قال بعضهم إن شيخنا (رحمه الله): كان فيلسوفاً أخلاقياً، وقـد مر أن في أساتذته (رحمهم الله) من كان معروفاً بذلك نظرياً وعملياً كالشيخ الاصفهاني والسيد البادكوبي، والشيخ علي محمد البروجردي (رحمهم الله).
ومن يقرب من الشيخ (رحمه الله) ويرى صورة تعامله مع شؤون الدنيا المختلفة سلباً وإيجاباً في ما يتصل بنفسه أو بالآخرين... المواقع. الناس. الأحوال المتقلبة. الصحة. المرض. الشدة. الفرج. الحياة. الموت. يكاد يجده في ما يظهر له -على الأقل- في حالة واحدة. مما يعسر أن تكون إلاّ لدى المتعاملين -في جميع ذلك- مع ذات واحدة هي ذات الخالق -سبحانه- وإلا لدى من وعي الخلفيات والأسس في المقادير وتعامل معها برؤيـة الآباء من أهل الحكمة، والا لدى من راض نفسه حتى ملك انفعالاتها وردود أفعالها.
إن التواضع والحب والرأفة والصبر والرضا وغير ذلك من الصفات الفاضلة كانت من أخلاقه النفسية التي أصبحت لديه -بطول المجاهدة- ملكات بل سجايا هي بعض مقومات شخصيته التي لا تنفك، ومن الطبيعي بعد ذلك ان تنسجم معها أخلاقه العملية -كآثار- وأن لا يحـتاج في شيء من ذلك إلى معايير وحسابات.
ذلك أمر مشهود لكثير ممن عرف شيخنا على قرب، وبها وُصِفَ شاباً من قبل من كتب عنه على ما بينهم من اختلاف. فاقرأ ما قاله الشيخ أغا بزرك (رحمه الله) من جهة، والأستاذ الشيخ علي الخاقاني من جهة أخرى ولقد رايته -واشهد الله- في مصيبتين كبيرتين تلقاهما فبدا لـي مع ما يعانيه من مرض قرحة (المعدة) لفرط ما رأيت من حالٍ هادئ مطمئن كما لو كان قاسياً لا راضياً وهي نظرة قصيرة قطعاً.. ثم قربت منـه بعد ذلك أكثر مما كان وأطلت مجالسته فإذا هو من أرق الناس حسّاً وأكرمهم أخلاقاً وأحسنهم تعاملاً مع الله وخلقه.
وقد قدّمنا بعض ثُنائياتٍ له من ديوانه (أمالي الحياة) وهو من نتاج مرحلة شبابه (ذكره أغا بزرك في ترجمته) وهي تعكس آراءه قبل أكثر من خمسين عاماً ونظراته الأخلاقية التي هي رشح ما هو عليه بالفعل خلقاً نفسياً وعملياً، وكان لهذا الجانب الأخلاقي من شخصية الشيخ -رحمه الله- أثره البالغ في طلاّبه وعارفيه بل هو الجانب الأكثر أثراً في نفوس عارفيه من أي جانبٍ آخر ذكرناه من جوانب مؤهلاته وملكاته، على ما لتلك الجوانب من أهمية عظيمة، لا لشيء إلاّ لأنه الجانب الذي يبدو للناس أنه أقل وجوداً أو بروزاً لدى قياس علماء الدين بما عرف عن الرسول (ص) واوصـيائه المعصومين (ع) في واقع تعاملهم مع الناس.
إن الناس بحاجة أن تشم في رموز الدين رائحة آل محمد(ع) يريدونهم آباءاً قبل أن يكونوا زعماء، وقدوات بالمثل قبل أن يكونوا بالتعليم.
كنــت في ديـوان الشيخ (رحمه الله) يوماً وبقربي شابّ حوزوي نابه من اسرة علمية معروفة وحين جاء الشيخ رحمه الله ورأى تواضعه وبساطته وعفوية تعامله، ونسيانه لنفسه وللمظاهر التي يفرضها عادة مقامه، قال:
(هذا ما نفقدهُ . هذا ما نريدهُ).
لا نعني بهذا الحديث التأشير سلباً لأحد في ذلك، ففي المراجع الآخرين (حفظهم الله) من هو مثل وقدوة، لكنا أردنا فقط التنبيه إلى بروز هذا في مكونات شخصية شيخنا (رحمه الله).
وقد لا يعلم الكثيرون أنه كان لشيخنا (رحمه الله) درس في الأخلاق حضره عدد من فضلاء طلاب الحوزة ، ولا أدري ما إذا كان هذا الدرس هو الأساس وراء كتابه (الأخلاق عند الإمام الصادق (ع)) الذي صدر لأول مرة في سلسلة حديث الشهر التي يصدرها الأستاذ عبد الأمير السبيتي في السبعينات من التاريخ الهجري لعله في سنة 1372، أم كان الكتاب هو الأساس وراء الدرس، ولكن المؤكد أن توجّه الشيخ (رحمه الله). هو ما كان وراء الاثنين وإذا كنا والقراء لم نسعد بحضور هذه الدروس التي فاتنا بها أثر شخصيته وأنفاسه -فإننا نستطيع أن نتلمس ذلك في رشحات قلمه وجمال بيانه بتقديم بعض هذه الدروس في الآتي:
ميزان الخلق الصَحيح
." من سرّته حسنته وساءتهُ سيئته فهو مؤمن " الإمام الصادق ‘ع‘.
غاية علم الأخلاق أن يوصل الإنسان إلى الكمال الأعلى الذي يطلبه بأعماله وصفاته، ولهذا فان بعض الخلقيين يسرف فيقول: (علم الأخـلاق أشرف العلوم جميعاً لأنه يوصل أشرف مخلوق إلى أشرف غايـة)، والحكم الذي لا يقبل الشك فيه: أن علم الأخلاق من أشرف العلوم ومن أرقاها.
علم الأخلاق رائد الإنسان إلى السعادة، ودليله على الخير الأعلى، وهو مرشد النفوس إلى الفاضل من الصفات، والفاضل من الأعمال، ومن الجور الذميم أن نتوقع منه أكثر من هذا.
لعلم الأخلاق أسوة بإخوانه من العلوم التي تُطلب لغاياتها، عليه أن يمهّد السبيل إلى الغاية، ويوضح الطريق إلى المقصد.
وعلى العالم الخلقي أن يكون طبيباً ماهراً يعيّن الداء بدقة، ويصف الدواء بمهارة ، وليس عليه -بعد هذا- أن يضلّ الضالّ، أو يصل الواصل، فإن لحصول النتيجة شروطاً أخرى وراء معرفة المقدمات، قد يخطئ الإنسان الهدف الذي يريده لأنه أساء التطبيق، أو لم يحسن استعمال العلاج ، والمحاسب عن هذا التقصير هو الإنسان نفسه لا علم الأخلاق، وقد أوضح الإمام هذهِ الناحيّة بقوله:
(إن نفسك رهينة بعملك)(1).
وقوله(ع): (وقد جعلت طبيب نفسك، وبيّن لك الداء وعرفت آيـة الصحة، ودللت على الدواء فانظر كيف قيامك على نفسك)(2).
علم الأخلاق هو الوسيلة التي تكشف للإنسان الداء، وهو الذريعة التي يعرف بها آية الصحة، والمرشد الذي يدلّه على الدواء، ثم يوكل استعماله إليه، فلينظر كيف قيامه على نفسه.
أما قول الإمام (ع) في هذا الحديث: (جعلت طبيب نفسك)، فإنه يجري على استعارة جميلة، وكثيراً ما كررها الخلقيون في كلمـاتهم، وبين الطب وعلم الأخلاق نواحٍ كثيرة من وجوه الشبه.
للإنسان صورة ظاهرة يفحصها الطبيب من حيث الصحة والمرض، وله صورة باطنة يبحث عنها الخلقي من حيث التوازن والانحراف، ولكل من هاتين الصورتين طوارئ تخرجها عن الاستواء والتوازن في صفات الجسم الذي يطلبه الطبيب لأنه صحة، وله نظير في النفس يطلبه الخلقي لأنه كمال، والانحراف الذي يدفعه الطبيب عن البدن لأنه مرض جسمي يحارب الخلقي مثله في النفس لأنه مرض روحي، واذا كان حصول الكمال النفسي سعادة للانسان -كما يقول الخلقيون- فان حصول الصحة سعادة للبـدن -كما يقول الاطباء- وكثيراً ماسرت أمراض البدن الى النفس، وتعدّت أمراض النفس الى البدن والمتأخرون من الخلقييين والنفسيين يقولون: (العقل الصحيح في الجسم الصحيح).
الإنسان هو طبيب نفسه وهو المسؤول عن تركيبها وتهذيب أخلاقها، ولكن على الأخلاقي أن يدلّه على آية (الصحة) وأن ينصب له ميزاناً عادلاً يميز صحيح الملكات ومفاسدها، وخير الأعمال وشرها ليألف الحسـن منها ويجتنب القبيح، وقد علمنا في الفصول السابقة مـا يتكفل لنا بذلك ، فقد عرفنا ان فضائل الملكات أوساط ورذائلها انحرافات واطراف، وعرفنا أن المقياس الذي تعلم به هذه الأوساط هو الشريعة الإلهية المعصومة، وبهذا الميزان نستطيع أن نعرف الخلق الصحيح فنتوجه اليه في سلوكنا، وان نحكم على العمل بأنه خير، وأنه صواب اذا وافق الخلق الكريم.
ولكنا قد نخطئ الهدف المقصود وان كنا قد علمنا جميع ذلك، وطبقناه على أعمالنا وعاداتنا.
قد نعين الأوساط التي حكمنا بأنها فضائل، ونميزّ الأعمال التي تختص بها هـذه الاواسط ثم نسعى الى تحقيقها حتى يصبح الخلق صفة من صفاتها ونحن مع هذا الجهد كله لم نتصف بالفضيلة لأنا قد اضعنا الغاية التي لأجلها حببت هذه الفضيلة.
ليست الأوساط بمطلقها فضائل، فقد تطلب هذه الأوساط بغير غاياتها، والخلق الصحيح ماطلبت به الغاية الصحيحة، والقاعدة التي ذكرها الخلقيون لذلك:- أن يتصف الإنسان بالفضيلة لأنها فضيلة. ويجتـنب عن القبيح لانه قبيح. أما الامام الصادق(ع) فيقول في ذلك :
(من سرّته حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن)(3).
الحسنة هي عمل الخير اذا قصد به الوجه الصحيح، والسيئة عمل الشر وعمل الخير أيضاً حين يقصد به غاية غير صحيحة، فاذا سّر الإنسان بحسنته واستاء من سيئته كان هذا دليلاً على تركز الخلق الصحيح في نفسه، لأن السرور هو التذاذ الإنسان حين يرضي رغبة من رغباته والمساءة هي التالم الذي يحصل عند انقماع الرغبة.
وهذا الذي يذكـره الخلقيون هنا لا ينافي تحديد معنى الفضيلة وانما هو شرح وايضاح.
الفضيلة أن تعتدل الملكة النفسية فلا تشذّ ولا تنحرف، واذا مـالت بها الأهـواء واستخدمتها الغايات فقد شذّت وانحرفت.
الفضيلة ان تسير النفس في عملها وفي صفاتها على هدى العقل وارشاده، فاذا قصدت بالعمل أو الصفة غاية وضيعة فقد بعدت عن حكمة العقل، وتعامت عن إرشاده.
والفضيلة أن يتوسط الإنسان في ملكاته وأن يتسامى في غاياته، أما هـذا الذي تحدثنا عنه فهو باطل يشبه الحق، وضلال يشبه الهدى وسيئة تلبـس الحسنة .
* * *
أصول العلاج عند الخلقيين
((اقصر نفسك عما يضرها قبل ان تفارقك، واسعَ في فكاكها كما تسعى في طلب معيشتك فان نفسك رهينة بعملك)) الامام الصادق ‘ع’
تحدثنا عن العلاقة المتينة بين علم الطب وعلم الأخلاق، وعلمنا كيف يكون الاتصال وثيقاً بين العلمين، وكيف يشبّه الطبيب بالخلقي، والخلقي بالطبيب وليس الأمر بـين العلمين مقصوراً على المشابهة فقط، فان بين العلمين اتصالاً هو اكثر من المشابهة، ورابطة هي اشد من التماثل على أن بين العلمين فروقاً واضحة هي الفروق التي تكون بين علم وعلم اخر، ومن هذه الفروق التي نلاحظها بين العلمين أن الأدواء التي يدافعها الطبيب عند الجسد، والتي يمانعها الخلقي عنـد النفس كل منها انحراف وشذوذ وتخلّف عن كمال محبوب، ولكنا نجد ان الادواء التي تحدث في الجسد تكون مبغوضة للانسان ولايمكن ان تكون مرغوبة له الا في أحوال استثنائية لايصح القياس عليها ، ونجد ادواء النفس على العكس من ذلك ، فانها مرضية للنفس محبوبة لها عند اكثر الناس.
والسر في هذا الحب العجيب ان هذه الادواء تكفل للنفس بعـض مشتهياتها، وتحقق لها بعض ميولها ورغباتها ، والنفس تألفها لهذه اللذات الزائفة، وان كانت ادواء فاتكة وسموماً قاتلة وقد يبلغ الامر ببعض النفوس الوضيعة ان تنفر من الخلق الكريم لأنه يمنعها عن تحصيل هذه اللذات.
أدواء الجسد في الأكثر تصحب آلاماً محسوسة والإنسان يمقتها لأنه يحس بآلامها أما ادواء النفس فلا تكون كذلك لأنها تسبب آلاماً معنوية وانحـطاطاً كمالياً ، وقصيرُ النظـر لا يعبأ بهذا النقص، ولا يعتني بهذا الالم، لانه يجهل ما يسميه الخاصة كمالاً أو رقياً معنوياً.
1- و اذن فاول علاج يصفه علم الاخلاق لهذه الادواء هو العلم لانه يرفع النفس من هذه الضعة وينقذها من هذا الانحطاط وهو الحاسة الدقيقة التي يدرك بها الانسان لذة الكمال والم الشقاء، وقد سمعنا احاديث الامام الصادق (ع) في العلم.
2- للباحث الخلقي غايتان متساويتان في الأهمية:
فالاعتدال الخلقي جهاد في جميع ادواره، وهو جهاد لانه خروج على غريزة، وتمرد على قوة ، وهو جهاد لانه ارغام ارادة وقسر عادة ، وهو جهاد لان الفضائل اوساط ومعرفة هذه الاوساط تستدعي حزماً والاقامة عليها تستدعي عناء ، وهو قبل هذا كله جهاد لانه بحث عن عيوب النفس المحبوبة، والحب -كما في المثل المشهور-: يعمي ويصم. واذا كانت للنفس رغبات واهواء تزاحم الخلق الصحيح في اوقاته الاخرى، والنفس -من اجل هذه الرغبات المتزاحمة- في جهاد متواصل ، ومعنى هذا ان العلاج الخلقي في جميع ادواره يعتمد على الصبر والثبات فبالصبر تغرس الفضيلة في النفس ، والصبر هو الذي يتعاهدها لتنمو وينميها لتثمر ، والصبر هو العدة التي يتدرع الانسان بها امام الاخطار ، وهو الخلق الاول الذي يجب تهذيبه ليكون عوناً على تهذيب غيره ، وهذا هو معنى قول الامام الصادق (ع): (الصبـر من الايمان بمنزلة الرأس من الجسد فاذا ذهب الرأس ذهب الجسد، كذلك اذا ذهب الصبر ذهب الايمان)(4)، وهو معنى قوله ايضاً: (رأس طاعة الله الصبر والرضى عن الله فيما احب العبد او كره)(5).
الصبر وقوف النفس امام الشدائد وثباتها عند هجوم النوازل فهو فرع من فروع الشجاعة، والشدائد التي تثبت لها النفس قد تكون من الامور الخارجية عند النفس كصروف الدهر والام الحياة ، وقد تكون من الامور المتعلقة بالنفس كالالام التي تحصل من مكافحة طغيان الشهوة وجموح الغضب، والثبات عند جميع هذه الالام شجاعة.
الصبر على جهاد قوة الشهوة شجاعة لاعفة ولكن ثمرة هذا الجهاد هي العفة، والصبر على كفاح قوة الغضب شجاعة وثمرة هذا الكفاح شجاعة اخرى.
في العلاج الخلقي مصاعب، وهو جهاد مستمر ولكن هذه المصاعب لاتحدّ من قدرة الانسان شيئاً، فالشخص حين يصدر العمل قادر على تركه، وهو حين يتركه مختار في فعله.
في وسع الانسان ان يفكر في غايات اعماله فيحترز عن العمل القبيح، واخيراً عن الخلق الذميم ، في وسعه ان يفكر في غاية العمل قبل اصداره ثم هو في سعة من الفعل او الترك لان له ارادة واختيار. واذا استطاع ان يخالف الملكة في المرة الاولى كانت مخالفتها في المرة الثانية عليه أسهل ، وهي في المرة الثالثة أخف مؤونة وأكثر سهولة. وهكذا تأخذ الشدة بالضعف وتعود الملكة الثانية حالة زائلة، ويصبح الخلق السيء اثراً بعد عين وليحذر ان تغلبه العادة الاولى قبل ان يكمل التمرين على مخالفتها. فانها اذا غلبته مرة أفسدت عليه كثيراً من عمله ، واحتاج الى كفاح جديد ، والامام الصادق (ع) يشير الى هذا الطريق من المجاهدة بقوله: (قف عند كل امر حتى تعرف مدخله من مخرجه قبل ان تقع فيه فتندم)(6).
وقـوله:- (إياك ومرتقى جبل سهل اذا كان المنحدر وعراً)(7).
3- في وسع الانسان الحازم ان يقف من نفسه موقف المحاسب الشحيح فيستعرض صفاتها بالنقد والتمحيص، وسيوقفه الفحص على مواضع الخلل من ملكاته، ومن السهل عليه بعد هذا ان يجدّد في نفسه شوقاً الى الفضيلة التي تباين ذلك الخلق السيء الذي عرفه من نفسه فاذا اوجد في نفسه هذا الشوق فقد تم له كل شيء.
أما معرفة عيوب النفس فسنذكر لها طرقـاً عديدة بعد هذا، واما الشوق الى الفضيلة فسبيله الفكر.
ليحدّث الانسان نفسه بمحاسن تلك الفضيلة، وما تعقبه من اثار طيبة وعاقبة حميدة ومايناله اصحابها من مكانة سامية وشأن كبير .. ليحدث نفسه بذلك وليثق ان الشوق يحدث له قطعاً، لان النفس تحب الكمال وتطمح الى الارتقاء، ومن الخير له ان يطيل التفكير يذلك لتثبت الرغبة ويتأكد الميل.
واذا تم للانسان النجاح في هاتين المرحلتين فليجتهد بعد هذا في الاعمال التي توافق الفضيلة التي اشتاق اليها وكلما تكرر العمل ثبتت العادة الجديدة وانهار بناء الخلق القديم.
وقد قال الامام الصادق (ع) في المرحلة الاولى من هذا العلاج: (انفع الاشياء للمرء سبقه الناس الى عيب نفسه)(8).
وقال في المرحلة الثانية منه: (التفكير يدعو الى البر والعمل به)(9).
وقال في باب الزهد: (وانما ارادوا بالزهد في الدنيا لتفرغ قلوبهم للاخرة)(10).
والائمة من اهل البيت (ع) كثيراً مايعتمدون هذا الطريق في تهذيب الاخلاق ، وقد قدّمنا للقارئ نموذجاً صغيراً من كلمات الصادق (ع) في ذلك.
4- ذكر علماء الاخلاق لمعرفة الانسان عيوب نفسه طرقاً متعددة نشير الى بعضها فيما يأتي:
أ- الخلطاء والاصحاب
يحاول الانسان ان يرى صورته الظاهرية فيمتنع عليه ان يراها بغير المرآة، ويحاول ان يطلع على عيوب نفسه فيتعذر عليه ذلك بغير الصديق ، صديقك غيرك فلا يصعب عليه ان يطلع على نقائصك، وقد جعله الحب الصحيح كالجزء منك وهو لايخفي عليك شيئاً تكرهه من نفسك (ولا خير في صحبة من لم يرَلك مثل ما يرى لنفسه) (11)ولذلك شرطوا ان يكون الصديق من اهل الامانة والدين، وقد سمعنا قول الامام الصادق (ع): (احب اخواني اليّ من اهدى اليّ عيوبي).(12)
وهو يقول ايضاً: (من راى اخاه على امر يُكره فلم يردّه عنه وهو يقدر عليه فقد خانه)(13).
ب- اجتنب ماتعده قبيحاً من غيرك.
تنظر الى الناس الاخرين فترى عيوباً كثيرة تظهر في اعمالهم واقوالهم، فاذا اردت اصلاح نفسك فاجتهد ان لاتعمل نظير تلك الاعمال، ولاتفكر في وجود تلك النقائص فيك. فان النفس تنكره اذا كان خفياً، وتعتذر عن ارتكابه اذا كان ظاهراً، فتضيع منك الفرصة ويذهب عليك الوقت.
حـ- استفد من لسان عدوك ما خفي على عين صديقك.
قد يستر الحب بعض نقائصك على الصديق، وقد يتجاهل بعض عيوبك حذراً من اساءتك، ولكن العدو لا تخفى عليه نقائصك لانه يراقبك بعين ساهرة، وهو لا يختشي من ان يسيء إليك فاجتنب عما ينسب اليك من الصفات والافعال ولايضرك ان يكون كاذباً اذ نفسك من العيوب.
د- اذا اتهمت نفسك بخلق ذميم واردت معرفة موقع هذه التهمة من الصحة، فحاول ان توجد عملاً يخالف ذلك الخلق، فاذا صعب عليك العمل فاعلم ان ذلك الخلق من صفاتك.
هـ- تستطيع النفس ان تخفي نقائصها على الانسان، ولكنها لاتستطيع ان تخفي عليه ميولها واهواءها، وهذا الهوى اثر لازم للخلق السيء فاذا أخفت عليك نقائصك فاجتنب اقرب الامرين الى هواك ، ويريدون من الأمرين الفعل والترك.
5- الخوف والرجاء
الخوف انفعال نفساني، يحصل للانسان او للحيوان حين يتوقع صدور امر يكرهه او فوات شيء يحبه وهو احد الغرائز التي تولد معه وتنشأ وتصحب في جميع احواله ، وكم جلبت هذه الغريزة من خيرات، وكم جنت عليه من شرور.
والرجاء هو انتظار النفس حصول امر ترغب فيه، وموضع الخوف والرجاء في الاكثر هو الشيء اذا كان مشكوك الوقوع وللانسان بين هاتين الملكتين شؤون، وأطوار، وقديشتد به الخوف حتى يكون يائساً، وقد يفرط به الرجاء حتى يكسبه تسامحاً واهمالا وقد يعتدلان فيكونان مزيجاً خلقياً يبعث الى العدل ويرشد الى الخير، وقد قال الامام الصادق (ع)في ذلك: (ارج الله رجاء لا يجرّئك على معاصيه، وخف الله خوفاً لا يؤيسك من رحمته)(14).
وقال: (لايكون المؤمن مؤمناً حتى يكون خائفاً راجياً حتى يكون عاقلاً لما يخاف ويرجو)(15).
الخوف والرجاء صفتان نفسانيتان ولكنهما لايثمران الخير حتى يكون لهما مظهر في السلوك وتأثير في العمل ، هذا الخوف العملي اذا اشتد يسمى عند العلماء الخلقيين ورعاً، واذا اشتد الورع يسمى تقوى ، و(إن قليل العمل مع التقوى خير من كثير بلا تقوى)(16).
قد يلفت نظر البعض جمعنا في عنوان واحد درس الشيخ في النثر الفني ودرسـه في الفـكر الاسلامي مع أنهما موضوعان مختلفان، والمفروض، -بحكم ذلك- ان يكونا درسين لا درساً واحداً ولكن الواقع كان غير ذلك، أي أن تدريس الشيخ -رحمه الله- لأصول النثر الفني كان يصحبه في الوقت نفسه وبنفس الوقت ونفس النص تدريسه للفكر الاسلامي:-
لقد كان الكتاب المقرر للدرسين هو كتابه: (الاسلام: ينابيعه ، مناهجه ، غاياته) وهو دون شك -من أفضل الكتب في الموضوعين، أما في الفكر الإسلامي فلأن ذلك هو موضوعه، وأما في النثر الفني فلأنه مصداق ونموذج تطبيقي من أعلى نماذجه، وحين يكون الأستاذ الذي يشرح خصوصياته الفنية نفس منشئه الذي يحسّ جوانب الجمال فيه أكثر من غيره فلاشك أن الدرس سيكون أكثر وضوحاً وجدوى، ولا حاجة لتقديم نموذج من هذا الكتاب لمعرفة اسلوب الشيخ -رحمه الله- وخصوصياته، ومعالجته للموضوعات الفكرية الدقيقة فيه، فقد قدمنا شيئاً من ذلك في فقرة (أسلوبه ونثره الفني) كان هذا الدرس- قد طلبه من الشيخ بعض فضلاء شباب الحوزة في أواسط السبعينات من القرن الرابع عشر الهجري- ربما قبل أن يصدر كتابه المؤشر اليه، وكان الشيخ –رحمه الله- لا يكتفي بأن يقرؤوا أو يقرا لهم موضوعاً في الكتاب، أو يشرح لهم ما ينبغي في الموضوعين، وإنما كان يصحب ذلك بما يراه محققاً للغاية في هذا أو ذلك، كان يكلفهم بقراءة بعض الكتب المتصلة بالموضوعين، أو بأن يكتبوا هم أنفسهم موضوعات مختارة، ثم قراءتها في مجلس الدرس، وتقويمها وابداء الملاحظات عليها إن وجدت.
ومن الاسماء اللامعة المعروفة من حضار هذا الدرس العلامة الجليل حجة الاسلام السيد محمد رضا الخرسان (حفظه الله)، والعلامة الدكتور عبد الهادي الفضلي (حفظه الله)، والعلامة الجليل الشاعر السيد محمد جواد فضل الله (رحمه الله). وآخرون لا تحضرنا أسماؤهم.