تـمهـيــد
ظل شيخنا – رحمه الله – بعد اجتهاده واستقلاله في الرأي -كما هو- يأبى ان يعلن نفسه مرجعاً ، فقد كان يرى ضرورة أن يكمل مسيرته التربوية والاصلاحية في تنشئة المجتمع المسلم، وبناء الثقافة الإسلامية والقرآنية المتكاملة ، وصياغتها بلغة العصر بشكل تملأ وعي أبناء الإسلام، وتقود مسيرتهم في الحياة، حتى دفعه بعض عارفي فضله من الفقهاء وفضلاء الحوزة العلمية ، ومن هؤلاء – في ما نقل لي بعض الثقاة– آية الله العظمى الشيخ محمد طاهر المحمري (قدس سره)، فقد قال له ما معناه: (الى متى ياشيخنا تظل معنيّاً بالكتابات الفكرية والاولية وأنت فقيه ، لماذا لاتطبع رسالتك العلمية).
وحين رأى شيخنا – رحمه الله –أن المرحلة التي كان يكتب بها لإغناء المكتبة الاسلامية بالاسلوب الذي ذكرناه قد انتهت، وأنه لم يعد -بحكم الحال والسن- ينشط لها، وان الظرف يتطلب اضطلاعه بالمرجعية الفقهية، تقدم لهذه المهّمة التي طلبته – قبل أن يطلبها –.
ولعل أول مطبوع اطلعت عليه يعلن فيه ذلك: تعليقته على (الرسالة الصلاتية ) للفقيه الكبير المرحوم الشيخ يوسف البحراني صاحب ( الحدائق الناضرة ) –قدس سره–. والتي طبعت قبل 19 عاماً من وفاته أي سنة 1400 – 1979 . في مطبعة الآداب .فقد كتب – رحمه الله – في مقدمتها – بعد البسملة والحمد لله والصلاة على النبي وآله -يقول: وبعد فهذه قيود وضعتها حين نظرت في مدارك هذه الرسالة الشريفة للفقيه العليم المتبحّر غارس الحدائق الناضرة –نضّر الله وجهه وقدس تربته– أثبت فيها مواضع افتراقي عنه في الرأي، ومن الله -سبحانه- استمدّ التوفيق والهدى لنفسي ولإخواني في ديني .
ثم جاءت تعليقته على العروة الوثقى للفقيه الكبير السيد اليزدي الطباطبائي (قدس سره) والتي طبعتها دار مكتبة وليد الكعبة سنة 1404 – 1984 في مجلدين كبيرين فقد جاء في مقدمة الجزء الأول منها – بعد البسملة والحمد والصلاة :
أما بعد فهذه نتائج فقهية عمليه حرّرتها تذكرة لنفسي ، في غضون مراجعتي كتاب (العروة الوثقى) أمضيت فيها ما أمضيت فيها من فتاوى مؤلفه العظيم ( قدس سره ) .. وقيّدت فيها ما قيدت، وأثبت ما خالفته فيها في الرأي .
والى الله – سبحانه – أبتهل أن يقيني عثرة القلم ، وزلّة القدم ، وأن ينيلني العدة التي رجوتها من عونه ، والغاية التي أملتها من فضله .
وكانت قد طبعت – قبل هذا التاريخ – بعض أجزاء رسالته العملّية الموسوعية (كلمة التقوى) والتي بلغت بمجملها تسعة أجزاء طبعت بعشرة مجلدات، ويمتاز أسلوبه في هذه الرسالة بالوضوح والسلاسة وسعة المسائل، بشكل لم يسبق له نظير في الرسائل العلمية المعروفة ، وهي دورة فقهيه كاملة عدا كتاب الحدود والتعزيزات والقصاص والديات، إذ لم تفسح له الظروف الصحية التي أصبح عليها في أخريات أيامه مجالاً لإنجازها .
دوره في إصلاح الحوزة ودعمها:
وكما هو المؤمل في شيخنا -رحمه الله– وهو يحمل المزايا التربوية والإصلاحية التي عرفنا عنها، فقد طبعت هذه المزايا مرجعيته بخصائص مميزة، كـان يمكن ان يكون لها تاثيرات اكبر لو أنه دخل هذا العالم في غير هذه الظروف التي دخلها، ومع هذا فقد برز من الجوانب الاصلاحية والتربوية في الدراسات الحوزوية خاصة ما يمكن ان يقتدى به مع الزمن ويمكننا ان نذكر من هذه الجوانب:-
1- التركيز على اقامة حوزات علمية في كل بلد اسلامي يوجد به رجال دين فضلاء، يمكنهم القيام بعبء تدريس المواد العلمية المطلوبة في الدراسات المنهجية في الحوزة، وعدم انتقال الطلاب الى الحوزات العلمية الكبرى في النجف او غيرها إلا بعد استكمال الاستفادة من العلماء الموجودين في تلك البلاد، وكان (ره) يهدف من هذا إلى:
أ- التجديد المستمر لمعلومات أولئك الفضلاء وخبرتهم في تلك المواد الضرورية الاساسية لمهمتهم، وادائهم لمسؤولياتهم في المجتمع.
ب- استقطاب اكبر عدد ممكن من الطلاب الذين لا يمكنهم السفر الى الحوزات العلمية الكبرى، بسبب الظروف المعيشية أو غيرها من الموانع.
جـ إشاعة الثقافة الإسلامية الأصيلة في كل مكان يتواجد فيه مثل أولئك العلماء والطلاب بشكل منهجي متكامل، فوجود الطلاب بين ذويهم وأصدقائهم مما يدعوهم دائماً إلى طرح معلوماتهم في المجتمع بكل وسيلة يستطيعون فيها ذلك.
د- عدم تأثر الدراسات العلمية بالظروف الاجتماعية والسياسية العامة، التي لها اثرها الكبير في سفر الطلاب وإقاماتهم في الأقطار التي فيها الحوزات العلمية الكبيرة.
الى غير ذلك من الايجابيات التي كان يكررها ( قدس سره) في كل مناسبة، وليس اقلها البركات الالهية التي جُعلت لطلب العلوم الاسلامية في أي بلاد وتحقق فيها مثل هذا الطلب.
2- تقريره -وبمساعدة بعض الفضلاء الذين يعتمد عليهم في الحوزة العلمية في النجف الاشرف- منهجا عاما للدراسة في الحوزة العلمية فيها كما في غيرها من البلاد، حيث يتواجد وكلاؤه المعتمدون، وبموجب هذا المنهج قرّر مساعداته المادية التي يعطيها لطلاب الحوزة بعد اجراء الامتحانات اللازمة لذلك.
فكما هو معروف عن الدراسات الحوزوية أنها ذات طابع حرّ في الأسلوب والاستقلال، والوقت، الا ان الجدية المطلوبة في الدراسة التي اناط سماحته بها مساعداته استوجبت تحديد مقدار معين لكل مرحلة ينبغي للطالب اجتيازه خلال فترة معينة، وهكذا فقد قسّم هذا المنهج المراحل الدراسية المعروفة الى اثنتي عشرة سنة، في كل سنة مرحلتان فيكون المجموع 24 مرحلة ومن خلالها يستطيع الطالب أن يحاسب نفسه بل ويحاسب أساتذته حين يريد لنفسه تحقيق الحد الأدنى للدراسة الجدية المطلوبة والمنهج هو
جدول
المنهج المقترح…..
ويلاحظ هنا أنه (رحمه الله) عقب على هذا المنهج بملاحظات مهمة هي:
كما الحقت به اعلاناً بينت فيه علقته (رحمه الله) مع طلاب الحوزة العلمية ومساعدته لهم.
"بسم الله الرحمن الرحيم"
الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على خيرته من خلقه محمد وآله المنتجين .
وبعد، فتنفيذاً لأمر سماحة آية الله العظمى الشيخ زين الدين ( دام ظله) بمراجعة المنهج الذي أمر باملائه سابقاً، والأخذ بنظر الاعتبار للنتائج التي أفرزتها التجربة الماضية معه، والملاحظات البناءة التي طرحها الأساتذة والطلاب حوله، فقد تّمت – بعون الله – هذه المراجعة فأقرّ سماحته تعديل بعض النقاط الواردة في المنهج وبموجبه نعلن ما يلي :
1- مساعدته (دام ظله) للطلاب ( حتى المرحلة الأخيرة من المراحل المذكورة في المنهج المرفق مع هذا الإعلان ) مشروطة بالنجاح في الامتحان السنوي العام (الذي يجري كل سنة). أما طلاب البحوث الخارجة فيشترط أن ترد أسماؤهم كمدرّسين لطلاب ناجحين في بعض المراحل المتقدمة، مع مراعاة مايلي :
أ –أن لا تقل الدروس التي يلقونها عن درسين .
ب- أن يُقرن ذكر الطالب لاسم المدرّس بشواهد الحال المثبتة لذلك.
ج- أن يكون التدريس بالشكل المتعارف في الحوزة العلمية.
2- لا يكتفى بمجرد الحضور في البحث الخارج بل لا بدّ من معرفة كفاءة الطالب فيه بما يلي :-
أ- تدريس مالا يقل عن المواد الواردة في المرحلة العاشرة فما فوق من المنهج المرفق .
ب- تزكية استاذ البحث الخارج بأن ما يكتبه الطالب على بحثه مستوفٍ لمطالبه فيه .
ج-تأييد الفضلاء الذين سعيّنون لهذه المهمة – ان شاء الله - .
3- تخفيفاً على الطلاب الأعزاء -ولتعدد الامتحانات المطلوبة منهم- يجعل الامتحان سنوياً بعد أن كان كل ستة أشهر، على أن يقدم الطالب في كل امتحان إجابة لمرحلتين من المراحل المذكورة في المنهج، وسيكون موعد الامتحان السنوي هو العشر الأواخر من شهر محرم الحرام كل عام، ويعطى الراسبون فرصة ثانية باجراء امتحان ثان لهم بعد شهر من الموعد السابق في الدروس التي رسبوا فيها . أما الدرجة المطلوبة في النجاح فهي (70% ).
4- يمكن للطالب الراسب في الامتحان السنوي والتكميلي أن يتدارك الأمر على نفسه فينتظم في الامتحان اللاحق بنفس المراحل التي رسب فيها .
5- مساعدة الطالب الناجح في المرحلة الرابعة فما فوقها مشروطة بشهادة النجاح في صحة قراءة القرآن الكريم من اللجنة المعينة لهذه المهمة .
6- الطالب الذي لم يحالفه الحظ في النجاح يُعطى نصف المساعدة المقرّرة للمرحلة الأخيرة التي رسب فيها حتى الامتحان السنوي اللاحق، فان نجح فيه استؤنفت له مساعدة المرحلة كاملة منذ نجاحه وإلا قُطعت عنه المساعدة نهائياً .. وهذا الاستحقاق مشروط بما يلي :
أ – أن يكون ناجحاً في الامتحان الذي سبق رسوبه.
ب – أن يكون منتظماً في الدراسة الحوزوية .
ج – أن يقدّم عذراً شرعياً مقبولاً لعدم النجاح .
7- الطلاب الجدد الذين لايستطيعون الانتظام بالامتحان السنوي العام يجرى لكل منهم امتحان خاص في المرحلة التي يختارونها، ومع النجاح يعطون مساعدة المرحلة التي نجحوا فيها.
8 – استحقاق المساعدة مشروط بأن لا يكون للطالب أو الاستاذ أومن يعيله مورد آخر غير الحق الشرعي مما يكفيه للحياة الكريمة بما يناسب شأنه .
9- المحافظة على التقوى والصلاح والورع بما يتناسب ومكانة طالب العلم في المجتمع وادائه لرسالته العظمى بين الناس .
والله سبحانه هو الموفق والمامول لتسديد خطى الجميع في صراطه القويم .
3- اما مساعداته لطلاب الحوزة العلمية فهي تجري بشكل متنام، لاحظ فيها المستوى العلمي للطالب وفق المرحلة التي ادى فيها الامتحان، مع عدد افراد الاسرة الذين يعول بهم .
فالطالب المجرد الذي أدى امتحانه بمستوى الرسالة العملية له مقرر المرحلة مضروباً ×2، أما الطالب الذي أدى الامتحان في إحدى مراحل كتاب شرائع الإسلام فيضرب ×3، ويصعد الرقم الى 4 في اللمعة، و 5 في المكاسب، و 6 لطالب البحث الخارج فحين يكون مقرر المرحلة 1500 دينار مثلاً فطالب الرسالة العملية المجرد يستلم 3000 دينار ، وطالب الشرائع 4500 ، وهكذا ثم يضاف اليه مقرر أفراد العائلة -إذا كان معيلاً- ويتصاعد هذا بدوره مع كل فرد يعول بــه .
وهو بهذه الطريقة الفريدة استطاع تقدير الدرجة العلمية التي يبلغها الطالب من جهة، مع مراعاة اعالته في الوقت نفسه من جهة أخرى.
ومعروف في الحوزة العلمية في النجف أن مساعدات سماحة الشيخ ( قدس سره) كانت من أعلى المساعدات التي يتلقاها الطلبة .
4- تبنّي بعض الأساتذة الاكفاء لتدريس المواد العلمية في الحوزة بموجب المراحل المذكورة في المنهج الذي أقره لسد بعض الثغرات التي مني بها الطلاب المجّدون نتيجة لنقص الكادر التدريسي في الحوزة العلمية في بعض الظروف .
5- تبنّي بعض الأساتذة الأكفاء في تدريس علوم القرآن والتجويد، وهيأ لهم مساعدات خاصة لذلك وأناط النجاح في امتحان المرحلة الرابعة من منهجه السابق فما فوقها ، واستحقاق المساعدة المادية بالنجاح في قراءة القرآن وصحة هذه القراءة بالشكل المناسب لطالب ديني مسؤول .
6- لم يحصر توزيع هذه المساعدات بالمسؤولين عنها من قبله، بل كان بعضها عن طريق بعض المراجع الاخرين فالمهم لديه هو وصولها إلى مستحقيها وتحقيق الهدف منها .
دَورُهُ في مساعدات العوائل الفقيرة والمؤسسات الصحية العامة أثناء الحصار
كان لشعور سماحته -رحمه الله- بما مني به أبناؤه المؤمنون من شظف العيش وعوامل الفقر، ولاسيما ما أصيب به الناس في العراق نتيجة الحصار أثر عميق في نفسه، كعاطفة أبوية وكمسؤولية إسلامية معاً .
ومما يعرفه ذوو العلاقة القريبة به أنه خفض مستوى معيشة بيتهِ ومصارفه اليومية الخاصة إلى المستوى الأدنى مما لم يألفه في الأوضاع العادية، ليس من حاجة، بل من شعور أخلاقي وديني تفرضه المرحلة على مثله، أشبه بما عبّر عنه الإمام علي (ع) في قوله :-
(لو شئت لاهتديت الطريق الى مصفى هذا العسل) .. الى قوله (ع) ..(أأقنع من نفسي بأن يقال أمير المؤمنين ولا أشاركهم في مكاره الدهر).
ولهذا فقد أوعز إلى وكلائه في خارج العراق خاصّة بالعناية بالفقراء في بلادهم بقدر الإمكان، وإرسال مقدار مما يستلمونه من الحق الشرعي إليه لمساعدة الحوزة العلمية في النجف ، والعوائل المحتاجة في العراق ، ثم ومنذ سنتين قبل وفاته (ره) تقريباً ألزمهم بارسال الثلث مما يستلمونه بحسب وكالتهم عنه، حيث ضاقت به الأمور هنا، وبموجب الرقم الذي يستطيعُون إرساله فتح باب التسجيل للعوائل المحتاجة ، معتمداً على بعض المؤمنين الذين يثق بهم في جميع أنحاء العـراق حتى بلغ مجموع من سُجّل في قوائم المستلمين ما يقارب 35 ألف فرد ، مع طلبة الحـوزة العلمية وعوائلهم، إضافة الى مساعدات أخرى كان يقوم بها في بعض المؤسسات وكـان توزيع المساعدات يجري كما يلي:-
أ – إعطاء العائلة بموجب عدد أفـرادها، بإضافة فرد لربّ العائلة ، فحين يعين 750 دينـاراً للفرد –كما جرى في الأشهر الأخيرة قبيل وفاته – تعطى العائلة ذات 5 أفراد مثلاً 4500 دينـار وهكذا .
ب-إعطاء مساعدات إضافية في بعض مواليد أهل البيت ( ع) وبعض الأشهر المباركة كشهر رمضان وقد يصل الإعطاء الى الضعفين أو الثلاثة أضعاف المساعدات الشهرية. وقـد تكون المساعدة بشكل عيني كالتمر والطحين والرز والملابس وغيرها .
ج- وهناك مساعدات محدودة لمن يروم الزواج من الفقراء وفق شروط خاصة .
4- أوعز ( قدس سره) الى المؤمنين الزائرين الوافدين من خارج القطر بجلب مايمكن جلبـه من الأدوية لمساعدة من كان يثق به من الأطباء الاختصاصين في علاجهم للمرضى وخصوصاً الفقراء ، حيث لاتتوفر مثلها في الصيدليات، ولا يستطيع الفقراء شراءَها لغلاء ثمنها، وكانت استجابة المؤمنين مشكورة اذ أمكن بهذه الطريقة توفير كميات جيدة مـن الأدوية في وقت عزّت فيــه .
5 – يقدم مساعدات لترميم بعض المستشفيات وسداد بعض نقائصها وتصليح بعض أجهزتها الضرورية وتوفير بعض مستلزماتها التي تهمّ المرضى.
6- ومما يلاحظ -ونحن بهذا الصدد- ما قام به ( قدس سره ) وباقتراح من بعض الفضلاء من وكلائة من أجل التحفّظ على الحقّ الشرعي، وإغناء رغبة أولئك الذين يودّون الاشراف بأنفسهم على صرف حقوقهم الشرعية، تشكيل لجنة من ثلاثة من وكلائه يضاف إليهم المكلف صاحب الحق، الشرعي وتوضع خطة مناسبة لصرف ذلك الحق واجراء الصرف بموجبها ، ويوكل تنفيذها إلى بعض الثقاة بإشراف تلك اللجنة، وخصوصاً إذا كان المبلغ كبيراً .
7- ولأنه ( قدس سره) كان كثير التحّرز والاحتياط، فهو قليل الوكلاء حتى في البلاد التي يرجع معظم أبنائها بالتقليد إليه ، فهو لا يعطي الوكالة الا بعد احرازه الثقة التامة بالوكيل، وبامكان أن يكون هذا -في سلوكه العام والخاص – صورة صادقة عنه ؛ ولان هذه النظرة أوجبت ضيقاً في تلك البلاد، فقد أعطى لبعض وكلائه السابقين الذين يثق بهم سعة في الوكالة يستطيعون بموجبها توكيل آخرين من ثقاتهم على أن يكون هؤلاء محاسبين أمام اولئك الوكلاء ، وفي الحدود التي تضمنتها وكالاتهم الاصلية.
مؤلفاته بعد المرجعية
الف شيخنا بعد المرجعية عدداً من المؤلفات الفقهية الهامة ، منها :
1- تعليقه على الرسالة الصلاتية ، للفقيه الشيخ يوسف البحراني (صاحب الحدائق ) – قدس سره – وقد طبعت في مطبعة الآداب في النجف سنة 1400 هـ .
2- تعليقه على العروة الوثقى للفقيه السيد محمد كاظم اليزدي الطباطبائي (قدس سره) وقد طبعت في مجلدين في دار مكتبة وليد الكعبة في بيروت سنة 1404 هـ .
3- رسالته العلمية ( كلمة التقوى ) في تسعة أجزاء طبع أول أجزائها سنة.
4- المسائل المستحدثه طبعت مستقله سنة 1407 هـ .
5 – بين المكلف والفقيه وهي مجموعة مما ورد اليه من استفتاءات مع اجاباته ( ر ه ) عليها، جمعها الشيخ محمد جواد الشهابي طبعت في البحرين سنة 1417 هذا عدا اجاباته ( قـدس سره) عن الأسئلة المختلفة التي كانت توجه اليه من انحاء العالم العربي والأسلامي والتي لو جمعت لشكلت سفراً مضافاً .
بعض اجوبته في مسائل عقائدية وبعض فتاواه
(مسألة): مايقول .. في معنى دلالة الذات ، كما جاءفي الدعاء المنسوب للامام أمير المؤمنين (ع) في قوله ( يامن دل على ذاته بذاته ) .
الجـواب :
الكلمة المسؤول عن معناها فقرة من دعاء الصباح المعروف . المشهورة نسبته الى سيد المسلمين وأمير المؤمنين، الإمام علي بن أبي طالب (ع)، ولم نعثر في كتب الحديث لهذا الدعاء على سند متصل نثبت به صحـة نسبته الى الإمام (ع) من حيث الرواية . ولكن جماعة من الثقاة الاعلام قد اوردوا الدعاء في كتبهم . ونسبوه الى الإمام (ع)، غير مترددين في نسبته اليه.
ويضاف الى ذلك علو مضامين الدعاء ، وموافقة معاني فقراته لما ورد عنهم (ع)، وعن جدهم الرسول (ص) في الأحاديث والأدعية الصحاح، بل وموافقة كثير منها لمعاني القرآن الكريم ، وفي كل هذا مايغنينا عن التحدث في ناحية سنده .
والكلمة المسؤول عن معناها بذاتها فقرة عالية المضمون ، رصينة المبنى ، يستبين الناظر البصير فيها قبساً من أنوار النبوة، ونفحة من نفحات العصمة .
وهي موافقة المعنى لكثير من اقوال المعصومين (ع)، الثابتة عنهم بالاسانيد المعتبرة كقول الامام الحسين (ع) في دعائه يوم عرفة: كيف يستدل عليك بما هو في وجوده مفتقر إليك، أيكون لغيرك من الظهور ماليس لك حتى يكون هو المظهر لك ، متى غبت حتى تحتاج الى دليل يدِل عليك، ومتى بعدت حتى تكون الآثار هي التي ترشد اليك.
وقوله (ع) في الدعاء نفسه : منك اطلب الوصول اليك وبك استدل عليك، فاهدني بنورك إليك، وأقمني بصدق العبودية بين يديك .
وقول الإمام زين العابدين (ع ) في دعاء السحر الذي رواه عنه الثقة الجليل أبو حمزه الثمالي (ره): بك عرفتك وانت دللتني عليك ودعوتني اليك ولولا أنت لم ادر ما أنت.
وهذا هو المعنى الذي أراده الرسول (ص) لما سئل : بماذا عرفت ربك؟، فقال: بالله عرفت الاشياء . يعني فالله –سبحانه- دليل ذاته اولاً، لأنه الظاهر بنفسه المظهر لغيره من الكائنات، وبه عرفت الأشياء ثانياً، لأنه علتها وموجدها ومكونها بعد ان كانت معدومة ولولا وجوده وتدبيره لما كانت ولما دبرت .
بلى .وهذا هو المعنى الذي دلت عليه الفقرة الاخيرة من قوله (تعالى): (سنريهم اياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق. او لم يكف بربك ان على كل شيء شهيد)(1). فهل يحتاج إلى آية تثبت وجوده وهو الشهيد على كل شيء ، الذي لولا وجوده لما ثبتت الأشياء.
وهو احد معاني قوله (تعالى): (الله نور السموات والأرض)(2) . كما ذكره المحققـون من علماء التفسير، فان اظهر خواص النور كونه ظاهراً في ذاته مظهراً لغيره ، والى هذا يؤول مارواه الصدوق (ره) في كتاب التوحيد عن الإمام الرضا (ع) –في معنى الآية الكريمة-: (هاد لأهل السماوات وهاد لأهل الأرض ) .
ومعنى لفظة (دل) في اللغة: هدى وارشد، والدلالة هي الهداية والتسديد الى الطريق، سواء كان ذلك عن قصد أم عن غير قصد.
فمن استعمال المادة في الهداية عن قصد قوله (تعالى): (يا أيها الذين آمنوا هل ادلكم على تجارة تنجيكم من عذاب اليم)(3). ومن استعمالها في الهداية عن غير قصد قوله (تعالى): (فلما قضينا عليه الموت مادلهم على موته الادابة الأرض تأكل منسأته)(4).
ولفظة (دل) قد تأتي قاصرة وقد تاتي متعدية، فمن استعمالها قاصرة قول الرسول (ص) في الحديث المشهور ( الدال على الخير كفاعله)، ومنه قول أبي العتاهية :
وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحـــد
ومن استعمالها متعدية الآيتان الكريمتان الآنف ذكرهما .
وتتعدى الى المفعول الثاني بالى ، فتقول: دللته إلى الشيء. والأكثر في الاستعمال تعديتها بعلى، فتقول دللته على الشيء، ومنه الشواهد المتقدم ذكرها، ومنه كذلك فقرة دعاء الصباح المسؤول عن معناها: (يا من دل على ذاته بذاته) .
ولفظة (ذات) تستعمل -لغة- في عدة معان ، منها حقيقة الشيء وخاصته ، وقد ذكر هذا المعنى الكثير من اللغويين، واستدركه صاحب تاج العروس على الفيرزابادي لما تركه في القاموس .
ويراد بحقيقة الشيء وخاصته هنا: وجوده الخاص الذي يتميز عما سواه ، سواء اكان ذلك الشيء جوهراً ام عرضاً. فيقولون: ذات هذا البياض وهذا الخط، كما يقولون ذات زيد وذات ذلك الجسم .أي تلك الحقيقة الخاصة المتميزة بوجودها عما عداها من الحقائق والموجودات.
وبهذا المعنى صح إطلاق كلمة الذات على الحق –سبحانه-، وصحت اضافتها إليه، فيقال: هـو –عز اسمه- ذات لا كالذوات ، أي وجود ثابت متميز عما سواه من الكائنات لا يشـبهه شيء منها، كما يقال: هو شيء لا كالاشياء ، وكما صحت اضافة النفس إليه في قوله تعالى: (كتب ربكم على نفسه الرحمة انه من عمل منكم سوءاً بجهالة ثم تاب من بعده واصلح فانه غفور رحيم)(5) وغيرها من الآيات الكريمة .
وقد اضيفت كلمة الذات إليه –سبحانه- في كلمات كثير من البلغاء، منها قول الامام امير المؤمنين علي (ع) في خطبة الاشباح : وغمضت مداخل العقول في حيث لاتبلغه الصفات لتناول علم ذاته.
وقوله (ع) في خطبة له في التوحيد : ولاتجري عليه الحركة والسكون، وكيف يجري عليه ماهو أجراه، ويعود فيه ما هو أبداه، ويحدث فيه ما هو احدثهُ، اذاً لتفاوتت ذاته ولتجزّأ كنهه، ولامتنع من الازل معناه.
وقوله (ع) في خطبة اخرى : الحمد لله الذي اعجز الاوهام ان تنال وجوده، وحجب العقول عن ان تتخيل ذاته.
وفيها كذلك : بل هو الذي لم يتفاوت في ذاته، ولم يتبعض بتجزئة العدد في كماله.
وقوله (ع) في خطبة أخرى: أسماؤه تعبير وأفعاله تفهيم، وذاته حقيقة، وكنهه تفرقة بينه وبين خلقه.
ومنها قول الإمام الحسين (ع) في دعائه يوم عرفة : الهي انت الغني بذاتك ان يصل إليك النفع منك فكيف لا تكون غنيا عني.
وقول الإمام الصادق (ع) لم يزل الله- جل وعز- ربنا والعلم ذاته ولا معلوم، والسمع ذاته ولا مسموع، والبصر ذاته ولا مبصر ، والقدرة ذاته ولا مقدور.
وفي كتاب للإمام الرضا(ع) : الممتنع من الصفات ذاته ومن الابصار رؤيته ، الى كثير من كلمات الأئمة من أهل البيت المشتملة على ذلك .
وفي حديث ابن عباس: تفكروا في كل شيء، ولا تفكروا في ذات الله، أخرجه البيهقي.
وفي الحديث الذي أخرجه الحاكم النيسابوري وصححه في كتابه المستدرك على الصحيحين، واخرجه الامام أحمد بن حنبل في مسنده عن أبي سعيد الخدري ، قال (واللفظ للإمام أحمد): اشتكى علياً الناس ، قال: فقام رسول الله(ص) فينا خطيباً، فسمعته يقول: أيها الناس لاتشكوا علياً فوالله انه لاخشن في ذات الله .
وفي لسان العرب، وتاج العروس ، وصحاح الجوهري، ونهاية ابن الأثير : اخيشن في ذات الله، والمراد انه خشن في سبيل الله أو في طاعته، أو في دينه لا تأخذه لومة لائم .
وقريب منه في المعنى قول حبيب بن عدي الصحابي الانصاري ، أورده البخاري:
| ولست ابالي حين اقتل مسلم |
على أي شيء كان لله مصرعي |
| وذلك في ذات الاله وان يش |
يبارك على اوصال شـلوٍ ممزع |
وقول حسان بن ثابت : كما اورده ابن حجر العسقلاني في شرحه على البخاري :
|
وان اخا الاحقاف إذ قام فيهم |
يجـاهد في ذات الاله ويعدل |
وقول النابغة:
محبـتهم ذات الالـه ودينهم قـديم فما يخشون غير العواقب
وقول أبي تمام:
يقول فيسمع ويمشي فيسرع(6) ويـضرب في ذات الاله فيوجع
وقد أكثرت من ذكر الشواهد على ذلك من أحاديث الرسول (ص) وكلمات أوصيائه الأئمة المعصومين (ع)، ومن أقوال الشعراء الذين لايشك في أصالتهم في اللغة لئلا يبقى ريب في صحة هذا الاستعمال.
وذهب قوم الى المنع منه فلا تطلق كلمة ( الذات ) على الله ، ولا تصح إضافتها إليه.
وقد احتجوا لذلك بأن ( ذات ) مؤنث ( ذو ) بمعنى صاحب ، أحد الأسماء الستة المعروفة عند النحويين. فيقال: هو ذو مال، وهي ذات مال ، وتاؤها هي تاء التأنيث، ولذلك فلا يصح إطلاقها على الله ، لأنه سبحانه لايسمى ولا ينعت بما لحقته علامة التأنيث.
وقد عرفت أن كلمة الذات التي تطلق عليه تعالى إنما هي بمعنى حقيقة الشيء وخاصته، وقد نص عليه اللغويون، وترادفها كلمة النفس والعين، وهي غير ذات بمعنى صاحبة التي لحقتها علامة التأنيث .
واحتـجوا لعدم صحة إضافة الذات اليه بأن ذات الشيء نفسه فلا تصح إضافتها اليه لأن الإضافة تقتضي المغايرة بين المضاف والمضاف إليه.
وهذا الوجـه واضح الفساد لأن العرب يقولون: جاء زيد نفسه، واخذت الشيء بعينه، وفي القرآن الكريم ( كتب ربكم على نفسه الرحمة)(7)، ومعنى هذا أن الإضافة صحيحة، وأن المغايرة في الاضافة يكفي أن تكون من وجه ما، ولو من جهة العبارة .
على أن هذا الوجه لو صح لاقتضى المنع من إضافة الذات الى أي شيء، فلا يقال ذات زيد، ولا ذات الشيء ، ولا يختص المنع بإضافتها إلى الله كما يدّعون.
ومن الغريب أن الراغب الأصفهاني في كتابه المفردات في غريب القرآن أنكر مجيء الذات بمعنى عين الشيء ونفسه في اللغة، فقال في مادة (ذو): وقدا استعار اصحاب المعاني الذات فجعلوها عبارة عن عين الذات جوهراً كان أو عرضاً، واستعملوها مفردة ومضافة الى المضمر وبالالف واللام واجروها مجرى النفس والخاصة، فقالوا : ذاته ونفسه وخاصته ، وليس ذلك من كلام العرب، ثم قال في مادة (نفس) وقوله (تعالى): (تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك)(8) وقوله (ويحذركم الله نفسه)(9): فنفسه ذاته فاضاف الذات الى ضمير الجلالة وجعلها تفسيراً لكلمة( نفسه) في الآيتين الكريمتين .
والباء في قوله (ع): يا من دل على ذاته بذاته، هي الباء التي تدخل على الدليل في مثل هذا التعبير ، كما في قولك: دل فلان بفضله على كرمه وبتجاوزه على حلمه، والجار والمجرور متعلق بدلّ ، فهو -سبحانه- دال، وهو دليل ، وهو مدلول .
ويحتمل أن تكون الباء سببية، نظيرها في قول المتكلمين : هو واجب الوجود بذاته، أي أن وجوده وجب بذاته لابسبب علة اخرى خارجة عنه، وليس معنى ذلك ان ذاته علة لذاته ،فانه محال، بل معناه أن ذاته الوجود ، فيستحيل عليه العدم : لان سلب الشيء عن نفسه محال ومؤدى الفقرة – على هذا الاحتمال – ان دلالته سبحانه على ذاته ذاتية لا تستند الى علة، ولا تفتقر الى جعل ، وهو معنى في منتهى الرفعة والعلو.
ودلالته –سبحانه- على ذاته بذاته هي طريقة الواصلين الكاملين في معارفهم ، الذين ارتاحت نفوسهم، وسمت أرواحهم وصفت قلوبهم، فاشرقت عليهم أنوار القدس ، فابصروها باعين البصائر ، وشهدوها بمشاهدات السرائر، والله –سبحانه- هو مفيض النور عليهم لما استأهلوا، ومتم النعمة عليهم لما استكملوا، نعم وبتلك الانوار ابصروا ما دونها من الآثار .
وهذا هو معنى قولة الرسول (ص) في الحديث الشريف الذي قدمنا ذكره لما سئل : بماذا عرفت ربك؟. فقال (ص): بالله عرفت الاشياء.
تجلّت على قلبه العظيم انوار العظمة فابصر بها حقيقة الحقائق ، واولى الأوائل، ثم ابصر بنورها ما وراءها من عوالم ومعالم، فقال هذه القولة العظيمة: بالله عرفت الاشياء .
وهذا هو معنى قول الامام الحسين (ع ) في الفقرات التي قدمنا نقلها من دعائه يوم عرفه، وقوله (ع) في الدعاء نفسه : الهي أمرت بالرجوع الى الآثار فارجعني اليك بكسوة الانوار وهداية الاستبصار ، حتى ارجع اليك منها كما دخلت اليك منها مصون السر عن النظر اليها، ومرفوع الهمة عن الاعتماد عليها، انك على كل شيء قدير .
والسبيل المؤدي الى هذه الغاية التي يطمح اليها الطامحون، والقمة التي يحاول ان يسمو اليها العارفون ، هو تطهير النفس بطهور الشريعة من جميع الاوضار والاوزار ، وتهذيب اخلاقها وطباعها وسرها وعلانيتها باتباع مناهج الله وتطبيق قوانينه، والارتقاء بها الى حيت الكمال الاعلى والصفات المثلى .
وهنالك حيث يتم للنفس الصفاء والنقاء ، تكمل لها الاهلية وتستحق الفيض ويشرق النور وتتم النعمة .
بلى، حيث تتوفر للنفس المؤهلات والمكملات، ويتم لها الاستعداد.
فان هبات الله لاتكال جزافاً ، ولا تؤتى دون استحقاق ، ونور الله لايتجلى للقلب المظلم والضمير المعتم ، والحقيقة العظمى الطاهرة الزكية لايمكن ان يبدو اشعاعها في غير القلب النقي الزكي .
هذا هو السبيل المؤدي المضمون الاداء الى هذه الغاية الكبرى .
نعم ، هنا اوجه من البراهين يذكرها بعض الاكابر للدلالة على الحق بالحق -جلت عظمته-، ومن هذه البراهين ما أفاده استاذنا الفيلسوف المحقق الشيخ محمد حسين الاصفهاني تغمده الله برحمته ، والبرهان -على اختصاره- قوي متين ، بل وهو في غاية القوة والمتانة لمن كان له قلب.
وهو: اننا اذا تصورنا مفهوم واجب الوجود لذاته ، أي ما يتحتم لذاته أن يكون موجوداً ، ويستحيل أن يكون معدوماً ، فهذا التصور بنفسه يوجب لنا القطع بوجود واجب الوجود ، لأنه لو لم يوجد لكان عدمه اما لانه ممتنع ليكون معدوماً لذاته، وإما لأنه ممكن ليكون معدوماً عند عدم تمام علته ، ولا قسم للمعدوم غير هذين ، وهو خلف لأنا فرضناه واجبا .
وبتقرب آخر اوضح واصرح : اذا كان معنى واجب الوجود هوما يتحتم لذاته ان يكون موجوداً، فكيف يتصور ان لا يوجد؟، بل وكيف يحتاج وجوده الى إثبات والشرح المطابق لذلك المعنى: ان ذاته الوجود ، ومن البديهي ان سلب الشيء عن نفسه محال، وهو واضح –بحمد الله- لمن تأمل ، نيّر لمن تفكر ، يغني الطالب عن أي دليل وأي تعليل .
واحتمل بعض شراح الدعاء الشريف ان يكون المراد -من قوله (ع): يا من دل على ذاته بذاته-: يا من دل على وجود ذاته بآثار ذاته ، وانه من حذف المضاف في الموضعين للعلم به ، فيكون إشارة إلى الاستدلال بالمعلول على وجود العلة الذي تشترك فيه عامة الناس من الخواص والعوام ، بل ويكون إشارة الى دليل الفطرة الموجودة في نفس كل إنسان تهدية الى وجود القوة العظمى المسيطرة التي بيدها التقدير والتدبير ، فإن الله –سبحانه- هو الذي بث الآثار في هذا الملكوت، وركب الفطرة في نفس الإنسان، وانطقها جميعاً بالدلالة عليه ، فهو الذي دل بهذه الآثار على وجوده .
وهذا المعنى الذي احتمله (قده) -مضافاً الى بساطته- يحتاج الى تكلف تقدير المضاف في العبارة في الموضعين ، فالمعنى الاول اجلى واعلى.
ومن فتاواه (رحمه الله) نقرأ:
(مسألة): قد وجد في وقتنا هذا من يطلق على نفسه ويطلق عليه أتباعه عنوان (نائب باب المولى)، مدعيا النيابة عن (الحسين بن روح) –رضوان الله عليه – السفير الثالث في زمن الغيبة الصغرى الواقع واسطة بينه وبين الإمام المنتظر – عجل الله فرجه الشريف – حاضراً ، وهو يدّعي رؤية الإمام القائم – عليه السلام – في المنام ، وأنه قطع بأنه هو، وقد أرسـله إلى الشيعة يأمرهم وينهاهم في المسائل الخاصة والعامة، ويأخذ منهم الخمس، وقوله وأمره ونهيه كل ذلك مقدم عند أتباعه على ما يأتي من الفقهاء مع التعارض، وطريقه في هذه التبليغات والأوامر والنواهي رؤيته المنامية للإمام القائم – عجل الله فرجه – نفسه أو الحسين ابن روح، كما تدعى له الملاقاة لهما في عالم اليقظة.
وقد حدث أن أعلن هو نفسه اشتباهه وتخليه عن دعواه أمام جمع من العلماء، وكتب تقريراً موقعاً بذلك ومذيلاً بتعليق من العلماء الذين حضروا مجلس الاعتراف والتخلي، إلا أن دعوته لا زالت قائمة ويتجمع الأتباع، وأن من تابعه من العلماء من وكلائه لازال يؤمن بصدق دعواه وحقانيتها، وإن ادعى توقف الدعوة إليها، الأمر الذي يشهد الواقع بخلافه.
ويقوم تسليم هؤلاء ومن قاربهم بهذه الدعوى على ما ينقلونه عنه من إخبارات بأمور خفية، وما جاء على يده ينسبه للإمام القائم (عج) من نصوص يلفظها يرون أنها فوق مستوى الناقل، وأنه يمتنع عليه أن يأتي بها من نفسه في ظروف لا يحتملون معه أنه يستمدها من غيره من دون الإمام (عج)، مما جعلهم –كما يقولون– يقطعون بصحة دعواه.
والصفة السائدة في هذه النصوص استعمالها لغريب اللغة الشاذّة جداً.
أولاً : ماهو الرأي المذهبي في إمكان هذه الدعوى ؟
ثانياً : ماهو توجيهكم – حفظكم الله – لهؤلاء الوكلاء والأتباع ومنهم من كان معروفاً بالوثاقة والحرص على الدين ؟
ثالثاً : من يصر من هؤلاء على دعواه بعد بذل الجهد من العلماء معه في بيان بطلان الدعوى، هل يجوز الاقتداء بصلاته وحضور محاضراته وخطاباته وجلساته وتدريسه، أو يمتنع عن ذلك، ولو من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإيقاف سريان البدعة.
ملاحظتان :
1 – تحت يد الرجل منجد لغوي ، والنصوص تحمل العيب المذكور من ناحية الفصاحة وأنها لا ميزة بلا غية لها ، والبيان الأول منها – وهـو خطاب للشيعة بالاستجابة للدعوى، وهو منسوب إلى الإمام ( عج) لا يخلو من أخطاء نحوية .
2- المبتدع في الدين مع انتفاء الشبهة هل يبقى عادلاً أم لا ؟
بسمه تعالى : دين الإسلام –ومذهب أهل البيت (ع) على الخصوص- أعظم شأناً وأكبر خطراً، وأقوى حجة، من أن يعتمد في دعوته على مثل هذه الأساليب الملتوية، أو يلجأ إلى حجج غير منطقية، أو غير شرعية، أو على وجوه متناقضة وغير صحيحة، أو على أطياف وما يشبه ذلك مما ذكرتموه في السؤال، والإمام الحق – عليه وعلى أبائه الطاهرين أفضل الصلاة والسلام – أسطع نوراً وأجلّ مقاماً وأجلى حجة من أن يفعل مثل ذلك أو يوقع شيعته في مثل هذه الأخطاء والأخطار، ولاسيما في مثل هذه الظروف ، ولذلك فيجب الابتعاد –جهد المستطاع- عن هؤلاء ومقاطعتهم وعدم الحضور في مجالسهم، وعدم الاستماع إلى دعوتهم، فضلا عن الصلاة معهم ، ولا ريب في أنتفاء العدالة ممن يرتكب ذلك مع انتفاء الشبة . ولا حول ولا قوة إلا بالله .
* * *
(مسألة): ما رأي سماحتكم -أدام الله ظلكم- في الفرق بين طائفتي المحدثين والأصوليين ؟
وهل صحيح أنّ هناك فروقاً جوهرية بينهما ؟، وما وصيتكم لنا في المسـألة؟
أفتونا مأجورين أعزكم الله وأعز بكم الإسلام والمسلمين والسلام عليكم ورحمة الله وبركاتـه.
بعض أبنائكم المؤمنين
بأسمه تعالــــى
لم أجد فرقاً رئيساً بين مسلكي المحدثين والأصوليين، فما في السؤال من التعبير بالطائفتيـن خطأ. وإنما هي طائفة واحدة تنـتهل من معين أهل البيت ( ع) وتستمسك بعروتهم الوثقى .
والفروق التي تذكر لا تتجاوز ما يحدث بين أي فقيهين ولو من مسلك واحد، وخصوصاً في هذه العصور حيث كان للشيخ صاحب الحدائق والشيخ الأنصـاري (قدس الله سرهما) الفضل في جلاء الكثير من الحقائق التي كانت غامضة قبلهما، فجزاهمـا الله عن الإسلام وأهله خير جزاء المحسنين .
على أنّ معظم تلك الفروق – حتى فيما قبلهما من الزمن – لم يختصّ بأحد المسلكين دون الآخر ، فهناك فقهاء من ذوي المنهج الأصولي قد وافقوا الإخباريين في اختيار ما قيل باختصاصهم به من المسائل وبالعكس .
وفي كتابي الحدائق والدرر النجفية مباحث قيّمة في هذا الشأن .
أما وصيّتي للأحبة من أبنائي المؤمنين فهي : ضرورة المحافظة على وحدة كلمتهم وترك الخوض في هذه الأمور التي هي من شؤون فقهاء أهل البيت (ع) الورعين الأتقياء ، فهم المؤتمنون على أحكام شريعة الله (تعالى)، وهم الذين أمر المعصومون (عليهم السلام) شيعتهم بالاقتداء بهم في العمل بتلك الأحكام ، وهم حجة الإمام صاحب العصر (عج)، وهو حجة الله – كما في المكاتبة عنه ( ع ) –
عصمنا الله وإياكم عن مجانبة هداه ، ووفقنا جميعا لنيل رضاه . إنه سميع مجيب ..
وفاتــه وأصداؤهــــــا
لبى نداء ربه عصر يوم الأربعاء التاسع والعشرين من شهر صفر 1419 الموافق لليوم الرابـع والعشرين من حزيران سنة 1998 فتلقت الحوزة الدينية والمؤمنين في أنحاء العالم نبأ وفاتـه بأسف وحزن صادقين، وهرع الناس – علىاختلاف طبقاتهم لتشييع الجثمان الطاهر صبـاح يوم الخميس الثلاثين من شهر صفر بعفوية وكثافة حتى ووري الثرى في دار الواقعة في محلة العمارة في شارع السور مقابل مقبرة وادي السلام، وأقيمت الفواتح في داخل العراق وخارجه على روحه الطاهرة .
وابّنه بتأثر وحزن عميقين عدد من أهل العلم والأدب من خلال الكلمات التي القيت، أو البرقيات والرسائل المرسلة الى نجله العلامة الشيخ ضياء الدين زين الدين( حفظه الله ) .
وتقدم عدد من هؤلاء بعفوية وبدافع المشاركة الوجدانية بقصائد شعريه عبّروا بها عن مشاعرهم، القي بعضها في مجالس الفاتحه وبعضها الآخر في المجالس التأبينية التي اقيمت على روحه الطاهرة في ذكراه في الأربعينية .
ومـثل ذلك مـا أقيم له من الحفلات التأبينية في محافظات العراق الأخرى وفي اقـطار أخرى من العالم الاسلامي كالشام ولبنان والبحرين والسعودية وايران او الجاليات الاسـلامية في بعض البلدان الاوربية وغيرها.
ونتعجل فنشير إلى أن أعظـم ما يبدو من دلالة في تلك المراثي – شعرية ونثرية – اتفاقها في إعطاء نفس الصورة لشـيخنا المعظم (قدس الله نفسه ) درساً وعلماً ونتاجاً فكرياً وتقى وسلوكاً وفقاهة ، فهو فيها جميعاً صورة (نموذج) لرجل العلم والمفكر والمرجع.
ولعلها ستنشر -بعون الله- حينما يستكمل جمعها من اماكنها المتفرقه ومنه المدد والتوفيق .
ومما قيل في تاريخ وفاته من الشعر:
|
اودى الـردى بفقيـه أمة احمد |
ومـنار حجـتها وليث عرينها |
|
وعدا على من تستنير برأيه الـ |
ـوضّاء فكراً في شـرائع دينها |
|
علم الهـدى الورع الامين محمد |
صمـصام ارباب التقى ويمنيها |
|
فأبو ( ضياء الدين) (اظلم) بعده |
ربع المكارم واكتسث بدجونها |
|
ويكتبه دنيا المكرمات وكيف لا |
تبكي ابن بجدتها بفيض شؤونها |
|
وبفقده طويـت صحائف سيرة |
عبقت محا فلـنا (بنشر) متونها |
|
والدين قوض صرحه ارخ (كـما |
فجعت شرائع ديننا بأمينـها) |
1419
فسلام على شيخنا المعظم يوم ولــد، ويوم توفي، ويــوم يبعث حيـــــاً
20 جمادي الثانية 1419