسة الشم ببعض الاستعمالات التي لا تعد تطيبا في نظر أهل العرف ، ومثال ذلك : أن يقرب قارورة الطيب من أنفه أو يحملها معه بنحو لا يظهر ريحها للآخرين فيعدّ متطيبا ومستعملا له ،فلا يمنع من ذلك ولا يضر باعتكافه ، ويحرم على المعتكف أن يتلذذ بشم الريحان ، وهو كل نبت طيب الرائحة سواء كان طريّا أم يابسا.
المسألة 64: لا يبعد ان يكون المراد من شم الطيب -الذي دلت النصوص على المنع منه للمعتكف -هو ما يكون شم الطيب للتلذذ بشمه والتمتع به ،فان ذلك هو ما ينصرف إليه اللفظ في متفاهم أهل العرف ،وعلى هذا فلا يضر باعتكاف المعتكف إذا شم الطيب بغير قصد، ومثال ذلك : أن يمر في طريقه بدكان او سوق يباع فيه العطر فيشم رائحته ، او يمر به في الطريق إنسان متعطر فيشم رائحته من غير قصد ، فلا يخلّ ذلك باعتكافه ، وكذلك الحكم في تاجر العطور أو عاملها اذا اعتكف وملابسه تفوح بالرائحة بمقتضى عمله وصناعته ، فانه يشم الطيب ولا يقصد التلذذ بشمه ، فلا يضر ذلك باعتكافه ، وان كان الاحوط له استحبابا إبدال ملابسه المعتادة له في أيام اعتكافه ، إذا أمكن له ذلك .
المسألة 65: يحرم على المعتكف البيع والشراء في أيام اعتكافه ، والاحوط له لزوما ترك مطلق التجارة حتى بالصلح ، والإجارة وغيرهما من المعاوضات على الاعيان والمنافع ، فيجتنبها جميعا في حال اعتكافه ، ولا يختص بالبيع والشراء، إلا إذا اضطر إلى ذلك فيباح له عند الإضطرار بمقدار ما تتأدى به ضرورته ، ولا يتناول الحكم بالحرمة والاحتياط بالترك -الذي ذكرناه -مثل قبول الهدية ، وأخذ المرأة المهر في عقد النكاح أو المتعة، وأخذ الرجل الفدية في الخلع او المباراة .
ولا يمنع الاعتكاف المعتكف من ان يشتغل بالأمور المباحة كالكتابة والخياطة والنساجة إذا لم يكن ذلك بالأجرة، فقد سبق أن الاحوط للمعتكف ترك ذلك ، والمرأة المعتكفة كالرجل المعتكف في جميع ما ذكرناه .
المسألة 66: إذا احتاج الرجل المعتكف -أو المرأة المعتكفة- إلى شراء بعض الأشياء الضرورية لأكله وشربه ونحوهما في حال اعتكافه ، فان أمكن له أن يوكّل من يشتري له الشيء الذي يريده ، أو يبيع المتاع الذي يحتاج إلى ثمنه ليشتري به ما يريد لزمه التوكيل ، ولا يمنع من ذلك ، فإن الممنوع منه هو ان يشتري المعتكف ويبيع بنفسه ، فلا يحرم عليه ان يشتري له وكيله ، واذا تعذر عليه التوكيل واضطر إلى البيع او الشراء، جاز له ذلك بمقدار ضرورته .
وإذا لم يضطر إلى البيع والشراء، وكان عدم وجود ذلك الشيء عنده يوجب الحرج والمشقة الشديدة عليه ، أشكل الحكم فيه بصحة اعتكافه إذا باع او اشترى لذلك ، وان كان غير آثم ببيعه وشرائه مع فرض ذلك .
المسألة 67 : تحرم المماراة على المعتكف ، سواء وقعت منه في أمر من أمور الدنيا أم كانت في أمر من أمور الدين ، والمراد بالمماراة: المجادلة، سواء حصلت من المجادل ابتداءًا ، ام حصلت منه ردًا لقول أو رأي ادعاه الشخص الآخر، والمذموم من المماراة هو ما يقصد به المجادل بيان فضله ، ورسوخه في العلم ، والاطلاع عليه ، وغلبته على مجادله ، وحرمة هذا النوع من المماراة لا تختص بالمعتكف ، فتكون فيه اشد.
وأما المجادلة إذا أراد بها إحقاق الحق ، أو إبطال الباطل ، أو إلقاء النور والإيضاح على بعض الأمور، لئلا يلتبس منها ما هو صحيح بما هو فاسد فهي محمودة ، بل هي طاعة وعبادة، والفارق بين المذموم والممدوح هو ما يقصده الفاعل في قرارة نفسه ، وان الله لا يخادع في امره.
وللمجادلات -قبل ذلك - أبعادها وآثارها في نفوس الخاصة من الناس فضلا عن العامة ، وللنفس والنزعات والانفعالات طرائقها في الكر والفر وتلوين الأمور وتأويل الكلمات لكسب المواقف ، وللشيطان مع ذلك مواقفه ومراصده من نفوس الناس وقلوبهم ، ليقرّب ويبعد ، ويضلل ويوهم ، والعاقل البصير هو من يتأمّل ولا يتعجّل ، وان كان سريع الفهم حتى تتبيّن له قولة الحق فيقولها صريحة من غير التواء، ثم يسكت إذا اقتضى الأمر السكوت ، او تتضح له مراسم الحق من قولة صاحبه ، فيتبعها من غير تردد ثم يحمد، او يستبين له غير ذلك فيناقش هادئا ، وينقد مستفهما مستوضحا، ولا يغلب انفعاله على حقه ، او يسكت سليماً غير ظالم ولا مظلوم .
المسألة 68 : لا يجب على المعتكف ان يجتنب ما يحرم على المحرم بالحج أو بالعمرة، فلا يحرم عليه لبس المخيط ،مثلا ، ولا إزالة الشعر عن البدن ، ولا أكل الصيد، ولا عقد النكاح لنفسه أو لغيره ، ولا غير ذلك من محرمات الإحرام وتروكه .
المسألة 69: الصوم شرط في صحة الاعتكاف ، وقد تكرر منا ذكر هذا في الفصل الأول، ولذلك فيحرم على المعتكف والمعتكفة تناول جميع المفطرات ، كالأكل والشرب والارتماس وتعمد القيء ، لانها محرمة في الصوم ، فتكون من المحرمات في الاعتكاف ، ويختص تحريمها بالنهار، واما محرمات الاعتكاف التي بيّناها في المسائل المتقدمة من هذا الفصل فلا فرق في تحريمها على المعتكف والمعتكفة بين الليل والنهار، ولا بين ان يكونا في المسجد ، وأن يكونا في خارجه ، كما إذا خرجا منه لقضاء بعض الضرورات .
المسألة 70 : يجوز للمعتكف أن ينظر في الأمور المباحة، وأن يعمل منها ما يشاء في حال اعتكافه ، ليكسب بها ويتعيّش فيما بعد الاعتكاف بما أنتجه عمله من منافع ونتاج ، ولا يضر ذلك باعتكافه ، إذا لم يكن نظره وعمله من البيع والشراء المحرّمين عليه ، ولم يكن من التجارات التي يلزمه الاحتياط بتركها -كما بيناه في المسألة الخامسة والستين-، ويجوز له أن ينصّب له وكلاء وعمالا يقومون بأعماله في أثناء اعتكافه ومكثه في المسجد، حتى في البيع والشراء والمضاربة والزراعة له ، وما أشبه ذلك ، فيصح له التوكيل والاستنابة فيها.
المسألة 71 : إذا تناول المعتكف بعض المفطّرات في النهار فسد صومه ، وبطل بذلك اعتكافه ، فان فساد الشرط يوجب بطلان المشروط ، وإذا جامع امرأته في الليل او في النهار فأدخل فيها بطل اعتكافه . وان لم ينزل في جماعه إياها، وكذلك إذا ارتكب احد محرمات الاعتكاف التي سبق ذكرها كشمّ الطيب والريحان ليتلذذ بهما، وكالبيع والشراء والمماراة المحرمة ، فيبطل اعتكافه ، ويلزمه استئناف الاعتكاف إذا كان واجبا مطلقا ، ويلزمه قضاؤه إذا كان واجبا معينا .
وإذا فعل أحد المحظورات التي يلزم المعتكف الاحتياط بالاجتناب عنها كالاستمناء ، ولمس المرأة، أو تقبيلها بشهوة ، وكالتجارات بغير البيع والشراء وأمثال ذلك ، لزمه الاحتياط ، فعليه أن يتمّ اعتكافه إذا كان واجبا، وإن كان وجوبه لمضي يومين من الاعتكاف المندوب ، ثم يستأنفه أو يقضيه .
المسألة 72 : إذا جامع المعتكف زوجته ساهياً فالأحوط له لزوما ان يتم الاعتكاف الذي بيده ثم يستأنفه بعد إتمامه إذا كان واجبا مطلقا، ويقضيه إذا كان واجبا معينا، بل ولا يترك الاحتياط بالاستئناف بعد أن يتم الاعتكاف في المندوب ايضا إذا جامع سهوا في اليوم الثالث منه ، وكذلك إذا اتى ببعض محرمات الاعتكاف الأخرى ساهيا ، فلا يترك الاحتياط المذكور في الجميع .
المسألة 73 : إذا كان المعتكف قد شرط في نية الاعتكاف ان له الرجوع عن اعتكافه إذا عرض له عارض من أمر الله ، أو أن يكون له الرجوع عن اعتكافه مطلقا وان لم يعرض له شيء ، ثم فعل أحد مفسدات الاعتكاف ،فإن كان قد فعل المفسد بقصد الرجوع عن اعتكافه ، او قصد الرجوع عنه بعد ان ارتكب المفسد لم يجب عليه اتمام اعتكافه ، ولزمه استئنافه أو قضاؤه إذا كان واجبا .
وإذا كان قد نذر الاعتكاف الخاص المشروط فيه الرجوع -كما ذكرنا في المسألة السابعة والخمسين- ثم فعل المفسد بقصد الرجوع عن الاعتكاف ، او قصد الرجوع عنه بعد ان ارتكب المفسد لم يجب عليه قضاء الاعتكاف او استئنافه ، واذا لم يقصد الرجوع عنه اشكل الحكم فيه ، وعليه الاحتياط باتمامه ثم قضاؤه إذا كان معينا ، واستئنافه اذا كان مطلقا.
المسألة 74 : حكم الاعتكاف المندوب في اليوم الثالث منه هو حكم الواجب ، فإذا ارتكب فيه بعض مفسدات الاعتكاف ، فعليه اتمامه ثم قضاؤه اعتكافا تاما ثلاثة ايام ، إلا إذا كان قد شرط لنفسه فيه الرجوع ، ثم قصد الرجوع بفعله للمفسد، أو قصد الرجوع بعد أن ارتكبه ، فلا يجب عليه قضاؤه ، وإذا أفسد الاعتكاف المندوب في اليومين الاولين فلا شيء عليه ولاقضاء له ،سواء كان قد شرط الرجوع ام لم يشرط .
المسألة 75: إذا فعل المعتكف ما يوجب فساد اعتكافه ، وكان الاعتكاف واجبا معينا عليه وجب عليه قضاؤه ، ومثله الاعتكاف المندوب اذا أفسده في اليوم الثالث -على ما بيناه من التفصيل في المسائل الماضية-، والظاهر عدم وجوب المبادرة والفور في قضاء الاعتكاف ، فإذا أخرّه لم يأثم ، إلا إذا أدّى التأخير إلى التهاون بالواجب .
المسألة 76 : إذا باع المعتكف أو اشترى في أيام اعتكافه فعل بذلك محرما على الاحوط وأثم بذلك ، وبطل به اعتكافه على الأقوى -وقد تقدم ذكر هذا-، ولم يبطل بيعه ولا شراؤه .
المسألة 77 : إذا مات المعتكف في أثناء اعتكافه لم يجب على وليه قضاء الاعتكاف عنه بعد موته ،سواء كان الاعتكاف الذي مات فيه واجبا عليه بنذر أو شبهه ،معينا ام غير معين ، ام كان مندوبا، وان كان في يومه الثالث ،فان الولي إنما يجب عليه قضاء ما فات الميت من الصلاة والصيام ،ولا يجب عليه قضاء ما فاته من سائر العبادات ، وإذا نذر الرجل أن يصوم أياما وهو معتكف فيها ثم مات قبل وفائه بنذره ، وجب على الولي قضاء الصوم وهو معتكف -كما نذره الميت- .
المسألة 78 : إذا جامع المعتكف أهله فسد اعتكافه ، ووجبت عليه الكفارة بذلك ، وسيأتي بيانها في المسألة الاتية، سواء جامعها في النهار أم في الليل ، والأحوط لزوم الكفارة له إذا أفسد اعتكافه بالجماع ، وان كان اعتكافه مندوبا ، وكان في اليوم الاول منه او اليوم الثاني ، إلا إذا ترك الاعتكاف فيهما ورجع عنه قبل الجماع ، فلا كفارة عليه في هذه الصورة .
ولا تجب الكفارة على المعتكف إذا أفسد اعتكافه بغير الجماع من محرمات الاعتكاف كالبيع والشراء وشم الطيب وغبرها وان كان الاعتكاف واجبا، وكذلك الحكم في المرأة المعتكفة، فتجب عليها الكفارة إذا أفسدت اعتكافها بالجماع -على النهج الذي ذكرناه في الرجل المعتكف- ولا كفارة عليها في غير الجماع .
المسألة 79 : كفارة المعتكف أو المعتكفة إذا أفسدا اعتكافهما بالجماع هي كفارة من افطر عامدا في شهر رمضان ، فتناول مفطرا محللا في يوم من أيامه ، فيتخير بين أن يعتق رقبة، وان يصوم -بدلا عنها- شهرين متتابعين ، وان يطعم ستين مسكينا، أو يدفع لكل مسكين منهم مدا من الطعام ، والأولى –استحبابا- أن يأتي بالكفارة مرتبة ككفارة الظهار، فيتعين عليه مع القدرة أن يعتق رقبة مؤمنة، فإذا عجز عن العتق تعين عليه ان يصوم شهرين متتابعين ، فإن لم يستطع ذلك أطعم ستين مسكينا، أو يدفع لكل مسكين منهم مدّين من الطعام .
المسألة 80 : إذا اعتكف الرجل في أيام شهر رمضان وجامع زوجته في النهار عامدا، فسـد بذلك صومه ، وفسد اعتكافه ، ووجبت عليه كفارتان ، إحداهما لإفطاره في شهر رمضان ، والثانية لإفساده الاعتكاف بالجماع ، وقد تقدم ذكرهما وبيان خصال التخيير فيهما، ولا تتداخلان ، ولا تكفي إحداهما عن الأخرى ، وكذلك حكم المرأة المعتكفة إذا حصل لها مثل هذا الفرض ، فعليها كفارتان مخيّرتان بين الخصال المذكورة .
واذا اعتكف الرجل وهو صائم في قضاء شهر رمضان ، وجامع زوجته بعد زوال النهار ، فسد صومه واعتكافه ، ووجبت عليه كفارة من أفطر في قضاء الشهر، وهي أن يطعم عشرة مساكين أو يدفع لكل مسكين منهم مدا من الطعام ، فان هو لم يقدر على إطعامهم -ولو لعدم وجود المساكين- وجب عليه أن يصوم ثلاثة أيام ، ووجبت عليه معها كفارة إفساد الاعتكاف المتقدم ذكرها .
وإذا اعتكف في صيامٍ منذور معين ، وأفسد صومه واعتكافه بالجماع ، وجبت عليه كفارة خلف النذر وكفارة إفساد الاعتكاف، وقد سبق ذكر كفارة النذر في فصل الكفارات من كتاب الصوم ، وهكذا حكم المرأة المعتكفة إذا اتفق لها مثل هذه الفروض فيجري فيها مثل ذلك.
المسألة 81 : إذا نذر الرجل أن يعتكف في شهر رمضان ، وصام واعتكف فيه ، ثم أفسد صومه واعتكافه بالجماع ، وجبت عليه ثلاث كفارات: الأولى لمخالفة النذر، والثانية لإفطاره في شهر رمضان ، والثالثة لإفساد الاعتكاف بالجماع .
وإذا كانت زوجته صائمة وأكرهها على الجماع في الفرض المذكور بغير رضاها وجبت عليه اربع كفارات : احداها لمخالفة نذره ، والثانية لإفساد اعتكافه ، والثالثة لإفطاره من صومه في شهر رمضان ، والرابعة تحمّلا عن زوجته لأنه اكرهها على الجماع وهما صائمان ،وقد سبق ان هذا هو الحكم الثابت في مثل هذا الفرض ، وتلاحظ المسألة المائة والحادية والثلاثون من كتاب الصوم .
المسألة 82 : لا يتحمل الرجل المعتكف عن زوجته كفارة إفساد الاعتكاف إذا اكرهها على الجماع وهما معتكفان -كما يتحمل عنها كفارة الافطار في شهر رمضان إذا أكرهها على الجماع فيه وهما صائمان-، فإذا أكره زوجته على الجماع وهما معتكفان فجامعها في الليل وجبت عليه كفارة واحدة لإفساد اعتكافه خاصة، ولم تجب عليه كفارة زوجته ، وإذا اكرهها فجامعها في النهار وهما معتكفان في غير شهر رمضان ، وجبت عليه كفارة الاعتكاف لنفسه ، ووجبت عليه كفارة الصوم لنفسه إذا كان صومه مما تجب فيه الكفارة، ولا يتحمّل عن زوجته شيئا، وإذا أكرهها على الجماع في النهار وهما معتكفان في شهر رمضان وجبت عليه ثلاث كفارات إحداها لإفساد اعتكاف نفسه بالجماع ، والثانية لإفطاره في يوم من شهر رمضان ، والثالثة تحملاً عن زوجته لأنه اكرهها على الجماع وهما صائمان ، ولا يتحمّل كفارتها لإفساد اعتكافها.
المسألة 83: إذا اعتكفت المرأة وأفسدت اعتكافها بالجماع -وفي مختارة في ذلك غير مكرهة-، فإن كان الجماع ليلا وجبت عليها كفارة واحدة لإفسادها الاعتكاف ، ومثال ذلك: أن يكون الزوج غير معتكف فيجامعها في اعتكافها ليلا وهي مطيعة له غير مكرهة ، فتجب عليها كفارة الاعتكاف ، ولا شيء على الزوج ، وإذا جامعها نهارا وجبت عليها كفارة إفساد الاعتكاف وكفارة إبطال الصوم إذا كان صومها مما تجب فيه الكفارة .
وكذلك الحكم إذا كان كل من الزوج والزوجة معتكفين ، وجامعها الزوج وهي مختارة غير مكرهة ، فإذا كان الجماع ليلا وجبت على كل واحد منهما كفارة واحدة لإفساد الاعتكاف ، وإذا كان الجماع في النهار وجبت على كل منهما كفارة إفساد الاعتكاف وكفارة إبطال الصوم إذا كان مما تجب فيه الكفارة، وإذا كان صوم أحدهما مما لا تجب فيه الكفارة وجبت عليه كفارة الاعتكاف خاصة .
والحمد لله رب العالمين