خطبـــه:

كان شيخنا ( رحمه الله) خطيباً بارعاً امتلك ادوات الخطابة وشروطها المختلفة في الأسلوب والمضمون. واعياً لأسباب التأثير النفسي في اللغة والصوت والمعنى. بارعاً في شدّ انتباه سامعيه إليه بالمناداة مرة وبالاستفهام -مقرراً أو منكراً- أخرى . وبالتعجب ثالثة-.

وشيخنا -رحمه الله- يحرص في أكثر خطبه -كما ينبغي- على ان تكون الفواصل بين الجمل قصيرة متلاحقة لتكون أجمل ايقاعاً، وأعظم وقعاً، ويكثر احياناً- من غير تكلف من السجع والمحسنّات البديعية الأخرى، وعلى أن يخاطب القلوب والمشاعر، ويحرك العواطف من حيث منشئها في الأصل، مؤكداً على عنصري الترغيب، والترهيب، وهو يعطي للتوحيد في افتتاحيات خطبه حيزاً مهماً وباعلى ما يعبر عن معناه، مقتبساً من خطب الامام علي(ع) في النّهج، النص عينه أحياناً ومعناه أحياناً أخرى، ومغنياً خطبه بالآيات الكريمة وأحاديث المعصومين (ع) وحكمهم او ببعض الفقرات من أدعيتهم المتصلة بموضوعه وبروائع الشعر العربي كذلك.

وكثيراً ما يختم خطبه بالصلاة على الرسول الكريم (ص) واوصيائه الانثى عشر (ع) والزهراء واحداً بعد الآخر، واصفاً كل واحد منهم بما يعبر عن مقامهم سماوياً وأرضياً بأروع ما يعبر عنها، وهو يعطي بذلك معرفة مضافة لمستمعيه بمعنى الولاية لهم (عليهم السلام).

وقد أطلعـني العلامة الجليل الشيخ ضياء الدين نجل شيخنا –رحمه الله- على مجموعة كبيرة من خطبه في الجمعات وفي المناسبات المختلفة.. ربما تجاوز -لو طبعت- جزءين كبيرين.

واني لأرى -بقناعة-  أنها تشكل ثروة كبيرة من الناحية الأدبية والدينية، فعدا الجانب الأدبي المتميز لدى الشيخ -رحمه الله- فانه جمع فيها من فرائد الأفكار والحكم والعظات فاوعى، وبما لامزيد عليه، ولكي نلمّ  بقيمة هذه الخطب أسلوباً ومضموناً ولكي نبرز ضّمها هنا كجزء من الدروس اللامنهجية العامة لشيخنا -رحمه الله- في المرحلة الثانية من تأريخه في خدمة الاسلام والأمة ، ولإفادة قارئ هذه الترجمة نسوق هنا ثلاثة نماذج من هذه الخطب المباركة التي نتمنى أن تطبع كاملة في أقرب فرصة.

قال -رحمه الله-:

((بسم الله الرحـمن الرحيمْ))

الحمد لله الذي علا فاستعلى، وكان بالمنظر الأعلى، قرب فدنا وعلم السّرّ واخفى، وليّ التدبير وبيده ملاك المقادير، لاتراه العيون ولاتخالطه الظنون ولايصفه الواصفون، لا يخيب من سأله، ولايعزّ عليه مافعله أنيس المنفردين، وظهر المنقطعين، ومال المقلّين، وقوة المستضعفين، وكيل الفقراء، وموضع شكوى الغرباء ذو الجود العميم، ومحيي العظام الرميم (الله الذي سخر لكم البحر لتجري الفلك فيه بامره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون، وسخر لكم ما في السموات وما في الارض جميعاً منه إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون)(1).

احمده على إحسانه الكثير وخيرة الغزير، وتكليفه اليسير، ودفعه العسير، وأحمده على تثميره قليل الشطر، واعطائه وافر الأجر وحطه مثقل الوزن، وقبوله ضيق العذر، وأساله التوفيق لما ندبني إليه والعصمة عما حذرني منه والفوز في ما دعاني له.

وأشهد ان لا إله إلا الله وحده لاشريك له في كمال، ولا شبه له في صفـة، ولاندّ له في ملك، ولاوزير له في خلق، ولاظهير له في تدبير، وهو العلي الكبير، وهو على كل شئ قدير.

واشهد أن محمداً (ص) عبده الذي ارسله هادياً لعباده، ونوره الذي اضاء في بـلاده، المحمود في المقربين، والمأخوذ ميثاقه على جميع النبيين، صلى الله عليه وآله المطهرين صلوة ترفعهم الى اعلى عليين.

أيها الناس اتقوا الله الذي يعلم سركم وجهركم ويعلم متقلبكم ومثواكم، واكثروا من الاستغفار فإن الله -عز وجل- لم يعلمكم الاستغفار إلا وهو يريد أن يغفر لكم واعلموا أنه لا يتقي العبد حتى يخزن لسانه، وقد ورد عن النبي (ص): (اكثر خطايا ابن آدم في لسانه، ومن خزن لسانه ستر الله عورته، ومن كفّ غضبه كف الله عنه عذابه، ومن اعتذر الى الله -عز وجل- قبِل عذره وتجاوز عنه).

وعنه (ص): (إن الرجل ليتكلم بالكلمة لايدري أنها بلغت منه حيث بلغت فيوجب الله بها سخطه الى يوم القيامة، وان احدكم ليتكلم بالكلمة لايقولها إلا ليضحك بها اهل المجلس فيهوي بها العبد مما بين السماء والأرض، وأنه ليزل عن لسانه اكثر مما يزلّ عن قدمه).

وعنه (ص) : ( لايستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه، حتى يستقيم لسانه، ولايدخل الجنة رجل لايأمن جاره بوائقه).

أيها الناس إن اللسان من أجلّ نعم الله تعالى على الإنسان، إذ به يتميز على سائر انواع الحيوان ولكنه واسع المجال، رحب الميدان، وباللسان تنالُ الدرجات الرفيعة، والمراتب العالية إذا وجه على وفق الحكمة واستخدم فيما يوجب الرحمة، ومن اطلق عذبة لسانه ساقه الى شفا جرفٍ هارٍ الى أن يضطره الى دار البوار.ولاينجو منه الامن يقصده بلجام الشرع، ولا يطلقه الا في ما ينتفع به في الدنيا والاخرة.

وآفات هذه الجارحة كثيرة وآثامها كبيرة، فمن آفات اللسان: الكذب. وقد ورد عن أبي جعفر (ع) قال: (ان الله (عزوجل) جعل للشر أقفالاً، وجعل مفاتيح تلك الاقفال الشراب، والكذبُ شرّ من الشراب).

قيل: وكان أمير المؤمنين (ع) يقول: (الا فاصدقوا ان الله مع الصادقين، وجانبوا الكذب فإنه يجانب الإيمان ، الا وإن الصادق على شفا منجاة وكرامة، ألا وإن الكاذب على شفا مخزاة وهلكة ألا وقولوا خيراً تعرفوا به، واعلموا تكونوا من أهله، وادوا الأمانة الى من أئتمنكم، وصلوا أرحام من قطعكم، وعودوا بالفضل على من حرمكم).

ومن آفات اللسان: الغيبـة، وهـي مـن الجرائم الموبقة وقد قال -سبحانه- في كتابه: (يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثم، ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه واتقوا الله ان الله تواب رحيم).

وعن النبي (ص) : أنه قال: (يا أبا ذر إياك والغيبة فان الغيبة اشد من الزنا)، قلت : ولم ذاك يا رسول الله؟، قال: لأن الرجل يزني فيتوب الى الله فيتوب الله عليه والغيبة لاتغفر حتى يغفرها صاحبها.

يا أبا ذر، سباب المسلم فسـوق ، وقتاله كفر، وأكل لحمه من معاصي الله، وحرمة ماله كحرمة دمه، قلت: يا رسول الله وما الغيبة؟ قال: ذكرك اخاك بما يكره، قلت: يا رسـول الله: فان كان فيه الذي يذكر به؟ قال (ص): اعلم أنك إذا ذكرته بما هو فيه فقد اغتبته، وإذا ذكرته بماليس فيه فقد بهتّه).

ومن آفات اللسان : البهتان، فعن أبي عبد الله (ع) : ( من بهت مؤمناً أو مؤمنة بما ليس فيه بعثه الله في طينة خبال حتى يخرج مما قال، قلت: وما طينة خبال؟ قال: صديد يخرج من فروج المومسات).

ومن آفات اللسان: النميمة فعن النبي محمد (ص): (يا أبا ذر لايدخل الجنة القتّات، قلت يارسول الله وما القتّات؟، قال: النمام، يا أبا ذر، صاحب النميمة لايستريح من عذاب الله في الآخرة، ياأبا ذر من كان ذا وجهين ولسانين في الدنيا فهو ذو وجهين في النار، ياأبا ذر، المجالس بالأمانة وأفشاؤك سرّ أخيك خيانة، فاجتنب ذلك واجتنب مجلس العثرة).

وعنه (ص): )الا أنبئكم بشراركم؟ ، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: المشاؤون بالنميمة، المفرقون بين الأحبة، الباغون للبرءآء المعائب). ايها الناس طوبى لمن فكر في الكلمة قبل أن يطلقها، ونظر في عاقبتها قبل ان يرسلها، طوبى لمن ختم على لسانه قبل يوم يختم فيه على الأفواه، وتشهد عليه الجوارح بما ارتكبت، وتشهد الأيدي والارجل بما اكتسبت، طوبى لمن اشتغل بالبحث في عيوب نفسه ليصلحها عن عيوب غيره ليفضحها.

ارى كل انسان يرى عيب غيره

                               ويعمى عن العيب الذي هو فيه

وما خير من تَخفى عليه عيوبه

                               ويبدو له العيب الذي بأخيـه

الله . الله . أيها المؤمنون فان كل كلمة يقولها ابن آدم عليه مدونة، ولابد ان يجد عاقبتها سيئة أو حسنة، وان الموقف عسير، والحساب دقيق والحكم فصل، والجزاء عدل، عصمنا الله واياكم عن تتبعّ الزلات ، ونبّهنا عن اتباع المضلات، وكفانا شرور أنفسنا، ووفقنا لما يصلحنا إنه ارحم الراحمين.

"بسم الله الرحمن الرحيم"

(( ويل لكل همزة لمزة. الذي جمع مالاً وعدّده. يحسب ان ماله اخلده. كلا لينبذن في الحطمة. وما ادراك ما الحطمة. نار الله الموقدة. التي تطلع على الأفئده. إنها عليهم مؤصدة في عمد ممدّدة)).

وقال رحمه الله

"بسم الله الرحمن الرحيم"

الحمد لله القريب من خلقه، فلا تخفى عليه همامة نفس، ولا خالجة فكر، ولا خاطرة قلب، ولا اختلاجة عضو، ولاطرفة عين، ولاحركة متحّرك، ولا سكون ساكن، البعيد عنهم فلا يحيط به فهم، ولا يسمو اليه وهم، ولاتحده بصيرة ولا يدركه بصر ولا تناله صفة، ولا تبلغ كنهه معرفة، قصرت العقول ان تعرف مدى كبريائه، وحصرت الألسن أن تدرك الغاية من ثنائه، وانقطع العادّون أن يحصوا متواتر آلائه، ومتظاهر نعمائه.

أحمده لما نفذ فيه علمه، وأشكره لما تجاوز عنه حلمه، واستمدّ منه التوفيق وأساله من كل فضل هو به حقيق، وأشهد أن لا إله إلا هو ( الذي خلق السموات والارض في ستة ايام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الارض وما يخرج منها، وما ينزل من السماء وما يعرج فيها، وهو معكم اين ما كنتم والله بما تعملون بصير له ملك السموات والأرض والى الله ترجع الامور، يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل، وهو عليم بذات الصدور)(2).

واشهد ان محمداً (ص) عبده وصفوته ورسوله وخيرته خير من قام له بعهده وافضل من حباه برفده، صلى الله عليه وآله التامّين في محبة الله ، المخلصين في توحيد الله.

ياأيها الناس ( إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنّكم بالله الغرور، ان الشيطان لكم عدوّ فاتخذوه عدوّا إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير.. الذين كفروا لهم عذاب شديد والذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة واجر كبير)(3).

فاتقوا الله الذي بيدهِ محياكم، وبأمره مماتكم، واليه معادكم واحذروه فقد حذّركم، واخضعوا لما أمركم فإنه لانجاة الا بالطاعة، ولاربح الا بهذه البضاعة.

ايها الناس من خاف الناس لسانه فهو من أهل النار، ومن كظم غيظاً وهو يقدر على إمضائه أعقبه الله يوم القيامة أمناً وايماناً يجد طعمه، ألا وان شر الناس من أكرمه الناس اتقاء شره. وشر الناس من باع آخرته بدنيا غيره، وان لكل ذنب توبة إلاّ سوء الخلق فان صاحبه كلما خرج من ذنب دخل في ذنب، وقد جعل الله (سبحانه) مكارم الأخلاق صلة بينه وبين عباده، فحسب أحدكم ان يتمسك بخلق متصل بالله، جاهدوا أهواءكم تملكوا أنفسكم، وتعرضوا لرحمة الله بما أمركم من طاعته، تواضعوا، ولايتكبرنّ أحد على أحد، فان يد الله –سبحانه- على الجميع.

أيها الناس، حرام على كل قلب يحب الدنيا أن يفارقه الطمع، وحرام على كل قلب مُتولهٍ بالشهوات أن يسكنه الورع، ألا وأن حب الإطراء والثناء يعمي ويصمّ عن الدين، ويدع الديار بلاقع، فويل لبائع الآخرة بالدنيا، وإن خيركم من أعانه الله على نفسه فملكها، وعرف سرعة رحلته فتزود لها، خيركم من جعل كل همه للآخرة، وكل سعيه لها، خيركم من ذكرتكم بالله رؤيته، وزاد في علمكم منطقه، ودعاكم الى الخير علمه، خيركم المبرؤون من العيوب، المتنـزهون عن المعاصي والذنوب.

عباد الله، إن دين الله وحدة متداخلة لا تتفكك ولا تتجزأ، فمن اتبع دين الله فلياخذ  بجميع تعاليمه، ومن ترك منها شيئاً فقد خرج من حضيرة الدين وجزّأ وحدته، شرائع الاسلام متحدة، واحكامه مشتبكة، فليس لأحد أن ينقي بعض قواعده فيتبع ، ويختار في بعضها ما يشاء له الهوى فيخالف، إن شرائع الدين واحدة وسبله قاصدة، من أخذ بها لحق، ومن تركها مرق، ومن فارقها محق، ليس المسلم بالخائن اذا أؤتمن، ولا بالمخالف إذا وعد، ولا بالكذاب إذا نطق، وانّ الشيطان عدو ماثل يضع لكم الحبائل، وينصب لكم الغوائل، ليخرج بكم عن هذه الحظيرة، ويهبط بكم عن هذه المنزلة الخطيرة، بأمانيه الكاذبة وطرائقه الخادعة، فاحذروه واتقوا الله فيما أنتم عنه مسؤولون، واليه تصيرون، فان الله (تعالى) يقول: كل نفس بما كسبت رهينة)(4) ويقول: (ويحذركم الله نفسه والى الله المصير)(5) ويقول (فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون)(6) انكم مسؤولون عن الصغير والكبير، مجزيون على النقير والقطمير، إلا وإن أقرب الأهوال منكم الموت فاحذروا سكرته وأعدّوا له عّدته . فان استطعتم ان تجزعوا لأجسادكم وانفسكم مما لاطاقة لكم به ولاصبر لكم عليه فاعملوا بما احب الله واتركوا ماكره الله.

عباد الله، إن بعد البعث ما هو أشدّ من القبر، يومٌ يشيب فيه الصغير، ويسكر فيه الكبير، ويسقط فيه الجنين، وتذهل كل مرضعة عما ارضعت، يوم عبوس قمطرير، يوم شرّه مستطير، إن فزع ذلك اليوم ليرعب الملائكة الذين لاذنب لهم وترعد منه السبع الشداد، والجبال الأوتاد، والارض المهاد، وتنشق السماء فهي يومئذ واهية يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية، فاما من اؤتي كتابه بيمينه فيقول هاؤم اقرؤوا كتابيه فهو في عيشة راضية في جنة عالية وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول ياليتني لم أوت كتابيه ولم أدر ماجسابية ياليتها كانت القاضية ما اغنى عني ماليه هلك عني سلطانيه.

جعلنا الله واياكم ممن يؤتى كتابه بيمينه ووفقنا للاهتداء بمناهج دينه وملا قلوبنا بانوار يقينه إنه أرحم الراحمين.

"بسم الله الرحمن الرحيم"

(الهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر كلا سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون. كلا لو تعلمون علم اليقين. لتَرَونّ الجحيم. ثم لترونها عين اليقين. ثم لتُسألنّ يومئذ عن النعيم).

 

وقال رحمه الله في إحدى خطبه:

"بسم الله الرحمن الرحيم"

الحمد لله الموصوف بغير كنه، المعروف بغير شبه، متمّ النعمة، ومرسل الرحمة جاعل النور والظلمة، الذي يَرى ولا يُرى، وهو بالمنظر الأعلى. والذي اليه الرجعى وله الممات والمحيا. وله الآخرة والأولى، والذي هو أضحك وابكى والذي خلق الزوجين الذكر والأنثى من نطفة إذا تمنى، والذي عليه النشأة الاخرى، والذي هو اغنى وأقنى، وهو ربّ الشعرى، مبيد القرون، وداكّ الحصون، وهو الله في السماوات والأرض يعلم سركم وجهركم، ويعلم ماتكسبون. أنزّهه عن المثيل، وأسترشده الى خير سبيل، وأشهد ان لا اله الا هو، لاينازع في ملكوت، ولا يدافع في جبروت، ولايضارع في كمال، ولايقايس في جلال.

وأشهد ان محمداً (ص)  عبده المصطفى لأعظم أماناته، المنتقى لختام رسالاته صلى الله عليه وآله الطاهرين صلاة تبلغ بهم أرفع درجات المقرّبين.

أيها المؤمنون، اتقوا الله الذي يعلم السرّ وأخفى، تبلغوا بها الدرجات العلى، واجيبوه الى ما دعا، واحذروا عما عنه نهى، فان العاقبة منوطة بالطاعة، وان الجزاء كفاء للعمل، اتقوا الله فان الجنة أزلفت للمتقين، واحذروا فان جهنم اعدّت للغاوين.

في الاثر، عن جابر بن يزيد الجعفي قال: خدمت سيد الأنام أبا جعفر محمد بن علي (ع) ثماني عشرة سنة، فلما أردت الخروج وودعته فقلت له: أفدني، فقال (ع): بعد ثماني عشرة سنة يا جابر؟، قلت: نعم إنكم بحر لا ينـزف منّه ولايبلغ قعره.

قال: ياجابر . (بلغّ شيعتي عني السلام وأعلمهم أنه لاقرابة بيننا وبين الله عز وجل، ولا يتقرب إله إلا بالطاعة له، يا جابر من أطاع الله وأحبنا فهو ولينا ومن عصى الله لم ينفعه حبنا. ياجابر من هذا الذي سأل الله فلم يعطه؟ أو توكّل عليه فلم يكفه؟ أو وثق به فلم ينجه؟ يا جابر أنزل الدنيا منك كمنزل نزلته وانت تريد التحول عنه وهل الدنيا الا دابة ركبتها في منامك فاستيقظت وأنت على فراشك غير راكب، ولا أحد يعبأ بها، او كثوب لبسته او كجارية وطأتها، ياجابر، الدنيا عند ذوي الألباب كفيء الظلال، لا اله الا الله إعزاز لاهل دعوته، الصلوة بيت الإخلاص وتنـزيه عن الكبر، والزكاة تزيد في الرزق، والصيام والحج تسكين القلوب، القصاص والحدود حقن الدماء، وحبنا – أهل البيت- نظام الدين).

إيـهٍ يا نفس، ما اغناك بكتاب الله عن جميع المواعظ، وما أكفاك بربّ العزة عن أي متكلم ولافظ، لقد أنكشف المستور واستبان المحذور أما آن لك أن تضعي حداً لهذا الغرور، أما آن لك أن تخضعي لبارئك بالأنابة، فعسى تحضين من لطفه بالإجابة، أفيقي فقد أوشك الستار أن يرفع، وكاد الحبل المتصل أن يقطع، فالحذار الحذار، والتوبة التوبة، فقد أسرفت في الحوبة.

كنت في سفرة الغواية والجهـ   

ـل مقيماً فحان منـي قـدوم

بعـد خمس واربعـين لقد ما 

طـلت لـولا ان الغـريم كريم

تبت عن كل مأثم عسى  يمـ

ــحي بهذا الحديث ذاك القديم

قال بعض العلماء: إن الإغلال لم تجعل في أعناق أهل النار لأنهم أعجزوا الربّ، ولكن اذا طفا بهم اللهب أرسبتهم الأغلال في النار، ثم خر مغشياً عليه، ثم قال – ودموعه تنحدر: يا بن آدم نفسك نفسك، فإنما هي نفس واحدة إن نجت نجوتَ وان هلكت لم ينفعك من نجا. كل نعيم دون الجنة حقير وكل بلاء دون النار يسير.

ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكوننّ من الخاسرين. ربنا اغفر لنا ذنوبنا واسرافنا في امرنا، وثبت اقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين.

اللهم فكما خصصتنا بدينك القويم، وهديتنا صراطك المستقيم، فاجعلنا اللهم من حملة كتابك الكريم، واشياع نبيك العظيم، اللهم اجعلنا ممن اقتفى سيرته واتبع سنته، والتزم عترته اللّهم شرف بنيانه، وعظم برهانه، وافلح حجته، وارفع درجته، اللهم فكما اصطفيته وآله الطاهرين من جميع برياتك فاصطف لهم ازكى الزكيات من تحياتك واشرف الشرائف من صلواتك.

اللهم صل وسلم على المصطفى بين البرية طفلاً، وخيرها شاباً وكهلاً، واطهر المطهَّرين شيمة، واجود المستمطرين ديمة، الذي أقمت به الرسالات واوضحت به الدلالات خير من قام بأمر الله، وسيد من وفى بعهد الله ابى القاسم محمد بن عبد الله ( صلى الله عليه وآله).

اللهم صل وسلم على آية الله الباهرة ومعجزة الله القاهرة، يعسوب الدين، وعصمة المتقين والمتصدق في صلواته بخاتمه على المسكين. ابي الحسنين علي أمير المؤمنين (ع).

اللهم صلّ وسلم على لؤلؤة تاج الكمال، وواسطة عقد الشرف والجلال، اكرم الخلق أباً، وخيرهم إذ ينسبون نسباً، ام الأئمة النجباء سيدتنا فاطمة الزهراء (ع).

اللهم صل وسلم على لساني الحكمة، وريحانتي نبيّ الرحمة، اللذين لم تدّنسهما الجاهلية الجهلاء، ولم تشرك فيهما فتن الأهواء، السيدين الزكيين. ابي محمد الحسن، وابي عبد الله الحسين (عليهما السلام).

اللهم صلّ وسلم على أمين الله وابي أمنائه وخليفته وأبي خلفائه، مصباح العالمين وخازن وصايا المرسلين، أبي محمد علي بن الحسين زين العابدين (ع).

اللهم صلّ وسلم على الإمام الرشيد، والقصر المشيد كاشف الكُرب ورفيع الرُتَب، الفلك الدائر بالفضائل والمآثر، أبي جعفر الأول محمد بن علي الباقر (ع).

اللهم صلّ وسلم على الكتاب المبين والحق المستبين وزعيم الصالحين أمين الله على الحقائق وشهيده على الخلائق ابي عبد الله جعفر بن محمد الصادق (ع).

اللهم صلّ وسلم على سيد البرية، والموفيّ لله بحقوق العبودية، مطعم الطعام على حبه، والصابر على الاذى في جنبه، الامام العالم أبي إبراهيم موسى بن جعفر الكاظم (ع).

اللهم صلّ وسلم على الصادق الذي أوجب الله الكون معه، والهادي الذي فاز من اتبعه نور الهدى، والمنقذ من الردى أبي الحسن علي بن موسى الرضا (ع).

اللهم صلّ وسلم على الموفي بعهد الله وذمته والخازن لأسراره وحكمته، بركة الله في البلاد، وأمانة الله في رقاب العباد، أبي جعفر الثاني محمد بن علي الجواد (ع) .

اللهم صلّ وسلم على المُطهرين اللّذين لم يعثرا في مشكل، ولم يهفوا في معضل، الدليلين اللّذين أقام الله بهما الحجة، وسد بهما الفرجة إمامي كل عدوّ وولي، أبي الحسن علي بن محمد، وأبي محمد الحسن بن علي (عليهما السلام).

اللهم صلّ وسلم على حافظ أسرار ربّ العالمين وبقية الله من الصفوة المنتجبين، فاتق كل رتق ومحقق كل حق، والشافع الذي لا ينازع، والولي الذي لايدافع، بهجة الزمن، ومحيي الفروض والسنن، أبي القاسم الحجة المنتظر محمد بن الحسن (عليهما السلام) .

اللهم اظهر كلمته واعلِ دعوته واتمّ نوره وعجل ظهورهُ وأعزّ به أولياءك واكبت بسيفه أعداءك اللهم بلّغه آماله في خاصته وعامته واجعلنا من أهل طاعته.

اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات واشفِ غيظ صدورهم، واجمع منتشر امورهم واصلح فاسدهم، وانصر مجاهدهم، ولقهم خير الدنيا، وارزقهم رضوانك في الاخرى إنك ذو رحمة واسعة وفضل عظيم.

"بسم الله الرحمن الرحيم"

(إن الله يامر بالعدل والإحسان وايتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكّرون).

 

كلماته في المناسبات الخاصة بالمعصومين (ع)

ولشيخنا - رحمه الله - في المناسبات الخاصة بالمعصومين: مواليدهم ووفياتهم، وما يتصل بحياتهم ومقاماتهم والمناسبات الاسلامية بشكل عام ، تراث ضخم على درجة كبيرة - كما هو المتوقع - من حيث القيمة الادبية والفكرية، ولأنه يختلف عن خطبه من حيث الاسلوب والتناول كوحدة الموضوع ودقة المعالجة. رأينا افراده في عنوان خاص وذكـر بعضه كمثل فهو - كما علمنا - سيطبع قريباً ان شاء الله .

وكنموذج  منها نذكر كلمة له في ميلاد الامام الحسن (ع).

قال -رحمه الله-:

الصراع بين الحق والباطل

بدأ الصراع بين الحق والباطل في أول يوم من أيام التاريخ ، يوم علم الحق انه حق وعرف الباطل انه باطل وعلم كل واحد من الخصمين ان له مناهج يعارضه الاخر فيها ، وان له غايات يقاتله الاخر من اجلها.

بدأ الصراع بينهما منذ اليوم الاول من ايام التاريخ ولم يخمد، وتوقدت الجمرة ثم لم تنطفئ ولا يمكن ان ينتهي هذا الصراع، وان تخمد هذه الجمرة مادام الحق يعلم انه حق، ومادام الباطل يعلم انه باطل ومادام الخصمان يعلمان انهما متعارضان في المناهج ومتزاحمان في الغايات.

يستحيل ان ينتهي هذا الصراع، وان تخمد هذه الجمرة الا ان ينقلب الحق باطلاً او يعود الباطل حقاً ، او يحين الوقت الموهوم الذي يصطحب فيه الضدان، ويأتلف فيه النقيضان ولنفرض ان احد الخصمين ربح المعركة يوماً ما وفاز بالانتصار، فليس معنى الفوز ان الصراع قد انتهى، وان الجمرة قد انطفأت.

ان حرب الحق والباطل حرب مبدأ وفكرة، وحرب المبادئ لا تنتهي بنزع السلاح واندحار الخصوم.

ذلك ان المبدا يحاول ان يضمن لنفسه الثبات والرسوخ ثم الاستمرار والبقاء ، فهو يناضل من اجل ثباته ورسوخه ، ويناضل من اجل بقائه واستمراره ، وهو يطارد عدوه المختفي كما يناضل عدوه الظاهر. وكيف ينتهي الصراع إذا كان المنهزم يقاتل في هزيمته والمنتصر يناضل بعد انتصاره.

من أشكال الصراع بين الحق والباطل

ظهر الحق في فترات التاريخ باشكال متنوعة وكان الباطل يقابله فيها باشكال اخرى، وكانت الحرب بين الخصمين تظهر في كل يوم بحلّة جديدة وتستخدم اساليب مبتكرة، فظهرت بشكل بين آدم (ع) وابليس ، وباشكال أخرى بين ابراهيم (ع) ونمرود، وبين موسى (ع) وفرعون، وبين محمد (ص) وأبي سفيان، وبين علي (ع) ومعاوية، وبين آخرين من جانب الحق واخرين في جانب الباطل.

نعم لصراع الحق والباطل الوان مختلفة، وفي بعض هذه الالوان من الحرب ما يشبه السلم. فقد تتعارض الغايات في نظر الحق فيلقي السلاح فهو يهدر غاية ليتلافى غاية اخرى هي اسمى منها، وهو يلقي سلاحاً ليشهر سلاحاً آخر هو امضى منه. والحق لايزال هو الحق والباطل هو الباطل في كل أولئك.

 من صراع الحق مع الباطل ان يعلن محمد (ص) دعوة الحق في مكة وليس لديه غير نزر من الأنصار، وغير قليل من المعاضدين.

ومن صراع الحق مع الباطل أن يشهر السيف حين يجد العدة وحين تتاح له الفرصة، ثم من صراع الحق مع الباطل أن يحتجب محمد (ص) في الشعب ثلاث سنين في مكة، وان يفرّ بدينه بعد ذلك إلى المدينة.

ومن صراع الحق مع الباطل ان يغمد السيف عن قريش عام الحديبية ليشهره عليهم عام الفتح.

وان يوادع اليهود من اهل المدينة في يوم ويعلن عليهم الحرب في يوم آخر. كل هذه الالوان -ايها السادة- من صراع الحق مع الباطل، وان كان بعضها يشبه السلم في الصورة.

من صراع الحق مع الباطل ان يغمد السيف حين يكون اغماد السيف اقرب الى الخير الذي عنه يناضل، او يكون ابعد عن الشر الذي له يصادم.

من صراع الحق مع الباطل ان ينظر قائد الحق وجه المصلحة للمبدأ الحق في الحركة والسكون وفي التقدم والوقوف.

لم يتنازل الحسن عن حقه.

وهذه هي الخطة الحكيمة التي اتبعها قائد الحق ابو محمد الحسن (ع)، وهذا هو المنهاج السديد الذي طبعه على اعماله.

لم يتنازل ابو محمد (ع) عن حقه في يوم من الايام وان أصر التأريخ على ذلك، وسجله المؤرخون، ولم يطمع معاوية ذاته في تنازل الحسن عن حقه المشروع. لم يسالم الحسن (ع) باطلاً حاربه هو بالامس، وناضله ابوه من قبله، وجاهده جده من قبله ومن قبل أبيه.

ولم يصافح الحسن (ع) يداً حملت السيف على جده في يوم بدر وقطعت كبد عمه في احد، واطلّت دماء الأبرار في المواقف وآخرها في التاريخ يوم صفين. وما ادراك مايوم صفين؟.

متى تنازل الحسن (ع) عن مبدئه ليقال: انه سالم معاوية؟، ومتى تنازل معاوية عن مبدئه ليقال: انه سالم الحسن؟. انه قول كاذب –دون ريب- وان اصرّ عليه المؤرخون.

القى الحسن (ع) السلاح من كفه ليشهر على الباطل سلاحاً من نوع اخر وليعدّ الفرصة لليوم القريب الذي ستأتي دورته في الزمان وموضعه من التاريخ.

من سقطات التاريخ.

وددت لو تتاح لي الفرصة فأجيب التاريخ عن سقطاته، ومن لي بهذه الامنية ولو وهبت تعمير السابقين وجلد المجاهدين؟.

قلت قبل عام في مثل هذا الحفل: التاريخ مصور شكلي يحفل بالاشكال الظاهرة، ويصور الهيئات البارزة وقد يكون دقيقاً جداً فيصور الالوان ويرسم الحركات، ولكنه لايتغلغل الى الالباب ولا ينفذ الى الاعماق.

ولو اتيحت لي الفرصة وحاسبت التاريخ لقلت :

ان التاريخ مصور مراء يمسخ الحقائق، ويشوه الصور حتى في الاشكال البارزة، والمعالم الظاهرة التي تلتقطها العدسة البسيطة.

ان سقطات التاريخ اكثر من ان تعدّ وتنكّره لمن يخالفه في العقيدة اظهر من أن يخفى، وللتاريخ جلبة شديدة خلف السياسة وخلف العقيدة يستجديهما الحوادث ويسترفدهما الوقائع.

يتنكر التاريخ حين تتنكر السياسة الزمنية، ويغضب حين تغضب العقيدة الموروثة ويتسامح حين تتسامحان، ولو أردت ان أثبت هذه الدعوى لاقمت عليها الف برهان وبرهان.

لو كان يزيد موفّقاً في سياسته لعرّفه التاريخ بانه الزاهد العابد، وان أطل من الدماء اكثر مما أطلّه ابوه فـي صفين، وان اراد ان يزلزل مركز الدين في يوم كربلاء، وان يستأصل الوحي في مهابط الوحي.

سقطات التاريخ اكثر من ان تعد وتنكره لمن يخالفه اظهر من ان يخفى وحسبنا هنا ان نذكر شاهداً واحداً يتصل بالموضوع.

يقول التاريخ: لما اراد الحسن (ع) ان يسالم معاوية زجره الحسين (ع) واشتد عليه في هذه الفكرة، وقال له -فيما قال-: اعيذك بالله أن تسيء أباك وهو في قبره فغضب الحسن وقال: علمت انك تقول هذا، ولقد وددت أن أصيرك في بيت ثم أطيّنه عليك حتى افعل ما انا فاعل.

يقول التاريخ هذا في الحسنين (ع) اللذين اذهب الله عنهما الرجس...

وبعد فان وجه المصلحة اظهر من ان يخفى على الحسين (ع) فيحتج على أخيه الأكبر بهذه الشدة.

وفي وداعة الحسن (ع) وحلمه المعروف ما يمنعه عن مقابلة اخيه بهذه الغلظة، وفي ادب السبطين (ع) ما يعصمهما عن المراشقة بفضلات الكلام واوساخ اللغة، وليت التاريخ نقل لنا بعض هذه الشدة من الحسن (ع) على اصحابه الاخرين الذين اعترضوا عليه في امر المصالحة وقالوا في كلماتهم ما قالوا. ان الحديث كاذب دون ريب، ولكن التاريخ يقول ذلك، والمؤرخون يصرّون على تدوين ما يقول.

وقال -رحمه الله-

حسين مني وأنا من حسين:

ما هذه الحبسة التي ملكتني أكثر من يومين، وأنا أريد أن أعدّ هذا الحديث؟.

ما للكلمات تموت على شفتيّ حتى كدتُ أن أيأس، وأن ألقي اليراع؟.

ثم مالي أريد أن أقول: يا للبشرى، فيكتب قلمي يا للأسى، فهل أنا في حفل مولد أم في ذكرى شهادة؟.

لا اكتمكم -أيها السادة- أني بكيت قبل أن اكتب، وبكيت بعدما كتبت، وما أدري ما هو شأني إذا وقفت لأقرأ لكم ما كتبت؟.

ما هذه العاطفة العاصفة التي لا تفارق ذكر الحسين (ع) حتى عند الإبتسامة لميلاده؟.

وقد قال الأثر الكريم: إن الرسول (ص) بشّر في يوم ميلاده فبكى، وإنه دخل على ابنته الصديقة (ع) ليهنئها بوليدها فبكت، وإن أهل البيت الطاهر (ع) قد استقبلوا هذا الوليد الحبيب بالإبتسامة والدموع.

.. بدموع الحزن.. نعم، وأحزان أهل البيت هي الأفراح لهم في الصميم!!.

أحزان أهل البيت (ع) هي أفراحهم الأثيرة عندهم، لأن الغايات العظمى التي أنيطت بهم لا تتحق إلا بهذه الأحزان.

وكان السهم الذي ينالونه من قِبَل هذا الوليد هو السهم الأوفر، ولذلك كان الحزن بمقدمه أكبر، وعلى ذلك المقياس الخاص بهم كان فرحهم بمولده أكبر.

الحسين شريك جده (ص).

أيها السادة.

يقول العلماء -وهم يفسرون كلمة الرسول (ص) المشهورة أو المتواترة: (حسين مني وأنا من حسين)-..

..يقولون: إن الكلمة تعني أن الحسين (ع) شريك جدّه في الدعوة.

ومن عقائد شيعة أهل البيت: أن الأئمة الإثني عشر (ع) أجمعين شركاء لجدهم الرسول (ص) في الدعوة، فهو المؤسّس لها، والقيّم الأكبر عليها، وهم –من بعده- الأمناء القوّامون على حفظها.. فما هذه الخاصة التي يعنيها العلماء بقولتهم تلك؟.

إن الجواب عن هذا -مبسطاً- يتشعب به القول ويطول، وحسبي أن أقف على ناحية واحدة تتصل بموضوعي الذي بدأت به الحديث.

ان الاسلام دين الله العظيم الذي اصطفاه للناس، وتوجّ به الشرائع، وختم به الأديان.. إن هذا الدين منهاج إنساني متكامل، شرّعه الله لتنظيم هذه المجموعة الضخمة من الغرائز والعواطف والمشاعر والأحاسيس.. لتنظيم هذه المجموعة التي يسمّونها (الإنسان).

والإنسان –كما تعلمون- موجود واحد، وركائزه النفسية المذكورة، وإن كثرت وتنوعت آثارها واختلف تأثيرها، إلا أنها متشابكة متداخلة، ووحدتها -بعد- آتية من قِبَل القوة الحيوية الواحدة، التي تحرّك جميع هذه القوة، والطاقة العامة الواحدة التي تمدّها، والإرادة الإنسانية الواحدة التي تصرّفها، والعقل المفكّر الواحد الذي يملك ان يتحكّم فيها.

ومن أجل هذه الوحدة بين نواحي الإنسان، وهذا التّشابك بين غاياتها، وبين مجالات نشاطها، أصبحت كذلك متبادلة التأثير، فلكل واحدة منها أثر قويّ أو ضعيف في سلوك الأخرى، وفي اتجاهاتها الى أهدافها.

والدين الذي يروم إصلاح الإنسان وتقويم أخلاقه وضمان الخير الأعلى له في حياته هذه الأولى المنقطعة، وفي حياته الأخرى الدائمة، لا محيد له من أن يسع هذه النواحي كلّها تنظيماً، ويعمّها تهذيباً وإصلاحاً.

وكيف يبلغ غايته إذا هو لم يصنع ذلك؟.

بل، وكيف يمكنه أن يُصلح بعض نواحي الإنسان دون بعض إصلاحاً حقيقياً كاملاً، بعد أن كانت لها هذه الوحدة الملحوظة، وهذا الترابط المحسوس؟.

وهذه المحاولة البلهاء هي السقطة التي مُنيت بها المسيحية القائمة، لما وزّعت هذا الكائن إلى جسد وروح، ثم حاولت إعلاء الروح بإرهاق الجسد، وكبح غرائزه..

أقول: هي السقطة التي منيت بها المسيحية القائمة المحرّفـة، وإلاّ فان دين الله الذي أنزله على السيد المسيح (ع) أسمى من هذا التفكير.

عموم الهدى يتطلب عموم التربية.

الإسلام منهاج متكامل، شرّعه الله لتنظيم علاقات الإنسان وسلوكه، وتهذيب غرائزه وعواطفه، وإصلاح سرّه وعلانيته، وأعماله وصفاته..

وبدهيّ أن الدين لا يستطيع أن يدرك هذا المدى من الإنسان، وأن يحقق له هذه الغاية مالم يثّبت عقائده وأسسه في عقل الإنسان ومشاعره، وما لم يمتزج بعواطفه وأحاسيسه، وبلحمه ودمه.

وكيف يملك أن يهدي العقل ما لم يتّصل بالعقل؟.

وكيف يقوى أن يوجّه العاطفة ما لم يمتزج بالعاطفة؟.

وكيف يقدر أن يهذّب الأخلاق والعادات ويصلحها إصلاحاً جذرياً ما لم يتّصل بينابيعها من النفس، وبجذورها من الطبع؟.

ان الدواء –مهما احتوى تركيبه من العناصر القوية الفعالة- لن يحقق الشفاء حتى ينفذ إلى مكمن الداء، وان الدين -مهما جمع تشريعه من دقائق الحكمة- لن يقوّم طباع النفس حتى يصل إلى أعماق النفس.

والبراهين التي عضدت هذه الدعوة في كتابها الكريم، وفي حديث رسولها العظيم (ص) تنير آفاق النفس من الانسان، كما تضيء آفاق العقل، فهي مدد للفكر ليقتنع، وهي مدد للقلب ليؤمن، وهي مدد للمشاعر والعواطف، ومنافذ الشعور ومصادر الإحساس لتعترف وتتوجّه.

وبرهنة القرآن قوليّة حين تمدّ الفكر، وفعليه تمثيلية حين تكون مدداً للنواحي الأخرى.

ولكن العاطفة -أيها السادة-، ولكن هذا الشعور الرقيق.. ولكن خفقة القلب الإنساني بالجمال، تبغي ما هـو أقرب من ذلك وألصق.. إنها تبغي قرباً .. تبغي امتزاجاً..

لقد تعودت عاطفة هذا الكائن أن لا يشفيها إلاّ القرب، فلابد للدعوة أن تلج العاطفة وتمتزج بها.

فكيف السبيل؟.. وكيف الوصول؟.

إلا بدم الفداء من وريد أبي الشهداء.

وقد قام حسين بهذا الدور من الدعوة، أفليس شريكاً لجده فيها؟.


 

(1) الجاثية: 12.

(2) الحديد 4 – 6 .

(3) فاطر : 5 – 7 .

(4) المدثر : 38.

(5) ال عمران : 28 .

(6) الحجر : 92.