خاتمة كتاب الصوم

للصوم درجات مختلفة الشان ، متفاوتة الآثار والتأثير في نفس المكلف الصائم ، وفي سلوكه الاختياري في هذه الحياة، وفي قربه وبعده من ربه العلي الكبير، وأقل هذه الدرجات وادناها منزلة هو الصوم العام الذي يشترك في الإتيان به جميع المكلفين ، يؤدون به الفرض الواجب عليهم ، ويبتغون به نيل المثوبة والرضا من الله وامتثال امره ، وهو الإمساك عن المفطرات التي حددتها الشريعة عند توفر الشرائط المعينة في الاوقات المبينة .

ولا ريب في ان لهذه الدرجة من الصوم على وحدتها، مراتب مختلفة في نظر الشريعة الإسلامية المطهرة، وفي حصول القرب من الله ، فمن يمسك عن المفطرات التي حرمها الله عليه عند صومه ، ويتنزه جهده مع ذلك في عمله وفي سره وجهره عن المحارم التي نهاه الله عنها حتى في غير الصوم ، يكن حريا بنيل القرب من الله -سبحانه - واكتساب الاجر الكبير الذي وعد الله به الصائمين ، وتكن نفسه جديرة بالارتفاع في مراتب التقوى والورع حتى تبلغ الغاية التي تطمح إليها، والتي مرّن نفسه ومرن إرادته عليها طوال صومه وطوال شهره .

وإذا أضاف إلى ذلك ما يكتسبه من عطاء شهره العظيم في إقامته فيه للصلاة ، وتلاوته للكتاب ، وقراءته للدعاء ، ومواظبته على الاستغفار،وفي سائر تعبداته لله ، وصدقاته ومبرّاته في الشهر الذي يتضاعف فيه أجر العمل ، ويغفر فيه الزلل ، حصل له من مجموع ذلك نبع من الخير لا ينضب ، ومدد لا ينقطع . فإذا واصل السير في طريقه الذي اتخذه ، ودأب على السعي فيه بعد انقضاء الصوم ، وانتهاء الشهر ، ارتقى في السلّم مرتبة بعد مرتبة ، ودرجة بعد درجة، كما يقول –سبحانه- في كتابه : (والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم )، وكما يقول : (ويزيد الله الذين اهتدوا هدى والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير مردّا ).

ومن الواضح -أتم الوضوح- أن هذا المكلف الصائم المحافظ -بمنتهى جهده- على سلامة صومه وسلامة دينه لا يستوي منزلة مع المكلف الآخر الذي يمسك عن المفطرات المحظورة في الصوم -كما ذكرنا-، ولكنه يطلق لنفسه أن يرتكب غيرها من المحارم والمآثم التي لم تحكم ظواهر الشريعة بانها من المفطرات .

ومن أمثلة ذلك: من يصوم عن المفطرات الظاهرة ، ولكنه لا يبالى أن ينظر النظرة المحرمة، أو يرتكب الغيبة الخبيثة ، أو النميمة المهلكة ، أو يفتري الكذبة الفاحشة ، أو يفعل الفعلة الاثمة ، أو يتعاطى المعاملة المحرمة ، أو يسمع أخاه أو قريبه أو أهله الكلمة النابية ، او القولة الجارحة ، او يفعل الفعلة السوأى .

وصحة الصوم -بحسب ظواهر الشريعة- لا تعني –أبدا- ان الصوم مقبول عند الله يؤتي ثماره الطيبة ويؤدي نتاجه المحمود.

وما ظنك بعبد يمسك عن منهيات الصوم من المباحات والمحرمات ليرضي ربه بهذه العبادة، ثم يرتكب تلك الجرائر أو بعضها؟! وماذا يبقى له إذا وضعت الاعمال في كفتي الميزان؟! ومن المضحك المبكي ان يقول مع ذلك : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم .

ولا فارق في نتيجة الأمر بين ان يرتكب الحرام في يوم صومه أو في ليله ،وخصوصا في شهر الله العظبم الذي يتضاعف فيه العقاب على الفعل المحرم كما يتضاعف الثواب على فعل الطاعة والقربة، ولا سيما إذا صام في نهاره عن المباحات وأفطر في ليله على بعض الموبقات أو على أم الخبائث !!.

ومن الصائمين في النهار من يقضي سهرته في ليالي الصوم..في ليالي شهر العبادة والتقوى والتوبة...في ليالي شهر الله العظيم المبارك ، على مائدة القمار والميسر أو نظائرها من المهلكات، وقد يزاولها في أواخر نهار الصوم!، بحجة انه يقتل بعض الوقت ويخفف من عناء الصوم!!.

نعم ، انه يقتل الوقت ،ويقتل الصوم !، ويقتل كل طاقة وعدّة في نفسه يرجا ان تعود به إلى سبيل الخير!. ولا حول ولا قوة إلا بالله .

وأدنى ما يؤمل لمثل هذا الصائم المرتكب للمحرمات إذا كانت صغيرة واكثر منها، ان تتساوى كفتا ميزانه ، فيخرج من اتعاب صومه صفر الكف صفر الميزان !!.

وفي بعض الأحاديث عن الرسول (ص): (كم من صائم ليس له من صومه إلا الجوع والعطش)، وفي حديث الإمام الصادق (ع): (ودع المراء وأذى الخادم ، وليكن عليك وقار الصائم ، فإن رسول الله (ص) سمع امرأة تسب جاريتها وهي صائمة، فدعا بطعام فقال لها: كلي ، فقالت : إني صائمة، فقال : كيف تكونين صائمة وقد سببت جاريتك؟، إن الصوم ليس من الطعام والشراب ).

*  *  *

والثانية من درجات الصوم -وهي ارفع من الدرجة الأولى مقاما ، وأوسع أثرا وأبلغ تأثيرا- هي أن يصوم الإنسان عن المفطرات المعينة، وتصوم معه جوارحه عن المآثم والمكروهات والمشتبهات ، وعن جميع ما لا يحمد ولا يحسن بالعبد المطيع من الاقوال والأفعال والحركات والتصرفات ، ففي الحديث عن أبي عبد الله جعفر بن محمد(ع ): (إذا صمت فليصم سمعك وبصرك وشعرك وجلدك ، -وعدّ أشياء غير هذا-، قال: ولا يكن يوم صومك كيوم فطرك).

ويسمي بعض العلماء هذه الدرجة صوم الخاصة من الناس ، وصوم الجوارح يعني ان تمنع وتصان كل جارحة من المحرمات والأسواء والمكروهات والمشتبهات التي تأتي من قِبَلها.

فصوم اللسان أن يحفظه الصائم عن محرمات القول كبيرها وصغيرها وعن مكروهاته وعن جميع فضول الحديث ومشتبهاته وما لا يحمد ولا يحسن منه ، فيعتصم عن جميع ذلك بالصمت ، وبالعبادة وتلاوة الكتاب وقراءة الدعاء، والذكر والاستغفار، أو بالقول النافع المجدي في الدين والدنيا .

وصوم السمع ان يصون المكلف جارحته عن الإصغاء لأي محرم وباطل ، وإي إفك وزور ، واي قول منكر او فعل مكروه أو مشتبه ، ولاي سفه يوجب استماعه للمرء حزازة في الدين ، او نقصا في المروءة، أو ضعة في النفس أو في الخلق.

وهكذا في صوم بصره وسائر جوارحه ومشاعره ، فيصونها عن الانحراف أو الشذوذ أو الميل في السلوك الصحيح ، وعن كل ما يخدش ويريب ، ويتجه بها جميعا الى النافع المجدي من الحركات والاعمال الزكية .

وما ظنك بعبد يطوّع جميع جوارحه في صومه هذا التطوّع ، ويحوطها هذه الحياطة، ويسمو بعقله وقلبه ونفسه ومشاعره هذا السمو؟، فهل يبقى مجال من مجالات الخير الأعلى والكمال الإنساني الرفيع ، لا يستطيع هذا العبد بلوغه ؟، وهل تبقى غاية من غايات النفوس الكريمة لا يستطيع إدراكها؟.

ولهذه الدرجة كذلك مراتب تحصل من دقّة مراقبة المرء لنفسه ومحاسبته إياها عما قد تميل إليه ، أو تنزلق فيه في بعض المواقف ، أو إزاء بعض الأهواء المرغوبة .

ولا ضير على السالك إذا ضعف يوما أو ساعة، أو قصّر أو قُهِر في بعض المجاهدات ، وكان ضعفه أو قصوره فيما لا يضر بدينه -كما هو المفروض -، ولا سيما اذا عاد فثابر قويا في مجاهدته ومحاسبته ، وقد يكون بعد عودته ومثابرته اقوى جلدا على الجهاد والمحاسبة منه قبل ذلك ، وقد يكون بعد عودته ومصابرته في الجهاد ارفع منزلة واكثر سموا وارتفاعا منه قبل ، ولكن المنازل تكون مختلفة على أي حال .

*  *  *

وأرقى درجات الصوم وأسماها شأنا ومقاما هو صوم الصفوة المنتجبة الخالصة من النبيين (ص) ، وأوصيائهم المعصومين (ع )، وصوم هذه الطبقة المصطفاة، هو أن يصون الصائم منها عقله وقلبه ونفسه ومشاعره ، وسره وعلانيته عن الفكر بغير الله ، بل وعن الغفلة عنه ، والنسيان والتناسي لمواعيده ، وعن التعلق بغير سببه ، والشغل بغير طاعته وموجبات رضاه ، وعن التباطؤ في إقامة حدوده واداء حقوقه وحقوق عباده .

وهو في الحقيقة مظهر كامل من مظاهر العصمة في هذه النفوس المطهرة من الأرجاس ، ومجلىً من مجالي الانشداد الكلي بالله وحده ، الذي اختصت به هذه القمة من الخلق ، الذين اختارهم الله قادة للإنسانية إلى الخير الأعلى والكمال الأرفع ، وجعلهم أولياء لها في جميع الأمور، والله اعلم حيث يجعل رسالته ، وحيث يجعل اصطفاءه واجتباءه ،فصلوات الله عليهم أجمعين وعلى أرواحهم وأجسادهم صلاة تعمنا وجميع اتباعهم المؤمنين والمؤمنات باللطف والرحمة، وتشملنا بالهدى والبركة، وتنير منا البصائر ، وتطهر لنا الضمائر.

وقد يرتقي بعض الخاصة من أتباع الأنبياء والأوصياء بطول الجهاد والمران وشدة المحاسبة للنفس ، ودقة المراقبة عليها، فيسيرون في سبيل ساداتهم وقادتهم ، ويتبعون رشدهم ، حق يصلوا بنفوسهم وقلوبهم وعقولهم ومشاعرهم إلى أرقى مراتب العدالة ، وحتى يبلغوا في صومهم وصلواتهم وعباداتهم الى أسمى منازل القرب من الله .

ولكن العدالة المكتسبة غير العصمة، والتابع غير القائد المتبوع ، والكامل المتزايد في الكمال ، غير الناقص المتكامل ، والمستضيء بنور غيره غير المضيء المنير، والله –سبحانه- هو مؤتي كل نفس ما هي له أهل ، وموفيها جزاء ما كسبت من منزلة ومن ثواب أو عقاب.

*  *  *

ومن الأحاديث الجامعة في معاني الصوم وآدابه ، ما رواه جراح المدائني عن الإمام ابي عبد الله جعفر بن محمد(ع )، قال : (ان الصيام ليس من الطعام والشراب وحده ، انما للصوم شرط يحتاج ان يحفظ حتى يتم الصوم ، وهو الصمت الداخل -إلى ان قال (ع)-: فإذا صمتم فاحفظوا ألسنتكم عن الكذب ، وغضّوا أبصاركم ، ولا تنازعوا ، ولا تحاسدوا ولا تغتابوا ، ولا تماروا ، ولا تكذبوا ، ولا تباشروا ، ولا تخالفوا ، ولا تغاضبوا ، ولا تسابّوا ، ولا تشاتموا ، ولا تنابزوا ، ولا تجادلوا ، ولا تبادوا ، ولا تظلموا، ولا تسافهوا ، ولا تزاجروا ، ولا تغفلوا عن ذكر الله وعن الصلاة ، والزموا الصمت والسكوت والحلم والصبر والصدق ، ومجانبة أهل الشر، واجتنبوا قول الزور والكذب والمراء والخصومة، وظن السوء، والغيبة والنميمة، وكونوا مشرفين على الآخرة منتظرين لأيامكم ، منتظرين لما وعدكم الله ، متزودين للقاء الله ، وعليكم بالسكينة والوقار والخشوع والخضوع ، وذل العبد الخائف من مولاه ، راجين خائفين راغبين راهبين ، قد طهرتم القلوب من العيوب ، وتقدست سرائركم من الخب ونظفت الجسم من القاذورات ، تبرأ إلى الله من عداه ، وواليت الله في صومك بالصمت من جميع الجهات مما قد نهاك الله عنه في السر والعلانية، وخشيت الله حق خشيته في السر والعلانية، ووهبت نفسك لله في أيام صومك ، وفرغت قلبك له ونصبت قلبك له في ما أمرك ودعاك إليه ، فاذا فعلت ذلك كله ، فأنت صائم لله بحقيقة صومه صانع لما أمرك وكلما نقصت منها شيئا مما بينت لك فقد نقص من صومك بمقدار ذلك) ، إلى آخر الحديث .

والحمد لله رب العالمين